|
عندما وصف القرآن باعتباره بيانا فكريا وعلميا شاملا، فان من مضاعفات هذا المعطى، أن الخطاب القرآني يمتلك قابلية التعاصر، وأن يعيش القارئ من خلاله عصره. وان قراءة القرآن بالوجه الظاهر المتصف بالوجه التاريخي، العتيق والماضوي الطابع، وعدم معرفة سواه، ظل يعبر طوال قرون عن الجمود الذي أصاب العقل الظاهري وعن الجهل المركب الذي عاشه مفسرو المسلمين، الذين تشابهت تفسيراتهم على امتداد عشرة قرون، فكان آخرها نسخة عن أولها. وكأن الزمن قد توقف في تلك النقطة التاريخية التي كتب فيها التفسير الأول، فعاش العقل المسلم بمخيال فقير مكوناته معجم لغوي قديم يمثل حياة الصحراء والبداوة، والبيئة الجاهلية المجدبة في مكوناتها على كافة الصعد والمستويات، بينما شغل جسده القرن الواحد والعشرين، الذي فيه بدا الكوكب قرية كونية متقاربة الأطراف بعد إن كانت مترامية الاطراف. لذلك حاول فكر المسلم المعاصر- المستقيل من حاضره المرتهن لماضيه- أن يفكر ويفهم أحداث العصر بتجريد ظاهر الخطاب وتعميمه، بهدف الانعتاق من دلالة السياق التاريخية، وعندما عجز عن ذلك أو عجز قحط الظاهر عن تزويده ببغيته لجأ إلى مسلمات أصولية موروثة اصطنعها لإبقاء تطورات العصر في إطار الشرع. كل ذلك نتيجة اعتصام الفكر المسلم المتأخر بالظاهرية وتخليه عن التفكير العبوري، الذي لا يقف عند الظواهر، وإنما يعبرها لما وراءها من وجوه خفية، تأوي في باطنها السنن والقوانين المسؤولة عن منح الظاهر الصفة التي هو عليها، وتمثل شروط حضوره وغيابه وتفاصيله. فإذا كان الوجه الظاهر متشابه، فان الوجه الباطن هو المحكم، وإذا كان الوجه الظاهر مجمل، فالوجه الباطن هو التفصيل، وإذا كان الوجه الظاهر نصف معلومة، فان الوجه الباطن هو تمام تلك المعلومة، وإذا كان الوجه الظاهر هو الحدث فان الوجه الباطن هو السبب، واذا كان الوجه الظاهر هو الظاهرة فان الوجه الباطن هو القانون والسنة، واذا كان الوجه الظاهر هو المتغير فان الوجه الباطن هو الثابت، وإذا كان الوجه الظاهر فكرة مجردة فان الوجه الباطن هو التطبيق العملي لها، وإذا كان الوجه الظاهر نظرية فان الوجه الباطن هو الخبرة. فإذا لم يعبر الفكر من الظاهر إلى الباطن، ظل الفكر سفيها لا حصيفا، يفتقد الخبرة، ومعها يتحول الرجال إلى أشباه رجال وحلوم أطفال وعقول ربات الحجال. لقد كانت قيمة الكتاب النازل أن يهدي الفكر المسلم إلى العلم النافع، أي أن العلم لا يطلب لذاته، فليس الشعار: (العلم من اجل العلم)، وإنما العلم تتحدد قيمته بالمنفعة- في أفقها البعيد وليس الحاضر فحسب- فكلما كان نفع العلم اكبر تعاظمت القيمة، وكلما تدنى النفع تصاغرت القيمة، وبقدر تلك القيمة يكون الاهتمام، وتعطى الأولوية، وهو ما يقرره الإمام علي في قوله: (أوقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم)، ولم تلحظ عبارته النفع بصفة فردية فحسب، وإنما بصفة جماعية، تعبر عن القيمة النفعية المنعكسة على الأمة والتي تتطال أفرادها في النهاية. فإذا كان العمر قصيرا- سواء أكان عمر الفرد أم عمر الأمة- والعلم كثير، فان العقل يفرض الاعتناء بأنفع العلوم - سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة