بسم الله الرحمن الرحيم

الخطاب

وإمكانية فقهه تأويلا

(إشكاليات تاريخية وردود معاصرة)

 

تمهيد:

بعد ان تحول الوسط الشيعي في علاقته بعلم التأويل من الدراية إلى الرواية في محنة تاريخية- اتخذ صفة الإخبارية- وطرح تبريرات يحاول من خلالها قصر اختصاص علم التأويل بالبيت النبوي، تعليلا لوضعه، ثم ورّث هذه المبررات للوسط الأصولي الذي أبدى اقتناعا بهذا القصر دون نقاش يذكر، لإعراضه عن التأويل من جهة، ولاكتفائه بالرأي المحسن (:علم الأصول) والعلوم المنهجية المكملة، من جهة أخرى. إلا ان مع انبثاق علم التأويل حاضرا باكتشاف معالمه وإجراءاته وقواعد، أعادت أجيال الأبناء التساؤل عن إمكانية ان يكون التأويل علما متاحا للجميع، واسترجعت الشبهات والمبررات التي قيلت في القرون الأخيرة. وتبعا لذلك لزم ان نضع تلك التبريرات كإشكاليات في دائرة الضوء ونعيد مناقشتها بصورة موضوعية تبدد الوهم الناشئ عنها، ونكشف وجه النصوص التي استندت إليها، والذي لا تفيد أبدا ما فهم منها، ولم يكن فهمها السائد منذ طرحها إلا ضربا من الخطأ الذي استمر لغياب علم التأويل أولا، وثانيا لعدم وجود مبرر لمناقشتها.

لقد شرط البيت النبوي الفقه بمعرفة التأويل باعتباره علم تصريف وجوه الخطاب، يدل على ذلك قول الإمام الصادق: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ان الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب!)، وأضاف أيضا: (ان لكل حق حقيقة ولكل صواب نورا ثم قال: إنا والله لا نعد الرجل فقيها حتى يلحن فيعرف موضع اللحن!)(مستدرك الوسائل، 17/344)(الوسائل، 27/117). ولما غاب هذا العلم أصبح التشيع الوارث لتراث البيت النبوي غير قادر على تصريفه على وجوه، ففقد شرط الفقاهة وأخذ بالوجه الظاهر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى سوء فهم لما أريد من الخطاب الذي طرح في دائرة الجدل بين خط الوصاية المعارض وخصومه من مذاهب السلطة الجائرة. وترتب على سوء الفهم المتأخر ابتداع إشكالات خلقت حول إمام البيت النبوي أوهام  وشبهات راجت مع الزمن، كان من ضمنها وأخطرها فهم بعض الروايات بوجه ظاهري يفيد قصر علم الدين والكتاب على البيت النبوي دون سائر الأمة.

لقد اعتمد البيت النبوي في الفقه على استنباط الفتوى من القرآن والحديث تأويلا، فقوله تعالى: (إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين)77-80/56. هذه الآية لها وجه ظاهر، يفيد ان القرآن لا يمسه إلا من كان على طهر، أي وضوء، فيه يغسل الراغب في مسه أطرافه بطريقة مخصوصة وصفها القرآن، يدل على هذا الوجه الظاهر ما ورد عن أئمة البيت النبوي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ ع فِي قَوْلِهِ: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) قَالَ: مِنَ الْأَحْدَاثِ والْجَنَابَاتِ، وقَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ والْحَائِضِ والْمُحْدِثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ)(وسائل ‏الشيعة: 12/385)، عن أبي الحسن الإمام موسى بن جعفر (ع) قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خيطه ولا تعلقه إن الله يقول: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)(بحار الأنوار:77/256).

