|
تتناسب المعاجز مع التفوق السائد في الوسط الذي ينبثق فيه الرسول المبعوث، فلقد هز موسى الوسط المتفوق بالسحر، بعصاه المنقلبة إلى ثعبان مبين، وأدهش عيسى الوسط الذي تفوق بالطب والحكمة، بمولده من غير أب وبإشفائه الأعمى والأبرص وإحيائه الموتى وخلقه الطير، وخلب محمد الوسط -المتفوق باللغة العربية والمعلقات- بنص موحى، فأوقف أساطين الشعراء وجهابذة النقد في العصر الجاهلي موقف الحيرة والإجلال. وعندما نتحدث عن القرآن في هذا العصر ونتساءل - كما تساءلت الأجيال المتعاقبة - عن وجه الإعجاز القرآني غير المحسوس، والمغيب غير المشهود، فان الصمت هو سيد الموقف! فالوضع التاريخي للقرآن -المرتهن له حاضره- تسبب في مصادرة خصائصه وهويته وتلاشى مع المصادرة وجه إعجازه، لتصبح معجزة القرآن ذكرى كما هي الذكرى التي خلفتها المعاجز الأخرى. فلكي يثبت المسلم المعاصر إعجاز القرآن، يستشهد بموقف الجاهليين المندهش، في صدر الإسلام، بينما لو سئل هو عن وجه الإعجاز القرآني ومدى شهوده له وإحساسه وانفعاله به، فانه يقف متلجلجا عاجزا عن فهم وجه المعجزة، وربما يزعم ان ذلك متوقف على تذوقنا للغة العربية، كما عاشها العرب في الجاهلية. والخلاص، ان المسلم المعاصر لم يعد يدري ما وجه إعجاز القرآن، إلا ادعاء وزعما لا يغني عن الحق شيئا؟.. وانطلاقا من هذه الحيرة، وهذا الضياع، أطلقنا هذه المقالة باعتبارها رحلة فكرية مقتضبة ومفعمة بالفكر والمتعة فيها نقص أثر الحقيقة الضائعة بغية الكشف عنها في مجاهيل التراث، معتمدين على محاورة الخطاب القرآني. فهل للقرآن معجزة يمكن أن يشهدها العقل المسلم، في كل زمان ومكان، وينفعل بها الإنسان المعاصر على اختلاف توجهاته وانتماءته وأديانه، معجزة يعاصر بها القرآن العصر ويثبت بها حضوره؟.. عندما فاتح الرسول المسلمين، بالحقيقة المدهشة، والتي تنص على أن القرآن منفتح على كل قراءة، ويحتمل كل شيء، كما قال الإمام الصادق(ع): «كتاب الله يحتمل كل شيء»، أحدثت هذه المفاتحة صدمة مهولة على الفكر والوجدان المسلم، إذ لم تكن هذه الحقيقة قابلة للتصور أو ممكنة الاستيعاب- لا أقل لبرهة من الزمن - لقد نسى السامعون عند وقعها، أن الذي جاءهم بها هو الرسول(ص)، الذي صدّقوا انه السفير الناطق عن الله، وامنوا بما جاءهم باعتباره وحي السماء، وضحوا جهادا بالهجرة وببذل العرق والمال والدماء في سبيل نصرة الرسالة التي جاء بها. لقد كان المشهد مربكا، وأفقد الكثيرين توازنهم، فاستعصى على الاستيعاب، لان الخطاب القرآني المُوحَى، لا يمكن تصور تعدد قراءاته بأكثر من صيغة، يتحرك فيها الخطاب إبدالا وإكمالا وتقديما وتأخيرا وحذفا...، دون أن يكون ذلك التحريك تصرفا يتصف بالشخصي، إذ كيف يمكن إسناد تعدد حركة مكونات الخطاب إلى جبرائيل، بينما لا يمكن تصور قراءة جبرائيل للخطاب أكثر من مرة. إن أقرب تفسير لهذه الظاهرة يحسبها على التحريف، فسوء التفسير هنا- الذي يضع مسألة تعدد القراءات في إطار التلاعب والاعتباط- هو الوجه الأقرب للتعقل. فإذا كان محمد رجلا تدور حوله الشكوك عند ظهوره غير المألوف، وينقسم موقف العرب من دعوته بين مصدق ومكذب، وعشيرته قريش سادة العرب تقف في طليعة المكذبين والمناهضين له، فان ذلك يساعد على سوء الظن به، وانقداح الشك في قلوب أتباعه باعتبارهم حديثي عهد بالإسلام. لذلك ليس من الغريب أن ينبثق في المجتمع الإيماني الشك وتهزه الشائعات، يعزز ذلك جبهة النفاق المرجفة .. لم تكن مسألة توليد القراءات- عن طريق قراءة بعض القرآن في بعض- بالمسألة البسيطة، لقد شغلت جانبا من ظاهر الكتاب النازل، وهزت الأوضاع من حول الرسول بعنف وأطلقت الأراجيف، وبعثت الشك في مجمل الرسالة، ولقد سجل القرآن العبارات الصارخة التي ألقيت في ذلك السجال الساخن، لقد قالوا: أن محمدا افترى القرآن: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون)101/16، وردد