للأمة الناهضة- من اجل إثراء الحياة وإخصاب آفاقها. فإذا كان علمٌ ما يقتصر على الطرح النظري الصرف دون أن يمتلك صفة تطبيقية، فان ذلك علما قليلُ النفع(*)، ينبغي أن يقدم عليه العلم الذي يتسع مجاله التطبيقي. في هذا السياق تحدث الإمام علي(ع) عن علم القرآن اللامتناهي، فقال: (فيه خبر من قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ من بعدكم)، فلم يقل: "علم ما بينكم"، وإنما "حكم ما بينكم"، أي انه يلحظ العلم بصفته النفعية التي تترجم إلى حكم ذي سلطة تضبط وتوجه وتسخر الواقع، فقيمة العلم أن ينتهي بموقف عملي ويترجم الى واقع تطبيقي، ويفرض نفسه على السلوك فيوجهه. بهذا الاعتبار يتحول العلم إلى حركة مسئولة في الواقع، وليس علما ترفيا يقصر وجوده على الفكر، دون أن يمس الواقع سلبا أو إيجابا. ولذلك فان الإمام علي(ع) يلحظ علم الكتاب الكريم من الناحية النافعة للناس، فعلم القرآن غير النافد، يتطلب أن لا نحوله إلى ترف فكري، وإنما ننهل منه بما ينفع واقعنا ويستنهض حياتنا ويثري التراث الإنساني، ويأتي ذلك في إطار كون الإنسان مسئولا: (وقفوهم إنهم مسئولون)24/37.. فإذا ما رجعنا بهذه البصيرة، إلى الواقع القرآني الذي يُحتجز العقل المسلم في الوجه الظاهر منه، يمكننا أن نجد أن عقل الإنسان المسلم، يرتبط بعلاقة ترفيه مع القرآن، باعتباره لا يدرك من الخطاب القرآني إلا الوجه الظاهر منه، والوجه الظاهر يشتغل بسرديات التاريخ، بينما في حديثه عن الحاضر، فانه تحدث عن الحاضر الذي عاصره الرسول، وبالنسبة لنا، فذلك الحاضر هو ماض. وفي القسم الآخر من خطابه يتحدث القرآن عن المستقبل الأخروي. والتعاطي مع القرآن بهذه الصفة الظاهرية التي يغلب عليها الماضي والأخروي يضيع الحاضر، ويتحول القرآن - في ظل هذا الفهم- إلى ترف فكري، فالمعطيات التي يستلهمها الفكر الظاهري من الكتاب ما هي إلا أفكار نظرية مقتصرة على الفكر، وقليل منها ما يمت بصلة إلى الواقع العملي لحياتنا اليومية. وكأن القرآن في قصص الجان وشياطين سليمان مرورا بمعاجز عيسى، والتقام الحوت ليونس، والعمر المديد لنوح، وأعاجيب عصى موسى، وانتهاء بشق القمر لمحمد، والعروج في طبقات السماء، تحول- مع الفكر الظاهري المولع بأسطرة الوقائع- إلى حكايات تشبه حكايات ألف ليلية وليلة، التي هي ضرب من الفكر الترفي الهادف إلى التسلية. فالفكر الظاهري لم يفهم الخلفية التي تقف وراء القصص العجيبة في القرآن، في الوقت الذي أحب أن يجعلها أسطورية كما يوهم الظاهر القرآني بذلك ... وهكذا صار الظاهر القرآني يعين الفكر الظاهري على الترف الفكري الذي فيه لا يمس الفكر الواقع .. هذا التعاطي الظاهري مع الكتاب لم يكن محط اهتمام، بل كان غرضا للنقد، فالإمام علي عندما تحدث عن الظاهر والباطن امتدح أهل الفكر، ووصفهم في ولائهم للحق، بأنهم أولياء الله، وإنهم نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها، بهم عُلم الكتاب - الذي قال عنه: (ظاهره أنيق وباطنه عميق)- وبهم علموا، أي أن علم القرآن توقف على نظرتهم العبورية، وهو ما فيه تضمين ناقد للنظرة الظاهرية التي بها جُهِل وجُهّل بالكتاب، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا)7/30، فاعتبر