3/ سلطة السياق
السؤال الملح الذي يوحي به الطرح المتقدم، هو: كيف يتخلص الفكر من الغموض، الذي يعتريه وهو يواجه النص اللغوي المفتوح على كل الدلالات، والمتعاقبة عليه كل الوجوه؟ أو ما هي الشروط التي إذا وجدت في النص اتصف بالبيان، والتي إذا ما افتقدت وقع النص في الغموض؟.
إن تردد الإشارة بين عدة معان، مع عدم اتضاح الوجه المراد منها، مشكلة تطرق الفكر وهو يتعامل مع اللغة كأداة اتصال، بعد أن تحولت مفردات اللغة إلى مواد مشتركة متعددة الدلالات بشكل غير حصري، يصطلح عليها في هذا الوضع بالمتشابه. هذه المشكلة واجهها الفكر من خلال سلطة السياق، التي تتجلى من خلال ملاحظة عدم اتضاح معنى الإشارة إلا عند اكتمال السياق الورادة فيه، بتلاحق الإشارات المؤلفة له. ان هذا التلاحق هو الذي يحدد معاني الكلمات من خلال ( تثبيت ) وجه السياق ( ونفي ) الوجوه الأخرى، مما يعني أن السياق يعمل كمنظومة مرجعية، وظيفتها تحديد مداليل الإشارات التي تنتمي إلى دائرة عملها، وهو ما يكشف أن للسياق سلطة نفي واثبات، يصطلح عليها تراثياً بـ(النسخ) أو (الإحكام)، حيث يُنفي التشابه نسخا، وتُحكم الإشارات في الوجه المراد منها.
لقد وجدنا كيف أن بتر الكلام معيار يثبت ظاهرة الوجوه، ويكشف عنها بصورة محسوسة بوضوح. هذه العملية القائمة على البتر هي المبرهنة على سلطة السياق المرجعية، فبتر الكلام يدل على إن الكلمة لا يمكن تحديد معناها، حتى تكتمل مكونات السياق الإشارية، أي إلا بتمكين السياق من إظهار سلطته بإلحاق الإشارات بعضها ببعض، لتنسخ الإشارة اللاحقة الإشارة السابقة وتكشف عن الوجه المطلوب بلوغه. وإذا ما انحسر هذا الشرط، فان الكلام المبتور يبقى متعددا في دلالته، بشكل محدود في تردده بين الوجوه المحتملة، او بشكل مطلق غير قابل للحصر. وهذا التعدد الدلالي يجعل إشارات اللغة كلها ذات وجوه فهي مشتركة، أي للفظ من الوجوه المتعددة ما يجعل الكلمة لا يفهم معناها. ويواجه الفكر أزمة في أدراك الوجه المقصود، عندما لا يكون السياق، في سلطته المستمدة من مكوناته، كافيا في تحديد الوجه المراد للمتكلم، وحينها يطلق على النص او الكلمة في النص بأنها متشابهة، أي ان سلطة السياق قد كُسرت وصودرت، بحيث أصبحت غير قادرة على ضبط استقرار دلالات الإشارة، مما يجعل الفوضى الدلالية تعم الإشارة، في صيغتها المفردة او المركبة.
فسلطة السياق هي التي تحكم مكونات السياق الإشارية حين تحدد وجوهها، وتنفي عنها الوجوه الأخرى، كما وجدنا في المثال المتقدم المصرف لوجوه كلمة «أكل»، فكان السياق: «أكل العدو الطعم» يثبت وجه أكل في «وقع»، وينفي الوجوه الأخرى التي دلت عليها السياقات التي تطرقنا إليها. إلا إن السياق كمنظومة مرجعية ليس دائماً يكون سياقا لفظياً، وإنما قد يكون ظرفيا أيضاً، له دوره في نسخ وجوه مكوناته الإشارية، ويمكن تعريف السياق الظرفي، بأنه المنظومة الغير لفظية بملابساتها المختلفة، التي إذا أطلق في إطارها الكلام أثرت في تحديد دلالاته. وبعبارة أخرى هو المنظومة الغير لفظية، التي لها سلطتها المرجعية في تثبيت الإشارة في وجوه ونفي وجوه. وقد يتضافر كل من السياق اللفظي والظرفي، ليشكلا منظومة موحدة تعمل على تحديد معاني الكلام، والكشف عن مداليله وأبعاده.
