تشخيص التحريف :نقد (علوم البلاغة)
وقع تحريف اللغة عندما أسقط مبحث الوجوه، الذي يؤسس لعملية الفقه والاستنباط أساسها، كما في تعريف الرسول للفقيه بأنه من يرى للقرآن وجوهاً كثيرة. وتبقى هذه المقولة بحاجة إلى كرّة أخرى، نراجع فيها عن كثب، إبعاد هذا الإسقاط، وتشخيص ما أدى إليه من تحريف، من خلال تشخيص مواقعه في (علوم اللغة ) الموروثة، والتي أريد لها ان تمثل البديل عن علم اللغة المُعنون بالتأويل. ولهذا عقدنا هذا الفصل من أجل الحفر في التراث اللغوي المتراكم، في سبيل الوصول إلى نظرة أكثر دقّة في تجسيمها للتحريف، نقطع فيها الشك باليقين.
إن دراسة الأثر التحريفي، فيما اصطلح عليه بعلوم البلاغة، وانعكاس ذلك الأثر على فهم اللغة ونصوصها، ومن جملتها النصوص الدينية، لا يمكن ان يُشبع عبر هذا الفصل القصير، رغم تكثيفه. إلا انه يفي بتحقيق الغاية المتلخصة في تشخيص الأفكار التحريفية، المزروعة في البنية اللغوية، كبديل عن المبادئ التأويلية المنتقضة أو المغفلة. او بعبارة أخرى، المبادئ التي مستها يد التشويه والتخريب. ونترك بيان مضاعفات ذلك على بقية أجزاء اللغة، والوعي والتفكير، إلى بحوث قادمة تستهدف دراسة الموضوع بشكل أكثر تفصيلا وتدقيقا.
إن موقع علوم البلاغة بالنسبة للغة مهم للغاية، باعتبارها تهتم باللغة في إطار وظيفتها البيانية، وباعتبار أن التأويل عملية استنباط قائمة في إطار علوم البلاغة، وبالتحديد في إطار علمي البيان والمعاني، حيث يختص (علم البيان ) بدراسة ظاهرة الوجوه، ووظيفة المرسل (المتكلم ) في ممارسته لعملية الإرسال والتبيين، بينما (علم المعاني ) يعتني بدراسة آلية استنباط المعاني والدلالات من الإشارات، وعملية قراءة النصوص وتصريف وجوهها، ويعالج بذلك وظيفة المستقبل (المخاطب ). ففي هذا التحديد لموضوع كل من هذين العلمين، يتضح ان عملية التجهيل بفقه النص، المتعين بالتأويل، او عملية التحريف للغة، المؤسسة لعملية التحريف للكتاب، لابد ان تنطلق من مباحث هذين العِلمين، اللذين نجد من الصعوبة التفكيك بينهما. لان التحريف عندما يبدأ بالأول فانه تلقائياً يفرض نفسه على الثاني كامتداد له، فعندما يحدث التجهيل بظاهرة الوجوه في الفرع الأول (:البيان )، فإن التجهيل في الفرع الثاني (:المعاني) يكون قد حدث بإفراغ مباحثه من مضمونها. لهذا صار (علم المعاني) مجرد عناوين فارغة من المحتوى، لا تستحق ان تسمى علماً. لذلك عجز هذا (العلم) عن أداء وظيفته، التي يشير اليها عنوانه، وغيّب الوعي بالتأويل، منهج تصريف الوجوه، واستنباط المعاني.
نقد ( علم البيان)
تمثل مباحث هذا العلم اقتباساً لما جاءت به الكتب اللغوية المترجمة، ويمكن ملاحظة الاقتباس من خلال العناوين التي جاءت بها تلك الكتب، إذ تعود نظرية اللغة بهذه المباحث إلى عهد أرسطو، وقد تلقت تطوراً هائلً في عصر اليكساندرين ولاتين، حيث أحصى القواعديون اللاتينيون أربعة عشر نوعاً: «التشبيه، المجاز المرسل، الكناية، الاستعارة المجردّة، المجاز، الكلمة الحاكية، النعت، الاستعارة الرمزية، الصور البلاغية، الأحجية والسخرية، (وهاتان موزعتان في): التورية: تقديم الكلام وتأخيره، المبالغة»([16]). ان هذه المباحث تقوم على تقسيم اللفظ في معناه إلى حقيقة ومجاز، كما فعل أرسطو في منطقه، فالـ(حقيقة) هي استخدام اللفظ في المعنى الذي وضع له، و(المجاز) استخدام اللفظ في غير معناه الحقيقي، لوجود مناسبة تدل عليها قرينة لفظية أو ظرفية.