لا علمهم (أي الجهل) يساوي العلم بالظاهر، فعبر الإمام علي عن فحوى هذا الخطاب القرآني عندما قال: «ان أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها (...) أعداء لما سالم الناس، وَسَلم لما عادى الناس، بهم عُلم الكتاب، وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا»(1). هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لم يمتدح الرسول قراءة للخطاب القرآني سوى تلك القراءة، التي بعثت الغضاضة والطراوة في القرآن، أي تلك القراءة التي صرفت الخطاب القرآني إلى الوجه الذي يتعلق بآخر الأحداث الساخنة، التي يشتغل بها الواقع المعاش، تلك الأحداث التي تتصف بأنها غضة طرية، لقد امتدح الرسول لذلك قراءة ابن مسعود، لما قرأ هذا الأخير القرآن قراءة تصرف القرآن على سبعة أحرف، تنزل الآيات في الوقائع التي يعاصرها، والتي هي محط تداول الألسن، بهدف إجلاء البصيرة القرآنية فيما يتعلق بالحياة اليومية، بذلك وفّر ابن مسعود رؤية قرآنية تواكب الوقائع، تنيرها، توجهها، وتيقظ الفكر المسلم على كيفية التعاطي القويم معها، باعتبار (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)9/17. لذلك قال الرسول مادحا: (من أراد أن يأخذ القرآن رطبا كما انزل - [على سبعة أحرف]- فليأخذه من ابن أم عبد)(2). لقد جاء القرآن كمشروع حياة ينبغي أن تكدح السواعد - العاملة في سبيل الله - لإقامته على الأرض بكل أبعاده: (ولو أنهم أقاموا .. ما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)66/5، وقد أيقظ الرسول الأمة المسلمة على هذا عندما قال(ص): (من علم تأويل القرآن ثم لم يعمل به كان حقا على الله أن يبوأه مقعدا من النار)، فعندما ينبه الرسول(ص) - في هذا الخطاب- أن تأويل القرآن يمثل تمهيدا للعمل به، فذلك يكشف ضمنا، أن المسلم - كان وما يزال- مكلفا بتأويل القرآن بما يرتبط بحياته العملية، وأن يأخذ الكتاب بقوة تعبر عن جدية العمل به، إذ شعار الإسلام: (وقل: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)105/9. وإلا لو اقتصر تأويلنا في البحث القرآني على مترف الأفكار، بالتساؤل بصورة قشرية، عن أسرار علم الحروف وتسخير الجان، وهل ذكر أم أنثى النملة التي كلّمت سليمان؟ وما نوع الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام؟ وأين يقع الاسم الأعظم في القرآن؟ وما هو ميعاد ظهور الإمام صاحب الزمان؟ فان نتيجة هذا النمط من التأويل لن يفضي إلى العمل لإقامة القرآن، كمشروع حياة، وإنما سيؤدي إلى أن نشتغل قصاصين نروي الحكايا في مقاهي الشام، أو في القصور لنسلي الحكام، أو على المنابر لنستقطب المزيد من أعداد قطاعٍ رثٍ من الأمة، مولع بقصص فحواها (جملُ طار لا طير طار). وهذا الطرح لا يتناقض مع كون القرآن منفتحا في علمه على كل شيء، وقادرا على الإجابة في كل شيء، وإنما يعني أن المؤمن لديه أجنده فيها تترتب الأمور وفق سلم أولويات، منشغل فيها بما يعنيه، وقد أدبنا تراث الإسلام بآداب الرسول القدوة، الذي كان خُلقه القرآن، فهو عندما سئل عن الساعة إيان مرساها، أدبه الله بالقول إن مثل هذه المسائل لست معني بها، وأمره أن يسند علمها