إن التعقل لحظة إنتاج وإشراق معرفية، متجللة بهيبة الدهشة، ومتجلببة بغربة الخروج
عن المألوف إلى الواقع غير المألوف، أليس ارخميندس عندما ابتلاه الملك بتلك
المسألة، ألقى بجسمه في حوض ماء مستغرقا في فكرته، فأدهشته إشراقه المعرفة، فخرج من
حمامه صائحا: وجدتها?! بيد ان اشراقة المعرفة تلك، لما
كانت تدخل صاحبها في دائرة الحقيقة المجهولة، ليعيشها
دون غيره، تجعل الآخرين غالبا، لا يصدقوه اذ لم يعيشوا
اشراقتها، ولم يألفوا فكرته، فعقل الناس ابن
الفكرة المألوفة وعدو الفكرة الوليدة، لذلك يسارعون الى تكذيب الفكرة العدوة، قبل
ان يدخلوا في فضائها أو يحاولوا
استئلافها، أليس اشراقة فكر الرسول
محمد كانت خالبه لعقله مما
جعلته ينحدر من الجبل
مندهشا، لكنه لما اطلع قومه عليها تعجبوا فسارعوا إلى تكذيبه لمخالفتها ما ألفوا،
فكانت حجتهم ما سمعنا ذاك: (ما
سمعنا
بهذا في آبائنا الأولين)24/23، لم نألف هذا: (ما ألفينا عليه آباءنا)170/2...
إن انشغال الفكر بالرؤية المألوفة، (الموهومة)، يجعل العقل بمثابة الكأس الممتلئ،
فإذا ما جاءت الرؤية المحدثة، (الحقيقة)، لم تجد لها في ذلك العقل مكانا او مجالا
تشغله، فعندما تسكب في العقل الممتلىء فانه يرفضها عندما يطرحها خارجه، كما يطرح
الكأس الممتلئ ما يضاف اليه خارجا. هذا الواقع هو الذي يوصفهقوله تعالى: (ما
يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية (مشغولة) قلوبهم
وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم
تبصرون)2-3/21. وهذا الامتلاء بالفكرة او الطرح- الذي تتعرض له الفكرة المضافة
للعقل المشغول- هو الذي يصطلح عليه بالإيمان والكفر، فالإيمان هو امتلاء العقل
بالفكرة، والكفر هو طرح العقل للفكرة، فالعقل لا يعتقد بالفكرة المحدثة
طرحا وكفرا من جهة،وإيمانا وامتلاء بالفكرة
المألوفة من جهة أخرى.
إلا أن من الجدير الملاحظة فيما تقدم، ان التعجب
والاندهاش يصدر عن الطرفين، فالذي تتكشف له الفكرة يتعجب ويندهش فيؤمن إعجابا، والذي يطلع
على الفكرة يتعجب فيكفر إنكارا،
مما يعني أن التعجب والاندهاش هو حالة فكر- نفسية تنتهي
بالكفر والطرح إيمان
بالمألوف، كما في المشهد: (فقال
الكافرون: هذا شيء عجيب!)2/50،
او تؤدي إلى الكفر والطرح للمألوف تمسكا وإيمانا بالمحدث، ونجد المشهد الدال على
ذلك في موقف بلقيس التي طرحت عقيدة عبادة الشمس اندهاشا وإعجابا بالعقيدة الجديدة
التي أسست الصرح الممرد: (قيل
لها: ادخلي الصرح! فلما رأته
حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها.
قال: إنه صرح ممرد من قوارير قالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب
العالمين)44/27. فإذا كان الكفر هو طرح المُحدث بسبب امتلاء كأس الفكر، قد يكون الكفر هو طرح للمألوف الشاغل
بسبب الإعجاب بالمحدث، فهذه الأخيرة، عملية تنطوي على الطرح وإعادة ملأ الكأس
..
