بسم الله الرحمن الرحيم

 

التأويل

الارتفاع والحضور العقاب والاجتباء

 

 

1) العقاب

ارتفاع التأويل: الدخول في التيه العظيم

 

لقد كانت النصوص الدالة على المنهج في متناول الأفهام وتشغل السطح الظاهر من الكتاب والسنة، رغم ذلك فان العقول وحركة الفكر المسلم الناظرة طوال هذه القرون في النصوص لم تستطع أن تكتشف الأمر. وعند التساؤل: لماذا؟ أ لا يعد ذلك الأمر غريبا؟ الواقع، إن الأجيال المتعاقبة مع الزمن، كانت تحتجب عن الكتاب من خلال أفكار جاهزة تشكل تصورات موروثة، خلدت الكتاب في سجن الوهم طوال هذه القرون المديدة التي تجاوزت العشرة قرون بقرنين أو يزيد! ومنعت العقل المسلم من التفكير بحرية بعيدا عن الأغلال والاصر التي تشكلها قناعته الجاهزة وأفكاره الموروثة التي ألفها واطمأن بها وركن إليها ... 

لقد كان الأمر شبيها بالفكرة الحاجبة التي ولدها العقل الذي واجه دعوة الرسول محمد؛ حيث كانت الفكرة الحاجبة تنص على أن محمدا هو ساحر، فقناعتهم تلك رهنت فكرهم، فلم يعودوا نتيجة الاحتجاب بها يبصروا حقيقة الواقع أو يدركوا الموقف، فلم يروا الرسول وإنما تخيلوا ساحرا، ولم يسمعوا فيما يرتله قرآنا، وإنما سمعوا طلاسم السحر. هذا الواقع الغارق في حجاب الفكرة هو الذي يسرده الخطاب القرآني: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا، نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا)45-48/17، في هذا السياق جرى المتأخرون، فنمّوا وأنشئوا تصورا للحقل الفقهي مغايرا للواقع، فاحتجبوا به عن إدراك الحقيقة فكان الحجاب هو ضلال عن أدراك الحقيقة، وتتابع الضلال بالتوارث للفكرة الحاجبة المضللة...

لكن السؤال: إذا كان المنهج في متناول الأفهام يشغل الوجه الظاهر من خطابات الكتاب والسنة النبوية، فلماذا احتجب فكر الأمة ولم يوفق الله لكشف الأفكار الحاجبة، مما ترتب على ذلك استمرار الأمة تعيش في التيه العظيم الذي جاوز التيه الإسرائيلي أضعافا مضاعفة؟!!

لقد كان الأمر ينطوي على عقاب الله، الذي أغضبته هذه الأمة، أضعاف ما أغضبه بنوا إسرائيل، لذلك تطاول التيه، لقد تنبأ بهذا العقاب الإمام علي عندما خطب بالكوفة، فقال: «بحقّ أقول ليضعفنّ عليكم التّيه من بعدي باضطهادكم ولدي، ضعف ما تاهت بنوا إسرائيل على عهد موسى» ([i]). لقد تاه بنو إسرائيل وضرب الله عليهم الذلة والمسكنة في ذلك التيه، فكانوا مداس الأمم، جزاء لقتلهم الرسل وتحريفهم الكتب: (ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)61/2. والأمر تكرر مع الأمة الإسلامية، التي اضطهدت البيت النبوي وترافق ذلك مع اضطهاد القرآن حليف أهل البيت النبوي، فهما الصاحبان اللذان يوصف الإمام علي اضطهاد الأمة لهم فيما بعده بالقول: «فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو» ([ii])، لقد قتلت الأمة الأوصياء ونبذت الكتاب، إتباعا لسنة بني إسرائيل، حذو النعل، وكان كفرها بآيات الكتاب يقوم على تحريف الكتب بالرأي، فغدت الآيات قوالب فارغة يحشوها فقهاء مذهب الرأي بأفكارهم الرثة، ثم يعيدوا استنباط ما دفنوه في تلك القوالب، في عملية خداع للذات.

فكان من شأن الإعراض عن الإمام العادل والفقيه الراسخ التمسك بالبديل المنطقي المتمثل بالإمام الجائر وفقيه الرأي الجاهل، في عملية انصراف للأمة من الحق إلى الباطل، أدت إلى انصراف في الفكر والمشاعر يقرره قوله تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون)127/9.

