بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأحرف

ومشروع تثوير العقل

 

لا يوجد في التاريخ الإسلامي ألغاز وغوامض مثل اللغز والغامض المتمثل بظاهرة قراءة القرآن على حروف سبع تردد ذكرها بكثافة في صدر الإسلام،  ثم ساد اللغط تجاهها في فترة ما بعد صدر الإسلام لاسيما عند الأجيال المتأخرة على مدى قرون، حيث تنازع القضية موقفان، الأول الذي يؤيد قراءة القرآن على حروف، وآخر يحاول أن يفرض قراءة واحدة، ومصادرة بقية القراءات وينهى عنها، إلى درجة القتل. لقد كانت البداية مع حديث الرسول، الذي تلقى الأمر بتعليم المسلمين القرآن، وورد الأمر في صيغة وصفية، وصف فيها الرسول بالمعلم، فقال تعالى: (يعملهم الكتاب والحكمة)، وعلى الأثر جلس الرسول يعلم المسلمين قراءة القرآن، وكان عنوان دروسه الحديث اللغز: (انزل القرآن على سبعة أحرف)، ثم تجلى الواقع التطبيقي لهذا الحديث في تصرف القرآن على حروف، فقيل حرف علي، وحرف ابن مسعود، وحرف زيد، وحرف أبي، ... الخ، فكانت السورة الواحدة في حرف ابن مسعود ليست هي في حرف زيد بن ثابت، وليست على حرف أبي بن كعب، ثم وفي مرحلة ما بعد الرسول جمع أبو بكر وعمر مصحفا على حرف واحد وأطلقا عليه (مصحف الإمام)، وسعيا لقهر الأمة على الإتمام به والاجتماع على حرفه، ورفضا بقية الحروف، وطارد عمر القراء ليمنعهم من تجاوز حرف (مصحف الإمام)، ثم جاء عثمان الذي قاد الحزب الأموي ليكمل المشهد بمصادرة المصاحف من أيدي القراء والناس قهرا ويحرقها، ويعمم الحرف الذي اشتمل عليه (مصحف الإمام)، بنسخه وبثه في الآفاق، ثم عاد الأمويون ليقتلوا قراء العراق، ويثبتوا قراءة المصحف العثماني، بعد أن نقض مشروعهم الإمام علي -على مدى خمس سنوات مثلت عهده- الذي جدد فيه تصريف القرآن على سبعة حروف، ويمكن البحث عن الحقيقة بصورة علمية وعملية تتعلق بدراسة مفهوم الحرف لنتعرف على النزاع التاريخي والسياسي الذي جرى حوله، فالسؤال: ما هو مفهوم الحرف؟ والذي إذا ما تحدد سوف نفهم لماذا حدث التنازع فيه؟ عندها يمكن ان ندرك الأبعاد السياسية التي تجعل الموضوع قيد التنازع الذي وصل إلى درجة إشعال الحروب وإراقة الدماء، كما تنبأ الرسول: (يا علي! تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله).

 

الحرف:

تحليل المفهوم وتشكيل الرؤية

إذا عدنا للمعاجم اللغوية، لإعادة تحقيق مفهوم الحرف، نجد أن الـ(حرف) كاسم يعني الجهة والناحية والظرف والحد والقراءة، و(حرف) كفعل تعني مال وعدل وانصرف ووجه. ويشتق من لفظة (حرف) كلمة الحرفة، أي الصنعة. كما تشتق كلمة المِحرَف والمِحراف، أي الميل أو المسبار الذي يقاس به الجرح، والحارفة، مقايسة الجرح بالمحرف. إذا وظفنا كل هذه العدة من المعاني، في تحقيق مفهوم الحرف في التراث القرآني، يمكن أن نرسم معالم الرؤية التي تعيد التوازن للعقل في نظرته للفكر القرآني الذي ساد في صدر الإسلام،  والذي ظل وما يزال محل إشكال وجدل لا ينقضي.