الى الله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون)187/7، وعندما سئل عن عدد أهل الكهف كان الموقف ذاته يتكرر: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا)22/18، فكان التوجيه القرآني ينحو نحو الإعراض والصدود والتكرم عن الإنخراط في مثل هذا النمط من التساؤلات القشرية، التي يعد الحديث فيها مراء، ينبغي السكوت عنه، وعدم متابعته باستفتاء أو استطلاع أو عقد الحوار، ترفعا عن هذا الترف واللغو المعبر عن ضعف العقل. وكان من المفترض من الأجيال أن تقتدي بهدي الرسول هذا، فليس أمثال هذه المسائل من اهتمامات السائرين على نهج الرسول، إلا إن العكس هو الحاصل!. مما أضاع شعار: (وقل اعملوا). لقد قرأ ابن مسعود القرآن قراءة حية تخوله رصد الواقع، فهو يراقب الأحداث الجارية على الأرض ويتتبع مسارها عبر استنطاق الخطاب القرآني فيها، فينزل الآيات تأويلا، لتقص قصة الحقيقة. بعبارة أخرى، لقد آمن ابن مسعود بالعلاقة المرآتية القائمة بين الواقع والكتاب فتتبع الواقع من خلال المرآة التي تمثلها صفحات الكتاب -الذين انزل تبيانا لكل شيء- فرأى كيف يحصي القرآن تفاصيل الحياة فما من تفصيلة تقع هنا أو هناك إلا وللقرآن - ذي السبع أوجه- فيها بيان، كما يعضد ذلك حديث الإمام محمد الباقر: (تفسير القرآن على سبعة أحرف منه ما كان ومنه ما لم يكن بعد ذلك). من جملة تلك القراءات التي قرأها ابن مسعود، تلك القراءة التي رصد فيها الحدث الهام الذي أظهر علي بن أبي طالب يجمع القرآن لحفظة تدوينا: (إن علينا جمعه وقرآنه)، فقرأ (علينا) ليس باعتبارها حرف جر، وإنما باعتبارها اسم الإمام علي- (ذلك لا يعني أن القراءة الدارجة اليوم في مصحف زيد خطأ، وإنما تلك وجه وهذه وجه آخر، إذ القرآن حمال ذو وجوه)- ليكشف ابن مسعود بهذا الوجه أن الإمام علي(ع) هو الذي جمع القرآن، فإذا ما عدنا إلى سياق الخطاب لنلحظ اثر هذا الوجه فيه: (لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه)16-17/75، فعلى وجه (علينا) تعنى على الله، وعلى وجه ثاني (علينا) تعني علي بن أبي طالب. فالرسول يتعجل بترديد الوحي القرآني المتلو عليه خشية النسيان، يصادق على ذلك النظير: (سنقرئك فلا تنسى)6/87، فيطمأنه الله، بان القرآن سيحفظ من خلال التدوين، الذي سيكفيك ما تخشاه من النسيان الذي قد يتسبب بضياع شيء من القرآن، فلا تعجل، فيعهد الله بالكتابة إلى الإمام علي، لذلك اعتمد الرسول عليا باعتباره كاتب الوحي، الذي أوصى الله به، فأملى عليه القرآن بكرة وأصيلا، وحفظ عليه إذا غاب عنه، حتى يرجع فيمليه عليه، حتى كُتب الإمام علي(ع) القرآن كاملا بخط يده، وبإملاء الرسول(x)... ويمكن المصادقة على هذا الاستدلال من خلال النظير: (وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين)10-11/82، فالحفظة يحفظون على الإنسان أعماله بكتابة كل صغيرة وكبيرة تصدر عنه، فسمى الله كتابتهم تلك حفظا، فالكتابة سبب للحفظ، يضاف إلى ذلك إننا نكتشف أن هذه الآية هي السند القرآني الذي اشتق منه الإمام الحسن بن علي حديثه- الذي يروى عنه- إنه قال(ع): (استعن على الحفظ بالكتابة)، يعزز ويؤكد هذه الفكرة النظير