نموذجا للسياق المشترك، نجده في التصريحات الصادرة عن رجال السياسة، وكيف تتلقاها أقلام المراقبين والمحللين حيث كل محلل ومدى إلمامه بالظرف، الذي يصدر فيه التصريح، وبما يمتلك في ذاكرته وأرشيفه من وقائع، وتصريحات، وظروف مشابهة يقرنها بالتصريح الصادر، ليتمكن من قراءة التصريح قراءة تختلف عن قراءة أخرى لمحلل أخر، لاختلاف السياقات، التي يضع فيها كل محلل التصريح قيد التحليل والبحث، مما يعني ان كل محلل هو منظومة مرجعية قائمة بذاتها. ويمكن أن نجد الظاهرة ذاتها بالنسبة للنّقول التي تشتمل عليها الكتب، حيث كل كاتب يُحكم تلك النقول في وجه، من خلال إيقاع تلك النّقول في سياقات مختلفة، فتتولد عن الاقتران فيما بين تلك النقول وأجزاء السياقات، تلك الوجوه والقراءات الجديدة، حيث كل سياق بما يحتوي من اقترانات يعمل كمنظومة مرجعية لها سلطتها الناسخة، التي تنسخ الاقتباس في وجه أو أكثر لتثبته في وجه او عدة وجوه أخرى ..
الا ان المبدأ، المقرر آنفا، الذي يمنح النسق الكوني صفة الإشارية، يجعل حديثنا عن السياق حديثا لا يتمايز فيه اللفظي عن الظرفي، باعتبار أن كل مكونات النسق الكوني إشارات وعلامات، مما يجعل السياق يمكن أن تكون علاماته لفظية تارة، او ظرفية أخرى، أو مشتركة منهما معا. فالسياق هو المنظومة التي تهب مكوناتها الإشارية المنتظمة فيها معانيها ودلالاتها، وان السياق في إطار البنية الإشارية العامة، هو سياق مفتوح على كل الاحتمالات، لوجود التناظر بين الإشارات المكونة للنسق، فمتى اعتبرنا التناظر في جهة معينة، نكون قد فتحنا تلك المتناظرات على بعضها، لتصنع سياقا وتطل برؤية. ويبقى التناظر الأخر إمكانيات قابلة للاستثمار بالكيفية نفسها، مما يجعل السياق قابلا لان يعاد تشكله مع كل نظير من النظائر، لتصنع قابلية التناظر المتبادلة بين إشارات السياق، اللاتناهي. ان النسق الكوني العام بالإمكان النظر إليه باعتباره سياقا واحدا، وقد ننظر إلى جزء منه كسياق مستقل، فنجد بين السياق العام والسياق الخاص إمكانيات لسياقات مختلفة، كل منها قابل لان يمثل مجالا، ويكشف عن رؤى ودلالات.
وتلعب سلطة السياق دور العامل الرئيس في تقسيم الوجوه والمعاني إلى قسمين؛ فسلطة السياق هي سلطة إثبات ونفي، والإثبات يعني إظهار السياق، كمفردات أو كمركب، في وجوه ظاهرة، ونفي وجوه أخرى إلى ما وراء الوجوه الظاهرة، أي تحويلها إلى وجوه باطنة، وهكذا تصبح الوجوه مقسمة إلى ظاهرة/ باطنة. ولكن هذا التقسيم هو تقسيم نسبي، فالوجوه الظاهرة هي التي أظهرها السياق ودلّ عليها، والوجوه الباطنة هي التي اختفت فيما وراء الوجوه الظاهرة فاختزنها واختزلها، ويمكن إخراجها لتصبح وجوهاً ظاهرة، إذا ما وجد السياق الدال عليها والمظهر لها، ففي السياق: «أكله المرض» تظهر سلطة السياق «أكل» في وجه هو «استفحل»، فهو وجه ظاهر لكلمة «أكل» بالنسبة لهذا السياق، بينما تبقى الوجوه الأخرى لكلمة «أكل» وهي وجوه غير نافدة، تعتبر وجوهاً باطنة بالنسبة لهذه المنظومة السياقية والوجه الظاهر الذي تبرزه. وفي السياق: «أكل الغزاة البلاد» يظهر هذا السياق الإشارة المعنية في وجه هو «أحتل»، ما يعني ان هذا الوجه ظاهر، ويتحول الوجه «استفحل» في هذا السياق إلى وجه باطن، وهكذا نجد «استفحل» و «احتل» كل منهما يصدق عليه انه وجه ظاهر ووجه باطن، ولكن بلحاظين. وهذا ما يدل على نسبية التسمية بالظاهر والباطن.