فإذا جئنا للحرف باعتباره اسما، نجد في التراث القرآني حديث عن أن القرآن له وجوه، وهذا يتوافق مع الحرف بمعنى الجهة والناحية، فجهة الشيء وناحيته هو وجهه، فالقرآن له وجوه، أي له نواحي وجهات، أي له حروف. وبناء على ذلك فان حروف الكلم كل مكوناته حركة الشكل، نقط الإعجام، حرف الهجاء، الكلمة في الخطاب، العبارة في الخطاب، فكلها حدود وجهات وحروف. ثم نجد في التراث القرآني حديث عن القراءات، وهذا يتوافق مع المعجم اللغوي الذي يفسر الحرف بالقراءة، فان يكون للقرآن قراءات أي له حروف، ثم إذا لحظنا إن التراث القرآني يتحدث عن نسخ القراءات، أي أن هناك قراءة نسخت وحلت محلها قراءة أخرى، ويلاحظ في عملية النسخ إنها تراعي تطور الظرف، فحكم مرتكبة الزنا السجن في البيوت، ثم نسخ ليكون حكمها الجلد أو الرجم، على حسب وضعها الاجتماعي، (عازبة أم متزوجة)، فالقراءة الأولى لها حكم متوافق مع ظرف معين، نسخت بقراءة أخرى لتعبر عن ظرف آخر. وهذا يتوافق مع تفسير المعاجم اللغوية للحرف بالظرف، أي أن الحرف هو قراءة تعبر عن ظرف معين يمكن التحول عنه إلى قراءة أخرى يفرضها ظرف آخر.

فإذا جئنا للحرف باعتباره فعلا، فلقد تحدث التراث القرآني في صدر الإسلام عن تصريف الكلام، فروي عن الرسول قوله (ص): (من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الناس لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا)، وهذا يتوافق مع المعجم اللغوي في تعريف (حرف) فحرف الشيء أي مال وعدل وانصرف به، أي أن الحرف هو نتيجة لفعل هو الصرف، والرسول عندما يقول: (من تعلم صرف الكلام)، يتضح أن تصريف الكلام هو علم. فإذا كان التصريف هو تعريف للحرف والتحريف، فان بالانحراف بالكلمة من حرف وجهة ووجه إلى حرف وجهة ووجه آخر له، هي عملية التصريف. بناء على ذلك، نلاحظ أن الحرف تشتق منه كلمة التحريف، الذي هو الخروج بالكلام من موضع إلى موضع آخر، هذا التحريف هو التصريف: (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)75/2، فإذا كان للكلام حروف ووجوه منها الايجابية ومنها السلبية، فان كلام هذه الآية يمكن أن يحمل على حرف ووجه ايجابي وآخر سلبي، الايجابي يعني أن كلام الله صرف من حرف إلى حرف، ومن وجه إلى وجه، ومن قراءة إلى قراءة من بعد تعقل صادر عن قوم يعلمون تصريف الكلام. وحمل الكلام على وجه سلبي يعني ان كلام الله يصرف بعد تعقل من قوم منافقين يعلمون تصريف الكلام على حرف ليفيد غير الحق، كما فعل المنافقون، الذين قال عنهم الرسول: (أخوف ما أتخوف عليكم منافق عليم اللسان) (اخوف ما اخاف عليكم رجل يتأول القرآن على غير تأويله).

لقد جرى الحديث في إطار التراث القرآني عن عملية قياس ومقايسة تقوم على إتباع النظائر: (فيتبعون ما تشابه منه)، فالتشابه على وجه يفيد التناظر، وقال تعالى: (وضربنا لهم الأمثال)، وقال عن البراهين باعتبارها ضرب للأمثال: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)، وأضاف: (ما يأتونك بمثل إلا جئناك بـ[مثل]الحق وأحسن تفسيرا)، فهناك عملية قياس مثل على مثل، ليملي المثل على المثل تصريفا ما. وبناء على ذلك، قال الإمام علي: (المثل دليل على شبهه)، وكل ذلك يتوافق مع الاشتقاق الذي اشتق من كلمة حرف، حيث قالوا: المِحرَف والمِحراف، أي الميل أو المسبار الذي يقاس به الجرح، فتطبيق ذلك على التراث، إن الخروج من حرف ووجه وقراءة إلى حرف ووجه وقراءة تصريفا، إنما يستند إلى عملية قياس فيها يقاس النظير إلى نظيره، فكما قال الرسول في قوله تعالى: (الذين امنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، عندما حاول بعضهم أن يقرأها على وجه ظاهر ويستنبط: أينا لم يظلم نفسه؟ قال الرسول، ألم تقرؤوا قول العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم)13/31؟ فالرسول صرف وجه الظلم، ليفيد وجها ومعنى الشرك، عندما انتقل من الظلم في الآية الأولى إلى الظلم في الآية الثانية، التي عرفت الظلم بالشرك، مما يعني أن النظير هو المِحرف الذي يؤسس للحرف أساسه، أي أن الانصراف من حرف إلى آخر، ليست هي علمية اعتباطية لا ضابط لها، وإنما هي عملية منضبطة بالنظائر، فيكشف النظير الوجه الذي ينطوي عليه النظير الأخر. بهذه العملية يتم صرف الآية من وجه إلى آخر، والعدول بها من حرف إلى حرف ، وحرفها من قراءة إلى قراءة.