وفي ظل ذلك المخطط الماكر بالكتاب وأهله مكرت الأمة بنفسها من حيث لا تشعر: (وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون)123/6، حيث أدى ذلك إلى تظاهر غضب الله، فتولدت عن مطاردة، الأمة للكتاب وأهله، دوامة التيه التاريخي التي ألقت الأمة بنفسها فيها، ولم يكن ذلك إلا جزاء لما اكتسبت يداها، فحقت عليها كلمة العذاب وحاقت بها اللعنة التي نزلت ببني إسرائيل من قبل، ليعيد التاريخ نفسه: (يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين)26/5. فكان تماثل عقاب الأمتين ناتج عن تماثل الذنب، وهو قوله: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلوني، فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون)60/51.

 


2) الاجتباء

عودة التأويل: الخروج من التيه العظيم

 

في إطار معرفتنا ان الرسول لم يكن إلا حلقة من حلقات سلسلة ممتدة عبر التاريخ، بها تتظاهر الظاهرة النبوية وتتجدد لترافق المسار التاريخي للبشرية منذ البداية حتى النهاية، فان علم التأويل كان ومايزال هو المنهج المعرفي الذي مثل العلم الذي يطلع الله عليه أولئك الرجال حال اصطفائهم واجتبائهم لمقام النبوة والرسالة، يدل على ذلك قوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12، فخطاب هذه الآية يكشف أن تمام النعمة يحدث ليوسف بالاجتباء وبتعليم التأويل، وهو ما حدث من قبل لسلسلة آبائه المتنبئين كإبراهيم، وإسحاق (:عمه) اللذين يذكران كنموذجين ومثالين يشكلان الحلقتين الأقرب من سلسلة آباء يوسف المصطفون بالنبوة، مما يوحي بان الرسول محمد كآخر حلقات سلسلة أولئك الرجال الذين تعهد الله بإتمام النعمة عليهم: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)3/5، كان لابد أن يرافق اصطفاءه تعليمه التأويل، فأضحت هذه الآية تكشف عن حضور علم التأويل باستمرار مصاحبا للمسار النبوي عبر التاريخ، وانه شكل العدة المنهجية الموحدة لفقه الكتب المنزلة على الأنبياء منذ مطلع التاريخ البشري ويستمر حتى انقضائه، يمنح الكتب السماوية القدرة على المعاصرة المستدامة بحيث تتصف بالكمال، إذ: (تمام النعمة) هو (التأويل) وهو (إكمال الدين).

يضاف إلى ذلك، إن التأويل يرتبط بالاجتباء من جهة: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك)، ويرتبط بموهبة الملك: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة)101/12، إلا إن ذلك مرتبط بالولاية لله، الذي يهب الملك لمن يشاء: (يؤتي ملكه من يشاء) 247/2، فيعز من يؤتيه الملك ويذل من ينزعه منه: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء)26/3. فمحصل هذه الآيات، ان ظهور علم التأويل في أمة ما يدل على اجتباء تلك الأمة لشغل مقام الملك وتفضيلها على بقية أمم الأرض، وإعزازها من بعد ذلّ، وذلك لان التأويل هو الذي يعمل على استنهاض العقل، لما يشكله من مفتاح لخزائن العلوم، فهو علم المنطق، وتزكية النفس، وباستنهاض الإنسان على المستوى النفس/ فكري ترتقي الأمة إلى مقام الأفضلية بين الأمم الأخرى التي تفقد هذه المواصفات...

­فكان تطبيق ذلك على التاريخ يتجلى في ظهور علم التأويل على يد الرسول محمد(ص) مما أدى إلى ظهور أمر الأمة وتفضيلها على بقية الأمم، بدليل وصفها بـ (خير أمة أخرجت للناس)110/3، بينما كان سلب علم التأويل وقبضه، وهو الأمر الذي بدأ مع رحيل الرسول، بدليل قوله(ص): ((إني امرؤ مقبوض وسيقبض العلم وتظهر الفتن))([iii])،  ((تعلموا القرآن وعلموه الناس فإني مقبوض به))([iv])، أدخل وضع الأمة في خط بياني انكساري، وبدأ العد التنازلي لنزول الأمة من مقام الاجتباء، لتجرد من الأفضلية بين الأمم، ما عنى بدء نزع الملك والعز منها، فهاهي الأمة كما نراها نزهة الطامع، وأراذل الشعوب، تتخطفها الأمم المستقوية، وتتداعى عليها من كل جانب كتداعي الأكلة على قصعتها، تحقيقا لنبوءة الرسول بهذا الشأن.

والتساؤل: كيف حدث ذلك الانكسار؟ الإجابة تتخلص بالقول: إن غياب الرسول تزامن مع تظاهر قوى النفاق الذين عملوا على عزل القرآن، ورفض تحكيم مرجعيته(*)، هذا العزل والتهميش والتغييب هو الذي اصطلح عليه القرآن بالهجر: (وقال الرسول: يا رب! إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، وترتب على ذلك الهجر هجر المعيارية الحاسمة في الخلافات، حيث نزل الكتاب ليحكم في اختلافات الأمة ويفصل فيها: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، وبذلك يصون وحدة الأمة من التمزق والانهيار بتبديد خطر تطور الاختلافات إلى منازعات تفكك الأمة إلى أحزاب وشيع وفرق ومذاهب ومرجعيات وكنتونات تذهب بريح الأمة وقوتها ادراج الرياح: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله(:الكتاب) والرسول(:السنة) إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4.