ولكن لهذا الخطاب، قيد النظر تأويلا، وجها باطنا، يفيد ان مس مكنون علم الكتاب يتطلب طهر الفكر والنفس، فكان أوصياء البيت النبوي مثالا لمن امتلك ذاك الطهر، يدل على ذلك الحديث عن الإمام علي: (إن القرآن الذي عندي (لايَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، والأوصياء من ولدي! فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟! قال علي (ع): نعم! إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة عليه)(المجلسي، بحار الأنوار:89/42).

 

إشكالية لا يمسه إلا المطهرون:

من هذه الرواية الأخيرة وأمثالها انبثقت إشكالية لا يمسه إلا المطهرون، فالأوصياء من آل محمد هم المطهرون، ويمكن تعزيز ذلك بنصوص قرآنية وصف فيها البيت النبوي بالطهر: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)33/33، وقد دلت الأخبار بان أفراد البيت النبوي أولئك هم الرسول محمد والإمام علي وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء وسيدا شباب الجنة الإمامان الحسن والحسين. وبناء على ذلك، فان الذي يمس العلم المكنون للقرآن هم هؤلاء المطهرون. وهذا الفهم لا يعدو الصواب أبدا، إلا ان قصر علم الكتاب على هؤلاء المطهرين فحسب هو الذي يرد عليه الإشكال، إذ لا دليل على الحصر، فأفراد البيت النبوي مصاديق مثالية للمطهرين لا أن الطهر ينحصر فيهم، باعتبار ان الطهارة تنتشر في الناس بشكل درجات. فإذا كان الأئمة من آل محمد من المفترض ان يتعاقبوا على وراثة مقام مرجعية الرسول السياسية والفكرية للأمة ليشغل الحاضر مكان الراحل، وهو ما يتطلب طهرهم الكامل وعلمهم الكامل أيضا بالكتاب، فلا يعضلهم شيء من تأويله، وهو ما يؤيد قول الإمام علي: (ما من شيء بين الدفتين إلا وأنا اعلم تأويله)، وقول ابن مسعود: (ان للقرآن ظاهر وباطن وان علي بن أبي طالب جمع منه الظاهر والباطن)، فهذا لا يمنع ان تتدرج بقية الأمة في مراتب الطهر وفي مراتب العلم بالكتاب، فيكون للمسلمين فقهاء يتتلمذون على يد الرسول والإمام من آل محمد ويكون لهم علمهم على تأويل الكتاب مثل: أبي بن كعب الأنصاري وابن مسعود وابن عباس والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، الذين ينسبون رسوخهم في علم التأويل بتتلمذهم بين يدي الرسول تارة وبين يدي الإمام علي تارة أخرى. وكل ذلك أكده الإمام علي بالقول لمخطابه: (الله يقول: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) يعني لا يناله كله إلا المطهرون إيانا عنى، نحن الذين أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا، وقال: (أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) فنحن الذين اصطفانا الله من عباده، ونحن صفوة الله ولنا ضربت الأمثال، وعلينا نزل الوحي)(كتاب ‏سليم ‏بن ‏قيس:847). فعبارة الإمام علي المسطرة: (لا يناله كله إلا المطهرون )، تشير إلى ان كل علم الكتاب لا ينال العلم به كاملا إلا المطهرون كاملا، بناء على ذلك ينتج ان غيرهم يتفاوتون في حظوظهم من علم الكتاب على حسب الطهر الذي يتمتعون به، فكلما زاد الطهر زاد المتحصل منه وكلما قل قل.

هذا من جهة، من جهة أخرى، إذا عرفنا ان (الإسلام) يعتبر من (المطهرات)، فالمشرك الذي لا يؤمن بالإسلام يوصفه القرآن بالنجس: (إنما المشركون نجس)28/9، ولكن إذا ما دخل الإسلام يعد حينها طاهرا، فإذا آمن بالإسلام نفاقا فكان إيمانه ظاهرا دون الباطن، فعندئذ يعتبر طاهرا على مستوى الظاهر دون الباطن، فقال تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (...) أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)41/5. وبناء على ذلك، فان المؤمنين الذين امنوا ظاهرا وباطنا بالإسلام هم من المطهرين، الذي ينطبق عليهم قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين)77-80/56.

