بسم الله الرحمن الرحيم

 

لما كان القرآن متجددا مع تجدد العصور، فان المقولات التي يذكرها- ضمن السرديات التاريخية التي يقصها- تتجدد. فليس ما قاله إلا مقولات الأولين، التي يكررها الآخرون: (ما يقال لك إلا ما قد قيل .. من قبلك)43/41، وليس أيام التاريخ التي تصرمت إلا أيام الزمن الراهن والآتي التي تعيد استوديوهات التاريخ إنتاجها: (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟! قل: فانتظروا إني معكم من المنتظرين!)102/10، لقد كتب القرآن سيناريو الزمن الماضي الذي ستشتق منه كل سيناريوهات المستقبل، بحيث لن يكون الحدث المقبل إلا صورة للماضي، ليكون القول المأثور: (إن التاريخ يعيد نفسه) حقيقة مطلقة، مبرهنة قرآنيا وواقعيا، غير قابلة للتجاوز والنقض. قد تختلف الأزمنة، وقد يتغير مسرح الأحداث، وقد تتفاوت المفردات ويتبدل أبطال ونجوم الأحداث، ولكن يبقى المضمون موحدا، والمعادلة مطردة، والجوهر محافظا على أصالته، وكل ما سواه ما هي إلا أنماطا من الأقنعة التنكرية، تتنكر بها مفردات وظروف الأحداث دون أن تتغاير مضمونا. فلكل زمان أرض، يقطنها السكان، وتجري عليهم الأيام، ويظهر فيهم نبي أو آمر بالقسط، وفي كل زمان فرعون وملئه، وفي كل قوم مؤمن وكافر ومنافق، وفي كل زمان معركة ومنتصر ومهزوم، عادل وظالم، محق ومبطل. قد تتغاير أسماء هؤلاء الأنبياء والفراعنة، أسماء المؤمنين والكافرين والمنافقين، أسماء المعارك وساحاتها، وأسماء المنتصرين والمهزومين، العادلين والظالمين، المحقين والمبطلين، ولكن يبقى السيناريو يدور حول قصة واحدة متفقة التفاصيل دائما وأبداً، فيها يتدافع الخير والشر، ويتداول الأطراف في جدليتها الانتصار والهزيمة..

ولكن لماذا؟

ذلك ان حركة الزمن تأخذ مسارا دائريا، فيه أول الزمن الذي يمثل نقطة في الماضي، هو مآل الزمن الذي يمثل نقطة في الزمن الآتي، أي المستقبل، وهكذا تكون نقطة الماضي(أول الزمن) هي عينها نقطة المستقبل(مآل الزمن) على المسار الدائري للزمن، بحيث ما الحاضر إلا حضور للزمن الذي نظرنا إليه من نقطة الأمس انه مستقبل. بناء على ذلك، صار توصيف القرآن للماضي هو في الوقت ذاته توصيفه للمستقبل. فنستنبط تعريف الحاضر بأنه (حضور المستقبل)، والمستقبل هو صورة للماضي، مما يجعل الزمن الآتي هو تكرار للزمن الماضي ليس إلا...

من هذا المنطلق قال الرسول(ص): (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون)24/21، فـ (ذكر من معي) هو حضور الزمن الذي كان مستقبل بالأمس، و(ذكر من قبلي) هو ذكر للماضي، فاشتمل الخطاب على الأزمنة كلها، وصار توصيفه للأحداث الماضية هو توصيف شامل لكل الأحداث في مختلف الأزمنة والعصور. فلم يكن تصور الجاهليين القرآن في صورة (أساطير الأولين)، إلا تصورا ظاهريا جاهليا هو ذاته التصور السائد تجاه الإسلام في الجاهلية المعاصرة، التي نعيشها اليوم، كما يعبر عن خطابها التيارات المستغربة عامة، بينما لم يكن هذا تصور أهل الكتاب القدماء الذين عاصروا الرسول- أصحاب الفكر العبوري- والذين علموا أن تأويل الخطاب السماوي ينطوي على علم ما كان وما يكون وما هو كائن.