صناعة الادهاش
النظرة المتسلحة بالتأويل
لنعود بهذه الرؤية في التعجب واثرها على النفس والفكر، في فهم الواقع القرآني،
لقد كان التعجب من القرآن منطلقا قاد إلى كفر فريق
بالإسلام، كما في قوله تعالى: (أوعجبتم
أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون، فكذبوه)63-64/7،
كما كان التعجب منطلقا قاد إلى إيمان فريق اخر
بالإسلام، (فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به)1-2/72. كان موقف التعجب من القرآن داعي الى الضحك
والاستهزاء كفرا واستكباراعند الفريق الاول، وداعي الى البكاء والسجود
والايمان والتسليم عند الفريق الثاني،
وعن الفريق الضاحك يقول تعالى: (فلما
جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون)46-47/43، وعن الفريق
الباكي
يقول تعالى: (قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى
عليهم يخرون للأذقان سجدا، ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون
للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)107-109/17. لقد وصف الفريق المتعجب من القرآن، والذي
خر لتعجبه ساجدا، بانه فريق (الذين أوتوا العلم)، بينما الفريق الاول الضاحك، كان
هو فريق الجاهليين، من المشركين او المنافقين في دولة المدينة،
آنذاك،
او اللا دينيين او المنافقين في قريتنا الذميمة، اليوم..
وبناء على ذلك، امكن ان نعيد قراءة الخطاب
القرآني التالي: (أفمن
هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون، فاسجدوا لله
واعبدوا)59-62/53، بالكيفية التالية: (... وتضحكون أو
تبكون ...)، وهكذا يكون التأويل: "أفمن هذا الحديث
تعجبون، وتضحكون أو تبكون، وأنتم سامدون، فاسجدوا لله واعبدوا".
فاشار الى ان التعجب يفضي الى أحد موقفين، موقف الضحك كفرا او
موقف البكاء إيمانا، فكان القرآن يدعو الى الموقف
الساجد وهو موقف العلماء حيث التعجب قاد الى السجود والبكاء خشوعا وخضوعا وتسليما: (إن الذين
أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا، ويقولون: سبحان ربنا إن
كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)107-109/17.
لقد كان الخطاب القرآنيخطابا يثير الاعجاب والتعجب، كما يشير الى ذلك القرآن ذاته: (أفمن
هذا الحديث تعجبون)59/53، (فقالوا: إنا سمعنا قرآنا
عجبا)1/72،
(أوعجبتم
أن جاءكم ذكر من ربكم)63/7، الا ان عجائب الكتاب تتطلب المنهج المعرفي الكاشف
لها، كما تدعو اليه وصية الرسول(ص): (أعطوا
أعينكم حظها من العبادة فقالوا: يا رسول الله
(ص) وما حظها من العبادة؟
قال:النظر
في المصحف والتفكر فيه
والاعتبار عند
عجائبه)(مجموعةورام:1/250)، لقد فسر
الرسول(ص) اعطاء النظر حظه من العبادة، بالاشارة الى ثلاث مفردات متردافات (النظر :
التفكر:
الاعتبار)، فالمنهج المعرفي الذي ينبغي ان تتسلح به
النظرة الفكرية هو الاعتبار، يصادق على ذلك النظير: (فاعتبروا
ياأولي الأبصار)2/59،
والاعتبار يفسر بعلم التأويل، كما في قوله تعالى: (ياأيها
الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون،
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)43-44/12،
فيقال تعبير الرؤى والأحلام او تأويل الرؤى والأحلام سواء، والتعبير او التأويل
يفرض انقسام الخطاب الى ظاهر وباطن، كما في تأويل يوسف لرؤيا وحلم العزيز، عندما صرف
(البقرة) من
معناها الظاهر الى معنى باطن هو (عام).
لقد لازم الرسول بين اكتشاف عجائب القرآن وبين النظرة الفكرية المعتبرة،
حيث
لا تتظاهر عجائب الكتاب الا عندما تتلى آيات الكتاب تأويلا. حيث التلاوة تعني ان
تتلو الاية المتشابهة بالاية المحكمة الناسخة للتشابه، ومن شأن ذلك ان يؤدي
الى تولد وتظاهر العلم العجائبي من العلاقات البينية ومن ثنايا الخطاب. لذلك فان
العلماء الراسخين في علم التأويل أطلعوا ومن ثم تحدثوا عن عجائب وغرائب القرآن، كما
فعل
افضل الراسخين
بعد الرسول الإمام علي(ع):
(إن
القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق
لا تفنى
عجائبه
ولا تنقضي غرائبه
ولا تكشف الظلمات إلا به )(الآمدي،
غرر الحكم:
110).
