يمكن تناول التأويل كبنية منطقية
في التراث، من خلال تسمية أخرى تأتي في سياق مبدأ تعددية وجوه الكلمة في اللغة،
هذه التسمية هي «الاعتبار»، التي شاع استخدامها في التراث المروي. فنجد الترادف بين
التأويل والاعتبار من خلال عنونة عملية تفسير الأحلام بالتأويل تارة، وبالتعبير
تارة أخرى، فيقال تأويل الأحلام، كما يقال تعبير الرؤيا، وقد جمعت هاتان التسميتان الآية القرآنية: (إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا
أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)43-44/12. إذن،
الأحلام تخضع في تفسيرها لمنهج في المعرفة عنوانه التأويل /أو الاعتبار.
لقد تبنى الإسلام الاعتبار، ودعا إليه كمنهج لعملية التفكير، حين قال سبحانه: (واعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، وهي الآية التي تعرّف البصير بالمعتبر، وتبين أن الاعتبار ممارسة لأولي الفكر والبصر، ولما كان الإسلام دينا مؤسسا على بنية العقل، فان الاعتبار ينبغي أن يكون منهج المعرفة الذي يتسلح به المسلم، ويلتزمه في نظرته للكون كبنية إشارية. هذه الفكرة يقررها الإمام علي (ع) في قوله: «إنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار»[1] ، فالإنسان وهب جهاز الإدراك، ليصل عبره إلى فهم الحقائق اعتبارا، ويورد الإمام ما يدل على ذلك في حديثه عن الإنسان بقوله: «ثم منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً. ليفهم معتبراً»[2]، ويضيف شارحا: «إنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر وانتفع بالعبر»[3]، فسميت النتائج الفكرية والمعطيات النظرية بالعبر، نسبة إلى المنهج العبوري الذي استنبطت به.ويمكن استيضاح علاقة الاعتبار بالمنطق، بتعريف المنطق باسمه القديم: «علم الميزان»، وهذا التعريف للمنطق بالميزان يسجل حضوره في «الاعتبار»، إذ تقول العرب: «عبر المتاع والدرهم يعبرها أيّ نظر كم وزنها»[4]، ويُعرّف الاعتبار أيضاً بأنه «حمل الشيء وتقديره على مثال شيء آخر وتسويته به وإجراء حكمه عليه»[5]، وهذه العملية وظيفة مناطة بالميزان، كوسيلة وزن وقياس، بها تقدّر المواد المختلفة بأثقال الميزان المعيارية، فيحكم على تلك المواد بتقديرها ومساواتها بتلك المعايير. ولما كان الاعتبار يجري في نطاق الفكر، فالسؤال: ما هي أثقاله المعيارية التي بها يزن ويقدّر المعطيات قيد الدرس؟ والجواب ببساطة هي (الأمثال). فالمثل في اللغة كلمة تسوية، حيث تماثل كفتي الميزان تعبر عن تحقيق العدالة، فيقال: «هذا يعدل رطلا» أي يساويه، لنستنتج من ذلك ان العملية الميزانية قائمة على مماثلة الكفتين، وان هذه المماثلة تعنى التسوية. الأمر نفسه يقوم به الفكر بواسطة الأمثال، فعندما يقيس الشيء بمثله، يعني انه يقوم بمساواته به، ويحكم عليه بحكم عدْله، ليكون المثل عدل شِبـْهـِه، لذلك يلخص الإمام علي هذا البحث في عبارة موجزة بالقول: «اعقل ذلك فان المثل دليل على شـِبْهـِه»[6]، فذلك يعني ان الاعتبار هو علم الميزان في إطار الفكر، ومنطق عملية التفكير، القائم على تمثيل المثل بشبهه، وتقديره به، والحكم عليه بحكمه. وهذا المنطق هو ما نسعى إلى دراسته بالتفصيل في هذا الفصل.
[1]
الإمام علي، نهج البلاغة، قصار الحكم 367 .
[2]
نهج البلاغة،
خطبة 83 .
[3]
نهج البلاغة،
خطبة 153 .
[4]
ابن منظور، لسان العرب،
مادة
عبر .
[5]
ن، م.
[6]
الإمام علي، نهج البلاغة،
خطبة 153 .