|
لقد اتصف القرآن - في ظل علم التأويل- بكونه محيطا من علم غير متناه، تتمرد آياته عندما تفتنها قواعد التأويل إجرائيا، فتنتفض على النظام الداخلي للخطاب محدثة ثورات وانقلابات قرآنية تؤدي إلى تفكيك نظم الخطاب وقيام نظم أخرى، يصطلح عليها بالحروف أو الوجوه أو القراءات. هذه الثورات التي تشعلها أدوات التأويل، هي التي عرفها قرّاء صدر الإسلام، ومارسوها على الخطاب، وعنها قال ابن مسعود: (من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن). إن تأويل القرآن هو ثورة داخلية حقيقة يقوم بها القرآن على نفسه، ليجدد ذاته، ويُحدّث نظمه، ويفصل علمه، ويفصح عن مخزون لامتناهي من العلوم والمعارف والأفكار، مما يخول القرآن أن يعيش متعاصرا مع العصور. هكذا هو نظام القرآن في انقلاباته وثوراته كلما ضاقت معانيه ووجوهه عن الإيفاء باستحداثات وتطورات الحياة، طور حاله تأويلا، فسلخ حرفا ووجها وقراءة وأبدلها بوجه وحرف وقراءة أخرى تجعله دائما متفاعلا مع الحياة، بمثابة الأفعى التي تجدد جلدها -كلما ضيقه الزمان عليها- نتيجة نموها وتطورها.. ويمكن ان نجد فيما يأتي من سطور هذا البحث نماذجا، لكيف تنتفض وتتمرد وتثور الآيات القرآنية، لتخرج على نظامها، فتؤسس تصورا محدثا، يقلب الوجه الظاهر رأسا على عقب، فيُلغى الظاهر، ويهمّش لصالح وجه جديد يتركز عليه اهتمام آيات الكتاب، التي تطالب بان يظهر -الوجه قيد التمركز- ويسود ويتفصل، وان تكون كل آيات الكتاب في خدمته، وتحت سلطانه، تذعن له وتلبي حاجاته في الظهور للعيان والبروز إلى السطح ليشهده الفكر. إن هذا التوصيف، يكشف عن تحقق مفهوم الثورة، التي فيها تسود قوة عن طريق مساندة الغالبية لها من اجل تحقيق ظهورها وغلبتها. وهكذا يخولنا هذا التحليل أن نحس بالمعنى الثوري والتثويري، الذي توخى ابن مسعود أن يوصله لنا، عندما روى الحديث النبوي، المتقدم الذكر: (من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن) ... لقد عبر القرآن بـ (الفتنة) عن مفهوم التثوير هذا، فقال تعالى: (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)7/3، فتناظر طرفي الخطاب في (ابتغاء) تجعل كلمة (الفتنة) تعرف بـ (التأويل). ثم إذا بحثنا عن وجه آخر للفتنة، نكتشف قوله تعالى: (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه)11/22، فيعرف الخطاب القرآني الفتنة بأنها انقلاب في الوجه، أي في الدالة والمعنى. فيكون المحصل من تراكب الوجهين ان ابتغاء التأويل هو ابتغاء فتنة الخطاب لتقليب وجوهه. وإذا رجعنا إلى النظير: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)144/3، نفهم أن الانقلاب هو عبارة عن قتل أو إماتة وجه وحرف وقراءة وبعث وإحياء لوجه وحرف وقراءة أخرى. وان العملية تشبه الانقلابات في الإطار السياسي تماما، فكما تقوم الانقلابات بالقضاء على الأنظمة التي تثور عليها، عبر قتل رؤسائها وقادتها، أو تخليدهم في بطون السجون، وتلغي الخطط السياسية والاقتصادية والإدارية والتنموية والتعليمية والتثقيفية للنظام البائد وتستبدلها بأخرى، كذلك هي ثورات التأويل في إطار الخطاب تقوم على اغتيال الوجوه والقراءات والحروف والنظم المثار عليها- أو تزيحها باعتبار الزمان قد أماتها وحنطها منذ دهر طويل، وتوقف الأمر على إزاحتها فحسب- أو يمكن تصور