يضاف إلى ذلك، إن المحرف هي الأداة التي يقاس بها الجروح، حال القصاص، لقوله تعالى: (والجروح قصاص)، فيقتص من الجاني مثل ما احدث في المجني عليه، وهذا يجعل العلاقة بين الآيات المتناظرات هي علاقات اقتصاص، فيقتص من الآية بالمقدار الذي تفرضه الآية النظيرة، وكأن الحقيقة التي يفرضها النظير والمشوهة في الوجه الظاهر للآية المبحوثة، لا يمكن ان يتسامح فيه النظير عند إحضاره، إلا بالاقتصاص، فيقتص من الآية -قيد البحث- المشوهة بمقدار ما أحدثت في الحقيقة التي تفرضها الآية النظيرة من تشويه، وجرح لكي تكون على شاكلتها ويجري عليها ما جرى عليها. وهذا ما تعبر عنه عملية النسخ بالقطع والوصل، الاكمال والحذف، التقديم والتأخير، والقلب التي كلها صور من الاقتصاص مثل قطع يد السارق، وفقأ عين من فقأ عين غيره، وجرح من جرح سواه، فهذا المشهد يعيد نفسه في صورة آيات الخطاب عندما تقتص النظائر من بعضها البعض، ليعبر ذلك عن الحق: (بالحق انزلناه وبالحق نزل). وهكذا يمكن ان نجد في هذه الصورة التمثيلية كيف ان الاقتصاص المعبر عن الحق يمكن ان يترجم علم التأويل ...

أيضا من الشواهد الدالة على هذا الواقع التطبيقات الحية المروية عن صدر الإسلام، فالآية  «في حرف أبي بن كعب: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة)». يتحدد التصرف بهذه القراءة باضافة (إلى اجل مسمى)، بناء على قياس النظير : (فما استمتعتم به منهن فاتوهن) على النظير: (يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى)3/11، فتناظر الآيتين في (متع) يجعل احدهما محرف (:معيار ومقياس) للآية الأخرى، يعمل على حرف الآية بإضافة إلى القراءة التي قرأ بها أبي بن كعب: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة). فمحرف الآية من حرف إلى آخر هو النظير، ويمكن أن نجد شاهد آخر في قراءة ابن عباس: (وشاورهم في بعض الأمر)، فهذا الحرف ينتج بإضافة كلمة بعض، ويمكن أن نكتشف محرفها في قوله تعالى: (سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم)26/47، فانتقل ابن عباس من الآية إلى نظائرها في (أمر) فاكتشف ما يضيفه النظير إلى النظير، فاخذ بعض من هذه النظير، وأضافه للآية الأخرى، فقرأ: (وشاورهم في بعض الأمر)، ويكشف النظير إن المنطق يقتضي أن يعقب المشاورة الطاعة لبعض ما يشورون به عليه، مما يمثل الصواب، وإلا فما قيمة المشورة. كما أطاع الرسول سلمان الفارسي عندما شار عليه بحفر الخندق حول المدينة في الحرب التي عرفت لاحقا بحرب الأحزاب أو حرب الخندق. وهكذا نجد أن النظير هو المحرف للنظير، وبناء على ذلك، يتم قياس الآية إلى نظائرها وتجري عليها التغييرات والتحريفات والتبديلات التي تمليها النظائر فحسب، والخروج على ذلك هو الإبدال والتحريف والمحرم.

