آيات
البنية الكونية متناظرة، وبالاعتماد على التناظر يرجع بالآيات المشتبهة إلى الآيات
النظيرة المفسرة لها، ولان النظائر كثيرة غير قابلة للحصر، فان البحث بينها عن
النظير المحكم بحاجة إلى استقراء للنظائر، ويشير الإمام علي (ع) إلى الاستقراء
كجزء هام من منهج الاعتبار، حين يقول: «وسر في ديارهم فانظر ماذا فعلوا؟ وعما انتقلوا؟ وأين حلوّا؟»، «وسرت
في آثارهم حتى عدت كأحدهم» فكلمة «السير» ترادف كلمة «الاستقراء»، فالنظر في
التجربة الإنسانية الماضية، يستدعي استقراء واقعهم، بالسير في الآثار التي خلفوها،
للاعتبار بها في التجربة الإنسانية القائمة. إلا ان الاستقراء في الوقت نفسه
يتداخل مع عملية الاستنباط ليشكل معها ثنائيا، لا يستقيم أحدهما دون الأخر، فكل
منهما يقوم بجزء المهمة، لذلك يلازم الإمام علي بين السير الاستقرائي وعملية إلقاء
الاستفهامات، التي توحي بها تلك الآيات المستقرأة، وهي الاستفهامات التي تتطلب
المزيد من الاستقراء الهادف إلى الإجابة عنها. بلحاظ ان الانطلاق من الآية قيد
البحث المتساءل عنها إلى الآية النظيرة، يهدف إلى تأويلها بها، ولا نظر إليها من
خلالها، بحيث تؤدي إلى الاستنباط والاستنتاج الإجابة عن الاستفهامات المطروحة.
فأصبح كل نظير يوصلنا إليه الاستقراء، نحقق من خلاله خطوة الاستنباط، مما يجعل
المنهج العبوري قائما على سلسلة، قوامها تعاقب الاستقراء والاستنباط، فإذا كانت
الخطوة الأولى استقرائية توصلنا إلى نظير من النظائر، فان الخطوة الثانية هي
استنباطية (استنتاجية) تقوم على مقارنة الآية قيد الدرس
بالآية النظيرة، وتأويل كل منهما بالأخرى، لنكشف شيئا فشيئا عن الرؤية المبحوثة،
من خلال التنقيب في البنية الكونية عن النظائر والتركيب
بينها، بتعاقب خطوتي الاستقراء الاستنباط.
فمنهج
الاعتبار منهج معرفي شامل يتبنى ثنائي (الاستقراء- الاستنباط) كضرورة في رد المثال
قيد البحث إلى نظائره الكثيرة، في الوقت نفسه الذي يقف مع كل نظير لتفسير الآية
بالأخرى المناظرة والاستنباط منها، وهو ما يستدعي الانطلاق من الآية قيد البحث
التي تمثل الظاهر، إلى الآية المناظرة التي تمثل الباطن، حيث الآيات:((يخبركم
ظاهرهم عن باطنهم))،
فالاستقراء يعتمد على تتبع التناظر بين الآيات والأشياء، وهي عملية تفتيش عن
النظائر الأخر المفسّرة، فليست هي عملية رد غير واعية، وإنما عملية تحديد النظير
الأقرب فالأقرب. فالنظير المفسر والذي يعرف بالمحكم،
يحتاج كشفه إلى استقراء الواقع المليء بالأشباه والنظائر. وآيات البنية مادامت
متناظرة، ووجوهاً متعددة، ظاهرة وباطنة، فان الظاهر والباطن هما مسألة نسبية،
كنسبية المحكم والمتشابه، فكل آية هي ظاهر أو باطن، على حسب موقعها في العملية
الاعتبارية. فإذا كانت الآية مشتبهة بحاجة إلى تفسير فهي
وجه ظاهر، وإذا كانت الآية في موقع المحكم المفسر للوجه المشتبه فهي باطن، فالوجه
المشتبه عند تبين حقيقته يصبح وجهاً باطنياً محكماً، يحكم وجوهاً أخرى تفتقر إليه.
فأصبحت الظواهر بهذا التناظر تفسر بعضها بعضاً، وتدخل في عملية تقليب للوجوه شديدة
التعقيد. وصارت عملية التفكير العبوري تشترك فيها الكثير من الظواهر، لتشكل سلاسل
تأخذ فيها الظواهر بعضها برقاب بعضها الأخر كأسباب ونتائج، ما جعل عملية الاستقراء
عملية في غاية الدقة، تحتاج إلى أخذ الاحتياطات
اللازمة، لإلحاق النظير المشتبه بالنظير الناسخ.