4/ محاور حركة اللفظ
اللغة تُمثُّل للواقع الكوني، الذي رغم وجوده المادي غير قابل لان يتصف بالقدم، لقدرته بصورة دائمة على إنتاج مكوناته وتحديثها، وما ظاهرات الفناء لمكوناته إلا عملية تحويل لها من صورة إلى أخرى، فهي موجودة، ولكن بصورة أخرى مستحدثة. وهذا ما يجعل الكون في حقيقته المتطورة والمتحركة إلى الأمام، ما هو الا صورة للمشهد الثابت منه، بلحاظ ان كل ما سيأتي فيه يرجع إلى الصورة الأولى له، وما الصورة او الصور اللاحقة المتولدة عن الصورة الأولى، الا مثال للصورة الماضية، او هي مُحوّرة عنها بعد ان كانت مختزنة فيها، فصفة الثبات هذه، التي يتصف بها المشهد الكوني، هي ذاتها التي تحضر في اللغة، ليصبح الزمن ساقط القيمة والاعتبار، لان النص في تمثيله لمشهد كوني محدد، قادر على ان يتحرر من الثبات من خلال إيجاد بعض التحريف في مكوناته، كما يحدث تقدم الزمن بعض التحريف في مكونات النص في صيغته الكونية، لكي ينتج الصورة المستقبلية له. ان هذا التعديل الذي يطرأ على النص الكوني، دون ان يذهب بصورته الجوهرية، هو ذاته الذي يمكن ان تطبق إجراءاته على المشهد اللغوي الذي يمثله النص، دون ان يجعل منه نصا مُتجاوَزا. مما يعني اننا نتوسل بالآلية ذاتها التي تجعل المشهد الكوني تؤول فيه الصور اللاحقة دائما إلى الصورة الأولى، وعلى أساس هذا المآل يحدث التعديل او التحريف او التغيير، فنمارس الآلية ذاتها المعنونة بالتأويل على النص اللغوي، المعبر عن المشهد الكوني، لننتج فيه الحركة التي تمنح النص القدرة على مجاراة النظير المادي، الذي يعبر عنه كنظير لغوي.
ولما كان التأويل حركة تفاعلية (: نسخية) لمكونات المشهد الكوني، تنتج عنها تشكّلات مستحدثة عن طريق التكامل، والإبدال، والحذف، والتقديم والتأخير، فان محاور الحركة هذه تتشكل في سياقها المشاهد الكونية التي تؤول إلى بعضها البعض على المستوى الإجمالي والتفصيلي، هذا التوصيف للحركة يطرد في المشهد اللغوي المترادف مع المشهد الكوني والممثل له، ليعبر عن تفاعل المكونات الإشارية للنص فيما بينها، لتنتج الحركة التأويلية لمكونات النص منهجا، يحكم اللغة بقواعده وشروطه، وهو التحريك المنهجي الذي يمكن ان يحصل بإبدال غير مباشر، أي على الصعيد الدلالي، بان نصرف المحتوى الرمزي لإشارات النص تارة، ويمكن ان يحدث بالإبدال المباشر، ان نعوض عن الرمز بالرمز الذي يمثل الدلالة الباطنية تمثيلا مباشرا، مما يحيل الباطن إلى ظاهر، وفي ذلك تحديث لمكونات النص، يتجاوز التحديث الدلالي، الذي يعتمد على الفهم الباطني لإشارات النص. وقد نجد نموذجاً مبسطا لحركة الإشارة اللغوية في أهم وجوه او محاور حركتها في المثال التالي: «اسألوا أهل القرية؟» فهذه العبارة قد تتعرض لعملية حذف فيقال: «اسألوا القرية؟» وقد تتعرض العبارة الناتجه إلى عملية إكمال، فتعاد إلى صيغتها الأولى «اسألوا أهل القرية؟»، وقد ينظر إلى عبارة «واسألوا القرية؟» بانها لم تتعرض إلى حذف فتحتاج إلى إكمال، وإنما تعرضت للاستبدال فالكلمة متصرفة الدلالة، فكلمة «قرية» في الجملة تعني «الناس»، الذين إطارهم القرية، وبالتالي يمكن القراءة: «اسألوا الناس» ونعُوّل على السياق كمنظومة مرجعية للعبارة في تخصيص مفهوم «الناس».