البعض الآخر: إن كان محمد أنزل قرآنا فسأنزل مثل ما أنزل الله، وحدثت ردّة، عبدالله بن أبي السرح المدوية، وخلدها القرآن عندما أنزل فيها قرآناً: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون)93/6. إن تداعيات هذا المشهد المتمحور حول التأويل يعني أن الرسالة محط اختبار صعب، ينبثق بتجدد التساؤل عن صدقيتها في داخل المجتمع المؤمن، فكان السؤال حينها: هل يمكن أن يكون القرآن من افتراء محمد ؟!. لم تتابع كثير من المراجع التاريخية والتراثية أو الكتابات المعاصرة ذات الصلة بذلك الشأن هذا الموضوع، ولم تسلط الضوء على هذه المسألة، وحاولت أن تمر عليها عبورا، كزوبعة في فنجان، في وقت كان الحدث تجربة صادمة هزت أفق الأوضاع آنذاك، ولم يستهن بها القرآن الذي تابعها وأولها اهتمامه، فالأمر يتعلق بمسألة في غاية من الأهمية، فحركة مكونات الكتاب نسخا، على محاور الإبدال، حقيقة منهجية تحتاج إلى تثبت وتثبيت لان عليها المعول في منح الكتاب دوره كبيان علمي مفصل للواقع، وفاصل في الاختلافات، ومجدد للحياة. لكن في الوقت نفسه، لهذه الحقيقة المنهجية -المراد تثبيتها- مضاعفاتها التي تتجلى في وحيها؛ بان الكتاب هو صنيعة القارئين له، بل يبدو أولئك القارئون المتصرفون بقراءته على حروف ووجوه وقراءات متشعبة الموضوعات، بمثابة المتلاعبين به، المفترين له وعليه. ولكن كيف واجه القرآن، السؤال: هل يمكن أن يكون القرآن من افتراء محمد، وفيما بعد القرّاء الذين نهجوا نهجه في تصريفه على حروف ووجوه وقراءات؟!. .. لقد كانت مواجهة القرآن للموقف بكل تساؤلاته واتهاماته وشائعاته وأراجيفه حاسمة قاطعة، تلخصت في عبارة مقتضبة وبسيطة: (ما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)37/10، لقد تكونت هذه الإجابة في ردها على المرتابين من شقين، نفي صفة الفرية عن الإبدال نسخا: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون)101/16، ثم التأكيد على إن هذا الإبدال تأويلا، وما ينتج عنه مما وصف بأنه فرية، هو في الحقيقة تفصيل للكتاب، ونفي للريب الملازم للإجمال من جهة، كما ينص على ذلك المقطع الانف: (ولكن ... تفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)، يعزز ذلك النظير: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم (...) هل ينظرون إلا تأويله؟!)52-53/7 ، كما يعمل التبديل تأويلا على المصادقة على النتائج المتولدة تأويلا، مما يضمن سلامة الأفكار في انتمائها إلى الكتاب أو انتفائها عنه، وهذا فحوى قوله تعالى: (ما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ... لا ريب فيه من رب العالمين)37/10. فالإبدال تأويلا، يعمل على التفصيل من جهة والتصديق من جهة أخرى. ولكن يبقى السؤال الموجه للقرآن: كيف يمكن استيعاب أن الإبدال في الخطاب القرآني المولد للحروف والقراءات هو تأويل وليس تحريفا، لاسيما وان كلاهما يجتمعان على معنى الإبدال؟ كيف يفسر التبديل بالتفصيل والتصديق ولا يفسر بالفهم المتبادر وهو التحريف؟ يجيب القرآن تأويلا بصورة ذكية للغاية، فيشبه أمر محمد(ص) الذي جاء إلى الأمة يحمل كلمة الله المولدة تأويلا، بمجيء مريم بنت عمران تحمل عيسى كلمة الله، فوجه الشبه بين المشهدين ان كل من القرآن وعيسى تصدق عليه تسمية (كلمة الله)!. وكلا الكلمتين وصفتا بالفرية، فقيل عن عيسى: (لقد جئت شيئا فريا)27/19. وقيل في الكلمة القرآنية المولدة بالإبدال تأويلا بالفرية: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون)101/16، ولكي نستبين معالم التطابق بين المشهدين الكلمة وليدة مريم والكلمة وليدة محمد، نعرض المشهد مفصلا: أن تأتي المرأة بمولود، دون أن يكون لها زوج، فان التفسير المألوف لوضعها هو الزنى، فكان هذا هو التفسير الذي فسر به مجيء مريم العذراء بعيسى. وعن موقف نطق عيسى في المهد وما مثله من انقاذ لسمعة مريم ولوضع عيسى، قال الرسول في حواره مع اليهود لما (قالت اليهود [للنبي محمد] ألست لم تزل نبيا؟ قال: بلى! قالت: فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى (ع)؟ فقال: إن الله -عز وجل- خلق عيسى من غير فحل، فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر، إذ أخذت بما يؤخذ به مثلها، وأنا ولدت بين أبوين)(بحار الأنوار:18/199).وفي المشهد النظير، فان أقرب تفسير للاختلاف في قراءة السورة الواحدة لحلقة من الدارسين بقراءة تختلف عن القراء التي تلقتها حلقة أخرى من الدارسين ان ذلك الإبدال في خطاب السورة المصطلح عليه بالقراءة، هو الافتراء تحريفا. فلم يكن لمريم مجالا لدفع تهمة الزنى ووصف ابنها فرية، ولا نجاة لمحمد في تبديله لكلمات الله بتعدد قراءاتها إلا أمرا واحدا، حيث أنقذت مريم من التفسير المألوف- الذي يتهمها بالزنى ومولودها بالفرية- مطالبة مريم لقومها أن يستنطقوا المولود: (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فأشارت إليه قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا، ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون)27-34/19. كذلك الذي أنقذ القرآن الخطاب القرآني الناتج عن قراءة بعض القرآن في بعض من وصمه بالمفترى بالإبدال تحريفا، طالب الرسول للأمة أن تستنطق القرآن تأويلا، فقال تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، حيث تبع وصف الكتاب بالنطق قوله تعالى: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون!!)63/21. لنخلص إلى العبارة المركبة: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، فاسألوه إن كان ينطق؟!"، فكما تعجب قوم مريم عندما طلبتهم باستنطاق الوليد، فـ (قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا)، فنطق وأدهشهم، تعجب المسلمون من مطالبة الرسول ان يستنطقوا القرآن، فقالوا: كيف نستنطقه، فعلمهم قواعد استنطاق الخطاب القرآني تأويلا، وعندما استنطقوه أدهشهم فخروا له خاضعين. فكما دفع نطق عيسى اتهام مريم بالزنى وعيسى بالفرية، كذلك دفع نطق القرآن عن الكلمة القرآنية الناتجة تأويلا صفة المفتراة، كما دفع عن محمد صفة المفتري على الله بنسبة إليه ما لم يقل. وبناء على ذلك دفع عنه صفة المحرف، وإذا ما نظرنا إلى عيسى باعتباره كلمة الله، فان اتهام تلك الكلمة بأنها مفتراة يضاهي اتهام كلمة القرآن الناتجة عن الإبدال تأويلا بالمفتراة، فكما دفع استنطاق كلمة الله عيسى صفة الفرية، فان تلك الطريقة ذاتها، أي الاستنطاق، هي التي دفعت صفة الافتراء عن كلمة القرآن المؤولة، حيث أدى إلى تبين المستنطق نطق القرآن بالحق عند استنطاقه دائما وأبدا. وعند هذه النقطة تؤسس مشهد المعجزة القرآنية المتعاصرة، فكما كان نطق كلمة الله عيسى أمرا معجزا، وضع موضع الإعجاب والاستغراب، كذلك فان نطق القرآن وضع الموضع ذاته، فكانت معجزة القرآن الدائمة والمتأبدة تتجلى في رفع وتيرة أثارة إعجاب واستغراب كل من يستنطقه: «القرآن كتاب ناطق ... لا تنقضي عجائبه لا تفنى غرائبه». وقد أفضى تدبر راسخي أهل الكتاب في القرآن- من خلال النظر فيه تأويلا- عن إسلامهم، كما يصرح بذلك الكتاب في العديد من النصوص، منها قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)162/4. لقد استنطقوا القرآن تأويلا، فنطق بالحق في كل الموضوعات التي طرحت على ساحة البحث فأبطل شكوكهم وريبهم، بل كان لنطق القرآن سطوة المشهد الذي نطق فيه عيسى، وهو في المهد صبيا، لم يتوقع منه النطق، واذهب أراجيفهم في حق مريم، كما يذهب الزبد جفاء. كما لمشهد نطق القرآن وقع عصى موسى المنقلبة إلى ثعبان مبين، فكما خرّ السحرة ساجدين: (وألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون)120-122/7، خرّ أئمة أهل الكتاب لما نطق القرآن ساجدين: (وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا)58/19، معلنين