والحديث في (علم البيان) يتناول دراسة اللفظ كمجاز، وكيفية توظيف المعاني الحقيقية، لتقوم بأداء المعاني المجازية التي تتعدى دلالة الكلمة الحقيقية، التي من المفترض ان تختص ببيانها المعاجم اللغوية. وهذا التقسيم الذي يعتبر الأساس المؤسس لعلم البيان، لابد من التوقف عنده لتقييمه، والبحث في الخلفية التي قادت إلى وضعه، لنتعرف على الجذور التي ينهض على أساسها، والتي إذا ما سلمت سلم التقسيم، وإذا ما بطلت بطل التقسيم، باعتبار الفرع لاحق بحكم أصله.
ان تقسيم الحقيقة / المجاز، يستند إلى نظرية الوضع التي أنتجت لتفسير نشأة اللغة، وتتمحور فكرة النظرية حول مقولة؛ ان لكل كلمة معنى وضعت له، وهذه الفكرة تنتمي إلى العصر الأرسطي، فالنظرية تتصور ان الإنسان عندما بدأ يضع لغته، أخذ يضع الأسماء إزاء المسميات الموجودة في البيئة من حوله، وبتكرار إطلاق الاسم على المسمى، وجدت علاقة الترابط بينهما، بحيث اذا ذكر الاسم استحضر السامع في ذهنه صورة المسمى، فصار لكل اسم مسمى محدودا ومشخصا، فالمعنى الذي وضعت له الكلمة هو الذي يمثل المعنى الحقيقي للكلمة. ولما وجد ان الكلمة تخرج في إطارها التطبيقي إلى معان غير المعاني التي وضعت لها، سميت تلك الظاهرة بالمجاز، أي تجويز أهل اللغة في توظيفهم لها، تجاوز الكلمة لمعناها الحقيقي إلى معان أخرى. وترتب على هذه النظرية عدة نتائج، أهمها تقسيم الحقيقة / المجاز.
إلا إن هذه النظرية وما يستند إليها من تقسيم، تعتبر تصورا مبتسرا، لانها تنظر إلى الكلمة في حقبة بدائية من تاريخ اللغة، عندما بدأ الإنسان يضع فيها الأسماء للمسميات من حوله، فكان لكل اسم معنى وضع له. ففي هذه المرحلة نشأ المعنى الحقيقي للكلمة، حيث لكل كلمة معنى لا تعدوه. وفي هذه المرحلة المتصفة بالبدائية من تاريخ نشأتها، كانت اللغة أوليّة فهي تقتصر على الأسماء. ولكن في مراحل لاحقة من تاريخها تطورت بظهور الاشتقاق فاشتقت الأفعال من الأسماء، وظهرت الهيئات، كما ظهرت الحروف كروابط، تضاف لما للهيئات من وظيفة رابطة بين مفردات اللغة، التي كانت متناثرة على شفة الإنسان الأول. هذه المرحلة من تاريخ اللغة مثلت منعطفاً تاريخياً دلً على نضوج اللغة، الذي يعكس بدوره نضجاً بلغته عقلية الإنسان. فأصبحت اللغة فيها دينامية. فلم يعد فيها اللفظ موضوعا لمعنى واحدا أو خاصا، إذ سرعان ما يخرج واقع اللغة التطبيقي، الاسم الموضوع إلى معان عدّة، مما يجعل الكلمة متعددة الدلالة، كما تظهر من خلال سياقات الحوارات اليومية، فأصبحت الكلمة ذات وجوه ومعان متكافئة، لا فرق فيها بين المعنى الوضعي والمعاني الأخرى، لان السياق هو الذي يحدد معنى الكلمة ويشير إلى محتواها، وأصبحت الكلمة لا يميز المراد منها إلا باكتمال الكلام، الذي يثبت وجه الكلمة المتوجه إليه القصد، وينقي الوجوه الأخرى. وهذه الحقيقة يترتب عليها إن تقسيم الحقيقة/المجاز، تقسيم ينتمي إلى مرحلة بدائية من تاريخ اللغة، حيث لم يكن الإنسان الأول يعرف للفظ معنى أكثر من المعنى الذي وضع له. بينما في المرحلة الثانية، التي مثلت مرحلة رقي اللغة ونضجها، لم يعد لهذا التقسيم واقع، فالكلمة لها وجوه غير نافدة، وسلطة السياق هي التي تحكم المعاني ظهورا وإخفاء، نفيا وإثباتا، نسخا وإحكاما.
