6/ الوجوه واللانفادية
إن الآلية التأويلية المعتمدة لسلطة السياق، بالكيفية الموصوفة، من إفرازاتها أنها تنسخ انتماء النص في زمنه، فتنقله من زمن لآخر. بذلك نستطيع ان نجعل النص يخرج من أسر الحاضر، ويمتلك حرية السفر في البُعد الزمني كبُعد رابع، من خلال قدرة النص على التنبؤ بالأحداث الواقعة في ظهر الغيب (: الماضي / الحاضر الغير مشهود / المستقبل )، وكأننا بذلك نخرج النص من إطار الزمن ليكون في دلالاته، له القدرة على الخلود، بالانتقال فوق الزمن والهيمنة علي مراحله، واختيار التشكل الآني في أي مرحلة من مراحله، ومجاراة حركته الصانعة للأحداث والوقائع في صيغتها المادية بصيغة رمزية. ان هذا الواقع الذي يعيشه النص، ناتج عن ارتباطه بالمشهد الكوني بعلاقة تعبيرية، مما يجعل خصائص هذا الأخير تسري في المشهد اللغوي الممثل في النص. وبهذه الطريقة تكون للنص القدرة على الخلود واللانفادية في مداليله ومعطياته الفكرية والعلمية.
إن تصريف الإشارة اللغوية المقتبسة، هو تصريف غير متناه في إنتاجه للوجوه، باعتبار ان العلامات والقرائن تصرف المادة اللغوية وتعدد قراءتها بصورة غير محصورة. والقرآن حين وصف نصه بالشمول في البيان إلى درجة عدم القدرة على استنفاذه، فان لانفاديته لا يثبتها له أو لغيره من نصوص اللغة، إلا فقه اللغة كما يعكسه واقع اللغة التطبيقي، في تصريفه لمادة اللغة على وجوه في إطار التأويل، كعنوان يعرف به هذا الفقه. فهذا التصريف المسئول عن لانفادية العلم المستنبط من النص اللغوي، ومن جملته النص القرآني، يقوم على عملية التفكيك والتركيب بين مكونات النص، وتبديل قرائن الآية قيد البحث، بتعديد اقتراناتها بآيات أُخر، لإنشاء منظومات مرجعية سياقية جديدة، تنتج الوجوه المستحدثة المخزونة في أعماق آيات النص. وهذه العملية اذا ما طبقت في إطار النص اللغوي، غير القرآن، تعني تجاوز الوجه الظاهر لمؤلف آيات النص إلى الوجه الباطن، الذي ينطق به النص، حين يستنطق بتفسير بعضه ببعض، فيوحي بإيحاءات باطنية تعبر عن المؤلف من حيث يشعر تارة، ومن حيث لا يشعر تارة أخرى.
وليست عملية التفكيك والتركيب هذه إلا التزاما بالمبدأ الأول، الذي قامت عليه اللغة، وهو المبدأ الذي يحكم الفبائية اللغة في اتصالها وانفصالها، وما ينتج عنها من علاقات غير محصورة، تؤدي إلى تكون ما لا يحصر من الكلمات. وهذه بدورها تؤدي حركتها إلى ما لا يحصر من العبارات، وهي الأخرى تنتج حركتها التزاوجية، ما لا يحصى من النصوص والمؤلفات. فاللغة رغم محدودية إشاراتها، (28 حرفا)، إلا إن إضافة صفة الحركة إليها، تجعل ذلك المحدود في عطائه غير متناه. فاللاتناهي وما يتمخض عنه من إنتاج دلالي هو المسمى بالوجوه، فكل حركة تنتج تركيبا له دلالته، وباعتبار ان المركبات الناتجة غير قابلة للحصر، أصبحت الدلالات والوجوه هي الأخرى لا حصر لها، رغم ان الحديث محصور في جانب اللغة المنتج لا المهمل.