القرآني: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا)282/2. فالحفظ الجيد هو استظهار المعلومة دون الارتياب فيها، وهذا ما توفره تقنية الكتابة، كما يشير إلى ذلك الخطاب القرآني صراحة، عندما يسند نفي الريب إلى الكتابة. فإذا ما عدنا إلى فكرة موضوع البحث، فان الرسول المتعجل خشية النسيان يوصيه الله بحفظ الكتاب بالتدوين له على يد الإمام علي. كما على نهج ابن مسعود يمكن اعتبار لفظة (عليكم) في الاية: (وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين)10-11/82، تعني اسم الإمام علي، لنقرأ: " ان عليكم لحافظ كريم كاتب". ليصادق هذا على ذاك. مما يجلي ان القرآن جاء يصدق بعضه بعضا، ويشهد بعضه على بعض، ولا يكذب بعضه بعضا ولا ينقض بعضه بعضا (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). وإننا اليوم مكلفين بان نمشيها خطى على نهج عبد الله ابن مسعود، لنقرأ القرآن غضا طريا، نصرف الخطاب تأويلا على سبعة وجوه، لنستنبط الوجه المتصل بالواقع، الذي ينير لنا الحق، ويهدينا للتي هي أقوم من العمل الجاد والمسؤول، فنسترشد بالقرآن على السبيل الهادي إلى السواء والقوام. ونتابع من خلال مرآة القرآن حركة الواقع قبل حدوثها، فنحدد اتجاه أحداثها، ونتبصر بالموقف القرآني القويم الذي يمليه اتجاهها. كما في شرحنا للحرف والقراءة التي قدمها ابن مسعود، فكل ما قدمناه من آيات نظيرة تعضد قراءته، هو الذي التقاه ابن مسعود قبلنا واستند إليها في الوجه الذي أظهره.. فها نحن نلتقي معه رغم قرون الزمان التي مرت وعمقت الشقة فيما بيننا وبينه، إلا إن المنهجية المعصومة من الخطأ - التي يمثلها علم التأويل- تخول القرآن النطق بالحق دائما وأبدا، وتخولنا أن نشخص الحق رغم تطاول الزمان بيقين خالص. فنعرف من أين اخذ ابن مسعود الوجه الذي ذكره، وما هي الآيات التي تدل على صدق ما ذهب إليه. فنعيد استنباط الوجه، من خلال اقتفاء النظائر التي اقتفاها قبلنا. إذن، ها نحن نمضى على اثر ابن مسعود، تلميذ الرسول النجيب، متمثلين خطاه ... إن إشكالية الواقع القرآني اليوم انه مرتهن لقراءة حجرية تاريخية الطابع، كررتها وتكلست عليها التفسيرات عبر القرون، بينما لو لم يجرِ في التاريخ ما جرى من مصادرة، للمصاحف وتصفية القرّاء الراسخين في مجازر جماعية، لكان لدينا كم هائل من القراءات الطرية، ولجارى القرآن الواقع خطوة خطوة، ولكان طريا في كل عصوره. وحتى لا نقف في محطات التاريخ موقف الأسى نبكي على أطلاله، فان بروز علم التأويل، اليوم، يطالبنا بان نشمر سواعد الجد لنصرف الخطاب القرآني على وجه يعكس من خلاله حركة الواقع بكل معطياته ومكوناته وعلومه، ليكون ذلك بمثابة إجلاء لمرآة الكتاب لتمكينه من أن يعكس العصر، بوجه معاصر ومحدث، من خلال فهم نابع من القرآن ذاته وبآلية داخلية تقوم على استنطاق الخطاب برد مكوناته إلى بعضها، فيها يتصرّف ويتقلب القرآن على وجوه حتى يرسى خطابه على خياره المعاصر، الذي يكشف عنه من بين بطونه السبعين، وكل ذلك سيكون تمهيدا للنهوض بمضمون القرآن الذي ظل وجوده - منذ قرون- مقتصرا على الرسم، وبهذا الاستنهاض ذاته نستنهض مضمون الإسلام، الذي اقتصر وجوده - منذ قرون- على الاسم. ومما يرشح