المشهد ذاته بالخيار الثاني المتمثل في إلقاء الوجوه المنقلب عليها في سجن الباطن، ليشغل الظاهر وجه محدث ... ولما عرفنا أن تقليب الوجوه تأويلا، يستند إلى الأمر الصادر عن التناظر القرآني الذي فيه يأمر النظير ويملي الاتجاه الذي ينبغي أن ينقلب إليه نظيره، قيد النظر، فان ذلك الأمر الصادر عن النظير هو أمر الله، الذي تمثله تلك الآية القرآنية، وما يترتب عليها من انقلاب في الوجه والقراءة والحرف هو الذي يوصف منحاه قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود)82/11، إن هذا الانقلاب هو الذي فيه تعيد عناصر النظام ترتيب نفسها وفق تراتبية، فيها يكون الأعلى أسفل والأسفل أعلى، وهو قلب للنظام من شأنه ان يجعل ما يشغل رأس الهرم في القاع وما يشغل القاعدة في رأس الهرم. ويمكن أن نفهم شطر الآية الثاني: (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود)، بان ما يعقب الانقلاب الذي نقض بنية نظام الخطاب فأحالها أنقاضا (أحجار)، مطلوب إعادة تنضيدها- أي صفها وترتيبها- لتشكل نسقا آخر، يعبر عن بناء قراءة أخرى وحرف مغاير ووجه محدث. وبهذه الطريقة تكون الآية عرفت الانقلاب بنقض قراءة وتشكّل لقراءة أخرى. ولكي نشخص (التأويل) - باعتباره علم تثوير الخطاب، وآلة إشعال الثورات التي تقلب أنظمة الخطاب من اجل صنع نظم أو سياقات أو أنساق كل منها يعبر عن بصيرة علمية أو رؤية فكرية او بصمة معرفية، تظهر قدرات القرآن على إنتاج الفكر والمعرفة والتفصيل فيها- نقدم التطبيقات التالية التي تضع التصور النظري المتقدم، حيز التجربة والاختبار، وتمكن النظر من أن يشهد التطبيق العملي للثورة:
التطبيق الأول: عندما يبحث الناظر في الكتاب تأويلا عن الهوية العقائدية للسامري، الذي طرحه السرد القرآني باعتباره من أتباع موسى، وكان مغمورا، حتى ظهر فجأة في غيبة موسى بفتنة العجل، كما يقول تعالى: (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي)87-88/20، يضع البحث الأولوية لفهم هذا الخطاب على كل أولوية أخرى، بتوظيف قواعد علم التأويل لتقوم بتثوير الخطاب القرآني، عن طريق تحفيز الخطابات النظيرة، لان تلتف حول هذا الخطاب، متخلية عن سياقاتها ونظم الخطاب المألوفة التي تعيشها، لتأتي وتنشئ نظاما جديدا، وسياقا آخر، غير ذلك الذي عاشت فيه وألفته. بعبارة أخرى، إننا لما أعطينا الاعتبار لبحث موضوع السامري، فان النظائر تلتف حول النظير الذي أعطاه الاعتبار وضعا مركزيا، فالتأويل الذي يعرفه الكتاب بالفتنة، يفتن النظائر فيغريها بالالتحاق لخدمة الخطاب المركزي، فتقفز النظائر كمقاطع وأنصاف آيات منشقة عن نظم الخطابات وسياقاتها وموضوعاتها لتلتحق بالسياق قيد التشكل. في ظل ثورة النظائر هذه على نظم الخطاب التقليدية التي تنتمي إليها، يخرج المقطع الذي يتحدث عن ضيف إبراهيم: (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم)، ليتمرد عن وضعه، في السياق التالي: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون)24-27/51. فأعلن عن انشقاقه لينتمي إلى الخطاب القرآني قيد التشكل. لقد كان الخطاب قيد البحث يتحدث عن عجل السامري، وهذا النظير الأخير يتحدث عن عجل ضيف إبراهيم، فيتمرد المقطع: (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم)، على الخطاب الحاضن له، فيخرج