وبهذا نكتشف، أن أحداث الكون يقتفي المقبل منها اثر الماضي، فإذا اعتبرنا أن الكون هو (آيات الله) التي تمثل (علم الله) من جهة، ويمثل الكون (فعل الله) من جهة أخرى، من شأن ذلك أن يلقي الضوء على العلاقة بين الجهتين عندما يضحى الكون -علم الله- بمثابة (ذاكرة الله)، وما يأتي من الكون -فعل الله- يقتفي اثر أمثال الذاكرة، بعبارة أخرى إن الكون يكرر ذاته فيقتفي الآتي(الفعل) أثر الماضي (مثال الذاكرة).

وهو الواقع الذي يجد ترجمته الأخرى في العقل البشري، الذي (خلقه الله على صورته)، عندما تكون تجربة الإنسان في المستقبل صورة عن تجربته في الماضي، فتستند حركته إلى الذاكرة التي يمثل زمن أحداثها التسجيلية الماضي، فتحكم الذاكرة حركة الإنسان المقبلة عندما تشتق تلك الحركة من المثال الذاكري، الماضي، ما يجعل حركته في المستقبل صورة عن حركته في الماضي، فالمستقبل صورة الماضي. استنادا لهذا أمكن تعليل ماضوية الخطاب القرآني، واتضح الجواب عن السؤال: لماذا لم يهتم الخطاب القرآني بالمستقبل؟ الجواب: لقد فعل، فما الماضي إلا مرآة المستقبل، بذلك يكون خطابه الذي يوصف الماضي هو في الوقت عينه يوصف المستقبل، وعن ذلك قال الرسول(ص): (فيه خبر من قبلكم، ...، ونبأ من بعدكم).

ولتعميق الإجابة أكثر، نقول: إن تحليل المثال الماضي يكشف عن سنة الله، التي حكمت المثال في الماضي، والتي تطرد في المثال الآتي، فما السنة إلا الوجه الآخر للمثال، ونكتشف ذلك من خلال المقارنة بين الآيتين: (مضى مثل الأولين)8/43، (فقد مضت سنة الأولين)38/8، فتفسر المقارنة المثل بالسنة. فالمثل الذي مضى-(أي التجربة الماضية)- ينطوي على السنة، ويدل عليها، أي على النظام الحاكم، لذلك احتاج المثل إلى علم التأويل منهجا للكشف عن السنة التي تحكمه، فقوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا)137/3، مؤول بالنظير: (هل ينظرون إلا تأويله)53/7، بحيث يمكن القراءة: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض هل ينظرون إلا تأويل مثل الأولين"، فتحليل الأمثال هو الكاشف عن السنة المضمرة، وفي هذا الصدد يقول الإمام الحسن(ع): "تلك السنن والأمثال يجري بعضها وفق بعض". فإذا ما اكتشفنا السنة التي تحكم المثل عرفنا كيف سيجري المثل الآخر الذي يليه: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير)20/29، حيث المثل الآخر سيكون إعادة للمثل السابق: (إنه يبدأ الخلق ثم يعيده)4/10. وفي هذا الصدد يقول الإمام علي(ع) في وصيته لابنه الإمام الحسن(ع): (أي بني! إني وان لم أكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم، قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم)[0]. بذلك عاصر الاولين والاخرين، وشهد تجربة المتقدمين الذين لم يدركهم لشغلهم الماضي المتقدم وتجربة االمتأخرين الذين لم يدركهم لشغلهم الزمن المستقبل ...