لقد انتهى المشهد إلى ما قصه تعالى: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)152/3. وهو المشهد الذي غاب فيه الكتاب العزيز، واليه يشير الإمام الجواد: ((كل أمة رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه))([v])، فكانت الأمة ومازالت مفككة تمنح ولاءها لعدوها من يهود ونصارى أو شرق وغرب وتستلب من تلك القوى المحيطة، التي راحت تستتبعها، في فلكها تارة، وتارة تتداعى عليها بنزول قواتها المحتلة على أرضها لتسومها سوء العذاب تذبح أبناءها وتنهب خيراتها ومقدراتها، (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)141/7.

إلا أن ظهور علم التأويل اليوم، في واقع الأمة الإسلامية من جديد، يشكل انعطافة تعود فيها الحياة بالتحدب على هذه الأمة المنكوبة، حيث يبشر هذا الظهور ببدء اجتباء التاريخ للأمة لتشغل مقام الملك والتفضيل على العالمين، (وأني فضلتكم على العالمين)47/2، وبدء وضعها في خط بياني صاعد، وبدأ القدر التاريخي يحقق الوعد الذي بشر به الكتاب: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)33/9، فآن الأوان ليظهر الدين الإسلامي من جديد ليسود العالم، وفيه تتبوأ الأمة، بقيادة الكتاب وأهله، مقام قيادة أمم الأرض، فتعمل على تعليم أمم الأرض وتزكيتها بإخراجها من ظلمات عبادة العباد إلى نور عبادة رب العباد، هادية لها إلى سبيل الله ...

ولكن الإيذان ببدء الخروج من التيه العظيم، ووضع حد لمأساة الأمة لا محيص عنه إلا بنشأة الجيل الذي يغير نفسه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)11/13، فينتفض على الأسباب التي حقت معها كلمة العذاب، ويرفع عن كاهل الأمة وزر الخطيئة التي احدثها المبطلون فيها، أي على ذلك الجيل أن يثبت انه حليف القرآن أولا، فينهي وضع القرآن المهجور والمطارد بان يوفر له ولأهله مجالا آمنا، وثانيا يُحكّم الكتاب في كل المنازعات التاريخية والمعاصرة ليصلح به كل الأوضاع الماضية والحاضرة. وثالثا يجاهد في سبيل تمكين الكتاب في واقع الأمة بحق، عبر التمكين لخصائصه، باعتباره خطابا مفصلا، تبيانا لكل شيء، لا متناهيا في عطائه، متصرف الوجوه، يجد فيه الفكر علم ما كان وما يكون وما هو كائن، ورابعا أن ينصب الكتاب بهذه الخصائص مرجعا وإماما يقتدي بهديه، على سنة الرعيل الأول في صدر الإسلام الذي رفع شعار: ((هذا القرآن فاتخذوه إماما يدلكم على هداكم))([vi])، ((كتاب الله تسمعون به، وتبصرون به، وتنطقون به وينطق بعضه ببعض))([vii])، وكانت مواصفات الفرد في تلك الأمة التزامه بالعمل بما يتوافق مع الكتاب: ((قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامة يحل حيث حل ثقله وينزل حيث كان منزله))([viii]).

ولن يتأتى لهذا الجيل الغاضب لله شيئا من هذا إلا بالاعتماد على التأويل علم الكتاب ومنهج الاستنباط، الذي يُفعِّل القرآن ويمنحه خصائص الحياة. فإذا ما وُلِد هذا الجيل الملتزم بالقرآن بحق، والمجاهد في سبيله بصدق، وغضب غضبته لله، بالإمكان أن نتوقع ظهور صاحب القرآن، طريد الزمان (عج) ..

Hit Counter

 


([i]) المجلسي، بحار الأنوار: 34/155

([ii]) الإمام علي، نهج البلاغة، خطبة (147).

([iii]) ابن أبي جمهور، عوالي اللآلى، 3/491

([iv]) الهندي، كنز العمال، ح(28720).

([v]) المجلسي، بحار الأنوار، 78/358. فروع الكافي، 8/53.

([vi]) الحسن الديلمي، إرشاد القلوب، 1/79.

([vii]) المجلسي، بحار الأنوار، 89/22.

([viii]) الإمام علي، نهج البلاغة، 118.

 

تاريخ النشر: 4/يناير/2007