وتجربة التعجب من عجائب القرآن، هي تجربة شعورية كانت متاحة للجميع،
بدليل وصية الرسول(ص) عندما اوصى بالنظر اعتبارا والتفكير تأويلا: (النظر
في المصحف والتفكر فيه
والاعتبار عند
عجائبه)،
ولذلك صار بامكاننا ان نضع عبارة (لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه)،
حيز التجربة، ونعيش بتطبيقها التجربة الشعورية التي عاشها الإمام علي،
ودعته الى ان يعبر عنها بهذه العبارة، الملخصة لتجربته الشعورية تجاه
القرآن ...
تأويل الكتاب
ما تفسير ظاهرة الادهاش القرآني؟
ان الاندهاش يحدث فيثير الضحك أو يثير البكاء، كما تقدم:
"أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون أو تبكون"،
فهنا يفسر الاندهاش والتعجب بالأثر اللاحق او المصاحب، بينما الاندهاش كسبب، ينتج عن كسر الالفة بواقع مستغرب، او شديد
الغرابة، بدليل التلازم في العبارة:
(لا
تفنى
عجائبه
ولا تنقضي غرائبه)،
وكما وجدنا تلك الاثارة والغربة الشديدة التي تولدت عند بلقيس حينما
كشفت عن ساقيها لتخوض اللجة، فاكتشفت، ان ما حسبته لجة، لم يكن كذلك،
وانما هي أرضية لقصر مصنوع من الزجاج الشفاف يجري من تحتها الماء فاندهشت مستغربة...
اذا عرفنا الاندهاش تعجبا بمعنى الغرابة،
يمكننا ان نعود الى القرآن، لنقول: ان خطاب القرآن يتصف ظاهره
بالاناقة، الا انه يبدو كغيره من الخطابات، في كثير من المواضيع التي
يطرقها والقضايا التي يتناولها، لا يوجد فيه ما يثير العجب او
الاستغراب او الاندهاش، فمن اين تولد فضاء الاندهاش الذي لا ينقضي
والاستغراب الذي لا ينفد ولا ينفنى، مما يصرح به خطاب الإمام علي:
(لا
تفنى
عجائبه
ولا تنقضي غرائبه)؟.
ذلك يتوقف على علم التأويل الذي اعتمده القرآن، فقال: (ولقد
جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون،
هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله؟)52-53/7،
فالنظرة المقصودة هنا هي نظرة الفكر، فالكتاب مفصل،
بشرط ان تتسلح النظرة الفكرية بقواعد واجراءات علم التأويل.
فاذا تسلحت النظرة الفكرية بالاعتبار، فان القرآن سيظهر بمظهر الخطاب
الذي احاط باقطار العلم، كل العلم، فما من شيء يطرق الفكر الا وفي
القرآن بيان مفصل يتناوله بالتفصيل الدقيق كل الدقة، وبهذا صار
القرآن يخبر عن الماضي ويتنبأ بالمستقبل ويشهد على الحاضر، وهذا ما يصرح
به الحديث:
«فيه خبركم وخبر من قبلكم وخبر السماء
وخبر الأرض فلو اتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجبتم»(محمد
فروخ، بصائر الدرجات، 158).
فكان هذا وجه من وجوه
الادهاش، الذي تتسبب فيه فكرة ان يكون في القرآن
تبيان كل شيء تفصيلا، يحوي الماضي والحاضر والمستقبل، فيكون مستغرقا في بيانه لكل العلوم
وكل الأزمنة،
هذا الامر بحد ذاته مثار للاستغراب والعجب الذي لا
ينقضي...
هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فان القرآن يجعل الخطاب الذي نسج من المفردات المألوفة
التي يتداولها أهل اللغة مصدرا غير ناضب
للمعاني، وان الكلمة التي فهمت بالفهم المتداول والشائع، تكشف اجراءات
التأويل، انها تتصرف على وجوه ومعان غير نافدة، لتعبر عما لا يحصى من
الافكار، ويتولد عنها ما لايحصر من المعاني
المغربة، فان تنتج المعاني من غير الالفاظ المألوفة فهذا امر مثير
للاستغراب، ومثاله ان تكون (البقرة) في رؤيا العزيز هي (عام)، وان تكون
تلك الرؤيا التي مفرداتها (البقرة)، و(السبع)، و(السنبلة)، ينتزع منها
مخطط ينظم اقتصاد مصر الفرعونية على امتداد خمسة عشر سنة!! فان يستفاد
هذا المعنى من تلك المفردات امر يستدعي الدهشة والعجب والاستغراب،
وهكذا يمكن ان نقول: (الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما
كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب)(الجاحظ،
البيان،1/103-104).