ولكن منظومة السنن تكرر مشاهد الماضي على مستوى الأطر والخطوط العريضة، مع التصريف لتجلياتها على مستوى التفاصيل، التي يمكن اكتشافها بالتصريف لخطاب الكتاب تأويلا. أي إن المشهد السابق سيعيد نفسه، ولكن قد يتفاوت في القيم التي تتجلى فيها تلك المظاهر. مما يجعل من المتعذر على الإنسان المعاصر ان يقرأ مشهد الخطاب القرآني باعتباره موصفا للحاضر دون اعتماد التصريف تأويلا. وهذا التصريف للمحتوى القيمي هو الذي يجعل المشهد في تكراره، لا يعكس حركة اجترارية خالصة، بل ينطوي على بُعد تطوري، أي إن الحركة التكرارية لمسار أحداث التاريخ هي في الوقت ذاته حركة تراكمية.. ففي القديم المحدث إضافات نوعية، تجعل الأمر هو هو، وهو غيره، فالصورة الحاضرة هي تكرار لصورة الماضي وهي غيرها.. والمشهد هو المشهد القديم ذاته، ولكن هو جديد .. والقصة هي تكرار للقصة السالفة ولكنها مع إضافة لونية فارقة، (للمزيد من التفصيل في هذه المسالة يمكن مراجعة، كتابنا (التأويل: منهج الاستنباط في الإسلام)، فصل (نظرية المعرفة))  ...

وبهذا نفهم لماذا عندما ينزل القرآن آياته -التي تعالج الواقع الذي حمى فيه وطيس مواجهة الرسالة مع خصومها- يتوقف ليلتفت إلى الوراء مستدركا ومنبها على الصلة بين الحاضر والماضي، وتبعية المشهد اللاحق للسنة التي حكمت المشهد السابق، ليقول: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل)74/10، (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون)118/2. إن هذا الخطاب يشير إلى السنة، التي تحكم مشهد الاجتماع الانساني، والتي تفيد أن الظروف المتشابهة، تؤدي بالعقل البشري المتشابه والمتناظر، لتوليد حلولا متشابهة، لذلك فان الظروف التي تجدد نفسها على مر الدهر، تفرض على التجربة الإنسانية، أن تكون متماثلة، وعلى أيام التاريخ أن تكون متناظرة، رغم تغاير الزمان والمكان والأقوام التي تعيش وتسهم في صوغ التجربة، إلا إن القصة التي قدمتها تجربة بني إسرائيل يتوقع ان تكون القصة ذاتها التي تمثلها تجربة أمة محمد(ص).

ان الالتفات لهذه الدورة في حركة التاريخ الكوني والى المنطق الذي ترتهن له، من شأنه أن يؤدي كشفها إلى التمكن من أن نضع أيدينا على تفاصيل صناعتها لأحداث التاريخ، وحياكتها للوقائع ونسجها لتطوراتها،  ليفضي بنا معرفة أسرار ذلك إلى التنبؤ واليقين، كما تختم الآيات الآنفة: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون)، في قوله تعالى: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون)118/2...

لقد استطاع القرآن أن يقبض على حركة التاريخ- رغم كون التاريخ نهرا متدفق الأحداث في إطار خالد- عندما قدم خطابه قبسات من ذلك التاريخ، ثم جعله مرآة تعكس المستقبل، وجعل مضمون المشاهد يتحرك متدفقا من خلال عملية التصريف تأويلا. فإذا كانت المشاهد تبدو قديمة وأسطورية تتعلق بالزمن الماضي، وتتناول أمما وشعوبا وأقواما قد ماتت وانقرضت. فإن عملية تصريف تلك المشاهد التاريخية الميتة والتعويض في معطياتها تأويلا، يحرك فيها الدماء، ويعرضها إلى قيامة تبعثها للحياة، فيعود النبض يسري في عروقها، لتوصّف الواقع المعاصر، وتتعلق بالأحداث الجارية، وتتنبأ بالزمن المقبل، ولذلك توصف آيات الخطاب- في الإطار المنهجي- بأنها تعيش نزولا متجددا، فقيل: (انزل القرآن على سبعة أحرف).

لقد كان هذا الوعي بأثر التأويل الإحيائي على الخطاب الماضوي الميت واضحا في فكر أئمة التأويل، كما يحدثنا الإمام الصادق: (إن القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الآية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين، كما جرت في الماضيين)[1]، وفي خبر ثان يُسأل الصادق: (ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟! يرد بالقول: لأن الله لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة)[2]. إن جدة وحداثة وطراوة الخطاب- المصرح بها هنا- مجهولة عند المتأخرين، بل القرآن متهم منذ قرون بأنه قديم عتيق غير معاصر للعصر الحديث، وان صلاحيته مقتصرة على عصر نزوله، عصر الدابة والسيف والخيمة الترس والبئر والصحراء.

