|
بسم
الله الرحمن الرحيم القرآن الأجْرَد الواقع التاريخي، الأبعاد والخلفيات، النتائج والإرهاصات
الواقع التاريخي:
لم تكن كلمات النص القرآني في صدر الإسلام مثبتة بعلامات تفيد الشكل أو الإعجام، مما يعني أن القرآن كان خلوا منها، فالقرآن أجرد، ولم ينجم ذلك نتيجة جهل العرب أو المسلمين بتلك العلامات، فكل الأدلة التي يقدمها تاريخ القرآن أو الأدلة التي تقدمها البحوث في تاريخ اللغة العربية، أو التي كشفت عنها بحوث التنقيب الأثرية، كلها تشير إلى عكس ذلك، فقد ساد في البيئة العربية آنذاك علم بالعلامات التي تفيد الشكل والإعجام، ورغم ذلك أهمل العرب آنذاك تلك العلامات عند الكتابة عامة وشمل ذلك كتابة القرآن أيضا. وليس الفارق بين الأمس واليوم على مستوى الكتابة إلا في اعتمادنا لعلامات الإعجام وأهملنا علامات الشكل. بينما في الماضي كان الإهمال لعلامات الشكل والإعجام معا، إما على مستوى القرآن فبالأمس تجرد القرآن من الشكل والإعجام بينما اليوم هو مثبت بها، ولكن يمكن طرح سؤال للتفكير: ما هي النتائج المترتبة على هذا الاعتماد أو الإهمال؟!. فالواقع التاريخي فيما يتعلق بالقرآن الأجرد، نجد توصيفه في النص التالي المنقول عن كتابنا التأويل منهج الاستنباط في الإسلام: «والتزاما بواقع الخط العربي آنذاك، أهمل القرآن التنقيط في صيغته المعبرة عن الإعجام والأخرى المعبرة عن الشكل. ولم يكن إهمال الخط العربي لهذه العلامات عن جهل بها، بل عن قصد وتعمّد، يدل على ذلك معرفتهم بهذه العلامات، بشهادة ما ورد في القرآن من إشارة دالة على تلك المعرفة: (كتاب مرقوم)9/82، حيث أن «رقم الكتاب: أعجمه وبيّنه، أي نقطه وبين حروفه. وكتاب مرقوم: قد بُيّنت حروفه بعلاماتها من التنقيط»(1). مما يعني أن العرب في الجاهلية عرفوا هذه العلامات. كما تدل على ذلك، أيضا، الأخبار المروية عن رجال عاشوا في صدر الإسلام. فهناك خبر يرفع إلى ابن مسعود، يذكر انه قال: «جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم»، «أراد تجريده من النقط والفواتح والعشور لئلا ينشأ نشء فيرى أنها من القرآن»(2). يفهم من هذا الخبر أن التنقيط كان معروفا، وان ابن مسعود كان على علم به، ...، خبر آخر«رواه سفيان بن عينية يفيد أن زيدا بن ثابت نقّط بعض الحروف»(3)، «وهناك رواية تنسب لابن عباس، ترى أن الثلاثة الذين هم من بولان من طيء ومن أهل الأنبار، لما وضعوا الحروف وضعوها منقطعة وموصولة، ثم وضع أحدهم وهو عامر الإعجام. أي أن العرب وضعوا الإعجام في الوقت الذي اخترعوا فيه قلمهم العربي»(4). أما بالنسبة للشكل فـ: «يرى بعض المستشرقين أن ضبط الكتابة العربية، قد بدئ به قبل الإسلام. وذلك لأن عرب العراق وعرب بلاد الشام كانوا يكتبون بالسريانية، وقد عرفت السريانية مشكلة الشكل وعالجتها. فلابد وأن يكون العرب الذين أخذوا قلمهم من السريانية أو النبطية المتأخرة، قد وقفوا على المشكلتين، فعالجوهما على نحو ما»(5). يضاف إلى ذلك دلالة الكشوف الأثرية الحديثة، في شبه الجزيرة العربية، المؤيدة لمعرفة العرب بتلك العلامات. فقد «ورد أن بعض الباحثين عن الكتابات الإسلامية القديمة عثروا على آثار للنقط في بعض الوثائق القديمة. فقد ذكر الدكتور Grohman أنه وجد في وثيقة من وثائق البردى المدونة بالعربية واليونانية ويعود تأريخها إلى سنة 22 للهجرة حروفا منقطة وهذا(...) يدل على وجود التنقيط في هذا العهد. كذلك ذكر G. C. Miles انه وجد حروفا منقوطة في كتابة عثر عليها قرب الطائف يعود عهدها إلى سنة 58 للهجرة. وإذا صح أن هذه النقط قديمة قدم الخط، فإن معنى هذا أن الكتابة على الحجر قد عرفت التنقيط أيضا في هذا العهد وقبله، إذ لا يعقل أن تكون أول كتابة على الحجر استخدمت التنقيط»(6). كما اعتمد القرآن قواعد رسم الخط السائدة آنذاك كحذف الألف من أواسط الكلمات، فقاعدة كتابتها تنص على «أن الألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة تحذف، وتلك قاعدة مطردة في الكتابة السريانية، وكان ذلك شائعا في الإسلام، وخصوصا في القرآن، فيكتبون (الكتب) بدل (الكتاب)، و(الظلمين) بدل (الظالمين)»(7)، وحتى لو كتبت فإنها تعتمد في القراءة تارة وتهمل أخرى.))