إن عمل السياق كمنظومة مرجعية لها سلطة ناسخة، لا يقتصر على إحكام الإشارة في أحد وجوهها، بل يعمل على تفكيك إشارية الإشارة، وما تحتويه من طاقة مكنونة، ووجوه متراكبة مضغوطة، ففي سياق محدد تفصح الإشارة عن وجه ما، وفي سياق آخر تفصح عن دلالة ووجه آخر، قد يقع مع الأول على طرفي نقيض، بحيث لو نظرنا إلى أحد الوجهين بالنسبة للسياق الأخر كمنظومة مرجعية، لحكمنا عليه بأنه خطأ. مما يدلل على نسبية التثبيتات النسخية بين سياق وأخر، إلا ان هذه النسبية في التثبيتات لوجوه الإشارات، هي وجه من وجوه الحقيقة، وليست هي مطلق الحقيقة. بعبارة أخرى، إننا بالإمكان ان ننظر إلى السياقات، التي نضع فيها الإشارة فتمنحها معان متناقضة، بمنظار يتجاوز مسألة الخطأ والصواب، إلى التكامل والتفصيل لحقيقة الإشارة في مدلولها. مثال ذلك، أكل الميتة محكوم في السياق العام بانه محرم، ولكن في سياق الاضطرار محكوم بالحلية، فأكل الميتة في السياق الأول له دلالة تتناقض مع حكمه في السياق الثاني، فلو أردنا ان نعطي لأكل الميتة حكم الحلية في الدائرة العامة، لكان ذلك خطأ، ولو أعطينا حكم الحرمة للميتة في منظومة الاضطرار، لكن ذلك الأخر خطأ، ويمكننا ان نخرج من هذه النظرة النسبية إلى المسألة، إلى نظرة أخرى تلقي المزيد من الأضواء على جانب آخر من الحقيقة، فيمكننا ان ننظر إلى السياقين بمنظار تكاملي، حين ننظر إلى أكل الميتة في السياق العام بأنه محرم، وإذا طرأ على السياق تحول يعطيه طابع الاضطرار، حلّ الأكل لدفع مضرّة أكبر، فهنا نجد ان الوجهين يتكاملان، لينتجا لنا التفصيل في المسألة، إلى جانب ما يبرز لنا التناقض من نسبية الوجوه والتثبيتات، الناتجة عن سلطة النسخ في كل سياق ومنظومة مرجعية.
ان ظاهرة تعدد وجوه الإشارات، وما ينجم عنها من مشكلة التشابه والاشتراك، يتم مكافحتها والسيطرة عليها من خلال السياق، كمنظومة مرجعية لها سلطة ناسخة، بمثابة السلطة القضائية في قدرتها على النقض والإبرام، النفي والإثبات، أو بمثابة السلطة السياسية كمنظومة قادرة على ضبط استقرار مكونات الدولة وفق وجه ما، وتكبح انفلات الدولة خارج إطار الوجه المستقر، حتى لا تسود الدولة الفوضى، كما تسود الفوضى الإشارة الخارجة عن سلطة السياق بانهمار الوجوه عليها، فإذا ما حدث انقلاب، فذلك تحول في سلطة السياق، يجعل للدولة وجها اخر يتمثل في سياسة أخرى، تعبر عن وجه باطن ناسخ للوجه الظاهر، المتمثل في السياسة التي عبرت عنها السلطة السابقة، مما يدلل على ان السلطة السياقية تعمل على إيجاد تثبيتات نسبية لوجوه الإشارات، هذه النسبية موظفة في سبيل خدمة رؤية معرفية، تفصّل الحقيقة المبحوث عنها. فإذا ما حدث انكسار او مصادرة للسلطة السياقية، كما في حالة الانقلابات الدامية، أدى ذلك إلى إبطال الوجه الظاهر، ونشب التنازع بين الوجوه (: القوى السياسية) على إشغال الدولة على المستوى الظاهري، الذي يعبر عن الانتصار والغلبة والظهور في الإطار السياسي. فتكشف هذه المقاربات كيف ان سلطة السياق في عملية التثبيت والنفي، انما تمارس عملية كبت لوجوه النص الأخرى، لتكون خارج إطار الظهور، ويستبطنها النص، مما يجعل الحاجة تدعو إلى تثوير النص، وكسر سلطته، لتتفجر أرضه بخزائنها من الوجوه الراقدة في بطنها، او لنقل مصادرة سلطة النص، بإثارة الفتنة في الدولة، التي يمثلها لإظهار الوجوه الخفية، او إلغاء سلطة السياق القضائية وأحكامها، لإطلاق الوجوه المتوارية في غياهب السجون. ولان كل تلك الوجوه تبدو سلبية تعم على أثرها الفوضى، إلا ان ذلك يتم، في الحقيقة، بصورة مؤقتة، يُستهدف من خلالها التعرف على الوجوه، واستثمار المدخرات وإخراج للمكتوم والمكبوت، كي نحدث التغييرات المرغوب فيها، قبل ان نعيد للنص سلطته المرجعية. كما يفعل ذلك الدهر والزمان في واقع الحياة، فنقوم بممارسة دور الدهر، في وضعه لملوك واستخلافه لآخرين. وما يستتبع ذلك من تغيرات؛ كجعل الوجوه الظاهرة (الملوك السابقين) في سجن الباطن، وإلغاء السلطة القضائية القائمة وما صدر عنها من أحكام، وإنهاء الخطة الاقتصادية السارية في استثمار خزائن أرضية النص، وإبدالها بأخرى. بهذا نجد اننا غير قادرين على الفصل بين النص والواقع الخارجي المتماهي مع النص، والغير قابل للانفكاك عنه.