اي ان استنباط المعنى من غير اللفظ الدال عليه أغرب، ...، وكلما كان
أطرف كان أعجب ...
كما
يمكن فهم التعجب من خلال التعريف الذي يطرح في النص المنتمي لسنة البيت
النبوي الشريفة:
(الحمد
لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه
لأنه كل يوم في شأن من إحداث
بديع لم يكن)(التوحيد:
2/31)،
فالتعجب يفسر بابتداع المعنى الذي لم يكن،
والتأويل هو المسؤول عن ذاك، فيكون
هذا الابداع تأويلا هو مصدر العجب، وفي هذا يقول الجاحظ متابعة لبيانه السابق:
(وكلما
كان أعجب كان أبدع)(الجاحظ، البيان،1/103-104)،
وفي الابداع لذة
الفكر، التي هي اشد من لذة الجسد، وعن ذلك يتحدث النص التالي :
(اللَّهُمَّ
اجْعَلْ لِقُلُوبِنَا ذَكَاءً عِنْدَ
عجائبهالَّتِي لَا تَنْقَضِي
ولَذَاذَةً عِنْدَ تَرْدِيدِهِ وعِبْرَةً عِنْدَ
تَرْجِيعِهِ ونَفْعاً بَيِّنَا عِنْدَ اسْتِفْهَامِهِ)(مستدركالوسائل:45/374).
ان في التجديد والابداع المدهش لذة وفورة شعور كالتي عبر عنها
ارخميندس عندما صاح طائشا: وجدتها .. وجدتها! وهي
اللحظة الانسانية المنفعلة والفورة الشعورية
ذاتها التي تعبر عنها الشخصية المسلمة
الملتزمة فتصيح مكبرة، كما أدبها القرآن: (ولتكبروا
الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)185/2..
التأويل
تفجير
ينابيع الكلمات
بناء على ما تقدم، نفهم ان الادهاش وليد شق الخطاب،
الذي يضاهي شق الانسان الارض، ليحيلها الى مناجم يستخرج منها كنوز
الأرض المدهشة، ويصنع منها العجائب، ونفهم ان الاستغراب هو وليد
استنباط عيون الكلمات كما استنبط الانسان
الماء من بطون الأرض، وعملية شق أرضية
الخطاب وتصيير الكلمات ينابيعا هي الطريق الملكي لمخزون غير ناضب
واحتياطي غير نافد من العلوم والمعارف والأفكار والرؤى والأسرار وعالم
زاخر بالعجائب والغرابة والادهاش المتتابع، فيه يحيط القرآن بما كان وما يكون وما هو كائن، ومن شأن ذلك ان يجعل القرآن موسوعة
علمية تحوي اسرار العلم والمعرفة في شتى الحقول، بما لا مزيد
عليه، وفي هذا الوضع ضرب من العجب الذي لا ينقضي ...
لنرجع الى القرآن ليوصف لنا المشهد المعرفي
المتعلق بصناعتة للادهاش وخلق فضاء الاستغراب اللا متناهي،
فهمنا ان العجب ناتج عن تصريف الكلمة على وجوه ومعان،
لتكون منبعا،وانطلاقا من
قوله:
(فاعتبروا ياأولي الأبصار)2/59، الذي يؤول الى النظير: (وإذا صرفت
أبصارهم تلقاء أصحاب النار)47/7، فالنظير يعرف (الاعتبار)
بانه انصراف البصر (العقل)، ولكن تلقاء ماذا؟ يجيب النظير بالنسخ اكمالا:
(ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)89/17،
فيتضح ان الاعتبار هو انصراف البصر من المثل الى شبهه، فالمعرفة هنا تقوم على ضرب
الامثال، ومن خلال اجراء المقارنات بين الامثال والأشباه، واقامة المثل مقام نظائره
إبدالا، يتولد الوحي بالفكرة العجيبة: (قل ما يكون لي أن أبدله من
تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي)15/10، فعملية التصريف
والابدال تاويلا، هي عملية توجيه الآية قيد البحث من خلال نظائرها، وهو قوله: (ولما توجه تلقاء مدين)22/28. نستنبط، ان الاعتبار
هو العملية التي فيها يعبر الفكر من المثل الى شبهه، تصريفا للامثال، وان
المثل يوجه المثل، مما يعني ان التناظر هو المنطق الذي يقود عملية التفسير، وان
المثل يقوم مقام المثل، مما يعني ان صناعة البرهان تقوم على الاستدل بالمثل على
شبهه: (اعقل ذلك فان المثل دليل على شبهه). فعندما يقوم المثل مقام شبهه، يأخذ بعض
أحكامه، ومن خلال جمع تلك المأخوذات تشيد
الرؤية
العلمية ...
