2/ ظاهرة الوجوه
لاحظنا كيفية اكتشاف الإنسان علاقة التلازم بين الصوت والظواهر الملازمة، التي صنع ثباتها وانتظامها النظام الذهني، فأصبح الذهن بمجرد إدراكه وجود اللازم ينتقل إلى استحضار صورة الملزوم تلقائيا، بحيث أصبح الصوت كافيا حين صدوره، في الدلالة على تلك الصور. فصوت الرعد يُحضِر صورة المطر في ذهنه، إلاّ ان هذه الدلالة لصوت الرعد غير محصورة بهذه الصورة. حيث الإنسان الأول، المعتكف في كهفه، يقدح صوت الرعد في ذهنه صورة تلبّد السماء بالغيوم، التي تنقله إلى صورة هطول المطر، وهي بدورها تنقله إلى مشهد حدوث السيول، وهذه الأخيرة تنبِئه بإغراق تلك السيول للمناطق وجرفها للأشياء، وغمرها للكهوف في أسفل الجبل. فدلالات صوت الرعد لا يمكن حصرها في هذه الأمثلة المحدودة، لان الإشارة تحدث سلسلة غير متناهية من الدلالات، كما يوضحها الرسم التالي:
صوت الرعد ¬صورة الغيوم ¬ صورة المطر ¬ صورة السّيول ¬ صورة الانجرافات.. الخ
إلا إن الذهن غير ملزم بهذا التوالي المتسلسل، لقدرته على الانتقال من صورة الرعد إلى إحدى هذه الدلالات، متجاوزاً دلالات أخرى بينيـّة. فاهتمامه يحكم انتقالته الفكرية، فقد ينتقل من صوت الرعد إلى صورة انجراف الكوخ، فيبادر إلى الخروج، للاعتصام بالجبل، ليحميه من الغرق. ولهذا أمكن إبدال علاقة التسلسل، التي فيها يتم الانتقال بالتتابع بعلاقة أخرى مباشرة، فيها تتساوى مواقع الدلالات من الإشارة، ويتم الانتقال في هذه العلاقة من الدال إلى المدلول بصورة مباشرة، فيها يختصر الفكر انتقالته، كما في الشكل:

إن كل إشارة في الشكل لها ملازماتها التي تنشأ عنها، ويمكن تصور الشكل في صيغة التسلسل الآنفة، او الصيغة المباشرة، حيث علاقة التلازم تتصف باللاتناهي في كلتا الصيغتين، وذلك ما يجعل الإشارة تستوعب كل دلالات اللغة، ويمكن التركيب بين الصيغتين لتنشأ صيغة مدمجة، تصبح فيها اللغة بمثابة شجرة بذرتها الإشارة اللغوية، كما يصورها الشكل الآتي، الذي يمكن للفكر تخيل امتداداته، حين يتصور كل إشارة في هذا النسق، وقد أنتجت تمام هذا التفريع، فتتعاظم بذلك الشجرة، وتتكشف قدرتها على استيعاب كامل اللغة:

إن ظاهرة تعدد دلالات الإشارة - وليست الدلالات سوى إشارات - هي التي تسمى في اللغة بالوجوه، حيث الدلالات وما يتفرع عنها من دلالات غير محدودة، تنقدح كلها من الإشارة الأولى، وتتداعى بالتلازم، على شكل سلسلة غير متناهية. ويمكن ان نجد في الشكل الأخير الممثل للصيغتين معا شجرة إشارية تستوعب اللغة بأسرها، وبهذا نستنتج عدم إمكانية قصر الإشارة على وجه او دلاله معينة، ولكن بالإمكان ان نحدد العلاقة الرابطة بين الإشارة والمشار إليه، من الوجوه والدلالات، ونضبطها في إطار اللاتناهي.. فبالإمكان رصد تعدد دلالة الإشارة اللغوية من خلال ملاحظة الإشارة في عدة سياقات، تنتمي إلى حوارات مختلفة تدور رحاها في عدة اتجاهات من المجتمع. فنلاحظ عند المقارنة بين تلك السياقات المشتملة على الإشارة، قيد الرصد، تغير في دلالة الإشارة من سياق إلى آخر، كما لاحظنا ذلك بالنسبة لكلمة «الرحمة» مثلا، ويمكن ملاحظة نموذج أخر، نتناوله بالتحليل، يتمثل في الإشارة اللغوية (أكل)، التي تبرزها السياقات المختلفة، كالتالي:
يأكل محمد اللقمة : يمضغ
أكل العدو الطُعم : وقع في الكمين
أكل المريض الدواء : تناول
أكل الشريك شريكه : احتال عليه
أكل البطل خصمه في الشطرنج : هزمه ( هزيمة منكرة ).