إلا إننا نرد على التهمة بالقول إن الحداثة التي تفرض جريان آيات القرآن على أحداث الزمن، الحاضر والآتي، تتوقف على ممارسة التأويل على الخطاب، باعتبار التأويل شرعته آيات الخطاب كأداة تصريف وتحديث تجدد الخطاب، فيخرج من التحيز في الماضي، ويتحرر المضمون من وضع الاحتباس والجمود على حرف ليتدفق، فيشمل بحروفٍ سبع الحاضر ويستوعب حدث المستقبل...

فالعدة التي يمثلها علم التأويل بقواعده وإجراءاته وأدواته المعرفية والمنهجية تقف إلى جانب الخطاب، لتكفل له خلود الصلاحية بخلود الزمان، ونلمح ذلك عندما يقول تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)3/5، فكمال الدين هو تمام النعمة، وإذا ما أردنا التعرف على التصور القرآني لمفهوم كمال الدين نرجع إلى النظير:  (ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك)6/12، فيفسر تعليم التأويل بتمام النعمة، مما يعني انه لا يمكن تصور  كمال الدين إلا بإشاعة علم التأويل، في الأمة ليتوارث بين الأجيال،  فهو الأداة التي تمنح القرآن القدرة على التفصيل لبيانه، والتحديث لخطابه وفق متطلبات الواقع وتطورات الأحداث واستحداثات الزمان: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟!)53/7.  وفي اليوم الذي انفك فيه علم التأويل عن خطاب الكتاب، افتقد القرآن صلاحيته، وكل خصائصه، ولم يعد له القدرة على أن يتلاءم مع تطورات العصر أو يلبي المتطلبات التي يفرضها تغاير الزمان والمكان...

ويضع الإمام الباقر فكرة تدفق الخطاب القرآني الماضوي الطابع، ليجري على الآخرين ويستغرق الحاضرين والقادمين في المستقبل، وما يعبر ذلك عن قدرة على استيعاب الحياة، يضعها في إطار تطبيقي ملموس، فيقول: (أ فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)87/2، قال(ع): ذلك مثل موسى والرسل من بعده وعيسى، ضرب لأمة محمد مثلا فقال الله: (أ فإن جاءكم محمد بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم بموالاة علي ففريقا من آل محمد كذبتم وفريقا تقتلون)، فذلك تفسيرها في الباطن)[3]، ففي هذا التأويل حوّل الباقر(ع) الخطاب القرآني من الزمن الماضي إلى الزمن المعاصر له، لتقفز أمة بني إسرائيل من سياق التاريخ إلى ساحة الواقع القائم آنذاك وتتمثل في الأمة الإسلامية التي تعيش الحقبة الأمويّة، التي عاش إبانها الإمام الباقر(ع). فانزل بهذا التصريف الآية انزلا تأويليا ليكون آل محمد في صراعهم مع أعدائهم من حكام الدولة الأموية، وما يجري عليهم في ذلك الصراع من تكذيب وقتل، هو سبب النزول المعاصر لهذا الخطاب، بقراءته المحدثة التي يصنعها تأويلا، بعد إن كان التكذيب والقتل الذي يتعرض له الأنبياء في واقع بني إسرائيل، هو متعلق سبب النزول .

وفي تطبيق معاصر، يمكن أن نرى الخطاب القرآني الماضي يمكن ان يتجدد بتوظيف قليل من اجراءات علم التأويل على الخطاب ليعكس حاضر ومستقبل القوة العظمى، اليوم، الولايات المتحدة الأمريكية، التي شعارها او لسان حالها او لسان الموصف لها: (من أشد منا قوة؟) من خلال الخطابات الموصفة لقوم عاد الذين عاشوا الوضع ذاته: (فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون، فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون)15-16/41، فهذا الخطاب يمرق عن السياق الماضي الذي يعيش فيه لينزله التأويل في القوى العظمى المعاصرة، بدلالة توصيف تلك القوة بان ليس في الأرض أشد منها قوة. ويحدد الخطاب هلاكها بالريح الصرصر، التي تضرب تلك القوة بشدة.  كما ضربت نظيرتها في التاريخ؟ دون ان يقتصر الهلاك على عامل الريح- الأنواء الجوية- الذي من الممكن ان يتصرف إلى مآلات ... ويمكن متابعة المشهد الذي يقص حركة الواقع المعاصر هذه من خلال قراءة آيات (عاد): (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم)41-42/51، (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين)24-25/46. (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر، إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر، فكيف كان عذابي ونذر)18-21/54. (كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية)4-8/69.