منشقا، ليعلن عن انتمائه الجديد لقصة السامري، فيحدث بهذا الالتحاق تشكلا جديدا، لما يندمج بالخطاب قيد التمركز فينتج نظاما محدثا صيغته الطرية: "فراغ إلى أهله فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي" فالسامري راغ إلى أهله ليأتيهم بالعجل... فإذا كانت (أهله) في قصة إبراهيم تعني (زوجه)، فان (أهله) في قصة السامري تعني (قومه)أي قوم السامري، كانوا يعبدون الأوثان. ولكن ما الذي يصادق على أن هذا الروغان هو روغان إلى عقيدة أهله (قومه)، هنا ينشق نظير آخر، من سورة أخرى، تتطرق إلى قصة إبراهيم: (فراغ إلى آلهتهم)91/37، فهذا المقطع ينتمي إلى الخطاب: (فتولوا عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين)93/37. إلا انه يعلن انشقاقه ليلتحق بالخطاب المحدث قيد التشكل، ويعلن انتماءه إلى هذا النَّظم الجديد، من خلال ثورة الخطاب تأويلا. وبذلك يتطور نظم الخطاب وتندفع الثورة إلى الأمام في تشكيلها لخطابها المحدث: "فراغ إلى آلهة أهله فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي". أي أن السامري انتمى إلى قوم عبدوا الأوثان. لقد كان تحول السامري إلى العقيدة اليهودية ليس تحولا خالصا، وإنما انطوى على رواسب عقيدته السابقة، مما أدى إلى تظاهر تلك العقيدة عليه، بدليل لفظة (فنسى)، حيث استحواذ المنسيات ترجم نفسه من خلال قراءة مبتدعة تعتمد الرأي منهجا: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم)19/58، (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا)155/3، ففسر السامري عبارة (اله موسى) في خطاب التوراة بأنها تعني العجل، الذي مثل كسبه المنسي: (هذا إلهكم وإله موسى فنسي). وفي هذا إسقاط لعقيدة قومه- التي من المفترض كفر بها- على خطاب التوراة. بعبارة أخرى، ان السامري قام بدفن مسبقاته الفكرية ومنسياته الكسبية في خطاب التوراة، وعاد ليستنبطها منه في عملية خداع للذات، بذلك حوّل ألفاظ الخطاب إلى قوالب سكب فيها أهواءه وآراءه الشخصية ومسبقاته الفكرية وأفكاره الخاصة، مما أوجد فتنة العجل، التي مثلت انقلابا من التوحيد إلى الوثنية.. وبضم النظائر المشار إليهم إلى الخطاب الطري قيد التشكل، نقرأ: "فراغ إلى آلهة أهله فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم، إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا". فكانت المكتسبات: (التجربة الخاصة) هي تلك المسبقات التي يتبادر ويسبق إليها الفكر، وعنها يقول تعالى: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)27/21. ويفسر السبق النظير: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)6/66، حيث ينسخ النظير وجه (يسبق بالقول) بوجه باطن هو (يعصون). أي أن الخطاب يجعل المسبقات الفكرية هي الكسب المنسي المسؤول عن الاستحواذ الشيطاني المزل، يصادق على ذلك النظير: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون)66/36، أي خرجوا عن الصراط، بعد إن اعترى وضعهم الفكري عمى استحواذ المنسيات، الذي صادر منهم بصيرة الدين الهادية، وهو ما يقود إلى تطوير التشكل المحدث: "فراغ إلى آلهة أهله فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم، إنما استزلهم ببعض ما كسبوا، فطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون" ..