أكل التلميذ ضرباً مبرّحاً من أقرانه : تلقى
أكل جهاز التسجيل الشريط : علق
فنجد ان الإشارة ( أكل ) قد صرّفتها السياقات المنتمية لحوارات متفرقة على وجوه شتى، فكل سياق يحكم دلالة الإشارة في وجه، وينفي وجوها أُخَر، تطالعنا بها السياقات الأخرى، فتصرفت إشارة ( أكل ) على سبعة أوجه هي: «مضغ: وقع: تناول: احتال: هزم: تلقى: علق»، ويمكن الاسترسال في تعديد السياقات لتطل الإشارة ( أكل ) في وجوه كثيرة خارج نطاق الحصر، مما يدلل على قدرة السياق على تعديد دلالات الإشارة ووجوهها، بحيث تصبح كل كلمة في اللغة قادرة على اختزال بقية الإشارات اللغوية الأخرى. وهذا يعني ان الإشارة لا يمكن تحديد معناها حتى يكتمل السياق الواردة فيه، أي ان الإشارة تعوم فوق بحر من المعاني والدلالات، وإن ممارس اللغة يقوم بعملية الوضع حين يمارس التكلم، لأنه يصنع السياق الذي يعمل كمنظومة مرجعية للإشارات المكونة له، التي تمنح لتلك الإشارات دلالاتها ووجوهها، مما يعني ان عملية الوضع يمارسها الإنسان منذ القدم، وهي مستمرة في عمق الزمن، لان المتكلم في ممارسته للغة، يمارس عملية وضع الإشارة كقالب لفظي في السياق، الذي يهب لمكوناته الإشارية المعاني، التي ينتخبها المتكلم من ترسانتها من الدلالات الغير محصورة. فإشارات اللغة هي بمثابة الممثل الذي يعدد كاتب السيناريو أدواره، فيمنحه في كل سيناريو دورا وهوية، فيطل على المشاهد كل يوم بوجه، وفي هذا الإطار التطبيقي للغة يظهر تساوي وتكافئ الدلالات والوجوه في موقعها من الإشارة، فليس هناك وجوه ومعاني مصنفة في الدرجة الأولى، وأخرى مصنفة في الدرجة الثانية. إنما هناك وجه ظاهر ووجوه أخرى باطنة يختزنها الوجه الظاهر، متى ما توفر لها السياق المظهر لها، طلت علينا وظهرت، لتتحول من عنوان الباطن إلى الظاهر، لنتعرف بذلك على نسبية تقسيم الوجوه إلى باطن وظاهر.