فالقرآن جاء استثمارا للمعطى اللغوي المتمثل في إضافة الحركة للمادة اللغوية المانحة لها خاصية اللاتناهي. فأعلن الرسول عن إضافة الحركة للمادة القرآنية بقوله: «انزل القرآن على سبعة أحرف» فبين ان حركة المكونات القرآنية على سبعة أحرف، تعبر عن امتداد غير نافد للنص. فكان القرآن لامتناهيا في وجوهه وقراءاته، فأمكن بالتحريك النسخي بناء النص لذاته، في عملية هدم وبناء غير محصورة اتجاهات التفكيك والتركيب فيها، هذا اللاتناهي في كلمات الله هو الذي دلت عليه الآية القرآنية: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)، فالقرآن هو كلمات الله التي منحت حرية الحركة في إطار ضوابط التأويل، فأصبحت في عطاءاتها لامتناهية.
ويبقى من تمام البحث التساؤل عن مدى ارتباط النص بصاحبه الذي أنتجه؟ ويمكن النظر إلى هذه القضية من وجهين اثنين؛ الأول ان نعتبر النص قد انفك علائقيا بمؤلفه، فأصبح كالمسجد فك ملك، كما في التعبير الفقهي، فملكيته لله. والثاني ان نعتبر النص مرتبطا بمؤلفه ارتباطا أبديا، وهذا يعني أن النص يُخـلّد المؤلف الذي خلقه، فهو خالد بخلوده، بلحاظ قدرة نصه على تجديد قراءاته عبر الأجيال، فيظل صاحب النص حاضرا عبر الزمن يُستنطق فينطق من خلال نطق نصه.
إلا إننا لا نميل إلى الأخذ بوجه دون الآخر، إلا في إطار نسبي يصحح الاثنين، اذ يمكن ان نكتشف بين الوجهين رابطا، فهما يتكاملان، بلحاظ أن النص يعبر عن الله، كما يعبر الكون عنه، باعتبار ان النص حضور للكون بصيغة أخرى، والكون منسوب خلقه إلى الله، مما يجعل النص منسوب هو الآخر إلى الله، فتحويل النص الكوني إلى نص لغوي، لا يسلب نسبة النص الثاني إلى الله. وارتباط النص بالإنسان، الذي أنتج عملية التحويل، هو الأخر ارتباط سليم، بلحاظ ان الإنسان إنما هو خليفة الله، فنسبة النص إليه لا تتنافى مع نسبته إلى الله، فما نسب إلى الإنسان يرجع بالضرورة إلى الله. ولما كان القرآن ينسب إلى الله، فان القرآن يتحول بذلك إلى المرجع لبقية نصوص اللغة، فمتى ما عُرضت على القرآن وتطابقت معه، سرت فيها خصائص القرآن، فأصبحت جزءا من أفكاره، فأفكار تلك النصوص قرآنيات، والتطابق يمكن ان يكون مع الكون باعتباره قرآنا تكوينيا، ويمكن ان يكون مع القرآن باعتباره كونا لغويا.
تدل عبارة الإمام الصادق المتقدمة على هذا التصور، فقد أشار إلى تصرّف كلامه على سبعين وجها، وان هذا التصرف يجعل الأمة مكتفية بالنص إلى يوم القيامة، كما أشار في عبارة أخرى إلى مجيء الرسول بالبيان، الذي تستغني به الأمة في حياته، وتكتفي به إلى يوم القيامة، بلحاظ تصرف بيان الرسول . فهذا يوضح وعي الإمام الصادق بقدرة صاحب النص على الخلود مع الزمن، لقابلية ذلك النص على التجدد والمعاصرة، مما يمنحه الحضور الدائم، فيكون قيد الاستشهاد به في كل عصر، وهو ما يمنح صاحبه الحياة الخالدة. من جانب أخر فان الصادق بقوله: «لا تقبلوا علينا الا ما وافق كتاب ربنا إنا لا نقول إلا ما قال ربنا»، فانه يكشف أن منطق الرسول ومنطقهم كأئمة مستمد من القرآن، وبذلك ينسب النص الصادر عنهم إلى الله، ليكون هذا النص المعبر عنهم من جهة، باعتبارهم خلفاء لله، يعبر من جهة أخرى عن الله، الذي استخلفهم، لذلك يمكن النظر في نسبة النص إلى المؤلف بلحاظين، ويمكن التركيب بين اللحاظين.