التطبيق الثاني: عندما نبحث لماذا لم يصدق يعقوب رواية أبنائه حول فقدان يوسف؟ وهو المشهد الذي يسرده قوله تعالى: (قالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين، وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)18/12، فإعطاء الأولوية لفهم هذا الخطاب على كل أولوية أخرى -عند الفكر الناظر في خطاب الكتاب تأويلا- يجعل التأويل يُثوّر النظائر ويجندها من كافة أطراف الخطاب، ويدعوها للالتفاف حول هذا الخطاب، متخلية عن سياقاتها ونظم الخطاب المألوفة التي تعيشها، والموضوعات المشتغلة بالتعبير عنها، لتأتي لتشكل امتدادا داعيا للنظام الجديد .. وهو ما يجعل القرآن في ظل التأويل، بمثابة الجسم الحي الذي يتظاهر في إسناد بعضه لوظائف بعضه الآخر ... في إطار هذا التثوير، يتأثر السياق النظير التالي، ويطرأ الانشقاق على نظم خطابه: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم)26-28/12، فالتناظر بين الخطاب المركزي وهذا النظير في موضوع (القميص)- كلفظ مشترك بين الخطابين- من شأنه أن يجعل قطاع من هذا الخطاب ينشق على موضوعه الذي يتناول خصام يوسف مع زوج العزيز، ويعلن البراءة من هذا الانتماء، ليؤسس ثورة تخدم معنى ووجه وقراءة أخرى، فيلتحق بالخطاب المركزي منشقا على سياقه الذي وجد فيه، فيتكون بهذا الالتحاق معالم نظام للمعنى ونسق للدلالة يفصح عن الحقيقة، فحواه، إن أخوة يوسف جاءوا على قميصه بدم وادعوا أن الذئب أكله، إلا إن النظير المتمرد يكشف أن القميص لم يكن ممزقا، فهذا ما لحظه يعقوب، عندما تساءل- حول رواية فقدان يوسف- كيف أكله الذئب وقميصه لم يقد، ولم يمزق؟ هذا النسق المحدث يقوم على إعادة نظم وترتيب وتشكيل الانشقاق الملتحق بالخطاب الفتنة، لتخليق نظام لخطاب أكثر طراوة، يشع بحرارة تفصيله المعبر عن حداثة نزوله تأويلا: "وجاءوا على قميصه بدم كذب قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا فإن كان قميصه قد من قبل أو دبر صدقتم وان كان قميصه لم يقد فكذبتم، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون".
التطبيق الثالث: وعند البحث عن بعض تفاصيل قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)5/30-27. إعطاء الباحث لهذا الخطاب الذي يطلع وينطلق به البحث صفة المركزية، يجعل التأويل يعمل على افتان الخطاب القرآني في عملية تثوير بالاتجاه الذي يجمع ويجند النظائر في كافة الخطاب القرآني لمساندة الخطاب المركزي، فينشق نظير هنا ويتمرد نظير هناك ليلتحق بالثورة على النظم المحلية للخطاب لإيجاد نظام جديد، محدث، متطور، يلبي حاجة وينتج معرفة. في هذا السياق يتأثر النظير: (ان الله عهد إلينا ان لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار)183/3، فينشق قطاع من هذا النظير عن نظم الخطاب المحلي الذي يخدمه، والذي يتناول جدل الرسول(ص) مع أهل الكتاب، ليعلن التحاقه بالنسق التاريخي المحدث الذي يفصل قصة ابني آدم، فيتشكل من تحالف النظيرين الخطاب التالي: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قرباناً تأكله النار فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"، فتضاف عبارة (تأكله النار)، ثم ان التساؤل عن طبيعة القربان الذي تأكله النار، يؤدي إلى انشقاق نظير آخر: (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)43/12، فهذا الخطاب