ان ظاهرة تعدد الوجوه في اللغة، لدرجة استيعاب الإشارة اللغوية لبقية إشارات اللغة في دلالاتها الغير متناهية، فتختزلها في قالبها اللفظي ووجودها الرمزي، يمكن التدليل والبرهنة عليها من جهة أخرى، من خلال ظاهرة التداعي التي تعتري الذهن وهو يواجه الإشارة اللغوية، سواء أكانت نصاً أو كلمة يشتمل عليها ذاك النص مجهولة أو مشكوكة المعنى. فعملية التداعي تحدث بانهمار المعاني والوجوه، على الذهن، متنازعة القالب اللفظي. ان ذاك التداعي بالإمكان تصوره تارة في إطار ضيّق، يبدو فيه اللفظ محصوراً في عدة وجوه محتملة، تشير إليها علامات سياقية غير كافية لحصر الإشارة في الوجه المقصود، فيغدو مردّدا في إطار محدود، وقد تُتصور تارة أخرى في إطار أوسع يتسع فيه التداعي إلى درجة، ان كل المعاني والوجوه تصبح محتملة، وهنا يمسي الغموض تاماً، وذلك يتجلى من خلال بتر الكلام، فلو قال قائل: «أكل!» ثم أمسك عن الكلام، عندها لو أردنا التساؤل عن الوجه المتصور لـ «أكل»، كإشارة يبدأ بها الكلام، فان ذلك يدعونا إلى البحث عن السياق كمنظومة مرجعية، تصدر فيها تلك الإشارة فتحدد المعنى المراد والوجه المقصود منها، أو تُضيق إطار تردده، وإلا بقي المعنى مطلقاً مردداً بين عدة وجوه غير قابلة للحصر، فكل المعاني محتملة، وكل الوجوه واردة، وبذلك تصبح الإشارة مجهولة ومعناها غامضاً.
وكما تهيمن ظاهرة الوجوه في نطاق الإشارة المفردة، كذلك يمكن تصور اطرادها في نطاق الإشارة المركبة ( العبارة )، التي هي بدورها تخضع لسلطان السياق، والى قدرته على تعديد الدلالات وصنع الوجوه، لتصبح الإشارة المركبة، أيضا، في دلالتها غير نافدة، كالإشارة المفردة تماما، حين تشكل ترسانة للمعاني والدلالات ليس بالإمكان استنفادها. نموذج ذلك عبارة (كثير الرماد) التي نجد دلالتها تتصرف من سياق إلى آخر، كما في السياقات التالية:
- السياق الأول: حين ينظر محمد إلى رأسه الذي اشتعل شيباً في المرآة، ويتحسسه بيده، فيبادره صاحبه الذي يراقبه بالقول: انك كثير الرماد، كناية عن كبر سنه، أو كثرة همومه.
- السياق الثاني: نجد رجلاً يدخن لفائف التبغ الواحدة تلو الأخرى، فلا يكاد ينتهي من تدخين لفافة حتى يشعل أخرى، فتراكم بعد برهة من الزمن كومة من الرماد وأعقاب اللفائف المحترقة، في المطفأة الموضوعة أمامه على المنضدة، فيبادر جليسه معلّقا: أنت كثير الرماد، كناية عن إدمانه.
- السياق الثالث: نجد البيئة العربية الأولى التي درج العرب فيها على الطبخ باستخدام الأخشاب وأغصان نباتات البراري، فيخلف الطبخ رماداً تحت قدورهم، ففي هذا الإطار يأتي وصف الخنساء لمحاسن أخيها في بيتها المشهور: ( طويل النجاد رفيع العماد / كثير الرماد إذا ما شتى )، فكثرة الرماد دليل على كثرة طبخ أخيها وإقرائه للضيوف، ففي عبارتها (كثير الرماد) كناية عن كرم أخيها.
ففي هذه السياقات نلاحظ تعدد وجوه وموضوعات العبارة، بحيث أصبح ما هو متصور بالنسبة للكلمة ووجوهها يعم العبارة، أيضا، فهي لها وجوهها ودلالاتها اللامتناهية. اننا مما تقدم ندرك ان اللغة في قوالبها الرمزية قادرة على ان تُشحن بالدلالات المختلفة، لتوظف من قبل مستعملها في عملية الأداء الإيصالي في عدة اتجاهات، يمكن الاستدلال عليها بصورة لا مراء فيها من خلال صورة أخرى، تجسد الفكرة المتقدمة بمنظار مختلف.