هذا من وجه، ومن وجه آخر، فان القرآن وصفه الله بالكتاب، ولفظة (الكتاب) في ذلك الزمان يتبادر منها معنى (الرسالة) اقرب من تبادر معنى الكتاب: (الورق الذي يقع بين الدفتين)، لاسيما عند أول نزول القرآن حيث انتشرت الأمية في بلاد العرب، بينما اليوم انصراف لفظ الكتاب على الورق الواقع بين الدفتين اقرب عند إطلاق الكلمة، وان كانت الكلمة لا تزال تستعمل بما يفيد الرسالة، فيقال في الدوائر الحكومية مثلا: (عليك ان توجه كتاب إلى الديوان) أي رسالة. من هذا المنطلق ، فان الله سمى الذي يحمل ذلك الكتاب رسولا، مما يعني ان الله يبعث برسالة ويحملها للرسول ويوجهها للناس، يصادق على ذلك قوله تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)138/3، فالقرآن هو رسالة تنطوي على بيان موجه للناس، فلما جاء الرسول للناس ليبلغهم بالرسالة المرسلة إليهم، فهل كان الناس -آنذاك- إلا مشركين عبدة أوثان أو نيران أو طغاة أو علماء محرفين: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)31/9. وبناء على ذلك، فان كون الكتاب لا يمسه إلا المطهرون ينصرف على وجه يفيد فيه الطهر، (اي الإسلام)، معنى الفطرة، فالإنسان يولد على الفطرة : (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)30/30. فالكتاب العزيز باعتباره رسالة الله الموجهة للبشر بواسطة الرسول الحامل لها تخاطب في الناس فطرتهم، وهي الفطرة التي تتجلى فيما بقي من شعلة العقل الوهاج فيهم: (فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستادوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ و يثيروا لهم دفائن العقول ويروهم آيات المقدرة)(المجلسي، بحار الأنوار:11/60).

وهكذا فان ما بقي من الفطرة التي دفنت بالاعتقادات الفاسدة هي الطهر المتبقي الذي يأتي الرسول من خلال الرسالة النازلة ليستثيره ويثمره وينميه: (يثيروا لهم دفائن العقول)، أي يثير تلك الفطرة، وهي الإثارة التي تتم من خلال إثارة الكتاب: (من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن)، وهذا التثوير هي صياغة للبرهان تعد من وظيفة العقل، كما تدل على ذلك المقارنة التالية، قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)111/2، التي تؤول بالنظير: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين)34/52، فصياغة البرهان تقوم على الإتيان بالاستدلال بالحديث على مثله، ومعنى الحديث هو القرآن، لقوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)23/39، فالكتاب هو (الحديث) الذي تتناظر مكوناته ويتألف من ثنائية المتشابه المحكم، هذا من جهة. من جهة أخرى، فان حديث الكتاب ينطوي على أحاديث، كما يقول تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين)24/51، (هل أتاك حديث موسى)15/79، (هل أتاك حديث الجنود، فرعون وثمود)17-18/85. (هل أتاك حديث الغاشية)1/88. وبناء على ذلك، فان قوله : (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين)34/52، فان يكون القرآن حديث يتألف من أحاديث، فذلك يعني ان الحديث هو الكتاب والأحاديث هي الآيات التي يتألف منها الكتاب. وبناء على ذلك فان البرهان هو ان يأتوا بالحديث ومثله في عملية استدلال بالمثل على شبهه، وهو ما ينطبق على الآيات القرآنية او الأحاديث النبوية المشتقة من القرآن. فهذه العملية هي التي تؤسس علم التأويل وبها يستثار علم الكتاب، وتظهر عجائبه وغرائبه التي يقول عنها الإمام علي : (لا تحصى عجائبه ولا تفنى غرائبه)(الكافي، 2/598).

