نقد( علم المعاني)

 

رغم اتساع عنوان هذا الفرع في إيحاءاته وشموله، إلا ان النظر إلى مباحثه يصيب المطالع بخيبة أمل، نتيجة ما يرى من محدودية وسطحية المعالجة في ان معاً. حيث ما كتب تحت هذا العنوان الكبير من عناوين فرعية، لا ينتج الا تقسيمات أولية غير كافية لان يوصف هذا الفرع بالعلم، ولم تكن مباحث هذا الفرع من علوم اللغة إلا كسائر المباحث، اقتباسا ومحاكاة لما جاءت به المباحث اللغوية المترجمة. ويتأثر هذا الفرع من  علوم البلاغة بالفرع السابق في تقسيمه المعاني إلى حقيقة / مجاز، فهو تقسيم يجري على عناوين المباحث المكونة له، فهي عناوين لها معنى حقيقي وأخرى مجازية  يظهرها السياق، فمثلاً، في تقسيم علم المعاني للكلام إلى خبر/إنشاء، يعقب ذلك بتناول أغراض الخبر، وبعد تحديد غرضين من إلقاء الخبر، يضيف ان الخبر قد يلقى لأغراض أخرى، تفهم من السياق، منها: الاسترحام، إظهار التحسر، إظهار الضعف، الفخر، الحث إلى غير ذلك. وفي الإنشاء الطلبي تخرج كل عناوين الإنشاء الطلبي عن المعنى الحقيقي لها إلى معان مجازية تفهم من السياق. ونموذجا للإنشاء الطلبي (الأمر)، حيث تخرج صيغ الأمر من معناها الحقيقي إلى معان أخرى تستفاد من سياق الكلام: كالإرشاد، والدعاء، والالتماس، والتمني، والتسوية، والتعجيز، والتهديد، والإباحة..، وهكذا نلاحظ الإشارة الدائمة إلى السياق والإحالة المتكررة اليه.

وهو ما يلفت الانتباه إلى دور السياق الرئيس في فهم المعاني، وعدم فهم اغفال علم المعاني لدراسته لهذا الدور الخطير، وهو الاغفال الذي يتمثل في الاكتفاء بالإشارة إلى قرائن السياق الحالية واللفظية فحسب، كمحدد للمعاني والوجوه، ليصبح هذا الموقف الغافل عن دور السياق بمثابة اللغز والأحجية، ويتموضع خارج اطار الفهم. إلاّ إذا عرفنا بان هذا الاغفال الذي يبرزه علم المعاني في حقيقته تغافل مقصود لدور السياق في تحديد معاني مفردات النصوص، لما لمعالجة سلطة السياق الناسخة، من وقوع في دراسة علم التأويل وإبراز قواعده، التي تتأسس على سلطة السياق التي تصرف الإشارة إلى وجوه، وتؤدي ظاهرة الوجوه إلى بروز إشكالية التشابه، التي نحتاج إلى التخلص منها برد المتشابه إلى ما يحكمه، أي نحتاج إلى صنع سياق ناسخ، مما يعني ان عملية النسخ هنا هي عملية استنباط للمعانى. فهذا البحث الذي طرحه القرآن من خلال التأويل هو الذي يجعل علم المعاني، يتوقف عن الاسترسال في بحثه للسياق حتى لا يقول: بالوجوه، وبالتشابه، ومن ثم بنسخ التشابه، واستنباط المعنى، لان هذه العناوين هي المكونات الأساسية لعنوان التأويل، والأركان التي يقوم على قاعدتها القرآن المؤول، بينما الهدف هو التجهيل بها.

من جهة أخرى تطرق علم المعاني في بحوثه إلى (الإيجاز)، فعرّف إيجاز الحذف بحذف كلمة أو جملة أو أكثر مع قرينة تدل على المحذوف، ويكف البحث عن الاسترسال مع مقتضيات القول بالحذف، إذ لازم الحذف هو الإكمال فعبارة: ( اسألوا القرية ) هي مثال للإيجاز الذي فيه تحذف كلمة ( أهل ) أو (أصحاب )، فمقتضى الكشف عن الجزء المحذوف هو إمكانية إلحاقه بالعبارة لتقرأ: ( اسألوا أهل القرية ) ( أو أصحاب القرية )، فهنا قمنا بعملية إكمال. وقد ينظر إلى علاقة الحذف بأنها علاقة إبدالية: ( فاسألوا القرية ) أبدلت فيها كلمة (الناس) بكلمة (القرية)، أي غيرنا محتوى الكلمة، بحيث أمكن المساواة بين: (اسألوا الناس )، وبين (اسألوا القرية )، فالمراد من (الناس) أناس القرية، ويمكن الاعتماد في تخصيصها على السلطة السياقية المهيمنة على العبارة.