(8). لقد كان الرسول والملأ من الفقهاء الراسخين في علم التأويل، الذين تخرجوا من جامعة المسجد، متمسكين بالقرآن الأجرد، فهم لا يرون تلك العلامات جزءاً من الخط القرآني أو من قرآنية القرآن، ورفضوا - كما اتضح من عبارة ابن مسعود الآنفة- تثبيت القرآن بعلامات الشكل والإعجام حتى بالنسبة للناشئة، خشية ان يعتادها الجيل الناشئ ويثبت القرآن بها، فتتشوه الهوية القرآنية، بل ان عبارته «جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم»، تعني ان القرآن الأجرد حق ينبغي المحافظة عليه، وتوريثه للأجيال القادمة مع المستقبل، وان هناك خوفاً من ارتفاع صفة الأجرد عن القرآن، وخوف من ان تعتبر تلك العلامات جزء من الخط القرآني، وعلامات لازمة، وهذا ما يطرح السؤال: لماذا التمسك بصفة القرآن الأجرد والخوف من ارتفاعها؟ من الذي وقف وراء تثبيت القرآن بهذه العلامات؟ وما هي الأبعاد والغايات التي توختها عملية التجريد أو عملية التثبيت؟ وهل يمكن استنطاق القرآن بهذا الشأن؟. الأبعاد والخلفيات: ان قيمة القرآن في جديته المتحققة بنطقه بالحق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، (ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون)62/23، ومن هذا المنطلق قال الإمام علي: «كتاب الله ينطق بعضه ببعض [وحيا]»، وعزز ذلك عندما تناول أوجه الوحي الستة: (ثم سألوه عن لفظ (الوحي) في كتاب الله، تعالى، فقال: منه (وحي النبوة) ومنه (وحي الإلهام) ومنه (وحي الإشارة)، ومنه (وحي أمر)، ومنه (وحي كذب)، ومنه (وحي تقدير)، ومنه (وحي خبر): فأما تفسير وحي النبوة والرسالة فهو قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأَوْحَيْنا إلى إبراهيم وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ ...). وأما وحي الإلهام فقوله عز وجل: (وأَوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ) ومثله: (وأَوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ). وأما وحي الإشارة فقوله عز وجل: (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا) أي أشار إليهم، لقوله تعالى: (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً). وأما وحي التقدير فقوله تعالى: (وأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها). وأما وحي الأمر فقوله سبحانه: (وإِذْ أَوْحَيْتُ إلى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي). وأما وحي الكذب فقوله عز وجل: (شَياطِينَ الْإِنْسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ). وأما وحي الخبر فقوله سبحانه: (وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وإِقامَ الصَّلاةِ وإِيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ) »(9). فكان وحي الإشارة، هو الذي تُعرف به طبيعة النطق القرآني، فالقرآن هو الذي يتألف من آيات أي إشارات، وان التناظر اللفظي والمعنوي بين الآيات هو الذي ينظم عملية عقد المقارنات الموحية، وبها تتجلى قدرة الكتاب على النطق وحيا، فمنطق القرآن يعتمد على وحي الإشارة، فالله عندما وصف قابلية الكتاب للنطق لم يتحدث في إطار مجازي: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، (ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون)62/23، وإنما تحدث عن حقيقة علمية. وان منهجه يقوم على الاستنطاق، ولذلك قال الإمام علي: «استنطقوا القرآن» أي طالبوه بالنطق، ثم قال: «كتاب الله ينطق بعضه ببعض»، برد المتشابه(:المجهول) إلى المحكم(:المعلوم) بدلالة التناظر اللفظي والمعنوي بينهما، فبرد المتشابه إلى النظائر يوجد نظير أو أكثر ينفي عن المتشابه تشابهه، ويبينه، ويحكم بيانه. وان المنطق القرآني آنذاك لا يختلف على نفسه ولا يتناقض: (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). ، مما يفجر الإعجاز القرآني، التي يقول عنها الإمام علي: (لا تفنى غرائبه لا تنتهي عجائبه). وهذا الإدهاش الذي يمارسه القرآن عند إخضاعه لمنهج الاستنطاق، يرادف نطق عيسى كلمة الله في المهد التي أخضعت الكافرين. (للمزيد راجع كلمة الشهر بعنوان: عندما نطق القرآن تظاهرت معجزة العصر) لقد تقدم، ان قيمة القرآن في جديته التي تتجلى عند نطقه بالحق وتلك الجدّية القرآنية جزء منها متوقف على كونه أجردا، خالٍ عن الشكل الإعجام، فكما يقال في اللغة: (تجرد للأمر، أي جدّ فيه)، فالقرآن