معالم فقه اللغة

لقد تصور القرآن قيام النص على أساس اللغة التي نتعرف على فقهها في هذا المبحث. الذي ينطوي على مقارنة ضمنية بين اللغة في التصور القرآني، الذي استهدف بالتغييب، وبين اللغة في التصور الذي تعكسه علوم اللغة الموروثة، وهو التصور المدرسي القائم في الفكر والذاكرة. في هذه المقارنة، إذا ما اعتبرها القارئ معنا، سنلاحظ مقدار الفرق بين اللغة في التصور القرآني، واللغة في التصور المزيف والموروث، الذي نرتهن له. ويتعمق هذا التصور بالبحوث اللاحقة، حين نطلع على الأبعاد الفكرية، والآثار المنطقية المترتبة على كلا التصورين.

 

1/ اللغة رموز وإشارات

يعزا اكتشاف الإنسان للغة، إلى الطريقة التي ظل  وما يزال، يتعلم بها في مدرسة الحياة، وتعتمد هذه الطريقة في التعلم على محاكاة الطبيعة، التي يتجلى في مظاهرها العقل والحكمة، قبل أن يخلق الله الإنسان، ويزوده بالعقل والمنطق*. لا يهمنا تفاصيل اكتشاف الإنسان للغة، ولا الأطوار التي تبلور فيها اكتشافه، أو المدة الزمنية التي استغرقها كمسألة تاريخية. كل الذي يهمنا ونركز عليه هو الجانب الفكري، كيف التفت الإنسان إلى فكرة اللغة في الإطار الحياتي، الذي يعيش في كنفه؟ وكيف وظّف ملاحظاته المكتشفة لإيجاد لغته؟.

إن الإنسان في مراحل تطويره للغة، استطاع الوصول إلى اللغة في صيغتها الصوتية، باستيحائه لها من الطبيعة، عندما لاحظها في جانبها المصوّت، حيث الضجيج الذي يملأ أجواء الطبيعة وتزخر به يمثل جانبا من لغتها، فهي أصوات تُكرر ولكل تكرار ملازماته، وبالتالي للصوت الذي تطلقه الطبيعة دلالته، التي يدل عليها. فمثلا صوت الرعد يصدر عندما تكون السماء متلبدة بالغيوم، فأصبح هذا التلازم مع الزمن يوجد في ذهنه الانتقال من صوت الرعد إلى صورة المطر، وهكذا اكتشف الإنسان ما يسد حاجته إلى التواصل الألسني، وفق أساس أكثر تطورا، باكتشافه المبدأ الأول للغة الطبيعة، فحواه: أن الطبيعة تصدر أصوات لها دلالاتها، وعن التكرار ينشأ في الذهن حالة الانتقال من الصوت إلى الصورة التي يدل عليها، هذا المبدأ قام الإنسان بتوظيفه، عندما بادر إلى إطلاق الأسماء على الأشياء المحيطة به، فبدأ بالإشارة إلى الشيء ثم كرر لفظ معين، ينبغي أن يوجد بينهما تلازم، تلك الألفاظ صنفت لاحقا تحت عنوان الأسماء، تدل على الأشياء كمسميات، فنشأ بهذا الوضع الجماعي واقع اللغة الاصطلاحي.

من جهة أخرى، تعبر الطبيعة في جانبها الغير مُصوّت عن وجه أخر للغة الطبيعة، التي ساهمت في تطوير جانب من لغة الإنسان، فكان لذلك الجانب دلالته في وجوده وخصائصه، فتغير لون الماء في الجدول يدل على تغير مذاقه، واخضرار الثمرة على الشجرة يدل على فجاجتها، كما يدل اصفرارها على نضجها، فكان تجريد هذه المشاهدات يدل على ناطقية الطبيعة رغم صمتها، وهذا ما أوحي للإنسان بان يدخل الرموز الصامتة في لغته، أيضا، فأحال لغته الملفوظة إلى طور الكتابة، التي هي رموز لها دلالتها رغم صمتها، بهذا نشأ واقع اللغة. وهكذا اخذ هذا الواقع يتصاعد ويتطور عبر مراحل تاريخية، إلى ان وصلت اللغة إلى ما هي عليه، ألان، وبقيت لغات أخرى في مستويات بدائية تشير إلى توقفها عند بعض مراحل تطورها* .

بهذا نتبين أن الأشياء قبل وجود اللغة لها وجودها الرمزي، الذي أوحى بالرمزية اللغوية، فأصبحت الأشياء ذات دلالة إشارية، وأصبحت الإشارة اللغوية - المستوحاة منها والمعبّرة عنها-إشارات  لفظية مرادفة. وهذا يؤدي بنا إلى اعتبار الحياة بكل معطياتها التكوينية المؤلفة، لها نظاما أو نسقا إشاريا. بهذا نلاحظ أن اللغة  إشارات ذات دلالات هي المسميات، وان اللغة كلها عملية ترميز للواقع الخارجي والمتصور الذهني، ولما جعل الإنسان أشياء الواقع الخارجي تترادف مع الإشارات اللغوية، أصبحنا أمام المعطى التالي: [الشيء = إشارة]. فالفكر الإنساني يتعاطى مع العالم الشيئي كمجال له موضوع موحّد، يتمثل في الإشارة. ومفهوم الإشارة ينطبق على الإشارة المركبة، كما ينطبق على الإشارة المفردة، لإمكانية النظر إلى المركب كوحدة واحدة، حيث لا تكاد تكون هناك إشارة، إلا وهي متراكبة من مجموعة من الإشارات.

وهكذا، أصبحت الإشارات الطبيعية، التي تمثلها الأشياء في وجودها الخارجي، والإشارات اللغوية الرديفة لذلك الوجود الخارجي، يعبر بعضها عن البعض الآخر، فتعبر الإشارة الطبيعية عن الأخرى المماثلة، وتعبّر الإشارة اللغوية عن الأخرى المشابهة، وتعبر الإشارة الطبيعية عن الإشارة اللغوية، والإشارة اللغوية عن الإشارة الطبيعية. فينشأ عن هذا الترادف نظام إشاري موحّد، تؤول فيه الإشارة إلى الإشارة الأخرى، التي ترتبط بها بعلاقة وثيقة، سنتبينها فيما يأتي.