يتمرد على نظامه المحلي الذي يتناول قصة عزيز مصر، فينقلب على هذا الظاهر، ليؤسس ثورة باطنية فيها يلتحق بالخطاب المركزي، المتناول لقصة ابني آدم، الذي تتمركز حوله ثورة التأويل. وبناء على ذلك، يتشكل نظام ثوري محدث، يتمثل في القراءة المفصلة: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قرباناً سبع سنبلات خضر وأخر يابسات وسبع بقرات سمان تأكلهن النار فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر". فكان أحد ابني آدم مزارعا، بينما الأخر راعيا، قدم الأول من القمح خليطا، من الجيد والرديء قربانا، بينما قدّم الآخر أسمن ما في قطيعه أضحية يتقرب بها إلى الله. فتقبل الله عمل المتقي، فأرسل النار تأكل القربان السمين، وترك الآخر، لم يتقبل. انطلاقا من قوله: (إنما يتقبل الله من المتقين). ثم للمصادقة على هذا، ينشق النظير: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين)37/22، ليكشف ان القربان هو اختبار للسلوك يكشف عن السريرة، فلن يقتات الله بالقربان لحما او دما، ولكن سيعبر التقديم عن تقوى مقدم القربان، وسيهدي الله من خلال النار التي يرسلها لتأكل القربان على المصطفى، الذي ينبغي ان يكبر ويكبر معه الحضور، آنذاك، على ما هداهم وعلى البشارة التي مثلها الحدث، الذي أجلى الريب بمصادقة السماء. وهكذا نكتشف أن إصابة النار للقربان الابن المتقبل أدى إلى أن ضج الجميع بالتكبير ... وعلى ضوء ذلك يمكن إخصاب القراءة الطرية بالتفاصيل: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قرباناً سبع سنبلات خضر وأخر يابسات وسبع بقرات سمان تأكلهن النار فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين، قال لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين". التطبيق الرابع: فإذا أردنا أن نعرف تأويلا معالم الرؤية في قوله تعالى: (ألم ترى كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب)6-13/89، يشير حرف العطف الى تناظر كامن بين أجزاء الآية، وهو اللحاظ الذي يتسبب بثورة النسق على ذاته، بصورة قد نصطلح عليها بالثورة البيضاء، التي تخلط أورق الخطاب. فحرف العطف (الواو) يغني عن تكرار العبارة: (كيف فعل ربك)، بحيث لو عوضنا بها، لصار الخطاب: "ألم ترى كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ألم ترى كيف فعل ربك بثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، ألم ترى كيف فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب". فملاحظة هذا التناظر الكامن يجعل الخطاب المركزي يستتبع تلك القطاعات فتنشق عن نظمها وموضوعاتها وتجند في إطار تشكل جديد. فنستنبط: ان فرعون هو ذو العماد، (أي المسلات الفرعونية)، وقوم فرعون هم الذين جابو الصخر بالوادي، وفرعون هو صاحب الأوتاد، ولكن ما معنى الأوتاد؟ يتمرد نظير آت من بعيد، ليلتحق بنظام الخطاب قيد التشكل مجيبا: (والجبال أوتادا)7/78، فيفسر الوتد بالجبل. ولما نعرف ان الصيغة المألوفة لصورة الجبل في الذهن الإنساني هو الشكل الهرمي، كما تعكس ذلك الرسومات، ندرك عندها إن الأوتاد يراد منها الأهرامات. يساعد على ذلك ان الخطاب يتحدث عن فن العمارة، عند عاد، وثمود، ولذلك من الأولى أن يكون الحديث عن فرعون يجري هذا المجرى، فيتناول الأهرامات، التي تضاهي الجبال، لذلك سماها أوتادا ... من هنا نخلص ان فرعون هو الذي