التأويل
علم كيمياء الخطاب
|
|
|
صورة للخام الذي يستخرج منه معظم النحاس، ويسمى (الكلكوكبريت) ويتألف من النحاس والحديد والكبريت |
عقدنا في الكلمة الشهرية الآنفة مقارنة بين الخطاب والأرض، وتصورنا الأول من خلال الثاني، أي الخطاب من خلال الأرض، واكتشفنا هوية الخطاب من خلال هوية الأرض باعتباره نظيرا محكما، في هذه الكلمة سوف نتابع الحديث الذي ابتدائناه هناك، فلم يكن الحديث هناك إلا البداية التي لم تكتمل، ولذلك تحتاج إلى المزيد من البيان، الذي سوف يجعل المقارنة بين النظيرين تصل إلى حد التطابق كما سيعمل البحث هنا على إضفاء قدر كبير من المصداقية على عمق التشبيه الذي أقامه التراث بين الخطاب والأرض من خلال واقع التقني الحديث. لقد عرفنا فيما تقدم ان أرضية الخطاب لها طبقات وان الحَفر فيها من خلال آلة التأويل يؤدي إلى تنجيم تلك الطبقات لاستخراج مدخراتها والوصول إلى خزائنها من معادن العلم.
من المعروف اشتمال طبيعة كوكب الأرض على حوالي 110 من العناصر الكيميائية المعروفة، التي تترابط ببعضها لتؤلف المركبات المختلفة. فقلما توجد العناصر حرة في الطبيعة – (الذهب مثال للعناصر الكيميائية القليلة التي يمكن ان توجد حرة في الطبيعة في صوره نقية لانخفاض تفاعليته مع العناصر الأخرى)- فمعظم المواد التي نراها في الطبيعة تألفت من عنصرين أو أكثر، فهي مركبات تكونت نتيجة ترابط ذراتها بالتفاعلات الكيميائية المختلفة، مما يعني ان المجال الأرضي بمثابة أنبوب اختبار تتواصل فيه تفاعل العناصر تفاعلا كيميائيا.
|
|
|
العناصر الكيميائية بمثابة حروف الهجاء تمثل كتل البناء التي تتشكل منها ما لا يحصى من المعطيات |
«كما تستخدم حروف الهجاء في بناء ملايين الكلمات، هكذا تستخدم العناصر في تكوين ما لا يحصى من المركبات المختلفة، فالعناصر هي كتل البناء الطبيعية المستخدمة في تكوين الكثير الكثير من البنى الكيميائية المختلفة». هذا التمثيل بين حروف هجاء اللغة وعناصر الطبيعة، يجعل عناصر الطبيعة بمثابة حروف الهجاء، فإذا كانت حروف الهجاء تشكل اللغة الملفوظة والمكتوبة فان حروف الطبيعة تكون لغة الطبيعة والكون المشيأة. وكما ان التركيب بين تلك العناصر يعبر عن وجود قواعد تحكم التوازن بين تلك المركبات في تفاعلها، مما يفرض علم يقوم على الحساب، يوازن بين العناصر المتفاعلة والعناصر الناتجة، فلا يمكن ان يكون في النتائج ما هو زائد عما وجد في المقدمات: «عندما يحصل تفاعل كيماويا لايتلاشى من المتفاعلات شيء، فقط تترتب الذرات مجددا لتكوين المنتجات. لذا يجب ان تكون المعادلة متوزانة وعدد الذرات متساويا في كل من طرفيها. وهذا هو قانون بقاء الكتلة، الذي ينص على ان: مجموع كتل المواد المنتجة في تفاعل ما يساوي مجموع كتل المواد المتفاعلة».