الأجرد يمتلك الجدية الفكرية والعلمية والحقوقية، بينما إذا ما تعرى منها، فانه يتحول إلى لهو ولعب، ويصدق عليه قوله تعالى: (اتخذوا دينهم لهوا ولعبا)51/7. فما الدين في وجه من الوجوه إلا القرآن، وهو ما يخولنا القراءة بالنسخ إبدالا: (اتخذوا قرآنهم لهوا ولعبا)، لقد عملت السياسية على سلب القرآن جدّيته، فالسلطة المنبثقة عن مؤتمر السقيفة جردت القرآن من علم التأويل منهج الاستنباط، عندما قدمت على جمع القرآن على قراءة، تمهيدا لجمع الأمة عليها، وهو ما علق عليه زيد بن ثابت عندما دعي لتأليفه على قراءة منتقاة: «كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله»، أي أن الرسول أرسا قاعدة قراءة القرآن على سبعة أحرف وقراءات: «انزل القرآن على سبعة أحرف»، فكيف تجمعون القرآن على حرف وقراءة وتصادرون بقية القراءات والحروف، فعبارة زيد هي الباقية من الحقيقة التي غيبتها يد التحريف عندما أوحت بان جمع السلطة للقرآن يفيد جمعه بين الدفتين، وهو أمر عاري عن الصحة، باعتبار القرآن كان مجموعا بين الدفتين وبكثرة آنذاك، وهو أمر لا يصدق لذلك ظل محط جدل حتى الآن. ثم جاءت السلطة العفانية لتجرد القرآن من المصاحف التي ألفت ونظمت تأويلا، عن طريق قراءة بعض القرآن في بعض وفق القواعد التي يكفها علم التأويل، فانتشرت في ظل السلطة العفانية محارق المصاحف على امتداد جغرافية البلاد الإسلامية، فلم تبق تلك السلطة التي تشن الحرب على القرآن إلا المصحف الرسمي الذي أرادت سلطات الانقلاب المتعاقبة أن تجمع الأمة على قراءته، وفق قراءة لا تضر ولا تنفع في أمر الخلافة موضع التنازع بين بطون قريش من جهة وبطن بني هاشم الذي اصطفي بالنبوة والإمامة من جهة اخرى، لقد كان النزاع بينهما نزاع الشرك مع الإسلام، ولما انتصر الإسلام تحول النزاع بين الطرفين إلى نزاع النفاق والإيمان، فكان انقلاب السقيفة يمثل انقلاب بطون قريش المنافقة على بطن هاشم المصطفى. لقد كان الفرق بين مصحف الانقلاب وبقية المصاحف في العبارة، اي في عبارة النص التي يتألف منه الخطاب، فهو اختلاف على مستوى: الإبدال، والإكمال، والحذف، والتقديم والتأخير، كما يتضح عند المقارنة بين قراءات القرّاء في صدر الإسلام، وقراءة المصحف الذي بين أيدينا، ولم يكن التغاير في الشكل والإعجام، كما قد يتبادر لذهن الأكثرية، باعتبار أن المصاحف آنذاك لم تكن تعتمد علامات الشكل والإعجام. كما يدل على ذلك المصحف العثماني، الموجود في متحف مصر، فهو قد كتب مجرد من علامات النقاط التي تفيد الشكل أو الإعجام والتي وضعت في فترة لاحقة. فالجواب لماذا صادر عثمان المصاحف وأحرقها؟ ليس لتغايرها في علامات الشكل والإعجام وإنما لتغايرها في العبارة بالإبدال، والإكمال، والحذف، والتقديم والتأخير. ولكن ليضبطوا الكلمات القرآنية من حيث الشكل والإعجام نصّب عثمان وبطانته الأموية مع كل مصحف- أرسل إلى احد الحواضر- مقرئ، يكون لتلك الحاضرة مرجعا في قراءة المصحف الإمام من حيث الشكل والإعجام، أي أنهم ثبتوا القرآن من حيث الشكل والإعجام على قراءة معينة، ثم جاء الأمويون فسدوا هذه الثغرة من خلال تحويل الشكل والإعجام إلى علامات تثبت في النص، وبذلك تغلبوا على إمكانية قراءة القرآن على سبعة أحرف وأقصوا هذا المبدأ إلى الأبد، كما تصورا. لقد تمت هذه العملية عندما اشتروا ذمة المختصين تارة أو خدعوهم عن دينهم تارة أخرى، لتثبيت كلمات النص بعلامات النقاط في صيغتها الدالة على الشكل، ولقد قام بهذه المهمة أبو الأسود الدؤلي لصالح الوالي الأموي على البصرة زياد بن أبيه -أو ابن سميه- لقد كان أبو الأسود يتشيع، ولكن مع مجيء سلطان الأمويين، كان يكثر من التردد على مجالس السلطة، مجالس الذين يقول الله فيهم: (إن المنافقين يخادعون)142/4، لذلك دعاه ابن سميه باعتباره لغويا أن يقوم بتلك المهمة بدعوى أن لسان العرب قد دُخل باختلاطهم بالأعاجم، هذا السبب الظاهر، بينما السبب الباطن، إن التشكيل يكفل صد التأويل على مستوى الشكل، ولما كان يعرف أبو الأسود المنتمي لجبهة التأويل ذلك، رفض، إلا أن زياد المشهور بالدهاء استطاع أن يخضعه لمطلبه من خلال حيلة عملية، يقول الخبر: «إن زياد بن سمية وكان واليا على البصرة لما رأى ظهور الخطأ عند العرب طلب من أبى الأسود الدؤلى أن يضع طريقة لإصلاح