وهكذا نخلص إلى ان علم المعاني يتجنب بحث حركية النص من خلال بحث علاقات الإكمال، الإبدال، التقديم والتأخير إلى جانب الحذف ( الإيجاز )، وليس هذا التغافل إلا محاولة لطمس معالم التأويل القائم على حركية النص، كما عبر عنها ابن مسعود في قوله عن الرسول: «ليس من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض»، حيث كان القرآن نصاً لغوياً وقراءة بعضه في بعض تؤدي إلى تحريكه بأنماط الحركة المشار إليها، وعنها تتولد قراءات النص القرآني، وتتعدد وجوهه، ليصبح النص قابلا للتمدد دون تناهي.

ان الحديث عن علم المعاني يفرض بحث ودراسة العلاقة بين الإشارة اللغوية كدال، وبين المضمون كمدلول، ولا يمكن الحديث عن معان تستوحى من إشارات، بعيداً عن الحديث عن عملية الإدراك في إطارها المنطقي، كما عرفنا وسنعرف لاحقا بصورة أعمق. والحديث عن  علم المعاني هو امتداد للحديث عن علم البيان، فهذا الأخير يتعرض لفكرة الوجوه، وعلم المعاني يوضح كيف تتصرف الكلمة على وجوه، من خلال إرجاع بعضها إلى بعض في عملية نسخية. كما ان ظاهرة الوجوه التي يدرسها علم البيان تؤدي إلى تولد ظاهرة التشابه، وتدعو لاجراء عملية النسخ التي هي عملية استنباط للمعاني. وفي عملية النسخ يتم إرجاع المتشابهات للمحكمات ( القرائن والعلامات )، وتنوع هذا الأخير يدعو إلى نقل الإشارة من وجه لآخر، فتتعدّد اتجاهات إحكامها ودلالاتها، وهو ما يفرض تحريك النص تبعاً لتحريك المعاني، وتتم الحركة بالحذف والإكمال والإبدال والتقديم والتأخير، كما قد تشمل الشكل والاعجام. وكل هذه العطاءات للبحث تؤسس فقه النص اللغوي، بما يشمل النص المقدس.  مما يعني ان الإسلام حين طرح التأويل كفقه للقرآن، طرحه باعتبار ان القرآن نصاً لغوياً لا باعتباره نصا مقدساً، تخرج به قداسته عن إطار اللغة وخصائصها. ولهذا كان مشروع تقعيد اللغة بعد الرسول مشروعا يهدف إلى تحريف القرآن وتزييف الإسلام من خلال تحريف وتزييف اللغة، فليس هناك فقه للغة والنص الديني، خارج إطار منهج التأويل، وليس الفقه اللغوي الموروث، إلاّ فقه التحريف والمحرفين، وهم أصحاب العربية الذين وصمهم رجالات الوحي جهاراً بتهمة التحريف  للكتاب.

وعلى ضوء ذلك، يمكن تحديد الأثر التحريفي في اللغة العربية بالنقاط التالية:

في البلاغة: أفرغت علوم البلاغة من حقيقتها القائمة على التأويل وحرفت لكي تخدم التصور اللغوي الذي يقوم على ظاهرية النص بالتفصيل التالي:

أولا : كان الهدف من تقسيم الحقيقة/ المجاز، فرض وجه واحد للإشارة اللغوية، بينما تقسيم الظاهر/ الباطن، يفرض تشجّر الإشارة اللغوية لتستوعب شجرتها كل اللغة. فبنظرية (الوضع) تم التجهيل بفكرة تعدد وجوه الإشارة اللغوية، سواء أكانت مفردة أم مركبة. فكان هذا الطرح بديلا للطرح التأويلي، الذي يرى ان للكلمة ما لا يحصى من المعاني المتكافئة، وان معانيها منقسمة إلى تقسيم نسبي هو الظاهر/الباطن.