ويضع القرآن هذه الصورة
النظرية في صيغة حسية، من خلال مشاهد القصص القرآني، فقوله: (ولقد ضربنا
للناس في هذا القرآن من كل مثل)58/30، تؤول الى الصورة الحسية: (فقلنا اضرب
بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا)60/2،
فكانت العصا في هذا المشهد هي الامثال، فاضرب بعصاك الحجر، اي اضرب بالامثال
الكلمات القاسية، المتجمدة على وجه ظاهر، وفي وجه ثان يؤول الحجر بالقلوب:
(قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة)74/2،
وان ما ينتج عن ضرب القلوب للامثال، هو حياتها: (فقلنا اضربوه ببعضها(اي
اضربوا بعضها مثلا لبعض) كذلك
يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون)73/2،
وان ما يتولد عن ضرب امثال الكلمات بعث العقول واللغة الى الحياة، ليتفجر منها ينابيع العلوم،
فضرب امثال الكلمات يؤدي الى تصدعها وتشققها ثم تفجرها بالعلم والمعرفة، وهذه
النقلة يوصفها قوله تعالى: (قست
قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار
وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل
عما تعملون)74/2. فلا يكون التفجر من بعد قسوة الا بالتأويل الذي يمكن تعريفه
بعملية ضرب الامثال ...
ثورة
العقل
أبعاد
تفجير الكلمات ينابيعا!
ان حياة الأمة المسلمة اليوم تخلو من الفكر والتعقل، واكبر شاهد على ذلك، هو موت
كلمات اللغة العربية في الممارسة التداولية لها، باستعمالها بصورة احادية المعنى،
ولا يمكن ان تبث فيها الحياة، وتخرج العقول من دائرة الموت الى دائرة
الانبعاث الجديد، دون ان نعمل على تصريف المحتوى الدلالي للكلمات، فنستعمل الكلمات
باكثر من معنى وباكثر من وجه، اننا نعتمد اللغة في المتداول اللغوي بما يمليه
العرف الذي يضيق افق ادركنا. ويكشف عيبة تفكرينا، فنحن لا نفكر، ولو حركنا
اللغة بالتصريف لاسماء مكونات البيئة من حولنا لاستطعنا ان نحرك تفكيرنا وننمي
قدرات المتلقي من حولنا، (ازواجنا واولادنا واهلونا واصدقاءنا)، اذ يستدعي تصريف
الاسماء التفكير، حيث التوصيف للاشياء بغير اسمائها المألوفة يحولها الى ما يشبه
الاحاجي والالغاز التي تدعونا للحظها بلحاظات لم نلحظها من قبل، وهذا ينمي قدرة
الادراك على فهم العالم بصورة مغايرة للمألوف، وتجديد نظرتنا الى العالم وتنمية روابط بين تلك
الوجوه المحدثة لتشكيل علاقات لتصورات جديدة فيها من الابداع ما يؤسس لقاعدة
اختراع منظومة أفكار محدثة ..
فمثلا، كلمة (كرسي)، قد تكلست عقولنا، على المعنى العرفي، فلم نفهمها الا بالمعنى
المتداول والشائع، بينما يمكن
تصريف هذه الكلمة على الكثير من الوجوه المحتمله، ونحرك عقولنا بتنويع وجوه هذا الشيء، فبدل
ان نقول (كرسي)، لنقول مرة اخرى: (ذو الاربع) او (ذو القوائم)، او (نصف جلسة)، او
(نصف وقفه)، او (العرش) .. او نسميه بلونه او صفته او بما كان او بما يكون او
بسببه، او بشبيهه، او بمادته ..