ولما كانت المناجم أو المحاجر عادة ما تستخرج العنصر في صورة مركب (خام) فان ذلك يتطلب إخضاع الخام لعمليات تنقية تفصل العنصر بالمعالجة الكيميائية عن بقية العناصر المرتبطة به كيميائيا كما تنقيه من الشوائب. من اجل ذلك، أقيمت مصانع الصهر إلى جانب المحاجر والمناجم من اجل القيام بعملية المعالجة الكيميائية التي تحرر المعدن من مادته الخام، تقوم معالجة المعادن لفصلها كيميائيا على عملية تستند إلى منطق الحذف والإضافة، الإبدال والتغاير، التقديم والتأخير، والقلب(:العكس)، والترتيب. فهذه هي القواعد التي تحكم حركة التفاعلات الكيميائية، والتي تعبر عنها المعادلات الكيميائية. هي التي يتقوم بها علم الكيمياء ويتناولها بالشرح المفصل، فيعرف عملية اختزال والاكسدة، فيقول عن عملية الاختزال بانها فقد المادة للأكسجين أو اكتساب الهيدروجين، ويعرف تأكسد المادة باكتساب الأكسجين أو فقد الهدروجين. أي ثمة عملية كسب أي إضافة، وعملية افتقاد أي حذف.
ويتناول علم الكيمياء قاعدة التبادل، فتفاعل يوديد البوتاسيوم مع نترات الرصاص يؤدي إلى تفاعل الإحلال المتبادل بين مركبين، حيث ينتج يوديد الرصاص ونترات البوتاسيوم، أي ان البوتاسيوم حل محل الرصاص، فكوّن يوديد الرصاص بدل يوديد البوتاسيم، والرصاص حل محل البوتاسيوم فكوّن نترات البوتاسيوم بدل نترات الرصاص.
كما يتناول علم الكيمياء الحديث عن التفاعلات العكوسة، (القلب)، حيث ليست كل التفاعلات الكيميائية ذات اتجاه واحد، أي لا عكوسه، إذا ما حصلت لا يمكن إعادة منتجاتها إلى ما كانت عليه. إذ يمكن أحيانا عكس التغير الحاصل، واستعادة النتائج «فمثلا؛ عندما تضاف مادة قلوية، كصودا الغسيل إلى عصير الملفوف الأحمر يتحوّل لونه إلى خضرة مزرقة. وإذا أضيف حامض، كالخل إلى العصير المخضر، يعود العصير إلى لونه الأحمر ثانية . ان تفاعلات كهذه هي تفاعلات عكوسة ذات اتتجاهين»، وهذا ما قد نجد في وجه من وجوهه قاعدة التقديم والتأخير، فالتقديم يحدث عندما (يتحول العصير الأحمر إلى الخضرة) والتأخير يحدث عندما (يتحول العصير الأخضر إلى الحمرة، فتارة الأول في المقدمة والثاني ناتج محصل، وتارة الثاني في المقدمة والأول ناتج محصل، (وكلاهما في الواقع يحصلان معا في الوقت نفسه، غير أن ظروف التفاعل قد تجعل احدهما أسرع من الآخر) . كما يتناول علم الكيمياء الحديث عن قاعدة الترتيب بالقول: عندما يحصل تفاعل كيماويا يتلاشى من المتفاعلات شيء، فقط تترتب الذرات مجددا في علاقات جديدة لتكوين المنتجات الجديدة..
