|
التأويل بين القرآن والكون
منهج الاعتبار يتخذ من البنية الكونية موضوعا له يستنطقها من غير جهة التكلم: «إنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار»، ويصرح الإمام بناطقية البنية الكونية بالقول: «وظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته، وأعلام حكمته فصار كل ما خلق حجة له، دليلاً عليه، وان كان خلقاً صامتاً، فحجته بالتدبير ناطقه، ودلالته على المبدع قائمة»، فالبنية الكونية وان كانت آياتها وأشياؤها تبدو صامتة بكماء، إلا ان ذلك يأتي في سياق خداع الظاهر والتباسه على الفكر، وبالرجوع إلى الحقيقة الباطنية المدركة عقليا، فان قابلية النسق الكوني على النطق من غير جهة النطق متحققة، بلا ريب، بالإيحاء الإشاري، من خلال وضع النظائر في اقتران موحي يكشف عن الجانب المضمر من النسق الذي يسكن في غيابته ثوابت نظام السنن غير المتحول. ومنهج استنطاق البنية الكون يجري على البنية القرآنية، ولذلك وُصف القرآن بالنطق، كما في قول الإمام علي (ع): «ان الله بعث رسولاً بكتاب ناطق»، أي الكتاب الذي يمثل الكون، فقام الفقه على استنطاق الكون بالاعتماد على المنهج الاعتباري، وقد أكد ذلك، أيضا، في قوله: «ذلك القرآن فاستنطقوه! ولن ينطق! ولكن أخبركم عنه! ألا ان فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم!!»، ولكن نطق القرآن لا يتم عن جارحة، لذلك طالب علي(ع) باستنطاقه، ثم استدرك لينفي عنه إمكانية النطق عن جارحة، فقال: «هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال»، ولكن في نفي النطق بجارحة، أراد ان يثبت له صفة النطق عن غير جارحة، فقال: «كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض»، فهذا النص يؤكد ان القرآن ينطق بواسطة إرجاع مكوناته إلى بعضها نطقا إيحائيا، حيث يفسر بعضه بعضا، ويشهد بعضه على بعض، إذاً الاستنطاق الاعتباري، الذي يتم في إطار القرآن يسري على الكون، لان ما القرآن إلا تمثّل للغة، التي هي جزء البنية الكونية. إلا ان بالإمكان تمثيل اللغة بالقرآن كبنية إشارية قابلة لان تستقل بنفسها، وتتموضع في موضع يجعلها ندا للبنية الكونية، فيه تترادف معها، وتتساوى بها، وتصبح نظيرة لها. وهذا الموقع المتصور لبنية اللغة من خلال القرآن، هو الذي يجعل بنية القرآن بمثابة المرآة، التي تعكس البنية الكونية بكل خصائصها، بذلك يكون القرآن مجسما للكون، ويكون الكون تمثّلا للقرآن. فكما ان الكون بنية إشارية، كذلك القرآن بنية مكوناتها الآيات، وكما للبنية الكونية وجه ظاهر مشهود وآخر باطن مغيب، كذلك للقرآن وجهان ظاهر وباطن، وكما ان العقل يتعاطى مع البنية الكونية في إشاراتها بالمنهج العبوري، كذلك يتعاطى العقل مع القرآن باعتباره بنية كونية، يحتاج فهمها وسبرها معرفيا إلى المنهج العبوري. وتحدث الإمام علي عن ذلك بمقولته: «ان أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها (...) أعداء لما سالم الناس، وَسَلم لما عادى الناس، بهم عُلم الكتاب، وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا». فاستفتح الحديث عن أولياء الله في نظرتهم الى باطن البنية الكونية، بالمقارنة مع نظرة الغالبية من الناس المقتصرة على ظاهر تلك البنية، ثم تابع الحديث عن البنية الكونية عبر الحديث عن البنية القرآنية، التي وصفها في موقع آخر بأنها بنية تتألف من ظاهر وباطن، فقال: «القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق»، فعلم أولياء الله يستند إلى نظرتهم الباطنية، التي تسلحوا بها في تعاطيهم مع البنية المجردة التي لها تجليان تجلي كوني واخر قرآني، ويرجع علم الناس إلى علم أولئك الأولياء، إذ لاقتصار نظرة الناس على ظاهر البنية الكونية، والوجه المشهود من البنية القرآنية، لم تزدهم النظرة الظاهرية إلا بُعدا. بناء على ذلك، يتوقف تطبيق القرآن كنظام للأرض على أولياء الله، الذين أدركوا الجانب الباطن من بنيتي الكون والكتاب، فهم الذين وصفهم الرسول بالفقهاء الذين يصرفون الآيات على وجوه، فيقلبونها إلى وجوه باطنه وطاهرة، تتصرف إليها آيات البنية القرآنية، التي تحضر من خلالها البنية الكونية النظيرة، فيبنون بتكامل الآيات مجسمات لحقائق المعرفة. وهكذا صار توظيف الفكر لمنهج الاعتبار في إطار البنية الكونية، يطرد ليشمل البنية القرآنية، باعتبارها بنية نظيرة، بل مجسّم للبنية الكونية. حيث تبدأ الدراسة في نسق الكتاب الاشاري بملاحظة تنطلق من آية من آيات الكتاب، لتكوين رؤية معرفية، فتستقرأ آيات الكتاب المتناظرة، وتجمع في إطار مقارن بهدف تعليلها، حيث التعليل عملية تفسير الآية بالأخرى المماثلة. ان التفسير المتبادل القائم بين الآيات، تنسخ بها الآيات المتزاوجة التشابه الطارئ، وتتحول نحو الإحكام، وتثمر العملية النسخية تأليف آيات أخرى محدثة، أو إنزالها، تؤول إلى الآيات الخاضعة للاعتبار، إلا إنها لها دلالتها القرآنية المستحدثة، التي تبرز بعض علمه الباطن. فكما ان استثمار منهج التأويل للآيات الكونية، ينتهي بإيجاد المخترعات، واستحداث الكثير من الأشياء المبتكرة، عن طريق التركيب بين المواد المختلفة، وإحلال بعضها محل بعض، وفق القوانين المكتشفة، كذلك يؤدي نص الكتاب بالتركيب والإبدال بين أجزائه، وفق قواعد المنهج، إلى إيجاد نصوص قرآنية جديدة، بحيث يجاري النص بحركته التركيبية/التفكيكية حركة الوقائع، فما من واقعة تستجد إلا وفي قبالها آية قرآنية تحكيها، وتنزل فيها، وتقدم رؤية تحدد الموقف منها، وهذا يعني ان آيات القرآن تجاري الوقائع الحياتية في اللاتناهي. ويصادق على تلك الممارسة التأويلية، التي تمنح القرآن اللاتناهي، تاريخ القرآن في صدر الإسلام، الذي يكشف تعليم الرسول المسلمين قراءة القرآن على سبعة حروف وسبعة وجوه، ومقولته: «ان القرآن أنزل على سبعة أحرف بأيهما قرأت أصبت»، أخضعها الرعيل الأول للتطبيق، فقرؤوا القرآن بعضه في بعض، كما يقول احدهم معبرا عما تلقاه عن الرسول: «ليس من الخطأ ان تقرا بعض القرآن في بعض إنما من الخطأ ان تقرأ ما ليس فيه، أو تختم آية رحمة بآية عذاب». ان هذه الممارسة التاريخية في قراءة نص الكتاب، القائمة على آلية التفكيك والتركيب، المعروفة تارة بتأليف الكتاب، وتارة بنظمه، وثالثة بجمعه، تصادق على تراث القراءات والأحاديث، الذي بين أيدينا، فتعلل لنا لماذا اقتصر الإنتاج الفقهي الأول على النصوص فحسب؟ فالتعليل التقليدي الذي يصور الرسول المتلقي الأوحد، أو المنتج الوحيد للنصوص، ليس بالتعليل المقنع. لان النصوص نتاج العملية الفقهية، التي شارك فيها قطاع واسع من فقهاء صدر الإسلام، واستمر الإنتاج في دائرة الأوصياء. فكان تراث النصوص يكبر كلما ابتعدنا عن عهد الرسالة، لان تطبيق منهج التأويل على النص، يسهم في إنزال المزيد من الآيات القرآنية، وإطلاق المزيد من الأحاديث النبوية، التي تعالج المستجدات والمستحدثات، التي يفرضها تقدم الحياة، فكان الكتاب بذلك يجدد آياته، ويُحدّث نصه ليعاصر الزمن، وليكون في كل عصر غضا وجديدا إلى يوم القيامة، فحركة الزمن إلى الأمام لا تسفر عن تقادم القرآن، لامتناع القرآن عن التقادم، نتيجة قدرته على التجدد والمعاصرة، بالتحرك جنبا إلى جنب مع حركة الوقائع الخارجية، فيتجدد بتجددها، ويظل كذلك إلى ما لا نهاية. ورفضَ الإسلام اختراق منهج التفكير العبوري بالرأي، الذي يمثل التحريف، بإصراره على تواصل الاستنطاق للبنية الكونية والأخرى القرآنية، بمحض عملية إرجاع الآيات لبعضها، وإتاحة المجال للبنية لان تمارس النطق، وتعبر عن نفسها، واقتصار موقف الباحث على التساؤل، والإنصات للإجابة عن السؤال فحسب، بذلك صرح الإمام علي(ع) في حديثه عن منهج الاعتبار في البنية القرآنية، التي لا ينبغي ان ننسى بأنها نظيرة للبنية الكونية، فقال: «واتهموا عليه آراءكم»، ويصف فقيه الرأي بالقول: «قد حمل الكتاب على آرائه»، ويقارن الإمام علي بين نمطين من التعامل مع القرآن، النمط الذي يعتمد الاعتبار، فيفسر الآية بالأخرى، عاطفا بعض القرآن على بعض، ثم يذعن للنتائج المتمخضة، ونمط آخر يفسر الآيات بآرائه، عاطفا الآية على راية، يقول الإمام علي: «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»، فعطف القرآن على الرأي، بمثابة عطف الهدى على الهوى، وفيه تحريف للمنهج عن الحقيقة التي يستهدف الكشف عنها، بهذا يتحدد مفهوم القياس والرأي المرفوض إسلامياً، والقائم على التقوّل في الآيات، لا الاستنطاق لها. بهذا الطرح يعيد الإمام علي(ع) رسم معالم منهج الاعتبار، ولكن في إطار بنية القرآن، ليعدّنا بتلك المقدمات النظرية نفسيا وفكريا، ويمهد السبيل، للانتقال خطوة إلى الأمام للوقوف مع العناوين الأساسية للمنهج، لنتناولها بالتفصيل، الذي يجلي الآلية، والأبعاد بصورة واضحة لحد كافٍ، تؤهلنا لاستنطاق النص القرآني.
|