ولما كان النظير هو المحرف للنظير، فان المفسر للقرآن كابن مسعود قال : (وإنا لجميع حاذرون)56/26، قال: يعنى شاكى السلاح)، (الدر المنثور، 86)، فعند محاولة فهمنا الإجراء الذي قاد ابن مسعود إلى هذا الاستنباط نطبق الدائرة التأويلية على الخطاب قيد البحث، فنكتشف أن ابن مسعود تشابه عليه معنى (الحذر) في قوله: (وإنا لجميع حاذرون)56/26، فرد الآية إلى الأخرى المتناظرة معها في (حذر) مثل قوله تعالى: (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم)102/4، فتناظر الخطاب من خلال العطف بالواو على (أخذ)، حيث تفيد الواو عدم تكرار الفعل (اخذ) ولولاها لكرر، ولما كان التكرار يفيد التفسير المتبادل بين المتناظرين، فان (أخذ الحذر) يعرف بـ (أخذ السلاح)، فترتب على ذلك، إمكانية التعويض، ليفهم (الحذر) في الآية بأخذ السلاح، لنستنبط ان فرعون خشية من موسى ومن تبعه أجرى استنفارا للأجهزة الأمنية وتعزيز الحراسات، ونصب الحواجز الثابتة والمتنقلة على الطرق.

ولكن من اجل تصور نظري لهذا المفهوم المنهجي المنطوي عليه فكرة الحرف يمكن عرض ما روي عن محمد بن جعفر بن الزبير وكان فقيها مسلما وهو بن الزبير بن العوام القرشي المدني، توفي في سنة مئة وبضعة عشر، لنتناول ما رواه في مفهوم الحرف وعن صلة ذلك كله بمفهوم التأويل كمنهج لفقه الكتاب المنزل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:(فيتبعون ما تشابه منه)، أي: ما تحرّف منه وتصرف). وعنه:"وما يعلم تأويله" الذي أراد، ما أراد، "إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا"، فكيف يختلف، وهو قولٌ واحدٌ من ربّ واحد؟ ثم ردّوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتَّسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضًا، فنفذَت به الحجة، وظهر به العذر، وزاحَ به الباطل، ودُمغ به الكفر). وعن محمد بن جعفر بن الزبير ايضا:"وما يذكر إلا أولوا الألباب"، يقول: وما يذكر في مثل هذا يعني: في ردّ تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم، حتى يَتّسقا على معنى واحد "إلا أولو الألباب". وقال آخرون: معنى ذلك:"وابتغاء تأويل ما تَشابه من آي القرآن، يتأوّلونه، إذ كان ذا وجوه وتصاريفَ في التأويلات". ففي هذه الرؤية -التي تصدر عن رجل واحد ينتمي الى عصر متقدم- نجد مصطلحات مثل: المتشابه المحكم، التصريف والتحريف والوجوه، ونجد إجراءات تعبر عن آلية وعملية منهجية مثل: رد المتشابه إلى المحكم، وتعريفات مثل: المحكم لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، ويتمخض عن هذه المصطلحات ولإجراءات رؤية فحواها: إن رد المتشابه الذي له وجوه وتصاريف وتأويلات إلى المحكم الذي له تأويل واحد، يؤدي إلى اتساقهما في معنى واحد، يعرفه الراسخون في العلم الذين يتأولون المتشابه بتصريف وجوهه. هذه رؤية من رجل عاش قريب من الصدر الأول، ويروي لنا طبيعة العلم الذي ساد في صدر الإسلام، مما يصادق على الرؤية التي أفادها تحليل مفهوم الحرف ..