|
|
|
يستخلص القصدير من خاماته بتحميص الخام أولا في الهواء لتكوين أكسيد القصدير، ثم يحمى هذا الأكسيد مع إضافة فحم الكوك والحجر الكلسي للحصول على القصدير |
ان واقع تنقية المعدن وإعادة صوغه من خلال معادلات كيميائية جديدة هي العملية التي تعقب عملية استخراج المعادن من المحاجر أو المناجم، هذا الواقع يسحب على الخطاب القرآني، الذي تتألف أرضية خطابه من عناصر (: موضوعات) بعضها يوجد في صورة نقية وبعضها يوجد في صورة مركبة، تماما كما هو واقع الأرض التي نعيش على ظهرها، يصادق على هذا الوعي تعريف الإمام محمد بن علي الباقر -خامس أئمة البيت النبوي- الآية القرآنية بالقول: «ان الآية ليكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء وهي كلام متصل يتصرف على وجوه»، بذلك جعل الآية القرآنية بمثابة خام (الكلكوكبريت) الذي يستخرج منه معظم النحاس والذي يتألف من النحاس والحديد والكبريت، فكما ان هذا الخام يتكون من ثلاث عناصر، يوضح الإمام الباقر ان الآية تتألف من ثلاث عناصر (:موضوعات). وتبعا لذلك، فان تجريد هذه الفكرة يفرض أن أرضية الخطاب القرآني تتكون من مواد أولية خام كما هو واقع الأرض، وان هناك علاقة تفاعل بين هذه المواد في أرضية الخطاب تأويلي كما هو واقع التفاعل بين عناصر الأرض الكيميائي، وان ذلك التفاعل يجعل مادة الخطاب مركبات، تتطلب في كثير من الأحيان معالجات لاستنباطها من الصيغة التركيبية التي هي فيها، فمثلا عملية تنقية النحاس بفصله عن العناصر المتراكبة معه كيميائيا تتطلب معالجة كيميائية، كذلك ينبغي ان يفعل بالآية القرآنية فمن اجل محض موضوعها المستهدف بالاستخراج والاستنباط، ينبغي ان نخضعه للدائرة التأويلية التي تمثل في هذا المشهد علم كيمياء الخطاب.
ثم نلاحظ ان عملية التفتيت التي يتعرض لها الخام في أول خطوات معالجته، هي ذاتها التي نلمحها في عملية كيمياء الخطاب (التأويل)، بتفتت الخطاب في تلك العملية لتلحق العناصر المتماثلة ببعضها، وهو قوله تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)19/34 ثم أضاف: (فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون)44/23، فهي عملية تفتيت وتفكيك من جانب وعملية الحاق الامثال ببعضها من جانب اخر، وهذه العملية التفتيتية هي التي عبر عنها الإمام علي عندما تحدث عن تبعيض الخطاب: (كتاب الله ينطق بعضه ببعض)، في هذه العبارة توضح تكرر كلمة (بعض وبعض)، عملية التبعيض والتجزئة والتفتيت التي يمارسها علم كيمياء الخطاب على عناصر أرضية الخطاب، فهو يضاهي عملية الجرش وتفتيت الخام التي توضح استخراج عنصر القصدير من خامه كما في الصورة المتقدمة. فما النظر الى الخطاب باعتباره ابعاض يراد جمع المتماثلات منها الى بعضها لانها تمثل موضوع واحد، (:عنصر)، في عملية تحريره من بقية الابعاض التي لا تتجانس معه، وتمثل عناصر اخرى.
وكما ان فصل العنصر عن بقية العناصر تنقيةً تتطلب المعالجة الكيميائية، التي تتمثل في حدوث التفاعل، الذي يحتاج إطلاقه إلى محفزات ومنشطات فان العوامل المحدثة للتفاعل هي الحرارة أو تركيز المتفاعلات أو الضوء أو مساحة السطح. هذه العملية بكل مكوناتها لها وجوهها في إطار علم كيمياء الخطاب، عندما تتفاعل عناصره من خلال النسخ، فيعنون احد عنصري الخطاب بعنوان الناسخ والآخر بعنون المنسوخ، فالناسخ مصاغ على وزن فاعل والمنسوخ مصاغ على وزن مفعول، فهناك تفاعل بين الطرفين.