فبدل أن نعدّد ونكثّر دلالة الإشارة اللغوية، بتنويع سياقاتها، بالإمكان ملاحظة عدة إشارات لغوية، رغم اختلافها، إلا إنها صدرت عن عدد من الناس، يستهدفون التعبير بها عن مشهد يحدث أمامهم، فسنلاحظ في خطاباتهم تتعدد الإشارات والعبارات اللغوية مع بقاء دلالتها واحدة، لوجود سياق واحد ومنظومة مرجعية واحدة، ترجع إليها تلك الإشارات والعبارات، وسنلاحظ في هذه التجربة، كيف تمارس تلك المنظومة المرجعية، التي يمثلها السياق دور الواهب للمعاني والمانح للوجوه، وكيف تشحن الإشارات، رغم اختلافها بالمعاني والدلالات الموحّدة، نتيجة وحدة السياق ووحدة المرجعية التي تستند إليها تلك الإشارات. فمثلا حدث قدوم سيارة البريد المرتقب لأهل قرية نائية، كل شهر، حين يحدث قد يعبر عنه أهل القرية بإحدى العبارات التالية: «جاء البريد / حضر الساعي / أتت السيارة / قدم جوزيف ( اسم الساعي ) / وصلت الرسائل، فكل هذه العبارات تفيد معنىً واحداً للسامع، مما يدلل على ترادف دلالاتها، وهو ما يؤدي إلى ترادف كلمات تلك العبارات، فبالإضافة إلى الترادف القائم بين: «جاء» وأخواتها، كما هو واضح في المثال، هناك ترادف غير مألوف يقوم بين «البريد: الساعي: السيارة: جوزيف: الرسائل»*، ففي هذا النموذج نجد الدلالة ثابتة، والقوالب اللفظية هي المتحولة والمتعددة. وفي ذلك صورة أخرى لتعدد الوجوه، فالعلاقة بين هذه المترادفات هي علاقة إبدالية. يمكن وضع بعضها محل البعض الأخر، مع بقاء المعطى الناتج على حاله. فهذه النتيجة تعلل كيف تترادف إشارات اللغة فيما بينها، لتنتظم كلها في سلسلة واحدة، لنقف على مشهد فيه إشارات اللغة جميعها تنتمي إلى أسرة واحدة، وتنتظم في شجرة عائلية، كل إشارة فيها تختزن اللغة بأسرها. مما يجعل الإشارة اللغوية تمتلك طاقة تعبيرية هائلة، كما تمتلك ذلك، الذرة، والحبّة، وفرع الشجرة، باعتبار ان الإشارة اللغوية تشكل إشارات اللغة وجوهها، وهي قادرة على تمثيلها وتقمصها. وان ذلك يخوّل ممارس اللغة، توظّف تلك الطاقة التعبيرية الكامنة للإشارات اللغوية، في الاتجاه الذي يشاء، وبالكيفية التي يشاء، لتعبر عما يشاء.
رغم ذلك فان علاقة الترادف أو التبادل التي دل عليها هذا التطبيق، تمثل وجها من الوجوه، يكشف كيف تترادف الإشارات اللغوية المختلفة. إلا ان لعلاقة التبادل الغير مألوفة، وجهها الأخر المألوف، الذي فيه تختلف هذه الإشارات في دلالتها. إلا ان اختلافها ينتج عنه ارتباط إشارات السياق، ومكونات منظومته ببعضها، من خلال علاقة تكاملية، فيها تتكامل تلك المترادفات المتبادلة للمواقع. لتنتج إلى جانب علاقة التبادل علاقة التكامل، كوجه أخر لعلاقة التبادل، لتنجم عن تلك الإشارات المترادفات، الجملة التكاملية التالية: «أحضر الساعي جوزيف الرسائل من البريد بالسيارة»، ليتبين ان التوظيف اللغوي محكوم بِمبدأين: مبدأ التبادل، ومبدأ التكامل.