 

 

السبعة أحرف:

ومشروع استنهاض العقل

ولما كان صرف الكلام من حرف إلى حرف، والعدول به من وجه إلى وجه يعني أن بعض الوجوه ظاهرة وأخرى خافية، فان ذلك يفرض انقسام الكلام إلى ظاهر وباطن، فهناك الوجوه والمعاني والدلالات الظاهرة، وهناك الأخرى الباطنة، وان عملية الصرف هي التي تحاول أن تنصرف من الوجوه الظاهرة للوصول إلى الوجوه الباطنة، في عملية تصريف أو تحريف أو عدول من دلالة إلى أخرى، ومن معنى إلى معنى، ومن وجه إلى وجه، ومن قراءة إلى قراءة، ومن جهة من الكلام تفيد غير الذي تفيده الجهة الأخرى، في عملية تقليب للكلام على وجوهه وتفصيله بتلك الوجوه. وهذا يتوافق مع قول الإمام علي: (قلبت هذا الأمر على ظهره وبطنه، حتى منعني النوم)، وعلى اثر ذلك أطلق على المتفكر اسم القلّب الحوّل: (قد يجد القلّب الحّول وجه الحيلة)، ليكون المعنى أن تقليب الوجوه يقوم على صرف الكلام على وجوهه، وتقليبه على مختلف جهاته المحتملة، وتصوره في جميع حالاته الممكنة، وبه يعرف التعقل والتفكر، ويسفر عن إنتاج الأفكار، وبدون هذه العلمية يصادر العقل. ولكن العقل (:القلب) في الحقيقة لا يكف عن تقليب الأمور باعتبار أن هذه هي طبيعته التي يعرف بها، ولكن هذا التقليب ينبغي أن ينضبط بضابط استقراء التناظر التام، وعقد المقارنات المتتابعة بينها ليشكل تصورا في موضوع البحث، وعدم الحكم على الموضوع من خلال أول نظير يتم مقارنته بموضوع البحث، وإلا وضع العقل في الشطط. ولذلك جاء القرآن ليعلم الناس كيف يمارسون التعقل بصورة منضبطة من خلال القرآن، باعتباره منظومة كاملة من الأمثال: (في هذا القرآن من كل مثل)89/17. وهنا ينكشف الشرط الثاني، فأحيانا لا يتم التوصل إلى حقيقة الموضوع نتيجة عدم اكتشاف النظير المحكم الذي يكشف عن تشابه الجهل الذي يطرأ على موضوع البحث، فجاء القرآن ليقدم كتاب فيه كل الأمثال، الذي تكشف عن شبهات أي موضوع. وبناء على ذلك يمكن أن نجد معالم عملية استنهاض الفكر التي أقامها القرآن والتي تعمل على ضبط العقل بالصورة التالية:

أولا: العقل يفكر من خلال تقليب وجوه الموضوع.

ثانيا: إن موضوع البحث يتكون من وجوه.

ثالثا: بعض هذه الوجوه ظاهرة والأخرى باطنة .

رابعا: إن نظائر الموضوع تحوي وجوه موضوع البحث الظاهرة والباطنة، مما يقتضي أن نبحث عن هوية الموضوع في نظائره.

خامسا: الوجوه الباطنة لموضوع البحث تكشف من خلال عقد المقارنة بين الموضوع ونظائره.

سادسا: يصطلح على الانتقال من الموضوع إلى نظائره بالعبور من الظاهر إلى الباطن أو التقليب أي تقليب وجوه الموضوع من خلال نظائره التي تشكل وجوهه.

سابعا: إن القرآن هو المنظومة الكاملة من الأمثال التي تيسر على العقل تطبيق هذا المنهج في استقراء النظائر والاستنباط منها.

ثامنا: لما كانت نظائر الموضوع التي ينبغي تتبعها واستقراءها لكشفها لا تنتمي لحقل علمي معين، بل تشمل كل النظائر في كل العلوم، ترتب على ذلك شمول المنهج العبوري لكل العلوم، وتحول العامل به إلى عالم في كل شيء، فاستنباطاته لا تقتصر على علم بعينه بل تشمل العلوم كافة.

تاسعا: إن القرآن باعتباره منظومة أمثال كاملة، ينبغي أن يحل بديلا عن الذاكرة وأمثالها القاصرة والشوهاء. ويترتب على ذلك، أن يفكر العقل بها في الوقائع والنوازل، فيقارن الأمثال المتشابهة بالاخرى المحكمة في الذاكرة القرآنية، فيفصلها نسخا، ويحكم بها.