جاب الصخر من اجل أن يبني الأهرامات، التي ضاهت الجبال، وبنى إلى جانبها المسلات الفرعونية، التي هي أعمدة. لم يفطن كتاب التفاسير على امتداد ما يربو عن العشرة قرون، أن الخطاب القرآني ذكر الأهرامات، التي هي آية من آيات العمارة عالميا: (لم يخلق مثلها في البلاد)، ولذلك يقصدها السواح من شتى أنحاء الأرض بالملايين سنويا. وهنا ينشق نظير آخر من مكان بعيد ليصادق على هذا الاستنباط: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون)128/26. فسمى الأهرامات آية، في فن العمارة ... هذه الثورة التي قام بها الخطاب على ذاته، من اجل أن يعيد ترتيب أولوياته ضمن نسق محدث يشكل صيغة لنظام آخر: "ألم ترى كيف فعل ربك بفرعون، الذي جاب الصخر بالواد، وبنى العماد والأوتاد التي لم يخلق مثلها آية في البلاد، وطغوا في الأرض(*)، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب". وهكذا يتضح أن القرآن ينظر إلى حركة العمارة تلك بأنها أرادت أن تبني الآيات عبثا، ومعنى (عبث) يحدده الخطاب القرآني من خلال النظير المنشق: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)115/23، أي عبثية الإيمان بالرجوع التي آمنت بها مصر الفرعونية، حيث لم يعرف الرجوع باعتباره رجوعا إلى الله، بل الفراعنة هم آلهة ترث وجودها الأراضي بعد موتها، لذلك تدفن كنوزها معها، وعلى أثرها بنت الأهرامات لسادتها، هذه العقيدة يعتبرها الله هي العبث: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون)، فلا يقصد من العبث إلا العقيدة العابثة. وجه آخر للعبث إنها أرادت أن تحمي كنوزها بذلك البناء الحصين، ولكن كان ذلك عبثا، لان هذه الابنية المثيرة للأموات أثارت حفيظة لصوص الدنيا كلها، مما جعل الغاية لا تتحقق بل تتفاقم سوء، وهو ما الجأ الفراعنة المتأخرين، لان يكتفوا بقبور كبقية خلق الله، ليحافظوا على حرمتهم من الانتهاك وكنوزهم من السرقة. وبناء على هذه الإضافات، تطور انشقاقات الخطاب هذه ثورتها التي تؤسس لمعادلة محدثة صيغته: "ألم ترى كيف فعل ربك بفرعون، الذي جاب الصخر بالواد، وبنى العماد والأوتاد التي لم يخلق مثلها آية في البلاد، وطغوا في الأرض، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون؟!". وهكذا ينزل القرآن آياته تأويلا، ليقول كلمة الفصل حاكما على الأضرحة الفرعونية، فهي ان كانت آية في العمارة من جهة، إلا انها من جهة أخرى، تقف وراءها إرادة تحركها عقيدة عابثة، أحدثت فسادا عريضا، فنحن لا نملك إحصائية عن الضحايا الذين قضوا في بنائها، ولكن من المؤكد ان يكونوا بعشرات الآلوف، ممن سخروا في جلب الصخر، أو في بناء الأهرامات أو إقامة المسلات، مما يعني ان هذه الآيات قامت على أثرها مذابح. ولتحري التساؤل في هذا الإطار، يستجيب لفتنة المقطع: (فأكثروا فيها الفساد) نظير ينشق عن نظامه المحلي، هو قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين)4/28. فيكشف النظير عن طائفة مستضعفة هي التي قامت بالتضحية بدمائها وجماجمها من أجل بناء تلك الآيات المعمارية، وهو الذي عبرت عنه الآية بالذبح: (يذبح أبناءهم)، ويقدر حجم هذه الذابح الوصف: (وفديناه بذبح عظيم)107/37، فمذابح عظيمة حدثت نتيجة الرغبة في صنع بناء استثنائي فدي وضحي من اجله بأرواح الألوف. ويصرح خاتمة الخطاب، بان تلك التضحية بالأرواح من أجل هذا البناء هو فساد.