بل هذا يجعل مبدأ التكامل بين إشارات السياق دليلا، على وجود مبدأ التبادل بين مكوناته مطلقا، بحيث تكون الإشارات في تكاملها دالة على ترادفها، كما في الجملة المذكورة، لتتحول علاقة التلازم إلى علاقة تبادل، فيها تبدل الكلمة بالأخرى كرديف، وتؤول بها، فتحل أحداهما محل الأخرى. فعلاقة التبادل هذه بمثابة التوحد، الذي فيه تتحد صورة أحدهما بالأخرى بصيغة اندماجية، تختزل فيها الإشارة الكل بداخلها، فتحليل العبارات المترادفة، في المشهد المتقدم، كشف ان كل عبارة كانت تلحظ وجها من وجوه الحدث، فتعبر عن جملة وجوه الحدث، بذكر وجه من تلك الوجوه، فتتحول الإشارة بوجهها الظاهر حينئذ إلى الرمزية، لتدل على مجمل الوجوه الباطنة المسكوت عنها. وهذه الطريقة في التعبير تكفل الإيجاز والاختزال في توظيف الناس للغة في حياتهم اليومية. فمُطلق عبارة: «أتت السيارة»، كان يريد أن يجمل في هذه الجملة كل العبارات الأخرى، فأراد أن يقول بعبارة تفسيرية: (أتت السيارة، أي جاء البريد، أي حضر الساعي، أي قدم جوزيف، أي وصلت الرسائل)، ولو أحد قال له: لِمَ لم تخبرني انه حضر الساعي؟ فانه سيحتج عليه بالقول: ألم تسمعني! أنني قلت: أتت السيارة؟! ليعبر باحتجاجه عن اختزان عبارته الوجه المسئول عنه، كما تختزن بقية الوجوه. فهذه العبارة المقتضبة بكل تفسيراتها تعني الجملة التكاملية: «أحضر الساعي جوزيف الرسائل من البريد بالسيارة ».
مما يؤدي بنا إلى الاستنتاج، بان هناك ترادفا بين العلاقة الإبدالية والعلاقة التكاملية، وان علاقة التكامل تدل بالضرورة على علاقة التبادل. فهناك مبدأ ذو وجهين؛ التبادل هو الوجه الأول، والتكامل هو الوجه الثاني. وان الناس في حياتهم اليومية يعتمدون على الإنشاءات اللغوية، التي تعتمد على الاختصار، أو بالاحرى على تقنية العبارة المضغوطة، المعبرة عن وجه واحد من وجوه الواقع، وهو الوجه المستكنه لبقية الوجوه، معولين على ذهنية المتلقي في استحضار بقية الوجوه المختزنة من خلال عملية الاستنباط، باستثمار السياق المشترك كمنظومة مرجعية بين ذهنية المرسل والمستقبل، مما تكفل نجاح التواصل بالتقاط المستقبل رسالة المرسل .
إلا ان هذا النموذج يكشف عن حقيقة العلاقة القائمة بين اللغة في صلتها التعبيرية بالواقع، حيث ان اي متكلم لا يستطيع ان يشير إلى الواقع الخارجي، او المتصور الذهني، الا من خلال بُعد من أبعاده. وهو ما نصطلح عليه بالوجه، فالوجه اللفظي يترادف مع الوجه القائم في الواقع الخارجي. وبناء على ذلك، لا ينبغي فصل الكلام عن الواقع، واعتبار ان الوجه في اللغة ليس له دلالة الا الدلالة الظاهرة، لأننا بذلك نسلم بظاهرية الواقع الخارجي والمتصور الذهني - التي هي كظاهرية اللغة - وهذا غير كاف، لان الوجه في الواقع الخارجي يشكل بُعد من أبعاد عدة، لا ينفك لانها غير مستقلة عن بعضها، وبالتالي لا يمكن فهم الواقع على حقيقته، الا بلحاظ وجوهه متصلة مترابطة ببعضها، لتحقيق رؤية موضوعية، غير واهمة مبنية على الانقطاع. وبذلك نكتشف وعينا بعملية التوظيف، والممارسة اللغوية، التي ينبغي ان تقوم على ضرورة مفهوم اختزان الكلام للوجوه، وتكاملية ذلك المخزون، كما لحظنا هذه التكاملية في الجمل المترادفة الآنفة.