ويمكن أن نستدل على واقع اللغة التاريخي هذا، من خلال مراحل نمو الإنسان وعلاقة هذه المراحل باللغة، حيث مرحلة طفولة الإنسان تمثل المرحلة البدائية من تاريخ اللغة، فالإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا، كذلك كان الإنسان الأول خلق في رحم الأرض، وخرج لا يعلم من الدنيا شيئاً. ثم تبدأ قوى الطفل العقلية بالنمو، ومداركه بالتفتح، فيتعلم أسماء الأشياء، وقد يطلق على بعض الأشياء من حوله أسماء خاصة، تمثلها أصوات يخترعها اختراعاً، ويشير بإصبعه تجاهها. وتظهر لغة الإنسان في مرحلة طفولته الأولى، لغة تعتمد على الأسماء وهي لغة حسية بعيدة عن المجردات، وعديمة الروابط، فهي أسماء متناثرة، لا يعدو فيها الاسم المسمّى. ثم يعقب ذلك مرحلة نضجه، فيأخذ بالتخلص من إشكاليات مرحلة طفولته، وتزداد ثروته اللفظية باطراد، ومع معرفته بالروابط يبدأ ظهور المنطق في كلامه، ثم يعي المجردات شيئاً فشيئاً، ويستوعب خروج الاسم عن المعنى، الذي وضع له، ليتصرف في السياقات على وجوه. وحينئذ تكون لغته قد تجاوزت مرحلتها البدائية، التي كان لا يستوعب فيها تجاوز الاسم للمسمى، الذي وضع له. وهكذا نجد أن تاريخ اللغة عند الفرد، يعكس تاريخ اللغة عند الإنسان، على امتداد مراحل تطور البشرية.
هذا من جهة، من جهة أخرى، يمكن أن نستدل بأقوال المتمسكين بتقسيم الحقيقة/المجاز، الذين لما نظروا إلى واقع اللغة التطبيقي، الذي أطلقوا عليه لفظ الاستعمال، قالوا ان الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، بمعنى انه لا يمكن التفريق بين المعاني الحقيقية والأخرى المجازية لكلمة ما في واقعها التطبيقي الاستعمالي، إذ «لا يكفي في إثباتها ان نجد في كلام أهل تلك اللغة استعمال اللفظ في المعنى الذي شك في وضعه له، لان الاستعمال كما يصح في المعنى الحقيقي، يصح في المعنى المجازي، وما يدرينا لعل المستعمل اعتمد على قرينة حالية أو مقالية في تفهم المعنى المقصود له، فاستعمله فيه على سبيل المجاز»([17])، وحينما رجعوا إلى المعاجم اللغوية باعتبارها المحققة والمبرزة لمعاني الكلمات، لم يجدوا في تلك المعاجم تمييزاً بين حقيقة ومجاز، بل وجدوا أقصى ما قام به اللغوي، صاحب المعجم، انه استدل على معنى الكلمة، وعدد دلالتها من خلال الاستشهاد بسياقات، قد تمثلها آية قرآنية أو حديث نبوي او عبارة وردت على لسان العرب، أو أبيات شعر تنتمي لعصر الاستشهاد، وهذا النوع الأخير هو الغالب في الاستشهادات، كما يلحظ عند صاحب (لسان العرب)، ولذلك قالوا: «ان المعاجم في مقام استكشاف وضع الألفاظ لا عبرة لأكثرها، لان اكثر المدونين للغة همهم ان يذكروا المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها من دون كثير عناية بتمييز المعاني الحقيقية من المجازية الا نادرا»([18])،وهكذا نجد في هذا الكلام؛ إن تقسيم الحقيقة / المجاز تقسيم نظري، لا ينطلق من واقع اللغة التطبيقي، ولا يوجد له فيها أثر.
إن حقيقة ما ذكرته المعاجم اللغوية من معاني لكلمات اللغة، تستند إلى مفهوم ثابت نسبيا للظاهر والباطن. فالظاهر هو المعنى الذي شاع نصب القرينة على استعمال اللفظ فيه، والباطن هو المعنى الذي لم يشيع استعمال اللفظ فيه. وعلى هذا الأساس أصبح المعجم يذكر المعاني الشائعة لكلمات اللغة، ويستشهد على ذلك الشيوع بما يذكره من كلام العرب وأشعارهم، أو بما ورد في القرآن والحديث. وبناء على ذلك، فالمعاجم اللغوية تذكر بعض وجوه المادة اللغوية، على سبيل المثال لا الحصر، فذكرت الألفاظ بما اشتهرت به من معان ووجوه، وتبقى لها طاقتها الهائلة التي تختزل اللغة، وتعبّر عن كل موادها.