عاشرا: يفرض تناظر البينة القرآنية بالبنية الكونية على صاحبها أن يسير في الأرض فينظر في ألآيات الكونية، مما يعني أن القرآن هو (كتلوج الكون) وليست بديلا عنه، وإنما جاء القرآن ليعمق معرفتنا بالنسق الكوني.

الحادي عشر: إذا أحكم عمل العقل وفق الذاكرة القرآنية، يحول الذاكرة إلى التلقائية في عملها فتلهم صاحبها العلم بصورة تلقائية لا تحتاج إلى تكلف التأويل بالصورة الإجرائية، وعندها تؤدي الذاكرة القرآنية إلى تفجير طاقات العقل فتكون له خصائص القرآن، فيكون له القدرة على رؤية غيوب التاريخ، والحاضر المحتجب، ومجاهيل المستقبل، دون حدود تذكر.

إن العقل البشري في مشروع القرآن جاء ليمارس التأويل من خلال صيغة إجرائية، تقوم على تطبيق إجراءات وقواعد علم التأويل على الكتاب، واستنباط الأفكار والعلم المفصل الذي يفصل جميع نواحي الحياة، ولما كان الإيمان عمل، فان المطلوب العمل بتلك الرؤى المستنبطة وهو ما اصطلح عليه بترجمة الكتاب: (استنطقوا القرآن ولابد له من ترجمان)، وعملية ترجمته ينبغي أن تتصاعد لتحكم عندما تهيمن على سلوك الإنسان في نهاية المطاف بصورة كاملة، وهذا التدرج في الالتزام بالكتاب، والترجمة له هو المعبر عنه بمراتب الإيمان(:الإسلام، الإيمان، التقوى، اليقين)، مما يعني أن العملية تبدأ بتدبر الكتاب بالبحث عن الوجه المدبر، بصرف الآيات من وجوه ظاهرة إلى وجوه كامنة باطنة مدبرة، وذلك بالقدرة على تصريف الآيات على سبعة حروف، ولما كان الكتاب بيانا شاملا، تطلب العمل بهديه واسترشاده في كل الحالات، فإذا تحقق صدق العمل به بصورة كاملة وتتابع العمل استقامة عليه، أدى ذلك إلى تظاهر القدرات التي تظاهرت عند يوسف الصديق، الذي عرف صدقه بالقول: (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)38/12، حيث أنباؤه بالغيب للمساجين أو إصابته في تفسير الأحلام وإرساله للقميص ليلقى على وجه أبيه ليسترد بصره، كل تلك التصرفات تعبير عن عطاءات درجة الصديقين، المتمثلة في تعليم الله له، فكشف الغطاء عنه، فكان عالما بكل شيء. لذلك فان القرآن اوجد لهذا المنهج تطبيقات ونماذج تمثلت في الرسل ثم الأوصياء، فرسول الله محمد فيما يجري عليه هو نموذج ينبغي الاقتداء به، والوصول إلى ما وصل إليه، وصديق الأمة علي بن أبي طالب، هو نموذج وقدوة أخرى، وتعاقبت القدوات في الأئمة من آل محمد، واستطاعوا أن يربوا شيعتهم للارتقاء إلى مستوى الصديقين، فكان سلمان الفارسي تحدثه الملائكة وأعطي الاسم الأعظم، وكان عنده علم المنايا والبلايا، ونجد رشيد الهجري الذي كان يقف على رأس الرجل، ويقول تموت في السنة كذا، في الشهر كذا، في يوم كذا من العلة كذا، فكان يكون ما يقول. فذلك تعبير عن ان أئمة البيت النبوي استطاعوا أن يطبقوا الرؤية القرآنية في بناء الإنسان، واستطاعوا أن يقدموا نماذجا للمجتمع. فكان مشروع القرآن في استثارة العقل يقوم على استنهاض كل قدرات العقل ليتجلى بكامل بهاءه، ويكون الماضي والحاضر والمستقبل له حضور وشهود، ويكون له القدرة على الفعل، الذي من صوره القدرة على الشفاء الذاتية، ويعطي الحواس قدراتها الحقيقة التي تفوق القدرات المحدودة للإنسان العادي، كما وجدنا النبي يعقوب عندما قال: (إني أجد ريح يوسف)، كانت القافلة التي تحمل قميص يوسف للتو قد فصلت(:خرجت) من حدود مصر، مما يعني أن حاسة الشم التي أظهرها يعقوب قادرة على تحس على بُعد عشرات الكيلومترات. وهكذا تضاعفت قدرة بقية الحواس، فيسمع الإنسان ما لا يسمع الناس، ويرى ما لا يرى الناس، ويستطيع الإتيان ما لا يستطيعه أكثر الناس، وقد قال عن ذلك الإمام علي: (عباد ناجاهم الله في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم .. قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها ... يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمع الناس).