والخلاصة، إن كل إنسان على وجه الأرض ينطوي على شيء من الفطرة وهو معني بالقرآن رسالة الله الموجه له، وان فهم معطيات هذه الرسالة، وعلمها المكنون متوقف على آلية تقوم على رد الآية إلى الآية النظيرة، التي تتماثل معها في اللفظ او المعنى، عندها يفسر ويفصل الكتاب بعضها بعضا تأويلا، فعلى الساعي لفهم رسالة الله الموجه له ان يتعلم علم التأويل البسيط المؤلف من هذه الدائرة التأويلية التي فيها يرد المتشابه إلى المحكم. وان فطرة الإنسان كلما زادت توهجا، كلما ازدادت قدرته على التعاطي مع القرآن بصورة تجعله قادرا على النهل من علوم وأسرار وذخائر هذا النبع المتفجر بتبيان كل شيء. وإلا لو امتنع علم القرآن واقتصر على كامل الطهر والعقل، لكان بذلك ممتنعا عن ان يكون رسالة صالحة ان توجه للبشر كافة.

 

إشكالية هم الراسخون في العلم حصرا!:

وإذا حلت الإشكالية المتقدمة أمكن حل إشكالات مشتقة منها، كتلك المتعلقة بقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3. فعلى القول بان الواو استئنافية في المقطع: (والراسخون في العلم)، فان الله يعلم تأويله دون الراسخين في العلم، بينما القول بان الواو عاطفة فان الله والراسخون في العلم يعلمون تأويل القرآن. ولان هذا القول صادر عن الفكر الظاهري لمذاهب الرأي، فقد حدث نزاع بين القولين، بينما في ظل التأويل القائم على تصريف القرآن على وجوه، فان ليس القول الأول إلا وجها والقول الثاني وجها ثان، ويمكن الجمع بينهما دون ان يؤدي ذلك إلى تناقض او تكاذب. فعلى القول بالعطف فان الراسخين  في العلم يعلمون تأويل القرآن، وعلى القول بالاستئناف فان الراسخون في العلم في بعض الموارد تتشابه عليهم الآيات ويعجزون عن نسخها فلا يعلمون تأويلها، عندها يقولون: (يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)، يصادق على ذلك، ان هذا التأويل ورد عن البيت النبوي، ففي الوقت الذي قال آل محمد إنهم هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويله، استناد لكون الواو عاطفة، قالوا في مورد آخر ان الراسخين لا يعلمون استنادا لكون الواو استئنافية، ففي الخبر عن الإمام علي انه قال لمخطابه: (واعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الِاقْتِحَامِ عَلَى السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ إِقْرَاراً بِجَهْلِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ. فَقَالُوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً)( مستدرك ‏الوسائل:22/247). فعرف الراسخين بالوجه بالذين عجزوا عن تأويل بعض موارد آيات الكتاب.

إلا إننا بمعرفة ارتباط علم تأويل الكتاب بالطهارة، يمكن ان ننجز استدلالا آخر ههنا استناد للآية: (لا يسمه إلا المطهرون)، والتي ربطت العلم بمكنون الكتاب بالطاهرة، فتبعا لذلك نقول أن من أسماء الله (الطاهر)، لذلك هو يعلم تأويل الكتاب ويطلع على مكنونه فما الكتاب إلا علم الله، وباعتبار ان البيت النبوي موصوف أفراده بالطهر للآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)33/33، فأفراد البيت النبوي هم راسخون في العلم يعلمون تأويله، وقد ورد في الخبر: (الرسول أفضل الراسخين في العلم ثم نحن). ثم بعد ذلك، فان المسلمين الذين تطهروا بالإيمان تلقوا علم التأويل عن الرسول والبيت النبوي لذلك فهم يعلمون تأويل الكتاب ويطلعون على مكنونه، كل على حسب استعداداته، فأشاع النبي علم التأويل في أمثال: أبي بن كعب الأنصاري، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود وآخرين كثر.