ومما تقدم، يثبت أن الخطأ في تقسيم الحقيقة / المجاز، مبتن على الخطأ في نظرية الوضع، وبالتحديد في توقف تصور النظرية في طور بدائي من تاريخ اللغة، فلم تلحظ تجاوز اللغة لذلك الطور. بينما دراسة اللغة في إطارها التطبيقي، وفي إطار مقارن مع أطوار نشأة لغة الطفل، ينفي فكرة الوضع بالكيفية التي تفضي إلى تقسيم الكلمة إلى حقيقة / مجاز، ويثبت تقسيم الظاهر/ الباطن للكلمة، لان حقبة اللغة البدائية تعتبر منتقضة، والمرحلة التي تلتها هي حقبة نضجها، التي استقر تاريخ اللغة عليها، وهي التي يضع فيها الواضع الكلمة لشيء مستحدث، سرعان ما يخرجها واقع الممارسة إلى معانٍ أخرى، فيعدد بذلك وجوه دلالتها، ويبرز السياق اللفظي والظرفي كسلطة ناسخة، يُظهر مفردات السياق في وجوه، وينفي وجوهاً أخرى بإخفائها، والوجه الظاهر في حوار ما، قد يصبح خفياً باطناً في حوار آخر، وهكذا دواليك. فلا فرق بين وجه وآخر، فكلها وجوه متكافئة فيما بينها. فيتضح من ذلك تقسيم السياق بسلطته الناسخة المعاني اللغوية إلى ظاهر/ باطن، ولا أثر فيها إلى تقسيم الحقيقة/ المجاز، الذي هو تقسيم نظري مضلل، لا دليل عليه.
إلا انه يمكن النظر إلى تقسيم الحقيقة / المجاز، من خلال منظار الظاهر/ الباطن، حين يعرف المجاز بأنه تسمية الشيء بأشباهه أو بملازماته (: تسميته بلاحقه أو صفته أو بما كان أو بما يكون أو بجزئه أو بمقارنه أو بسببه.. إلى غير ذلك من علاقات التلازم )، وحينها يصبح المجاز من الاجتياز والاعتبار الذي يترادف مع كلمة التأويل عنوان المنهج. فأصبح المجاز يعبر عن العبور بالكلمة من معناها الظاهر (الحقيقي) إلى المعاني الأخرى، التي تتصل بها برابط التشابه والتلازم، فهي معان باطنية (مجازية)، ولكن هذا لم يكن مراداً من معنى الحقيقة والمجاز عند اللغويين. إذن الترادف بين الظاهر والحقيقة من جهة، والباطن والمجاز من جهة أخرى غير حاصل، لاتصاف المعنى الحقيقي بالثبات منذ ان وضعه الواضع، في قبال اتصاف المعنى الظاهر بالنسبية، مع عدم افتراقه عن المعنى الباطن إلا من ناحية الظهور والخفاء. يضاف إلى ذلك، افتقاد المعنى الحقيقي التكافؤ والتساوي مع المعنى المجازي، بينما المعاني الظاهرة والباطنة هي معان متكافئة متساوية، فإذا زالت هذه الفوارق ورادف التقسيم الآخر، حينها فقط يمكن إعطاء تقسيم الحقيقة المجاز قيمته.
كان الهدف من تقسيم الحقيقة المجاز، إثبات وجه واحد للكلام تمثله الدلالة الحقيقية، مما يجعل كل الوجوه الأخرى معان ثانوية، وليست كلها معان متكافئة للمعنى الوضعي المسمى بالمعنى الحقيقي. لما في فكرة الوجه الواحد من تنظير للقرآن المراد تثبيته على وجه وقراءة واحدة، فقول عمر: ((عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟! قال: شعر الجاهلية! فان فيه تفسير كتابكم! ومعاني كلامكم!!))([19])، المتزامنة مع دعوته إلى قراءة القرآن على وجه، يهدف إلى ربط المعاني القرآنية بمرجعية الأشعار الجاهلية، والتصور اللغوي الذي توحي به، أي تثبيت المعاني الظاهرية، بالمعنى المعجمي، والتجهيل بالمعاني الأخرى الباطنية، التي يتصرف إليها القرآن عند تأويله. وذلك من خلال رفض فكرة التكافؤ بين المعاني، كما تبدو من خلال تقسيم الظاهر/الباطن المرتهن بحركية النص المصادرة.
وهكذا، لم يكن التجهيل بتقسيم الظاهر/الباطن في إطار (علم البيان)، تجهيلا بتقسيم لغوي، ولكن تجهيلا بمنهج معرفي، له أثره على الإدراك ومنطق الفكر، كما سيتبين ذلك في الفصل القادم