 

السقيفة:

مصادرة مشروع الإنهاض

فإذا عرفنا إن انقلاب السقيفة عزل الإمام علي -لمدة ربع قرن- الذي مثل ترجمان القرآن، الذي قال عنه الرسول، (علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان)، وعبر عن ذلك الإمام علي بالقول معرفا ذاته لمن جهلها: (هذا الكتاب الصامت، وأنا الكتاب الناطق)، أي الترجمان، ثم أقدم الانقلابيون على جمع القرآن الصامت في (مصحف الإمام) على حرف، ومنعوا قراءاته على سبعة حروف، مما يعني أن هاتين الخطوتين هما مصادرة كاملة لمشروع استنهاض العقل الذي أمل الإسلام أن ينتشل فيه العرب والعالم من عصر الجاهلية، فأوقف انقلاب السقيفة بإمامة العمرين اللذين قادا قريش في الانتقام من محمد الذي جندل رجالات قريش. وبناء على ذلك، لم يعد هناك شك في حقيقة الثالوث الذي جاء بعد الرسول، هل مثلوا خلفاء محمد أم خلفاء الجاهلية القرشية المتحولة إلى النفاق التي حاربت محمد؟  لقد اتضح الأمر بأجلى صوره بإعلانهم الحرب على القرآن الناطق والقرآن الصامت معا، عندما عزلوهما عن الحياة، ثم حولوا الإسلام إلى اسم والقرآن إلى رسم بمصادرتهم التأويل علم قراءة القرآن على سبعة أحرف، كما تنبأ الرسول: (لن يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه)، فتم ذلك على يد أبي بكر وعمر، وهكذا افتضحت حقيقة جمع القرآن الذي تغنى به مذهب الراي الذي صنعاه، فلم يجمع الرجالان القرآن وإنما جمدوه على حرف وكمموه ومنعوه من النطق بالحق طول هذه القرون الطويلة، وأوقعوا الأمة في التيه وانزلوها في كل قرن دركات من ظلمات جحيم الجاهلية فانتهى وضع الأمة، إلى ما هي عليه من تمذهب وتناحر وتخلف شامل وغزو يتعاقب عليها يستبيحها، ولن يعود الأمر كما بدأ محمدي نبوي إلا بالعودة إلى الوضع الذي مثلته الاستقامة العلوية، والى الأئمة الصديقين والمصطفين وورثة مقام الرسوخ في علم التأويل وتراجمة القرآن من آل محمد الذين فرض الله ولايتهم على الأمة، فكانوا هم الأئمة من آل إبراهيم وفيهم الإمامة إلى يوم القيامة. واليوم مع عودة كشفنا للقواعد علم التأويل وإجراءات علم استنطاقه، يتكشف كيف أن القرآن ينطق كما قال تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)، من خلال هذه القواعد والإجراءات بصورة مدهشة تثير الاستغراب والعجب. لننهي وضع مصادرتها!