وللتعرف على قارعة عاصفة الإعصار وعلى أثرها على الأرض، نرجع إلى النظير: (القارعة، ما القارعة، وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث)1-4/101، فهاهو إعصار (كاترينا) يخلف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، فهل نجد في هذا المشهد قوله: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث)4/101. ولا يكاد (كاترينا) يضع أوزاره، حتى يحذر مركز الأعاصير في (ميامي) من إعصار قادم أطلق عليه اسم (أوفيليا) الذي اخذ يضرب الساحل الأمريكي. وها هو مركز الأعاصير يحذر من تحول عاصفة (ريتا) الاستوائية التي تضرب المنطقة إلى إعصار من الفئة الأولى يهدد الساحل الذي لم يخرج بعد من أنقاض الإعصار كاترينا. . فيما يرجح الخبراء أن يرتفع معدل العواصف الاستوائية التي تضرب تلك المنطقة هذا العام من 12عاصفة إلى 21عاصفة جراء ارتفاع حرارة المياه وتوافر عوامل أخرى مسببة للأعاصير(*) ..

يضاف إلى ذلك، إن ضربة 11/ سبتمبر، اعتبرها القائمون على تنفيذها عاصفة، فلقد استعمل المهاجمون عبارة: (عاصفة الطائرات)، مما يعني أن مفهوم الرياح العاصفة قابل للتصريف على وجوه، فيشمل المعنى القريب وما يؤول إليه من معاني انزياحية، كالمعنى الاصطلاحي ههنا. ونجد هذا التقارب في الضربتين في خطاب بوش، ففي الخطاب الإذاعي الذي تلاه خصيصا بمناسبة الذكرى الرابعة لهجمات سبتمبر/أيلول قال: "تواجه أميركا اليوم كارثة أخرى سببت دمارا وموتا، لكن هذه المرة لم تكن الأزمة تنفيسا عن حقد أشرار، وإنما بفعل غضبة المياه والريح"، لقد جاءت العاصفة الثانية، عاصفة الريح والمياه، لتحدث من الدمار ما ذكر بدمار العاصفة الأولى، عاصفة الطائرات.

ولما كان نظام الكون يقوم على وجود التناسب والتوافق بين الذنب والعقاب، الخطأ والجزاء، كما يقرر ذلك قوله تعالى: (جزاء وفاقا)26/78، يمكننا التعرف على ذلك في التطبيقات، التي يعرضها القرآن باعتباره (كتلوج) النظام الكوني، وعبر توظيف نظم القراءة التي يكفل بيان إجراءاتها وقواعدها علم التأويل، فمثلا العقاب بالريح العاتية: (فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم)6-7/69، يأتي كرد على انتهاج المعاقبين لسياسات طاغية: (فأهلكوا بالطاغية)5/69، فكما إن الطاغية يمكن أن يكون جزاءً، كذلك يمكن أن يكون ذنباً، كما في الحديث القدسي: (فالظالم سيفي به انتقم ومنه انتقم).

يضاف إلى ذلك، ان العقاب بالعواصف الذي تتعرض له القوة الكبرى اليوم، قد بدأ مع (عاصفة الصحراء)، أي الحرب الكبرى التي شنتها الولايات المتحدة في الخليج، والتي ستتزايد المؤشرات التي تضع تلك الحرب في موضع المتهم، وعامل رئيس في بدء انحدار قوة الولايات المتحدة الأمريكية، ليتكشف إنها كانت وبالا ولم تكن انطلاقة واعدة بالظفر بكنوز النفط.. فأمريكا منذاك تتعرض إلى موجة عواصف متلاحقة سوف تأتي عليها، كما قال تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا)15-16/41، (فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية)4-8/69. 