عن مخاض الفكر هذا؛ إن القراءة الطرية هي تعبير ينبع عن لين القلوب: (الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)23/39، بينما القراءة التاريخية هي القراءة الحجرية، التي عبرت عما أحدثه مرور الزمن من قسوة: (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)16/57. وهكذا نجد أن التحول في الأمة من حالة القراءة التاريخية إلى القراءة الطرية، لن يحدث إلا إذا حدث التغير في قلوب جيلنا، فالتحول البراني يحتاج إلى تأسيس جواني، والتطهر الخارجي يحتاج إلى عفاف داخلي، يحرر الفكر والمشاعر من عقد الأهواء: (الخوف والحقد والرغبة). فالقراءة الطرية تحتاج إلى قلوب لينة، طابعها الرأفة والرحمة والرهبانية: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية)، لتسبر بطون خطاب(لا يمسه إلا المطهرون)79/56. والقراءة التاريخية الخشنة مرهون بقاؤها باستمرار القلوب بغلظتها البدوية ورجسها الجاهلي، تسربل فسقها بقدسية الدين وتطرز فريتها بآيات الكتاب. وقاعدة الإصلاح الجذري، قد رفع المؤذن - منذ فجر الإسلام- عقيرته بها صادحا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)11/13. فمن أراد التغيير فليبدأ بجهاد نفسه، وحي على الجهاد في ميدانكم الأول أنفسكم! فهل من وقفة؟ هل من يقظة؟ هل من نهضة؟ لا يمكن الاستجابة لأي من هذه الهلهلات، إلا من خلال قراءات طرية للقرآن، تتجاوز الارتهان للقراءة التاريخية!.
(*) هذا الكلام حول العلم يأتي في إطار ما يمليه السياق من فسحة مقدرة للكلام عن العلم بما يقتضيه إجلاء موضوع البحث، ونجد أن الكلام المقتضب قد يؤدي إلى سوء فهم في تصورنا للعلم، في الحقيقة ليس ثمة مجال يتفاضل فيه حقل علمي على آخر، إذا نظرنا إلى الموضوع في الإطار النظري، باعتبار أن ميادين العلم كلها تنتمي إلى حقل واحد في التصور الإسلامي، وكل مكوناتها هي متناظرة يفسر بعضها بعضا، مما يعني أن التفاضل ممتنع، حيث كلما عرفنا المزيد من مساحة العلم، أضفنا المزيد من النضج لاستنتاجاتنا واستنباطاتنا، الا إنه في الإطار العملي فان ذلك يتحدد بالامكان والزمان ويلحظ اعتبارات الواقع الفرد أو الأمة، فان الإنسان مكلف بان يراعي المصلحة التي تأخذ كل تلك الخصوصيات في تحديد أولوياته في تقديم أو تأخير هذا العلم على ذاك، والإمام علي في لحظه المنفعة في عبارته الانفة الذكر: (أوقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم)، ينظر إلى المسألة في الإطار العملي وليس في الإطار النظري. إذا فهمنا هذه الفكرة - التي تشغل الهامش هنا-على وجهها، فسوف تشكل الإطار الذي ينظم فهم التفصيل الذي تقدم في المتن دون سوء فهم.. (x) الوجه الظاهر لقوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى)6/87، يفيد أن الرسول(ص) أعطي القدرة على تذكر القرآن، دون أن ينساه، فهذا وجه لا يتناقض مع الوجه الذي يعتمد فيه الرسول الكتابة، كوسيلة للحفظ، وهو الوجه قيد التناول ... (1) الإمام علي، نهج البلاغة، قصار الحكم (432). (2) مستدرك الحاكم، 3/318. ابن شاذان، الإيضاح، 223-236. مسند احمد، 1/445. الإصابة، 2/320. الاستيعاب بهامش الإصابة، 2/320. الهيثمي، مجمع الزوائد، 9/287.
|