ومن الظواهر التي تصادق على هذا، ما نلحظه من تعذر التفاهم وسيادة الغموض، إذا ما التقى اثنان أحدهما من المشرق، مثلا، والآخر من المغرب، فنتيجة عدم وجود وحدة سياقية بين الطرفين تمثل منظومة مرجعية مشتركة، وإذا وجدت فهي شوهاء، تكون في تصنيفنا لها إلى منظومتين مختلفتين، تلتقيان في بعض الوجوه اقرب للصواب، فان في إرجاع المتلقي منهما كلام الأخر المرسل إلى مرجعيته، يجعل تلك المرجعية تهب لكلام المرسل دلالات لم يقصدها، مما ينتج عن ذلك سوء الفهم والغلط في استيعاب عبارات الطرف الآخر. هذا إذا تحدثوا مفضلين الصيغة التبادلية الموجزة والعبارة المضغوطة، التي ألفوا الاعتماد عليها، لما تمتاز به من سرعة وعملية في الحياة اليومية. إما إذا ما تحدثوا بصيغة تفسيرية أو تكاملية، كما في النموذجين المتقدمين، فان ذلك سيجنبهما سوء الفهم والغلط، ويشكل بداية طيبة لتأسيس سياق موحد ومشترك، يمكن ان ينظم حواراتهما المقبلة، ويمنح كل منهما فهماً أفضل للآخر.
بهذا نتوصل إلى الاستنتاج، الذي فيه نتأكد من الترادف القائم بين العلاقة التبادلية والتكاملية في الإنشاءات اللغوية، وان ذلك دليل على ما تختزنه الإشارة اللغوية من قدرات تعبيرية، تختزل في داخلها كل اللغة. وان هذه القدرة التعبيرية اعتدنا ان نتعاطاها في ممارستنا للغة من حيث لا نشعر بكيفية أداء وظيفتها بالتحديد، أو عمل آليتها على وجه الخصوص، أو ما تمنحها العملية الوظيفية من خواص. فقد تبين مما تقدم ان اللغة تتحرك إشاراتها على محور تعمل فيه العلاقة الإبدالية والتكاملية معا، فالترادف والتبادل القائم بين إشارات اللغة، تجعل الترادف بين الإشارات في موضعٍ معينٍ، دليلا على ترادف جائز في المطلق. وظاهرة الوجوه التي تصنعها السياقات، تمنح الإشارة اللغوية دلالاتها انطلاقاً من ارتباط مكونات السياق بعلاقة التبادل التكامل. ولما كانت مكونات الكون كلها تنتظم في سياق واحد، كانت الأشياء والأسماء، التي تعبر عنها تتكامل فيما بينها، كما تتبادل المواقع وتؤول إلى بعضها، «ليصبح ليس في العالم شيء إلا وفيه جميع الأشياء»[14]، كما يقول جابر بن حيان، ويضيف: «ان في الأشياء كلها وجوها للأشياء كلها»[15]، ويترتب على ذلك في الإطار اللغوي، ان ليس في اللغة آية إلا وفيها جميع الآيات، وهو ما ينتج ظاهرة الوجوه، فالمثال الآنف الذي ترادفت فيه كلمات الجملة التكاملية تدل على وجود ترادف مطلق. وهذا يقودنا إلى تعليل الظاهرة اللغوية، التي تقوم عليها اللغة، والمتجلية في تسمية العرب الأشياء بصفاتها، أو لواحقها، أو أسبابها، أو ملازماتها، أو أجزائها، أو أنواعها، او أجناسها، أو بما كانت، أو بما ستكون إلى ما هنالك من تسميات مبنية على وجود علاقة أو مناسبة. وهي الظاهرة التي اعتبرت مبدأ، لذلك كف عن تعليلها، في وقت ما هي إلا ظاهرة بحاجة إلى تعليل، نجده في ارتهان مكونات السياق لمبدأ التكامل - التبادل، فهذا المبدأ هو الذي يعلل هذه الظاهرة اللغوية، ويقف وراء انبثاقها.
وهذا المبدأ الذي تتجلى فيه هذه الظاهرة اللغوية، هو الذي يجوّز تبادل نسبة الفعل بين تلك الأشياء، ليكون ذلك جزءا متفرعا عن الظاهرة الآنفة، فقيل على سبيل المثال:
طار مبعوث الأمم المتحدة .. قرر مجلس الوزراء .. أعلنت جبهة المعارضة .. اتخذت الحكومة الإجراءات المناسبة ..غزت (إسرائيل ) جنوب لبنان .. أعلنت اليابان الحرب العالمية على الولايات المتحدة الأمريكية ..