وهكذا يتنبأ القرآن بصيرورة الواقع تأويلا، فيكشف عن ثلاث عواصف من ثمان متوقعة: (فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم... ثمانية أيام حسوما)، وان تلك العواصف سوف تشكل (أيام أمريكا) العاصفة، التي ستحسم وضعها في المعادلة الدولية، وتجعلها نسيا منسيا، ومصطلح الأيام يقرره قوله تعالى: (وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)5/14. ويؤكد حسم تلك الأيام المدنية الأمريكية قوله تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد)18/14، فأيام أمريكا العاصفة التي تأتي على وزن أيام العرب في الجاهلية، هي:

الإعصار ريتا

1/ عاصفة الصحراء (يوم الصحراء).

2/ عاصفة الطائرات (يوم الطائرات).

3/ عاصفة الأعاصير (يوم الأعاصير).

4/ عاصفة الإعصار المالي (يوم الافلاس).

5/ عاصفة اوباما (يوم سيادة العبيد)

6/ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

7/ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

8/ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

وعندما يكتب تاريخ العالم بعد هذه الحقبة التي ستشكلها الأيام الحاسمة، سيعزو انهيار القوة العظمى المعاصرة، إلى هذه العوامل، التي يصطلح عليها بـ (أيام الله)، والتي فيها تظاهرت قدرة النظام الكوني المبني على الحق، على تدمير الظاهرة الطاغية التي تسبح عكس النظام والحق: (ألم ترى أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)19-20/14، كما دمر نظيرتها في التاريخ عاد وثمود وقريش الأموية والعباسية وغيرها: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلوني، فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون)59-60/51.

وإذا تقدم نموذج عن الماضي، يحقق قول الرسول: (فيه خبر من قبلكم)، وتقدم نموذج معاصر يحقق قول الرسول: (فيه حكم ما بينكم)، فهل لنا بيوم من أيام الولايات المتحدة الأمريكية يتوقع القرآن حدوثه، مما لم يقع بعد، يحقق قول الرسول (وفيه نبأ من بعدكم)، فهل لنا أن نستنطق القرآن ليبين لنا بعض تلك الأيام المتوقع حدوثها،

فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا(9/33) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون(10/33)هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا(11/33

يمكن أن نفعل ذلك بتصريف وجوه الآيات، فليس الولايات المتحدة إلا وجه من وجوه عاد، وفي في وجه ثان بقوتها القاهرة تشابه فرعون: (قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون(127/7

يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج(42/50

وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين(67/11)كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود(68/11

فأخذتهم الصيحة مشرقين(73/15)فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل(74/15)إن في ذلك لآيات للمتوسمين(75/15)وإنها لبسبيل مقيم(76/15)إن في ذلك لآية للمؤمنين(77/15

أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب(9/34

(أغرقوا فادخلوا نارا)25/71، اي اغرقوا بالنار، وصيغة الغرق بالنار يمكن تصور غرق البلاد في حرب، ويمكن تصوره غرقها في قنبلة نووية تغرق البلد بالانفجار والاشعاع ..