لقد انتهى وضع الجهل بالتأويل، ووضع حدا للخدعة التي مثلها مذهب السلطة الذي يقيم بنيانه بالاستناد إلى إمامة الشيخين، لقد خدع الشيخان وفقهاء السلطة الموالين لهما الأمة عندما اظهروا إن التأويل مما لا يعلمه احد غير الله، مما جعل التأويل من مختصات العلم الإلهي الذي لا يعلمه احد سواه، ليكون ذلك دين يدان الله به، وزيف في هذا الإطار مفهوم المتشابه والمحكم، فكتب السيوطي مقررا هذا الجهل بالتأويل باعتباره هو الرأي المختار لمذهب السلطة بالقول في كتابه (الإتقان في علوم القرآن): «فصل: اختلف هل المتشابه: مما يمكن الاطلاع على علمه أولا يعلمه إلا الله؟ على قولين منشؤهما الاختلاف في قوله (والراسخون في العلم) هل هو معطوف؟ ويقولون حال أو مبتدأ خبره (يقولون)، والواو للاستئناف. وعلى الأول -[أي القول بالعلم بتأويل المتشابه]- طائفة يسيرة ... وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم خصوصاً أهل السنة فذهبوا إلى الثاني، وهو اصح الروايات عن ابن عباس. قال ابن السمعاني: لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة، ... قلت: ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول والراسخون في العلم آمنا به) فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية، وإن لم تثبت بها القراءة، فأقل درجتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه كما مدح الله المؤمنين بالغيب. وحكى الفراء أن في قراءة أبيّ بن كعب أيضاً: ويقول الراسخون. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود: (وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به). وأخرج الشيخان وغيرهما على عائشة قالت: تلا رسول الله (ص) هذه الآية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب ... أولوا الألباب) قالت: قال رسول الله (ص): «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فأحذرهم». وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله (ص) يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله» الحديث»(السيوطي، الإتقان، 1/641).

لقد كان التأويل علم السبعة أحرف المنزلة مشروع إنهاض العقل البشري وإخراجه من ظلمات الجاهلية، كما كان مشروع بناء الإنسان الكامل، فالخدعة حدثت عندما صار نفي التأويل هو الدين، والإيمان به هو الكفر، وإتباع التشابه ابتغاء تأويله فتنة وزيغا عن الدين، دون التمييز بين التشابه بمعنى التناظر أو الالتباس، ولم تتعظ الأكثرية التي لا تعقل من تحذير القرآن: (إن المنافقين يخادعون) (هم العدو فاحذرهم)، لقد خدعوا الأمة واستطاعت خدعتهم أن تنطلي عليها طوال هذه القرون دون قدرة على كشفها لتستمر في ضلالها المستطير. ولكن اليوم بالكشف عن معالم علم التأويل وتطبيقه على الكتاب المنزل والسنة النبوية، تستعيد الآيات والأحاديث قابلية النطق بالحق، ولذلك سنتلو: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، ونقول بدأت عودة الأمة إلى صراطها المستقيم، وبدأ الهتاف في الأكثرية المخدوعة أفرادا وجماعات بان تلوي أعنة جيادها عائدة إلى صراطها الذي خرجت عنه جانحة متفرقة بين السبل طوال هذه القرون، فاستولى على أزمة أمورها أئمة الضلال الذين طالما حذر منهم الرسول: (أخوف ما أتخوف عليكم الأئمة المضلين). فهل بذلك سقط الأئمة المضلون في التاريخ الذين مازالت تحكم أشباحهم فكر الأكثرية، وبسقوطهم تسقط اكبر الخدع في تاريخ الأديان أم إن الأمر بحاجة إلى قرار سياسي تتخذه العواصم، حيث بدأ الصراع سياسيا ويستمر كذلك وان تنكر السياسي في صورة المذهبي، فإذا ما اهتدى فقيه الأكثرية إلى الحق عزلته السياسة واستبدل بآخر يوافق على استمرار سياسة تزييف الفكر وتطويع الأكثرية، ليستمر إمام السقيفة حاضرا في صورة الحاكم المعاصر، وزيد بن ثابت مقرئ عاصمة الخلافة حاضرا في صورة مفتي الديار حليف السلطة، فيتمسك بالسياسة التي تقضي بجمع الأمة على حرف واحد ويتنكر للدين الذي يقضي بقراءة القرآن على سبعة أحرف غير متناهية تنطوي على كل العلوم والمعارف؟!. يبقى سؤال يبحث عن إجابة

 

Hit Counter

تاريخ النشر:1/9/2008