ففي كل هذه الصيغ أسند الفعل إلى مسند إليه، عبر عنه باسم من أسمائه الإبدالية، مستثمرين الترادف القائم بين مفردات اللغة، فبدل أن نقول طارت الطائرة بمبعوث الأمم المتحدة، نسبنا الطيران إلى المبعوث، فسميناه بذلك طائرة. وبدل ان نسند التقرير إلى رئيس مجلس الوزراء أسندناه إلى المجلس، في عملية تسمية لرئيس المجلس بالمجلس. وبدل أن نعزو إصدار الإعلان إلى المتحدث باسم جبهة المعارضة، عزوناه إلى جبهة المعارضة، وفي ذلك تسمية للناطق بالجبهة. وبدل أن ننسب الغزو للجيش الإسرائيلي، نسبناه للكيان الإسرائيلي بأسره، وفي ذلك تعريف للجيش بأنه هو ( إسرائيل ). وبدل أن نسند إعلان الحرب إلى إمبراطور اليابان، أسندناه إلى اليابان، وفي ذلك تسمية للإمبراطور باليابان. كل ذلك بناء على ان اللغة مترادفة في مكوناتها الإشارية، كما إنها متكاملة أيضا، وان خصائص اللغة هذه تكشف عن توظيف للغة مفتوح على مصراعيه على الاتجاهات كافة، وان هذه الممارسة قائمة على إنتاج العبارة المضغوطة، وبالتالي تفرض على المستقـبِل ممارسة التأويل من اجل استنباط المعاني والوجوه المختزنة في خطاب المتكلم.
* * *
إن ظاهرة تعدد الوجوه قائمة على أساس العلاقة التي يرتبط بها الواقع باللغة، فاللغة وسيلة ترميز، غايتها التعبير عن الواقع الخارجي، وتمثيله بسهولة، تمكنه من التعاطي مع الواقع الخارجي فكريا، بصيغة أكثر فاعلية، تُفعّل العلاقة بين أفراد المجتمع الإنساني، في محاولة تهدف إلى تدوير مكونات الواقع، وإعادة تشكيلها وصياغتها، بصوره تلبي احتياجات الإنسان، وتتكيف مع متطلباته، وهو ما يعني في النهاية اكتشاف الإنسان للحقيقة الكامنة في الواقع الخارجي، الذي مهّد لاكتشافه بإقامة مجسم رمزي لذلك الواقع، تمثل في الصرح اللغوي. ويكشف التجسيم ان اللغة ليست تمثيلا للواقع الخارجي في شكل صورة لها بُعدان، إنما هو تمثيل ثلاثي الأبعاد، مما يجعل وصف اللغة بالتجسيم، يراد به كل ما في الكلمة من معنى، باعتبار ان التجسيم تخلقه اللغة فعليا، بما تعكسه النظائر من وجوه الحقيقة المجهولة لنظير ما، فتقدم النظائر مساهماتها في كشف أي مجهول في عالم المعرفة، بتقديم كل نظير جزء من الحقيقة، فبجمع تلك الأجزاء إلى بعضها، من خلال عملية منهجية في التجميع والضم، تصنع النظائر مجسم الحقيقة التفصيلي للإشارة المدروسة، ليظهر ما خفي من حقيقتها المعرفية. ويعلل ذلك، بما تقدم الإشارة إليه في السطور الآنفة، من ان الإنسان يذكر الواقع الخارجي بوجه من وجوهه، إلا ان ذلك الوجه يبقى يختزن في داخله بقية وجوه الواقع، المتكاملة فيما بينها، فذلك ما يمنح تصريف الآيات لبناء مجسمات المعرفة مبرراته الموضوعية، وهو ما سنفهم أبعاده المنطقية في الفصل القادم.