تبعا لذلك، يتضح أن حياة القرآن متجسدة في تصريف المحتوى الدلالي لقوالب الألفاظ، بالتأويل لها على وجوه وقراءتها قراءة معاصرة، تكفل لها تجاوز الماضي لشغل الحاضر. كما مارس الإمام الباقر(ع) هذه القراءة على الخطاب فحوّل زمنه ليتناول الأوضاع التي عاصرها. بذلك فقط يصبح القرآن كتاب الحياة والحقيقة، الذي لا يعجزه أن يقص قصة الحقيقة الحية، وبذلك يمنح آياته التجدد بقابليتها على النزول في كل واقعة، حتى تكون لكل حدث- بل لكل حركة وسكنه- في الكون لها في القرآن آيات تحكي حكايتها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها الصائرة إليه. وإن حياة القرآن الخالدة والمصاحبة للزمان، تتطلب أن ينزل في كل واقعة بيانا، يوضح فيه الحقيقة العلمية. وبذلك يؤبد القرآن المؤول حضوره الخالد، فيهيمن على الأحداث بتوجيهها تارة وبصنعها أخرى. وهو ما يدل على قدرة الإسلام- الذي يطرح نفسه كنظام مثالي يتمتع بخلود الصلاحية- قدرته على تلبية حاجات الإنسان وكفالة سعادة الإنسانية. ان الرسول الخاتم محمد(ص) ما كان لتستوعب حياته النبوية وعمره المحدود تبيين كل ما جاء في القرآن: (إلا إن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأُعرفهما فآمر وأنهي عن الحرام في مقام واحد!)(4)، لذلك علمّ الأمة تأويل القرآن، وأمرها أن تستنطقه تأويلا، وتعمل به. فبين دفتيه كل احتياجاتها إلى يوم القيامة، فما عليها إلا أن تعتمد التأويل وتتمسك بالكتاب، وسرعان ما يدركها ترجمان القرآن الإمام من آل محمد، فإنها لن تضل بعد ذلك أبدا.

تاريخ النشر: 21/سبتمبر/2005

 

المصادر:


[0]  نهج البلاغة، كتاب  31

[1] البحراني، تفسير البرهان، 1/28.

[2] المجلسي، بحار الأنوار، 92/15، البحراني، تفسير البرهان، 1/28.

[3] تفسير العياشي،2/49 .

[4] حسن الشيرازي، كلمة الرسول الأعظم، 72.

(*)أهم كوارث الولايات المتحدة في قرن

أعاد إعصار كاترينا الذي ضرب سواحل الولايات المتحدة إلى الأذهان مدى الأضرار التي تتسبب بها الكوارث الطبيعية سواء من الناحية البشرية أو المادية.

وكاترينا ليست أول كارثة طبيعية تجتاح الولايات المتحدة وإن كانت أشدها بما خلفته من ضحايا قد يتجاوز عددهم الالف وخسائر مادية قد تصل إلى 200 مليار دولار, وفيما يلي أهم الكوارث التي اجتاحت البلاد:

في سبتمبر/ أيلول 2004 ضرب الإعصار إيفان عددا من السواحل الشرقية الأميركية خاصة ولايات نورث كارولينا وفلوريدا وجورجيا وميسيسبي وآلاباما, أسفرت عن مصرع حوالي 24 شخصا.

 في أغسطس/ آب 2004  ضرب إعصار تشارلي جنوب غرب فلوريدا مخلفا حوالي 19 قتيلا فيما بلغت الخسائر المادية حوالي 15 مليار دولار.

في مايو/ أيار 2003 لقي حوالي 40 شخصا مصرعهم عندما اجتاحت عواصف شديدة الولايات الوسطى من البلاد خاصة ميسوري وكنساس وتينيسي, كما  تسببت الأعاصير التي ضربت مدينة أوكلاهوما في إصابة مالا يقل عن 118 شخصا.

في العام 1992 ضرب الإعصار أندرو جنوب ميامي وتسبب في خسائر قدرت بـ25 مليار دولار.

في عام 1969 اجتاح إعصار كاميل ولايتي لويزيانا وآلاباما وتسبب في مقتل حوالي 250 شخصا.

في أكتوبر/ تشرين الأول 1989 ضرب زلزال لوما بريتا ولاية كاليفورنيا وتسبب في مقتل 68 شخصا وأضرار مادية بلغت حوالي سبعة مليارات دولار.

في العام 1964 وقع زلزال قبالة سواحل ولاية آلاسكا الأميركية أدى إلى مصرع حوالي 100 قتيل في الولاية, و4 أشخاص في أوريجون و13 في كاليفورنيا, وخسائر مادية بلغت 100 مليون دولار.

في أبريل/ نيسان 1906 وقع زلزال في سانفرانسيسكو بلغت قوته 8.25 درجات على مقياس ريختر وتسبب في حريق ودمار ووفاة حوالي ثلاثة آلاف شخص.