ثانيا: أسقط فرض وجه واحد للإشارة اللغوية الحاجة إلى علم للاستنباط من النص، بعد انحصار النص في الوجه الوحيد والمباشر له. لذلك ليس هناك منهجية للتنقيب والحفر في النص، في محاولة لاستنباط الوجوه من بواطنه، إذ لا باطن للنص. بهذا تحوّل ما سمي بـعلم المعاني إلى مجرد تقسيمات وعناوين فارغة، لا علم وظيفته الكشف عن قواعد الاستنباط. فأغفلت الدراسة البلاغية في إطار المعاني تناول سلطة السياق كعامل أساسي في تصريف الكلمة، وفي ذلك تجهيل بالنص وسلطته الناسخة التي تمارس على مكوناته الإشارية دور الإظهار والإخفاء للوجوه، وهي السلطة المرتبطة وجودا وعدما بتقسيم الظاهر/الباطن، المبدل بتقسيم الحقيقة / المجاز.

ثالثا: تم التجهيل بأنماط حركة النص المتمثلة في: الحذف، الإكمال، الإبدال، التقديم والتأخير، من خلال التغاضي عن دراسة هذه الأنماط، التي تجسد حركية النص في اللغة، بما يشمل النص القرآني. وقد انعكس هذا الطرح على بقية فروع ما سمي بـعلوم اللغة ومن جملة تلك الانعكاسات:

في النحو: غدت تعددية وجوه الإعراب، محط نزاع وشجار بين اللغويين، انطلاقاً من ان الجملة لها إعراب واحد، وهي القناعة المبنية على تحديد النص في وجه واحد. بينما عند القول بان للنص عدة وجوه، يصبح تعدد إعرابه أمرا لا يدعو إلى الاختلاف والاختصام. ولهذا في التراث القرآني المروي عن العصر الأول، قُرئت كثير من الآيات على عدة قراءات، نتيجة تعدد وجوه إعرابها، فتكاملت تلك الوجوه، وأثرت النص.

في الصرف: أصبح الاشتقاق مبنيا على أوزان الفعل، في وقت يظهر التأويل أن التشابه اللفظي والمعنوي هو الذي ينبغي ان يكون معياراً للاشتقاق، وتصريف الكلمة على وجوه في ظل المقايسة التأويلية في حدود المعاني، تحكم تصريف حروف هجاء الكلمة في اللغة، وتشكل الأساس الذي تستند إليه عملية توليد كلمات جديدة للمستحدثات، مما يجعل اللغة حية قابلة لتجدد ومواكبة تطور الحياة.

وبناء على هذه النقاط، يمكن الاستنتاج بان فقه اللغة العربية قد استهدفه انقلاب أطاح به. وكان الهدف إرساء النص اللغوي على قاعدة تثبته على وجهه الظاهر، لتدعيم حصر النص في قراءة يتيمة، وبذلك أعطي الجمود بعدا نظريا يبقيه ابد الدهر، فمثل هذا المشروع الانقلابي عملية تحريف وتزوير كبرى، من خلاله تم ضرب البنية التحتية للنص، مما أدى إلى مصادرة الحقل الفقهي بأسره، وإفراغ القرآن من محتواه بتحويله إلى وجود شبحي، خالي من المضمون، وهو ما عبرت عنه الأحاديث باستحالة القرآن إلى خط فحسب، وانعكس ذلك على الإسلام بإفراغه من محتواه، وعجزه عن مجاراة تطورات الحياة، فتحيز في مرحلة تاريخية، وصم على اثر ذلك بافتقاده صلاحية قيادة الحياة. ولكن في التراث الذي ورثه أوصياء الرسول للأمة، بقي التأويل بصيغته النظرية والتطبيقية محفوظا، وأوراق هذه الدراسة تناولت ذلك التراث فحددت أزمة القرآن بشمول مقتضب، لتمهد السبيل للدراسات القادمة، التي تبحث التراث اللغوي تفصيليا، على ضوء عطاءات القرآن، وتعمل على تحرير اللغة من القيود والأصر التي كبلت بها، ومن عملية التزييف والتحريف التي ارتهنت لها.