الخلاصة
إن في هذه القراءات ثورة على النظام الداخلي للخطاب، فيها تتحشد النظائر، من اجل أن تصنع نُظما أخرى، تفرض قراءات أخرى، بحروف مغايرة، دأب صدر الإسلام على إنتاجها وتصريف الخطاب بها.. وهذا يكشف أن الفكر المسلم في عهد الرسالة الأول، عاش في حالة تثوير متتابعة من خلال قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار تأويلا، وان الانقلاب اللاحق لعصر الرسول(ص) الذي جمع الناس على قراءة واحدة، ومنع من قراءات سبع، أراد إخماد ثورة الفكر تلك بإجهاض انتفاضة الخطاب، وإيقاف انشقاقات النظائر، والقضاء على تمردات الآيات على نظمها وسياقاتها وأنساقها، بمصادرة علم التأويل صانع ثورة الخطاب، ومهماز شرارتها، ومشعل فتيلها، ومحدث فتنتها، ومسعر أوارها، وقائد انقلاباتها. وفي هذا مصادرة لمشروع الرسالة من الوجود، التي توخت استثارة العقول، كما يقول الإمام علي في توصيفه للغايات التي سعى لتحقيقها الرسل: (ليستثيروا للناس دفائن عقولهم)؟ لذلك فان هذه المصادرة لعلم التثوير ادت إلى انتقال الثورة الممنوع ممارستها من إطار الخطاب إلى أرض الواقع، فوضعت الأمة في موضع الخطاب، وقطاعاتها في موضع الآيات، وأذن مؤذن الثورة برجال نظائر، تواردوا من كل فج عميق وتجمعوا حول الإمام علي ليشكلوا نظاما جديدا، انطلق بملحمة يوم الدار، فاطيح بنظام ليقوم على أنقاضه نظام محدث، ثم توالت الثورات من خلال توالي فصول ومعارك حروب التأويل. اذاً، التأويل الذي مُنع في ساحة الخطاب اتخذ من ساحة الأمة بديلا يفجر فيها ثورة عظيمة فتنتها.... واليوم، يمكن ان نبصر بأم أعيننا، الكيفية التي بها تمت استثارة العقل المسلم آنذاك من خلال الاستنباطات التي تتكشف عنها تجربتنا في تطبيق قواعد وإجراءات علم التأويل على الخطاب، وهو ما يترتب على تطبيقها اليوم تطور قدرات الفكر المسلم، حيث يطرأ التحسن بارتفاع منسوب الذكاء من ضعيف إلى جيد، فجيد جدا، فممتاز. ليبدأ المنطق يفرض نفسه على طريقة تفكير المؤول بصرف النظر عن موضوع التفكير ... كما يبدأ الفكر يحس بالضوابط المعيارية التي تخوله تحديد الصواب من الشطط .. وكل ذلك يسهم في تقويم السلوك والأداء، فيبدأ النظام يطرأ على تفاصيل الحياة، يضبط المواقف، ويحدد الاتجاهات .. فضلا عن ثراء العلم الزاخر الذي يتفجر من أرضية الخطاب، نتيجة التثوير المتتابع لمكونات الخطاب، والانقلابات الطارئة على نظمه ... والذي عليه المعول في إثراء شخصية المسلم الفكرية والعلمية وإثراء حياة الأمة، كما عليه المعول في الإجابة على كل التساؤلات والحسم في كل النظريات والإشكاليات والاختلافات والنزاعات وصراعات المذاهب والفرق والتيارات، وإنارة منطقة واسعة النطاق من الظلمات والجهالات مازالت عالقة... لكن الشعار الضمني لسلطات الانقلاب آنذاك كان: (لا تفكر السلطة تفكر عنك)، وبهذه الطريقة تم تجميد عقول الناس، والرجوع بهم القهقري، رغم تحذير الرسول: (لا ترجعوا بعدي القهقرى)، فصودر علم التأويل وثُبّت الخطاب، فقام الانقلابيون بتصريف القرآن تأويلا على وجه يمثل قراءة مسالمة، مثلتها قراءة زيد بن ثابت - قراءة المصحف الرسمي، التي نقرأها منذ قرون- ثم منعوا من أي تصريف لاحق، ليكون تأويلهم هو الأول والأخير، وبذلك سددوا طعنة نجلاء