ويمكن لعدة سياقات ان تتماثل جزئيا لتدل على ترادف أجزائها المختلفة، كما في المثال المتقدم، الذي فيه ترادفت هذه المختلفات: «البريد: الساعي: السيارة: جوزيف: الرسائل»، حيث لاحظنا ان العلاقة بين هذه المترادفات هي علاقة إبدالية، يمكن وضع بعضها محل بعضها الأخر، مع بقاء المعطى الناتج على حاله، مما يشهد على سلامة الترادف القائم بين هذه الإشارات. ففي هذا النموذج نجد ترادفا يتجاوز ترادف المعاجم، تصنعه السياقات في تماثلها مع بعضها جزئيا، وفي ذلك صورة أخرى تحضر من خلالها ظاهرة تعدد الوجوه، كما تتجلى فيها سلطة السياق الناسخة، فالمثال المتقدم يدل على ان وحدة المرجعية المتمثلة في واقعة قدوم السيارة، مسئول عن ظاهرة التماثل في الإشارات المركبة (العبارات)، وهذا ما يمكن ان ينتج عنه القول، بان التماثل يدل على وحدة الحقيقة، وإننا عندما نستقرئ التماثل لنجمع الأجزاء المختلفة، ونفسر بعضها ببعض، وهو ما يتم بإبدال او إكمال إشارة بأخرى، انما ننطلق في ذلك من خلال إيماننا بوحدة الحقيقة، التي نجدها مفككة ومبعثرة في المنظومات المختلفة، وبتعقب التماثل نعيد تجميع أجزائها، لنعيد تشكيلها. كما ان ملاحظة التماثل بين سياق وأخر، قادر على إنتاج تحولات دائبة في المنظومة المرجعية السياقية، مما يجعلها متحركة دائما، فيترتب عليها الحركة الدائبة لدلالات ووجوه مكوناتها الإشارية، مما يجعل المنظومة بوجوهها المتعاقبة عليها تُفصّل نفسها بنفسها تلقائيا، ويثبت من خلال ذلك أثر مبدأ التماثل في اطراده المهيمن.
الا ان الإشارة في سياق معين تكون في ظل مبدأ التماثل الحاكم على بنية الكون، تتناظر مع السياقات المرجعية الأخرى، التي تلتقي معها بصلة، حيث يعمل كل نظير عمل المرآة، التي تكشف وجها من وجوه الإشارة المدروسة، لذلك نتعمد تعديد تصورنا لها من خلال قوالب نظائرها تأويلا، بتعديد وضعها في المنظومات المرجعية، لتشير كل منظومة إلى بعض الحقيقة المغيبة للإشارة، والموزعة بين النظائر، والظاهرة جهارا فيها، لذلك تهدف العملية التأويلية إلى تقصي أثر الحقيقة في تلك النظائر، وجمع أجزائها المتجزئة، لتركيبها والتوصل إلى رؤية متكاملة ومفصلة، رغم ان ليس كل نظير له قدرة على إبراز المجهول من الحقيقة الغائبة بالمستوى نفسه، فحضور الحقيقة او جزؤها يتفاوت من نظير لأخر، وقد تتواجد الإشكالية نفسها، بمعنى أن يكون النظير مماثلا فلا يقدم إجابة، وهذا ما قد نفهمه بشكل أمثل في الفصول اللاحقة.