وفي هذا السياق دعا الرسول لابن عباس بالقول: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فتعلم علم التأويل على يد الإمام علي، فقال ابن عباس في ذلك: (وعلمي من علم علي)، ثم روى عنه تلامذته قوله: (أنا من الراسخين في العلم وأنا ممن يعلم تأويله). وهكذا علم ابن عباس تلامذته علم التأويل وحولهم إلى راسخين في العلم كما هو، فكان من تلامذته: سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وعطا، وآخرين.

 

إشكالية يفهمه من خوطب به!:

في هذا السياق، أيضا ترد إشكالية: (إنما يعلم القرآن من خوطب به)، فالكلام هنا يرد على حمل خطابات القرآن: (يا أيها الناس .. يا أيها الذين امنوا .. )، ان المقصود منها الوجه الخاص الذي يفيد آل محمد، كما في قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)55/5، فهذا الخطاب يعرف (الذين امنوا)، بالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، والتي تجمع الأخبار بأنها نازلة في الإمام علي، ولما كان الإمام علي هو امة، بلحاظ الذرية المصطفاة من صلبه التي تجري فيها دعوة إبراهيم: (إني جاعلك للناس إماما! قال: ومن ذريتي)، فاستجاب الله له فكانت الإمامة في ذريته فقال تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)72-73/21. وتبعا لذلك، فان آية إتيان الزكاة في الركوع كانت تجري في الأئمة من ذرية محمد من بنته فاطمة الزهراء وابن عمه علي بن أبي طالب واحدا تلو الآخر، يرسل الله مسكينا ليسأل الإمام المصطفى وهو راكع. (فهذا من باب ان الآية لو نزلت في قوم ثم ماتوا لماتت الآية، ولكنها تجري في الباقين كما جرت في الماضين).

ولذلك فان تلك الأمة من المؤمنين المجتبين هم المخاطبون بقوله تعالى: (يا ايها الذين امنوا ..)، وهذا الأمر احتج به الأئمة في مقام منازعة بعض فقهاء الرأي لهم في مقام الإفتاء، وهو الوضع الذي نشأ على اثر سيطرة المنافقين على سدة الحكم في البلاد الإسلامية، وقد أوصى الرسول الأمة بالقول: (لا تعلموهم فهم اعلم منكم، ولا تتقدموهم)، فكان منازعتهم في أمر الإفتاء هو منازعة للأئمة المصطفين من آل إبراهيم.

أيضا آل محمد يصطلح عليهم القرآن باسم غير شائع فهم (الناس)، ففي قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما، فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا)55/4، كلمة (الناس) في الآية تفيد (آل محمد)، ويمكن القراءة بالنسخ تعويضا كالتالي: "أم يحسدون آل محمد على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما، فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا"، فهذا احتجاج على الأمة التي صدت عن آل محمد، وأعطت ولاءها لغيرهم من أئمة المنافقين، الذين حذر الله من الولاء لهم وعبر عن ذلك بإلقاء المودة لهم عندما قال: (ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة )1/60، ودعاهم في الوقت نفسه ان يعطوا ولاءهم لآل محمد بإلقاء الود لأئمة البيت النبوي: (قل: لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)23/42، فالآية الآنفة كانت تذكر الأمة بان ما اصطفاء آل محمد إلا سنة الله التي جرت في آل الرسل من قبل مثل آل إبراهيم، ثم في وجه ثان ما آل محمد إلا آل إبراهيم الذين جعل الله فيهم الإمامة: (قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي)124/2. فرسول الله هو القائل: (أنا ابن الذبيحين)، يشير إلى إسماعيل بن إبراهيم كما يشير إلى أبيه عبدالله- الذي كاد يذبح قربانا في قصة مشهورة- فمحمد ابن من أبناء إبراهيم وما آل محمد إلا آل إبراهيم تلك الذرية التي أنجبت الأئمة الهداة على امتداد التاريخ. 