خذ هذا المرسى.
اجلس على ذي الأربع.
اشتر ذا
الساق هذا
اعطنى ذا
القوائم.
لنأخذ وضعية النصف جلسة.
لنأخذ وضعية النصف وقفة
.
(فالجلوس على الكرسي هو أخذ لوضعية وسيطة بين الجلوس على
الارض والوقوف، لذلك صح ان نقول نصف جلسه اونصف وقفه)
اجلس على هذا العرش.
أاتني بهذه الخشبة، .. هذه الحديدة .. (تسمية الكرسي
بالمادة التي صنع منها )
أأتني بهذا الابيض .. الاخضر ... البني .. (تسميته
بلونه)
اتني بالسموات والارض، انطلاق من قوله: (وسع كرسيه السموات
والارض)، فكان الكرسي هو السموات والارض..
اعطني ذا الوسادة
الخشب المسندة
المستراح
ابن الراحة
أأتني بهذا المقام
هذا
المقعد ..
اعطني ذو الألواح والدسر
أأتني بهذا المتخلف، المختلف او
الخلفة، تأولا لقوله: (فرح
المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا)81/9..
اننا لا نستعمل من هذه الاسماء الكثيرة الا اسم واحد او اثنين، ونجهل هذه الاسماء
وغيرها كثير ...
ان تصريف الكلمة انتاج للمعنى ولحظ الواقع من خلال ابعاده الثلاثية وليس من خلال
بعد من أبعاده، وفي ذلك بناء للفكرة الكاملة، وان في وصف الرسوم
المتحركة، في خطاب كائنات البحر عن الانسان (الانثى) بمتنفسة الهواء، تعبير جميل فيه
يضع الانسان نفسه محل كائنات البحر ، التي اذا عجبت من الانسان ستعجب بكيفية قدرته
على العيش على اليابسة واليس مثلها لا يستغني عن الماء، فيكون له قدرة على تنفس
الهواء- الذي لا تستطيع تنفسه الا مذابا بالماء. وفي تعبير الرسوم عن
الطفل البشري (بجرو البشر) تعبير عن كيف ان الكائنات تنظر الى الاشياء من وجهة
نظرها وتفسر الوقائع المشابهة بواقعها. (ولو ان النملة توهمت ربها لتصورت ان له
زبانيتين)، هذا الحديث يجري المجرى ذاته.
ولو قدر لسكان البحر والبر من الأحياء ان يسمعوا الانسان لغتهم، لاطلقوا عليه العديد من
الأسماء تعبر عن وضعيتهم بالنسبة له:
ابن اليابسة
متنفس الهواء
الغارق بالماء
المفسد
غريب الاطوار
المنتصب
والماشي على رجلين
ذو اليدين
ذو القدمين
البارع
عدو
الاحياء
السفاح
المفكر
المتطور
ان تصريف الكلمة على وجوهها يعني لمحها من جميع حيثياتها، وفيها
استثارة للفكر لأن يلحظ الأشياء من مختلف وجوهها، وهذا هو صفة الفكر العبوري، ان
يبني مجسما لفظيا للكلمة يتناولها من جميع وجوهها، بينما
صفة الفكر الظاهري ان يلحظ الاشياء بوجه من وجوهها ويعتبره هو كل شيء، وعن
ذلك ينتج الجهل، الذي يوصفه قوله تعالى: (ولكن
أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا
وهم عن الآخرة هم غافلون)7/30، فجهالة الفكر الظاهري تقوم على الجهل بالوجوه الأخرى
والاقتصار على وجه يتيم ظاهر لا
تعدوه.
ان الاستعمال اللغوي القائم على الانصراف إلى وجه
وقصر دلالة الكلمة عليه هو الذي
يشكل معلم من معالم الجمود الفكري والفقهي: (انصرفوا صرف الله قلوبهم
بأنهم قوم لا يفقهون)127/9، ويعبر عن
قسوة القلوب وتحجرها وتكلسها، بينما بدء تصريف الكلمات على
وجوه يؤدي الى اطلاق
ثورة الفهم والفقه من جديد:
(نصرف الآيات لعلهم يفقهون)65/6،
وهذا المعلم يعبر عن لين القلوب: (تلين .. قلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى
الله يهدي به من يشاء)23/39 . فتكون الثورة في التحول من القلوب
الحجرية القاسية إلى القلوب المتفجرة بانهار العلوم، وهي النقلة التي يوصفها قوله:
(فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون،
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما
يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية
الله )73-74/2.