الألسنة عند القراءة فلم يجبه إلى طلبه فدبر زياد حيلة! فقال لرجل من أتباعه؛ اقعد على طريق أبى الأسود واقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن، ففعل الرجل ذلك، وقرأ " إن الله برئ من المشركين ورسوله " وكسر اللام، فلما سمعه أبو الأسود أعظم ذلك، وقال، عز وجه، الله تعالى من أن يبرأ من رسوله، فذهب من فوره إلى زياد، وقال له: قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن فابغنى كاتبا فبعث إليه ثلاثين كاتبا فاختار واحدا منهم، وقال له: خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد، فإذا رأيتنى فتحت شفتي بالحرف فأنقط واحدة فوقه، وإذا كسرتهما فأنقط واحدة أسفله، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة بين يدى الحرف، فان تبعت شيئا من هذه الحركات غنة فأنقط نقطتين، وأخذ يقرأ بالتأني والكاتب يضع النقط، وكلما أتم صحيفة أعاد أبو الأسود نظره عليها واستمر على ذلك حتى أعرب المصحف كله وترك السكون بلا علامة فأخذ الناس هذه الطريقة عنه، وكانوا يسمون هذه النقط شكلا، ثم تفننوا في هيئة النقط، فمنهم من جعلها مربعة، ومنهم من جعلها مدورة، ثم زادوا علامات في الشكل إلى إن وصلت إلينا بهذه الصورة التي نستعملها اليوم»( تاريخ القرآن، 1/180) لقد حقق ابن زياد نصرا على جبهة التأويل، عندما استطاع أن يجند احد رجال تلك الجبهة التي تضم حواريي الإسلام بان يقوم بمصادرة حقل من الحقول المتبقية التي تتجلى فيها حركة تأويل القرآن، والتي كانت مستعصية على السلطة التي تكافح التأويل، واستطاع أن يعطي ذلك الإجراء صفة المشروعية لأنه يصدر عن رجل محسوب على علي بن أبي طالب، فأبو الأسود تلميذ علي. فبالأمس القريب ادعوا ان مشروع حصر القرآن على قراءة هو مشروع اقترحه حذيفة بن اليمان، كذبا على حذيفة بن اليمان، صاحب سر رسول الله في المنافقين، والمتشيع لعلي بن أبي طالب، وكان سبب تلك الكذبة هي أن يرفعوا عن مشروع ضرب التأويل بالحصر شبهة وقوف المنافقين وراءها، والأمر مع أبي الأسود يجري في السياق ذاته، إنها قاعدة كيف تجعل خصمك ينزع سلاحه بذاته خدعةً، لقد كان التأويل هو سلاح جبهة علي ضد الانقلابيين والأمويين، وقد قالها معاوية لابن عباس:
«قال ابن عباس: أتنهانا عن تأويله؟! قال معاوية: نعم!! قال ابن عباس: أفنقرأه ولا نسأل عما عني به؟! ثم قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟! قال معاوية: العمل به. قال ابن عباس: فكيف نعمل به، ولا نعلم ما عني الله؟ قال معاوية: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك!! قال ابن عباس: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي، فأسأل عنه آل أبي سفيان؟! ... فان الله يقول في القرآن: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)32/9.»(الطبرسي، الاحتجاج، 294) وهكذا اخذ الخناق يضيق على تأويل القرآن، فلا يجد له منفذا إلا في إعجامه، الذي تصدى له الأمويون- في حملة ثانية- بتسخير تلاميذ أبي الأسود للقيام بإعجام القرآن، فقام بهذه المهمة يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، فثبّت هذان الرجلان القرآن إعجاما، بوضع نقاط الإعجام على الحروف مفرقين بين الباء والتاء والثاء والياء والنون، الجيم والحاء والخاء، الراء والزاء، الدال والذال، السين والشين، الصاد والضاد، الطاء والظاء، العين والغين، الفاء والقاف. ثم أمر الحجاج، أن تنسخ المصاحف العثمانية المراعية للضوابط المضافة، وبعثت النسخ إلى الحواضر الإسلامية، بديلة عن المصاحف العثمانية، التي أمر بمصادرتها من جوامع الأمصار، بعد أن دأب الناس على القراءة في المصاحف العثمانية، نيفا وأربعين سنة. ولم يقتصر بعث المصاحف الأموية على المدن والحواضر، بل وبعث بها ولأول مرة إلى القرى(10). وكان تثبيت تلك العلامات تحت مسمى الاهتمام بالقرآن، وتيسير قراءة القرآن ومنع الالتباس، ثم تطورت النظرة إلى هذا العمل عند المتأخرين وارتفعت قيمته، عندما وجدوا في ذلك حفظا للقراءة المروية عن الرسول، والتي لو لم تعجم الحروف لضاعت تلك القراءة الأولى. وبذلك فان ما قام به السلطان الأموي وعامله الحجاج من مصادرة لصفة الأجرد عن القرآن عمل تاريخي -عند المتأخرين- يمثل خدمة جليلة للقرآن والإسلام!! وهكذا يتضح كيف أن