ولما كانت المناجم أو المحاجر عادة ما تستخرج العنصر في صورة مركب (خام) فان ذلك يتطلب إخضاع الخام لعمليات تنقية تفصل العنصر بالمعالجة الكيميائية عن بقية العناصر المرتبطة به كيميائيا كما تنقيه من الشوائب. من اجل ذلك، أقيمت مصانع الصهر إلى جانب المحاجر والمناجم من اجل القيام بعملية المعالجة الكيميائية التي تحرر المعدن من مادته الخام، تقوم معالجة المعادن لفصلها كيميائيا على عملية تستند إلى منطق الحذف والإضافة، الإبدال والتغاير، التقديم والتأخير، والقلب(:العكس)، والترتيب. فهذه هي القواعد التي تحكم حركة التفاعلات الكيميائية، والتي تعبر عنها المعادلات الكيميائية. هي التي يتقوم بها علم الكيمياء ويتناولها بالشرح المفصل، فيعرف عملية اختزال والاكسدة، فيقول عن عملية الاختزال بانها فقد المادة للأكسجين أو اكتساب الهيدروجين، ويعرف تأكسد المادة باكتساب الأكسجين أو فقد الهدروجين. أي ثمة عملية كسب أي إضافة، وعملية افتقاد أي حذف. ويتناول علم الكيمياء قاعدة التبادل، فتفاعل يوديد البوتاسيوم مع نترات الرصاص يؤدي إلى تفاعل الإحلال المتبادل بين مركبين، حيث ينتج يوديد الرصاص ونترات البوتاسيوم، أي ان البوتاسيوم حل محل الرصاص، فكوّن يوديد الرصاص بدل يوديد البوتاسيم، والرصاص حل محل البوتاسيوم فكوّن نترات البوتاسيوم بدل نترات الرصاص. كما يتناول علم الكيمياء الحديث عن التفاعلات العكوسة، (القلب)، حيث ليست كل التفاعلات الكيميائية ذات اتجاه واحد، أي لا عكوسه، إذا ما حصلت لا يمكن إعادة منتجاتها إلى ما كانت عليه. إذ يمكن أحيانا عكس التغير الحاصل، واستعادة النتائج «فمثلا؛ عندما تضاف مادة قلوية، كصودا الغسيل إلى عصير الملفوف الأحمر يتحوّل لونه إلى خضرة مزرقة. وإذا أضيف حامض، كالخل إلى العصير المخضر، يعود العصير إلى لونه الأحمر ثانية . ان تفاعلات كهذه هي تفاعلات عكوسة ذات اتتجاهين»، وهذا ما قد نجد في وجه من وجوهه قاعدة التقديم والتأخير، فالتقديم يحدث عندما (يتحول العصير الأحمر إلى الخضرة) والتأخير يحدث عندما (يتحول العصير الأخضر إلى الحمرة، فتارة الأول في المقدمة والثاني ناتج محصل، وتارة الثاني في المقدمة والأول ناتج محصل، (وكلاهما في الواقع يحصلان معا في الوقت نفسه، غير أن ظروف التفاعل قد تجعل احدهما أسرع من الآخر) . كما يتناول علم الكيمياء الحديث عن قاعدة الترتيب بالقول: عندما يحصل تفاعل كيماويا يتلاشى من المتفاعلات شيء، فقط تترتب الذرات مجددا في علاقات جديدة لتكوين المنتجات الجديدة..
وهذه التفاعلات الكيميائية المتحققة نتائجها في صورة إبدال وإضافة وحذف وتقديم والتأخير، وقلب، وترتيب هي ذاتها تجري في عملية تفاعل طرفي الخطاب نسخا، عندما تكون النتائج المتمخضة عن طرفي التفاعل في الخطاب تستند إلى عملية تفكيك لبعض الخطاب من جهة وتركيب لبعضه الآخر من جهة أخرى، مستخدمين قواعد الإبدال والإضافة والحذف والتقديم والتأخير، والقلب، والترتيب.
وهكذا يتضح كيف ان الخطاب هو صورة أخرى للأرض، وان التعاطي مع عناصره هي ذاتها الطريقة المطلوب التعاطي بها مع عناصر الأرض، وان الله عندما انزل القرآن وشرع التأويل إنما بذلك شرع الطريق للتعاطي بالطريقة ذاتها مع عناصر الخطاب كتمهيد للتعاطي مع عناصر الأرض، وصدق الإمام الصادق عندما تأول قوله تعالى: (سيروا في الأرض فانظروا)، قال الأرض في هذا الموضع هي القرآن، بذلك يعقد المقارنة بين الأرض والقرآن ويدعو مخيلتنا تتابع ما يترتب على تلك المماثلة من تعاطي له الملامح ذاتها.