للقرآن، وطعنوا في الدين، عندما أقاموا حرف وقتلوا سبعة أحرف. وأرادوا أن يستفردوا بذلك الحرف اليتيم - الذي انقطع عن وجوهه التي تمنحه معناه، ونظائره التي تنسخ تشابهه، وبطونه التي تفصله وتفسره، وقرائنه التي تحدد مرادات الله منه- بالعمل على فهمه بالرأي كي يتخذوا من المتشابهات عاذرا لسقطاتهم، ومطية يُركّبوا عليها أهواءهم، وليكونوا كما قال تعالى: (اتخذوا دينهم لهوا ولعبا). إلا ان هدف المصادرة بالدرجة الأولى كان يتوخى حماية امن النظام الانقلابي، التي يتهدده التثوير تأويلا، مما جعل التأويل مغضوبا عليه من كل السلطات التي تعاقبت، رغم تعاديها وتغاير توجهاتها ومشاربها، إلا إنها اتفقت على توارث مشروع المصادرة لعلم التأويل، فعملت منذ رحيل الرسول -وعلى امتداد ما يزيد عن القرنين- على نقض التأويل، وتشريد أهله والقضاء عليهم قضاء مبرما، من اجل أن يُحفظ أمن الدولة القرشية المغتصبة للسلطة، (قريش تيم، وقريش عدي، وقريش ابن المعيط، وقريش الأموية، وقريش العباسية)، التي تناهض قريش البيت النبوي الوريث الشرعي الذي ينطق القرآن -عند استنطاقه تأويلا- بأحقيتهم بالخلافة، ويجرد بيوتات قريش المنافسة من الشرعية ويوصمها بالظلم والفسوق والنفاق والشرك والكفر، ويعلن ضدها الجهاد، ويتوعدهم بالدرك الأسفل من النار. لقد عاش القرآن والبيت النبوي ضعفاء مستضعفين بل ميتين طوال هذه القرون، وآن الأوان لان يبعث القرآن للحياة من جديد، فهل من ناصر للقرآن ينصره؟ وهل من داع للقرآن يبشر به؟. إن الأمة، اليوم، مطالبة بان تعود إلى قرآنها الذي هجرته، متجاوزة تقاليد الآباء، وجاهلية جهلاء لم تفتر تسومها سوء العذاب في حومة ذل وهوان، منذ رحل رسول الله إلى جوار ربه واجدا شاكيا: (يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، وعليها ان تتجاوز عادات الجاهلية، وتتخطى كل الحواجز المذهبية، وإغراءات المناصب التشريفية، ونفوذ المؤسسات الدينية التي تحُول بينهم وبين تلك العودة الميمونة، ليعود الجميع منطلقا من القرآن يستنطقه ويأخذ منه معالم الإسلام، ليسترد الإسلام الاسمي مضمونه، الذي فارقه منذ قرون مديدة. وليُنشر علم التأويل، ولتفتح له أبواب المجالس والمساجد والنوادي والمدارس والجامعات ولتعقد له الحوارات والمنتديات والمؤتمرات، وليشارك الجميع في دعم ظاهرة تثوير العقول، من أجل إشاعة العقلانية وتطبيع حياة الأمة بها، بعد ان عزبت وعزفت قرونا، لقد كتب الله على هذه الأمة أن لاتحيا إلا إذا أحيت القرآن، وان تموت إذا أماتت القرآن، فإذا سعت الأمة اليوم للنهوض جادة، فعليها أن تحيي القرآن بإحياء تأويله. (فلا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها)، هكذا قضى الرسول. (وما آتاكم الرسول فخذوه)7/59، هكذا قضى الله. (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)36/33، ولا خيار ثالث إلا العصيان، (فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)7/59.
(*) إذا أرجعنا قوله تعالى: ( وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد) إلى النظير: (إن فرعون علا في الأرض)4/28، ينسخ النظير وجه (البلاد) في وجه مساوق هو (الأرض). بناء على ذلك يمكن أن تحل الأرض محل البلاد، كما فعلنا فيما تقدم...
|