تباعا لهذا، نفهم ان في تجديد اللغة تجديد الفكر ، وفي تجديد اللغة حركة ينساب فيها
الفكر في رحلة من اجل بناء معالم عالم جديد، بل عوالم جديدة، فكل تصريف هو محاولة
للعبور نحو عالم اخر، والتماس افق دلالي محدث، واستكشاف غابة معرفية عذراء لم
تطأها فكر انسان من قبل ..
ان هذا النوع من تصريف مفردات اللغة كان يختبر به العلماء، فاحبار اليهود تعرضوا في
كثير من المواقف للرسول او لوصيه الإمام علي، وصرفوا لهما
الكلام وضربوا لهما الامثال والحنوا لهما في القول امتحانا، انطلاقا من قوله تعالى:
(وتلك
الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)43/29،
ليثمر الموقف عن ظهور علم العالم وتحديد عمقه وشموله ودقته، فلما يعجز او يصيب
ويخطئ المسؤول يعبر عن عجزه العلمي او يحدد ويحجم نفسه وعلمه، ومثل ذلك الامتحان
كشف عن تجرد الخليفة الانقلابي من الأهلية،
لذلك لاذت الأمة آنذاك بالإمام علي مسترشده، وفي ذلك المشهد ينزل الله قوله مستنكرا
غاضبا: (أفمن
يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون؟!)35/10...
عن عبد الله بن عباس قال: (قدم يهوديان أخوان من رؤساء اليهود إلى المدينة فقالا:
يا قوم إن نبيا حدثنا عنه أنه قد ظهر بتهامة نبي يسفه أحلام اليهود ويطعن في دينهم،
ونحن نخاف أن يزيلنا عما كان عليه آباؤنا، فأيكم هذا النبي، فإن يكن الذي بشر به
داود آمنا به واتبعناه، وإن لم يكن يورد الكلام على ائتلافه، ويقول الشعر ويقهرنا
بلسانه جاهدناه بأنفسنا وأموالنا فأيكم هذا النبي، فقال المهاجرون والأنصار: إن
نبينا محمدا (ص) قد قبض فقالا: الحمد لله، فأيكم وصيه، فما بعث الله عز وجل نبيا
إلى قوم إلا وله وصي يؤدي عنه من بعده ويحكي عنه ما أمره ربه، فأومأ المهاجرون
والأنصار إلى أبي بكر، فقالوا: هذا وصيه فقالا لأبي بكر، إنا نلقي عليك من المسائل
ما يلقى على الأوصياء ونسألك عما تسأل الأوصياء عنه، فقال لهما أبو بكر: ألقيا ما
شئتما أخبركما بجوابه إن شاء الله تعالى! فقال أحدهما: ما أنا وأنت عند الله عز
وجل؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ ومن أين تطلع
الشمس؟ وفي أين تغرب؟ وأين طلعت الشمس ثم لم تطلع فيه بعد ذلك؟ وأين تكون الجنة؟
وأين تكون النار؟ وربك يحمل أو يحمل؟ وأين يكون وجه ربك؟ وما اثنان شاهدان واثنان
غائبان واثنان متباغضان؟ وما الواحد وما الاثنان وما الثلاثة وما الأربعة وما
الخمسة وما الستة وما السبعة وما الثمانية وما التسعة وما العشرة وما الأحد عشر وما
الاثنا عشر وما العشرون وما الثلاثون وما الأربعون وما الخمسون وما الستون وما
السبعون وما الثمانون وما التسعون وما المائة؟ قال ابن عباس: فبقي أبو بكر لا يرد
جوابا وتخوفنا أن يرتد القوم عن الإسلام، فأتيت منزل علي بن أبي طالب (ع) فقلت له:
يا علي إن رؤساء اليهود قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل فبقي أبو بكر لا
يرد جوابا! فتبسم علي (ع) ضاحكا! ثم قال: هو اليوم الذي وعدني رسول الله (ص) به
فأقبل يمشي أمامي وما أخطأت مشيته من مشيته رسول الله (ص) شيئا حتى قعد في الموضع
الذي كان يقعد فيه رسول الله (ص) ثم التفت إلى اليهوديين، فقال (ع): يا يهوديان
ادنوا مني وألقيا علي ما ألقيتماه على الشيخ فقال اليهوديان: ومن أنت فقال لهما أنا
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب أخو النبي (ص) وزوج ابنته فاطمة وأبو الحسن والحسين
ووصيه في حالاته كلها وصاحب كل منقبة وعز وموضع سر النبي (ص)...