إلى جانب هذا الوجه الباطن الذي يحمل لفظتي (المؤمنين) و(الناس) وخطابات القرآن المتعلقة بها على آل محمد، هناك الوجه الظاهر الذي يحمل اللفظتين والنداءات المعتمدة لهما: (ياأيها الذين امنوا .. ياأيها الناس .. )، لتشمل الناس كافة باعتبار الرسالة للبشر جميعا: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا )28/34. كما ان المخاطبة للمؤمنين يقصد بها على الوجه الظاهر المؤمنين بالإسلام كافة. وبناء على ذلك، فان الذين خوطبوا بالكتاب بالوجه المتقدم هم البيت النبوي خاصة، وفي الوجه الظاهر هنا هم البشرية كافة، أي الناس تارة أو المؤمنين من الناس تارة أخرى، فكل من يمتلك إثارة من العقل تمثل بقية الفطرة في داخله قادر على التواصل والتفاعل مع رسالة الكتاب والإيمان بها، وهكذا ينفتح الأفق لاستيعاب المزيد من المؤمنين بها والداخلين في رحابها، حتى تأتي اللحظة التاريخية التي فيها يستوعب الإسلام في انتشاره الأرض كافة: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)9/61...

وهكذا نجد ان ما هذه الإشكاليات إلا شبهات نتجت عن غياب علم التأويل وانهيار علاقة الفهم بين المسلم والقرآن المجهول، وهي العلاقة التي أشار إليها الرسول عندما قال: (لو قرأ الناس القرآن كما انزل - انزل القرآن على سبعة أحرف- ما اختلف اثنان)، وأضاف الإمامان الصادقان: (لو قرأ الناس القرآن كما انزل لوجدنا مسمين بأسمائنا كما سمي من قبلنا)، ليتضح ان سبب انهيار وحدة الأمة، وتغييب إمامة آل محمد كان نتيجة التجهيل بعلم التأويل، الذي يمنح القرآن إمكانية النطق بالحق في كل الموارد التي يستفسر فيها أو تعرض عليه اختلافاتها.

واليوم بعد الكشف عن معالم المؤامرة على القرآن والتي صودر فيها علم التأويل منهج الاستنباط في الإسلام، والكشف عن إجراءات وقواعد هذا العلم الذي يفتح خزائن الكتاب على مصراعيها ويلقي بكنوز القرآن لتكون في متناول الجميع، نهتف بأئمة المذاهب اتبعوا التأويل ما انزل الله، ولا تكونوا كما قال تعالى: (إذا قيل لهم اتبعوا [التأويل] ما أنزل الله قالوا بل نتبع [الرأي: علم الأصول] ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)170/2، فلم يكن آباؤكم إلا مخدوعين في مؤامرة حاكتها المشاريع الانقلابية في التاريخ الإسلامي، فالبس عليهم دينهم، ولا يمتلك منهج الرأي الذي تفشي فيكم، أي صفة شرعية بعد نص القرآن على التأويل منهجا لفقه القرآن وبعد عمل فقهاء الصدر الأول به، وما استبدال الرأي بالتأويل إلا انقلابا وتحريفا وابتداعا في الدين، فاتقوا الله!، (فما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)144/3 .

ثم نداؤنا لكل إنسان فيه أثر للفطرة وبقية من جذوة العقل ان يهرع للإطلاع على علم التأويل واكتشاف الآفاق التي يتيحها له والكنوز التي يلقيها بين يديه، ثم ليشيع ذلك في المحيط من حوله آخذا الكتاب بالقوة تأويلا، وليحدوه قول الله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين)133/3. (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير)10/57. فظهور علم التأويل آية تبشر بفتح جديد وعصر آخر، وليس من جاهد قبل الفتح كمن جاهد بعده وكل وعد الله الحسنى، والله ولي التوفيق.

 

Hit Counter

 

تاريخ النشر:1/ابريل/2007