ان تعبير النص اللغوي عن الواقع الخارجي، يجعل حتى النص الذي يتحدث عن الخيال، يرجع هو الأخر في جوهره إلى سياق الواقع، ويستوحي وجوده منه، فهو نتاج مبدأ التبديل - التكامل، القائم بين إشارات اللغة. بهذا يتضح ان النصوص اللغوية التي ننتجها في حياتنا اليومية، أو تلك التي تنتمي إلى ما يسمى بالخيال العلمي، أو الأساطير والخرافات، هي في اشاريتها بمثابة الأحلام، التي هي تعبير رمزي عن الواقع الخارجي، وليس الفارق بينهما إلا في تكثيف الاستخدام للرمزية، والإشارية اللغوية، وضغط العبارات. بكلمة أخرى، ان الفارق يكمن في الوضوح والغموض، كما في المثال الذي تترادف فيه الكلمات: (البريد: الساعي: جوزيف: السيارة: الرسائل)، فهذا النمط الجائز في إبدال المواقع بين إشارات اللغة، هو الذي يعتمده الفكر لبناء الأحلام، وصناعة مخلوقات عالم الرؤيا، المعبرة عن مكونات الواقع الخارجي.
إذن لم يكن الفكر في أحلامه غير واقعي، وإنما هو عميق في تحقيقه الواقعية، كل الواقعية! بلحاظ إننا اكتشفنا من خلال الأمثلة المتقدمة، إننا نمارس اللغة بالصيغة التي يمارسها الفكر في تعبيره عن الأحلام. وان لم نكن نستشعر بتقنية هذه الممارسة، إلا عند التحليل لممارستنا اللغوية عن كثب، كما أوضحنا في النموذج المتقدم تحليله. وبهذا يصبح ما الخيال العلمي، والأساطير من قبلها، وخطاباتنا اليومية، ما هي إلا ممارسات تنهج نهج الممارسات الحلمية، فهي نتاج الفكر الذي أنتج الأحلام.
وهكذا يفضي بنا البحث إلى استنتاج مجموعة من المبادئ الهامة، التي تقوم على أساسها الممارسة اللغوية:
تعوم الإشارة في اللغة على بحر من الدلالات الغير محصورة، وتعدد وجوهها يجعلها قادرة على اختزال بقية إشارات اللغة، لذلك لا يمكن التعرف على وجه الإشارة اللغوية الا بإتمام العلامات، فالكلمة بمثابة الإطار الفارغ.
يبرز تعدد وجوه المادة اللغوية تارة بتعدد دلالتها، وتارة بتعدد قوالبها اللفظية، مع بقاء محتواها ثابتاً. وبتر الكلام يعتبر المعيار الأمثل المُثبت لظاهرة تعدد وجوه الإشارة، نتيجة الإحساس بالتداعي للمعاني والوجوه على الذهن بصيغة انهمارية.
إن العلاقة التي تربط إشارات اللغة ببعضها، تحيل اللغة إلى شجرة لها أصولها وفروعها، والعلاقة بين تلك الإشارات: يمكن أن ينظر إليها تارة في إطار العلاقة الإبدالية، وتارة أخرى في إطار العلاقة الإكمالية. لذلك كان التوظيف اللغوي في الممارسة خاضعا لمبدأ التبادل - التكامل، وطرفي المبدأ التبادل والتكامل يرتبطان ببعض بعلاقة تشبه وجهي العملة. وعلى أساس هذا المبدأ يصوغ الفكر الأحلام، والأساطير، والخيال العملي، كما ينتج الممارسة اللغوية اليومية في حياة الناس، وان كان كل ذلك لا يتضح إلا بالتحليل.
تتيح ترسانة الكلمة من الوجوه والمعاني لممارس اللغة الفرصة، لان يقوم بعملية الوضع، عند ممارسته التواصل اللغوي، فهو ينتخب القوالب اللفظية، ويمنحها معانيها من خلال امتلاكه للسياق، كسلطة مرجعية واهبة للمعاني.
تقوم ممارسة اللغة في الحياة اليومية للناس، على اعتماد تقنية العبارة المضغوطة، مما يفرض على المستقبل ممارسة التأويل لخطاب المرسل، كي يفكك العبارات التي يتلقاها، ويستنبط منها المعاني والدلالات الباطنية المسكوت عنها.