ويمكن الاستشهاد بواقع الاجتماع الإنساني في توظيفه للغة في الإطار اليومي، فرواية الناس للأحداث عن بعضهم البعض، تبين إنهم يعددون روايتهم لعبارة المتكلم، ووصفهم للحدث الواقع، الذي يروون فصوله، ويعزا تعدد روايتهم إلى اختلاف زاوية الرؤيا التي يهتم بها الراوي، فكلما كان الراوي أقدر فكريا، أورد الراوية مبرزا الوجوه الباطنة بوجوه ظاهرة، بينما كلما قل مستواه أخذت الرواية المنحى الوصفي، الذي لا يبرز من الرواية الا بعض وجوهها الظاهرة. فإذا ما قارنا بين الروايتين استطعنا ان نفهم المعنى الذي استهدفنا بيانه، في السطور المتقدمة. حيث تعتبر ان الرواية الوصفية هي المتن، وان الرواية التحليلية هي التي أبرزت خلفية الوجه الظاهر للمتن، أي سبرت وجهها الباطن، الذي يجعل الرؤية الوصفية تخرج من إطارها الإجمالي، من خلال تحريك النص في عملية انقلابية، تستهدفه من عدة محاور بالإبدال في قيمة بالتعويض، والإكمال، والتقديم والتأخير، والحذف، بمقدار ما يتطلب الأمر، مما يؤدي إلى إبراز وجه مغاير للظاهر، يتميز بالتفصيل وطابعه التفسير، وقد تبلغ المغايرة حد التناقض المبرهن، الذي لا يخرج النص في دلالاته المستحدثة من إطار المعقولية.
لقد أوحينا فيما تقدم، ان رابط التماثل الذي بامكانه ان يسلسل كل الإشارات في سلسلة واحدة، هو الذي يعتمده منطق الفكر في الانتقال من الشيء إلى ما يؤول إليه، إنها عملية تفكير ينتقل فيها الفكر من صوت الرعد، مثلا، إلى الدلالات المتعددة التي تلازمه، وهذا الانتقال قد لا يتم بالصورة المتسلسلة المذكورة، ولكن قد يحدث بصورة مباشرة، شبيهة بالطّفرة من صوت الرعد إلى صورة انجراف الكوخ، كمدلول لذلك الصوت، وهذا المدلول المنتخب هو الذي يمثل اهتمام الإنسان، لذلك يحوز على التفكير، ويتم تجاوز الصور الوسطية. ان هذه النقلة (الطفرة) هي التي تجعل الإشارة في اللغة تنصرف من وجهها السياقي الظاهر، إلى الوجه الأخر البعيد عن الدلالة المباشرة للسياق، لطروء قرينة تمد سلطة السياق بطاقة اكبر، تجعلها قادرة على التوغل في العمق للوصول إلى وجه باطني، يتجاوز الوجه الظاهر، ويرقد في الطبقة أو الطبقات التي دونه، ليصبح المعنى الباطني ظاهرا، ويُنسخ المعنى الذي كان ظاهراً، أو يُنفى إلى الوراء ليصبح من الباطن، أو ينضم إلى الوجه الباطن، ويتكامل معه، مثال على ذلك قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، إن معنى «الظلم» في هذا السياق كمنظومة مرجعية ظاهر في ظلم الإنسان لنفسه، بينما حين يبرز قوله: (إن الشرك لظلم عظيم)، فان هذا السياق المماثل حين يطرأ بعناصره، يؤدي إلى إنتاج منظومة مرجعية، تمنح مكوناتها من الآيات دلالات أخر، وتنسخ دلالة المنظومة المرجعية الأولى، بما تظهره من وجه باطن لكلمة (الظلم)، وبذلك يحسم وجه الظلم لمعنى أخر، هو (الشرك)، او توسع المنظومة المرجعية السابقة بالمكاملة بين الوجهين.
إن اغلب الناس غير قادرين على استساغة هذا النمط من التفسير، برغم السلامة المنطقية التي يقوم على أساسها. هذا الأمر هو الذي يجعل الوجوه الباطنية غالبا مستهجنة عند الرأي العام المحدود التفكير، نتيجة الفته للوجه الظاهر من الأنساق الإشارية، او في أحسن الأحوال عند الوجه القريب من الوجه الظاهر، ولكن يمكن تسويغ الدلالة الباطنية له، أحيانا، بتجنب الانتقال إليها من خلال العلاقة المتعدية، وتجاوز الدلالات الوسيطة الرابطة، أي ينبغي الانتقال إليها من خلال العلاقة المتسلسلة الرابطة بين الإشارات في عملية استدلال قد تطول، كما يفعل الخطيب الجماهيري، حينما يتناول موضوعه المطروح، حقائق غير مألوفة لدى الجمهور فيضطر إلى الدخول في بحث مطوّل، ينتقل فيه خطوة خطوة، منطلقا من الإشارات الظاهرة والمسلّمة إلى ما تقتضيه من نتائج، في عملية برهانية يحاول تبسيطها ما أمكن، حتى يصل إلى البطون العميقة، فيوجد قناعة بها عند الرأي العام الذي يتوجه إليه بالخطاب، إلا انه رغم ما يبلي من بلاء حسن، قد لا يسلم لدى شطر من الجمهور المستمع من النقد الناشئ عن عدم استيعاب، او سوء فهم. هذه الحقيقة التي تعبر عن ظاهرة انعدام التعقل، عند الرأي العام، هي التي أسهم في دعم الجهود، التي حاربت التأويل، وأرادت له ان يتلاشى كفقه للغة، ومنهج للاستنباط من النصوص.