الأمويين كانوا يمشون نحو غايتهم بإصرار، ويحققون أهدافهم بالتجزئة، بالخطوة ونصف الخطوة في مشروع الحرب، التي شعارها (الحرب خدعة)، ليستفيق المسلمون عامة وأبناء جبهة التأويل خاصة، وقد حوصر قرآنهم، وفقدوا أي قدرة على تصريفه، لقد سدت جميع المنافذ التي تسمح بقراءة القرآن على سبعة أحرف، فلا مجال لقراءاته إلا على حرف واحد، ضبط على مستوى الكلمة والشكل والإعجام، وتم اخذ القرآن رهينة لذلك الحرف الذي يناسب السلطة. لقد ابتدأ الأمر بان القرآن يتهدده فساد اللسان، ولكن لما شكل اعتبرت السلطة أن ذلك التشكيل نهائي، ومقدس، وجزء من قرآنية القرآن، وليس وجها من وجوهه التي يتصرف عليها، ليتكشف الموقف الحقيقي، ليس المراد حفظ القرآن من زلل اللسان، إنما الهدف هو سد منافذ تصريفه تأويلا بمنع قراءاته على سبعة وجوه وأحرف، ومنع تقليبه على قراءات لاسيما تلك التي تفضح السلطة اللاشرعية، وتطعن عليها. من هنا نلاحظ كيف أن طبيعة الحرب في التاريخ الإسلامي بين جبهة التحريف الأموية وجبهة التأويل العلوية لم تكن عسكرية وأمنية فحسب، وإنما أيضا هي حرب فكرية قرآنية، بمعنى أن هناك عملية خداع ورشوة يجند فيها طاقات وأقلام قرّاء ولغويين وفقهاء وأهل اختصاص لشن الحرب على القرآن بغية إسكاته بخنقه وحصاره وكبته وقتله وهجره ونبذه وحرقه، كما قال الرسول تماما: «يوشك القرآن والسلطان ان يقتتلا»(السيوطي، الدر المنثور :2 /300 )، وتصاعدت تلك الحرب بقتل قرّاء القرآن في مجازر جماعية، لقد كان تقييد القرآن بالعلامات الدالة على الشكل والإعجام عملا حربيا معاديا للإسلام والقرآن، كما إن منع تداول علم التأويل وحرق المصاحف كأثر له أعمال حربية معادية للإسلام، تصدر عن سلطة المنافقين، الذين استطاعوا بالمكر والخداع أن يستولوا على ارث الأمة: (إن المنافقين يخادعون)142/4، فاستهدفوا باستيلائهم على السلطة الانتقام من مشروع محمد بتفريغ الإسلام من مضمونه والقرآن من محتواه، وقد تنبأ الرسول بذلك لما قال: «لينتقض الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، أولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة»(11)، «لن يبق من الإسلام إلا رسمه ومن القرآن إلا زبره»، أي خطه، مما يعني ان مشروع المعادي للإسلام والحرب التي يشنها المنافقون سوف تنجح بالوصول إلى أهدافها، عندما تنقض الإسلام فلا يبق منه إلا هيكلا خاويا، وتفرغ القرآن فلا يبقى منه إلا خطوطا على صفحات لا تعني شيئا إلا قراءات بلا مضمون. لقد أرادت السلطات المنطلقة من مؤتمر السقيفة، أن يخرس القرآن عن النطق، بعد أن كان ينطق بعضه ببعض وحيا، كما قال الإمام علي: «كتاب الله ينطق بعضه ببعض» وحيا، وبناء على ذلك، نفهم مخطط سلطات الانقلاب المتعاقب الذي يشن حربه على القرآن من خلال المنع من تأويله وتصريف وجوهه، ليصمت القرآن بصمت التراجمة الذين قتلوا في بعض القبائل غير الموالية لإسكات غيرهم في قبائل أخرى رعبا، فسعت السياسة الأموية تجاه القرآن أن تجمع الأمة بصرامة على حرف المصحف العثماني ولو كلف ذلك إحداث المجاز التي تتحدث بها الركبان. ففي الخبر عن طاووس: «ليقتلن القرّاء قتلا حتى يبلغ قتلهم اليمن، قال له رجل: أو ليس قد فعل ذلك الحجاج؟ قال: ما أتت تلك بعد!!»(10)، فالخبر يوضح أن هناك حملة استهداف متتابعة تركز على القرّاء، قام بها الولاة الأمويين وعمالهم على الأمصار، تذكر منهم الحجاج، وان العملية تأخذ طابع المجازر الجماعية في منحى تصاعدي، حيث الآتي أعظم، ويشهد أبو سوار العدوي على مجزرة من تلك المجازر تروي بعض تفاصيل المشهد بالقول: « قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن»(11). ثم تطورت الحرب على القرآن، لتقول بان التأويل لا يعلمه إلا الله، مستدلين بقوله: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون بالعلم)، معتبرين الواو في (والراسخون) تفيد الاستئناف، هذه القناعة هي التي سادت القطاع الواسع الذي يتخذ من رموز السقيفة أئمة يقتفي أثرهم، وقد تحدث السيوطي عن قناعة مذاهب السلطة بذلك في كتابه: (الإتقان في علوم القرآن) عندما كتب: «فصل: اختلف هل المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه أولا يعلمه إلا الله؟ على قولين منشؤهما الاختلاف في قوله (والراسخون في العلم) هل هو معطوف؟ ويقولون حال أو مبتدأ خبره (يقولون)، والواو للاستئناف. وعلى الأول طائفة يسيرة ... وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم خصوصاً أهل السنة فذهبوا إلى الثاني، وهو اصح الروايات عن ابن عباس. قال ابن السمعاني: لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة، ... قلت: ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول والراسخون في العلم آمنا به) فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية، وإن لم تثبت بها القراءة، فأقل درجتها ان تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه كما مدح الله المؤمنين بالغيب. وحكى الفراء أن في قراءة أبيّ بن كعب أيضاً: ويقول الراسخون. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود: (وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به). وأخرج الشيخان وغيرهما على عائشة قالت: تلا رسول الله (ص) هذه الآية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب ... أولوا الألباب) قالت: قال رسول الله (ص): «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فأحذرهم». وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله (ص) يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله» الحديث»(السيوطي، الاتقان، 1/641).. النتائج والإرهاصات: لقد كان القرآن في ظل التأويل علم تصريف الوجوه يقرأ على قراءات شتى، وكانت القراءات التي تصرفه من حيث الشكل والإعجام والكلمة تروى عن الرسول والبيت النبوي، فقد قرأ الرسول: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون)9/36 قرأها: (فأعشيناهم) بالعين المهملة، وعن بنت النبي فاطمة الزهراء: (لقد جاءكم رسول من أنفَسِكم)128/9، قرأتها: (أنفَسكم) بفتح الفاء، أي إذا كان الناس معادن، فمعدن الرسول الأنفس، اي الاثمن والأغلى. وعن أخ النبي ووصيه والخليفة من بعده بالحق الإمام علي بن أبي طالب، قرأ: (يا ويلنا مِنْ بعثِنا)، بدل (يا ويلنا مَنْ بعثَنا)، فصرف الشكل، كما قرأ: (أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا)31/13، قرأها: (أفلم يتبين الذين آمنوا)، فرفع (ييئس) ووضع محلها (يتبين)، وعن زوج النبي أم سلمة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)238/2، قرأتها: (والصلاة الوسطى صلاة العصر)، هكذا قرأ النبي وأهل البيت، قبل أن تقرأ بيوتات ورجالات وقرّاء وفقهاء وأجيال المسلمين القرآن على قراءات شتى اقتداء. لقد استهدف خط النفاق بمصادرة هذا الواقع الذي أسسه الرسول بأمر من الله سبحانه وتعالى، ان يحادوا الله والرسول، بقصر القرآن على وجه فيصادروا قدرته على القراءة على وجوه متغايرة تحجيما للقرآن، وإبطالا لتصرفه المجاري لتصرف الزمان حتى لايكون له في كل واقعة بيان، وإظهارا له بمظهر المتقادم الذي مضى عليه الزمن وأعفى على صلاحيته، وإطفاء لنور الله والحق الذي نزل به الكتاب: (بالحق أنزلناه وبالحق نزل)105/17. ولكن الزمن الذي يفسر القرآن له مكره الذي يقوض مكر المنافقين ويفضح ما طمروه، أيضا، لقد تكفل الله أن تعمل حركة الكون (:السموات والأرض) على نفي الباطل وإظهار الحق، قال تعالى: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق)73/6، (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون)8/8. وبناء على ذلك، يمكن قراءة النصين في نص: (وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون). هذه البنية الكونية العاملة على نقض الباطل وإحقاق الحق، هي التي تطالعنا باكتشاف يظهر كيف إن العملية الحربية التي قام بها خط النفاق تجاه القرآن عندما قصر تشكيله واعجامه على وجه وقراءة واحدة، هاهو الزمن يبطل كيدهم ويثبت أن القرآن بكل وجوهه التي يتصرف إليها يجاري صروف الدهر، وكل وجه منه عبارة عن واقعة صادقة وحقيقة ثابتة، وبذلك يدين الذين سلبوا تلك الوجوه من القرآن وقصروه على وجه، فيفضح خلفية مسعاهم الهادفة للنيل من علمية القرآن، والإساءة له، والطعن به وبالدين، وتصغير كتاب الله العظيم. هاهو الزمن على طريقته يحاول أن يعيد الاعتبار لتلك الوجوه المسلوبة، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، لننظر إلى هذا الكشف وأبعاده ذات الصلة:
إن هذا الاكتشاف ظل ماثلا في ظاهر القرآن، فتصور - أخي القارئ- لو أن القرآن لم يقصر على تشكيل معين، كالذي فرضه عثمان وبطانته الأموية عبر قراء الأمصار المأجورين، الذين أوكلت إليهم قراءة القرآن على قراءة واحدة من حيث الشكل والإعجام، ثم وجدت تلك القراءة فرصتها في الثبات بان فرضت عبر تحويلها إلى جزء من القرآن من خلال نقاط تكتب في النص، تصور أن هذا لم يحدث، وان القرآن يمكن أن نقرأه على وجوه شتى من حيث الشكل، فكيف يمكن أن نقرأ قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم)7/2 ، فكلمة (ختم) بالإمكان قراءاتها كما في المصحف اليوم ، في هذا الوجه هي فعل ماضي مبني على الفتح، ويمكن قراءتها في وجه ثانٍ على إنها مبتدأ مرفوع بالضمة، (خَتْمُ الله على قلوبهم)، ليكون المعنى أن لفظة الجلالة (الله) موجود على القلوب، يصادق على ذلك عموم قوله: (كتب في قلوبهم الإيمان)22/58، فلفظ الجلالة (الله) هي كلمة الإيمان التي تؤكد الآية إنها مكتوبة في القلوب، فهذا وجه. إن مثل هذا المعطى الذي يكشف كيف أن هذا السر الذي احتاج إلى تقدم العلم ليدخل في مجاهيل الجسم البشري من خلال أجهزته الدقيقة حتى يطلع عليه، جاء القرآن ليعلنه في ظاهر الكتاب المنزل، ليقدم إثباتا وبرهانا ملموسا في سياق إثبات ربانية مصدر الكتاب بقوله تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض)6/25، ليكون ذلك الكشف من جملة البراهين الدالة على إن الله وراء إنزاله، فكما يعكس الكتاب علم الكاتب فان الله عرف نفسه بالقول: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)14/67. وعكس لطف علمه بخلقه وخبرته بأسرارهم في ظاهر الكتاب الذي انزله، فكشف في كتابه الذي سطره عن سر لطيف وعلم خبير في عصر البدوي صاحب الدابة والسيف والخيمة. لقد كانت هذه المعلومة في متناول الكشف الميسر لو أن القرآن لم تصادر وجوهه بمصادرة التأويل علم تصريف الوجوه، لقد كان هذا الوجه موجودا في ظاهر القرآن، طوال الوقت وفي المتناول، وإذا اعترض معترض أن هذه القراءة لا يمكن تصورها مع وضع الآية في سياقها، دون اقتطاعها، نجيب بان قاعدة القطع والعطف من جملة قواعد علم التأويل التي كانت سائدة آنذاك ومتداول العمل بها، فهذا ابن مسعود يقتطع قوله: (إن علينا جمعه)17/75، من سياقها ويعتبر (علينا) هو اسم الإمام علي بن أبي طالب، ليكون معنى الآية إن علي بن أبي طالب هو الذي جمع القرآن، ولو أرجعنا المقطع إلى سياقه لنسخ بوجه آخر، هو الوجه الذي يفرضه السياق . ثم إن الإمام علي تحدث من خلال خطاب مطول مدعم بالأمثلة عن قاعدة المنقطع المعطوف: «والمنقطع المعطوف في التنزيل، هو إن الآية من كتاب الله، عز وجل، كانت تجيء بشيء ما، ثم تجيء منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجيء بمعنى غيره. ثم تعطف بالخطاب على الأول مثل قوله تعالى: ...»(الشريف المرتضى، رسالة المحكم والمتشابه، 30- 32). فلم يكن ما نقوله بدعا من القول، وإنما دعوة للعودة لمنهج الاستنباط الذي قرره الرسول، وصادرته السياسة، لدواعٍ كانت تقلق الخلافاء اللاشرعيين في التاريخ الإسلامي، والذين اتفقت كلمتهم على إسكات القرآن، فتوارثوا مشروع الحرب على القرآن. إن هذا يدل على أن القرآن الذي انزل لينطق بالحق في كل شيء: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)89/16، يفرض عليه ذلك أن يكون ليس معجزا في الوجه والمعنى الذي تفيده جُمَلُه وتراكيبه بل هو معجز في كل شطر منها بل في كل حرف من حروف آياته، وفي هذا السياق قال الإمام الصادق: «كتاب الله يحتمل كل شيء»، وأضاف في موقع آخر: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَفِيهِ كِتَابٌ»، وفي هذا السياق يرد الخبر، عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر، فعن أبي لبيد الحراني قال: «جاء رجل إلى أبي جعفر (ع) بمكة فسأله عن مسائل فأجابه فيها ثم قال له الرجل: أنت الذي تزعم أنه ليس شيء من كتاب الله إلا معروف؟ قال: ليس هكذا قلت! و لكن ليس شيء من كتاب الله إلا عليه دليل ناطق عن الله في كتابه مما لا يعلمه الناس! قال: فأنت الذي تزعم أنه ليس من كتاب الله إلا و الناس يحتاجون إليه؟! قال: نعم! ولا حرف واحد؟ فقال له: فما المص؟ قال أبو لبيد: فأجابه بجواب نسيته! فخرج الرجل فقال لي أبو جعفر عليه السلام: هذا تفسيرها في ظهر القرآن أ فلا أخبرك بتفسيرها في بطن القرآن. قلت: و للقرآن بطن و ظهر؟! فقال: نعم! إن لكتاب الله ظاهرا وباطنا و معاني وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وسننا وأمثالا وفصلا ووصلا وأحرفا وتصريفا، فمن زعم أن كتاب الله مبهم فقد هلك وأهلك! ثم قال: أمسك الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون! فقلت: فهذه مائة وإحدى وستون! فقال: يا لبيد! إذا دخلت سنة إحدى وستين و مائة سلب الله قوما سلطانهم». لكن المنافقين صادروا هذه القدرة من القرآن وأظهروه بأنه كتاب لا يحوي إلا ما ظهر منه، معانٍ يتعلق اغلبها بالتاريخ، وكأنهم أرادوا أن يثبتوا له التهمة التي وصفوه بها يوم كانوا يحاربونه علنا قبل أن ينتصر عليهم ويخضعهم، يوم قالوا عنه أساطير الأولين. بذلك جعلوا القرآن ينقض بعضه بعضا، ليصدق عليه قوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، وبذلك يحاكم نفسه بنفسه ويحكم عليها بالإدانة ويبطل وجوده، إن مكرهم لعظيم! ففي الوقت الذي ينص الكتاب انه فيه تفصيل كل شيء نجد أن فهم المذاهب السائدة يقول بأنه مجمل، وفي الوقت الذي يقرر القرآن التأويل منهجا لاستنبط علمه نجد أن المذاهب تعمل به وفق منهج الرأي، وفي الوقت الذي يثبت القرآن أن لكل شيء ظاهر وباطن، نجد أن المذاهب لا تعترف إلا بظاهره. وهكذا أصبح التكاذب والتهافت بين القرآن والمذاهب هو سيد فضاء الإسلام الفرقي، رغم زعم المذاهب أنها إسلامية، وأنها تنتمي للقرآن وتعتبره مصدرها الأول!. لذا آن الأوان ونحن في صدد بعث العقل المسلم -الذي يغط في سبات عميق- أن يعود المسلمون للقرآن الأجرد الذي مثل الصيغة الأولى، التي سادت في صدر الإسلام، المجردة من الإعجام والشكل، لنضع حدا للخدعة الأموية المستمرة منذ قرون، من اجل أن ننهض هذا العقل بجعله يكتشف العلوم في وجوه القرآن، ويفجر طاقاته بتقليب النص الأجرد المفتوح على كل القراءات. فالعقل إنما سمي قلبا، لأنه يقلّب الأشياء في سبيل فهمها، وقد جاء القرآن منسجما مع هذه الطبيعة عندما فرض التأويل منطقا لتقليب الوجوه، وقد قال إمام التأويل والأمة الذي مثل خط الاستقامة علي بن أبي طالب: «قد يجد الحِوّل القُلّب وجه الحيلة»، فسمى العاقل بأنه (قُلّب) يقلب الأشياء على وجوهها المختلفة ليعرف مداخلها ومخارجها، وسماه (حِوّل)، أي يحولها في كل حالة من حالاتها الممكنة ليدرك كنهها من بدايتها إلى نهايتها التي تتطور إليها، فكان القرآن عهد الله -الذي ينبغي أن يقرأ كل يوم- مجالا لدربة العقول، تتدرب من خلاله على تقليب الوجوه على مستوى الإعجام والشكل والكلمات والجمل بالإبدال والإكمال(:الوصل) والحذف(:القطع) والتقديم والتأخير من اجل أن تبعث - العقول أو الوجوه- وتبلغ أشدها. حيث «لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها»، هكذا قرر الرسول حل أزمة الأمة، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)36/33. (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)14/4.
________________________________
(1) تاج العروس، 8/315، (رقم). (2) الزمخشري، الفائق، 1/186. الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، 93. عتهما جواد علي، المفصل من تاريخ العرب، 8/ 186. (3) الفراء، معاني الأخبار، 1/172 وما بعدها، عنه جواد علي، المفصل من تاريخ العرب، 8/186. (4) جواد علي، المفصل من تاريخ العرب، 8/186. (5) جواد علي، المفصل من تاريخ العرب، 8/191. عن الأبحاث، 83. (6) جواد علي، المفصل من تاريخ العرب، 8/ 187 عن: Grohman, from the World of Islamic. Papyri,PL. II, A, pp. 82, 113-114. G. C. Miles, Early Islamic Inscriptions Near Taif in the Hijaz, in JNES, 7, 1946. (7) جورج زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، 3/59. عنه المفصل من تاريخ العرب، 8/ 172. (8) احمد البحراني، التأويل منهج الاستنباط في الإسلام، 24-25 (9) بحار الأنوار: 90 / 16 (10) الهندي، كنز العمال، (31446). (11) تاريخ الطبري، 6/ 122. (9) صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن، 92. (10) الماوردي، الأحكام السلطانية، 84. ابن شبه النميري، تاريخ المدينة : 1/ 7 . (11) المتقي الهندي، كنز العمال، حديث(1190).
|