) (بحارالأنوار:
10 /2-5) يمكن متابعة بقية الخبر في المصدر .
وفي
خبر اخر: (اجتمع نفر من الصحابة على باب عثمان بن عفان، فقال كعب الأحبار: والله
لوددت أن أعلم أصحاب محمد عندي الساعة، فأسأله عن أشياء ما أعلم أحدا على وجه الأرض
يعرفها، ما خلا رجلا أو رجلين، إن كانا قال فبينا نحن كذلك، إذ طلع علي بن أبي طالب
(ع) قال: فتبسم القوم. قال: فكان عليا (ع) دخله من ذلك بعض الغضاضة، فقال: لهم
لشيء ما تبسمتم فقالوا: لغير ريبة ولا بأس يا أبا الحسن إلا أن كعبا تمنى أمنية
فعجبنا من سرعة إجابة الله له في أمنيته، فقال (ع) لهم: وما ذاك قالوا: تمنى أن
يكون عنده أعلم أصحاب محمد (ع) ليسأله عن أشياء زعم أنه لا يعرف أحدا على وجه الأرض
يعرفها قال فجلس (ع) ثم قال: هات يا كعب مسائلك فقال: يا أبا الحسن أخبرني عن أول
شجرة اهتزت على وجه الأرض فقال (ع) في قولنا أو في قولكم فقال بل أخبرنا عن قولنا و
قولكم فقال (ع) تزعم يا كعب أنت وأصحابك أنها الشجرة التي شق منها السفينة قال كعب
كذلك نقول فقال ع كذبتم يا كعب و لكنها النخلة التي أهبطها الله تعالى مع آدم (ع)
من الجنة فاستظل بظلها وأكل من ثمرها هات يا كعب، فقال: يا أبا الحسن أخبرني عن أول
عين جرت على وجه الأرض، فقال (ع): في قولنا أو في قولكم فقال كعب أخبرني عن الأمرين
جميعا، فقال (ع): تزعم أنت وأصحابك أنها العين التي عليها صخرة بيت المقدس قال كعب
كذلك نقول، قال: كذبتم يا كعب ولكنها عين الحيوان وهي التي شرب منها الخضر فبقي في
الدنيا، قال (ع): هات يا كعب قال أخبرني يا أبا الحسن عن شيء من الجنة في الأرض
فقال (ع): في قولنا أو في قولكم فقال: عن الأمرين جميعا فقال (ع): تزعم أنت وأصحابك
أنه حجر أنزله الله من الجنة أبيض فاسود من ذنوب العباد، قال كذلك نقول، قال: كذبتم
يا كعب ولكن الله أهبط البيت من لؤلؤة بيضاء جوفاء من السماء إلى الأرض فلما كان
الطوفان رفع الله البيت وبقي أساسه، هات يا كعب قال: أخبرني يا أبا الحسن عمن لا أب
له، و عمن لا عشيرة له، وعمن لا قبلة له، قال أما من لا أب له فعيسى (ع)، وأما من
لا عشيرة له فآدم (ع)، وأما من لا قبلة له فهو البيت الحرام، هو قبلة ولا قبلة لها،
هات ياكعب فقال أخبرني يا أبا الحسن عن ثلاثة أشياء لم ترتكض في رحم، ولم تخرج من
بدن، فقال (ع) له هي عصا موسى (ع)، وناقة ثمود، وكبش إبراهيم، ثم قال: هات يا كعب
فقال يا أبا الحسن، بقيت خصلة، فإن أنت أخبرتني بها فأنت أنت قال: هلمها يا كعب
قال: قبر سار بصاحبه، قال: ذلك يونس بن متى، إذ سجنه الله في بطن الحوت) (خصائص
الأئمة، 89 ).