إسلامهم وإيمانهم، في وقت لم يكن ثمة تصور يتوقع إيمانهم، بل كانوا آخر من يتوقع إسلامه لاسيما وهم يمثلون رأس حربة الجبهة المضادة: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون)52-54/28. ان واقع سجود الكتابيين يمكن أن يتكرر اليوم مع شيوع التعاطي مع القرآن تأويلا، فاستنطاق القرآن امكان متاح لجميع البشرية، حيث محمد بعث إليهم كافة، أحمرهم وأصفرهم وأسودهم: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)28/34، وانزل الكتاب ليكون للناس جميعا: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة)138/3، ويمكن أن يستنطقه كل إنسان في هذا العالم لينطق عليه القرآن بالحق: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، ويضعه في فضاء من الإدهاش المتتابع غير القابل للانقضاء، ويغرقه بطوفان من أنوار الأفكار والمعلومات والرؤى والبصائر والحقائق التفصيلية غير المتناهية، كما قال الإمام علي(ع): «لا تنقضي عجائبه لا تفنى غرائبه».. من هذا الوعي، نجد ان الفرصة سانحة للأمة الإسلامية، الآن، لان تعود إلى القرآن الذي هجرته بهجر التأويل، الذي تنبأ الرسول به، عندما (قال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، وأضاف: «تعلموا القرآن وعلموه فاني مقبوض به»، وان عودتها تلك تتم بالتمسك بعلم التأويل، الذي إذا التحم بالقرآن عادة الروح في الخطاب، وانبعث للحياة من جديد يتحرك باعتباره كائن حي شديد النشاط والحراك. فعلى الأمة أن تؤازر فكرة التأويل إذا ما رامت أن تتحرك من الهامش الذي تتموقع فيه حضاريا، إلى قلب أحداث العالم المعاصر، فالقرآن المؤول يعود إلى الواقع في صورة قوة معرفية غير قابلة لان تجارى، فإذا كان العصر عصر الثورة المعلوماتية، فان معجزة القرآن المعاصرة تنبثق لتمثل ثورة معلوماتية لا تضاهيها الثورة المعلوماتية السائدة، ولتكون معجزة القرآن المعاصرة من سنخ المعجزة التي تهيمن على العصر، وتحديا للوضع السائد بكل اقتدار، كما هو دأب معاجز الرسل على امتداد التاريخ عندما تحدت الوضع القائم واشتقت من التفوق السائد تفوقا هز الأوضاع بعنف. إن المطلوب من الأمة الإسلامية الدخول في حالة من المراجعة والنقد الذاتي، تنظر فيها إلى الأخطاء وتستقيل من أوضاعها التي تؤدي بها إلى وضع الاستضعاف، وتخرج منها إلى الوضع الذي يمنحها القوة والمنعة والريادة والتحدي، في لعبة الأمم، وهي المراجعة النقدية التي ينبغي أن تتزامن مع ظهور المصلحين، والتي يصطلح عليها القرآن بـ (الاستغفار والتوبة): (استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا، ما لكم لا ترجون لله وقارا)10-13/71. (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون، ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين)51-52/11. بعد ما تقدم، نجد أن القرآن الكريم مازال معجزة نابضة بالحياة، بل يمتلك من القوة والسطوة ما بها يستطيع أن يركع القوى المناهضة له، فمازال له سطوة نطق عيسى في المهد، الذي تدافع لها أحبار اليهود القهقري مبهوتين، ومازال يمتلك وقع عصى موسى التي خر لها السحرة ساجدين، إنها قوة وسطوة ما بعدها من قوة ولا سطوة. إنها تجلي لقدرة الله، كما فهمه الإمام علي عندما قال: «تجلى لهم سبحانه في كتابه بما أراهم من عظيم قدرته»، انه التجلي الذي يضاهي التجلي الذي حدث في ميقات موسى فصعق له الشهود، واندك من هوله الجبل خاشعا متصدعا! هذه السطوة تتجدد لكون العصر عصر العلم والعقلانية، والقرآن يبرز في هذا المشهد باعتباره قوة معلوماتية طوفانية، وعقلانية خالصة، يمكن بانتشاره أن يفرض سطوة قاهرة وجبارة، فما من عقل يتسلح بالتأويل في قراءته لخطاب القرآن إلا ويستلبه القرآن ويستتبعه ويخلب لبه، إنها القوة التي لم يعرف المتقدمون لها نظيرا أو تعليلا إلا القول: «إن هذا إلا سحر يؤثر». فضاهوا سطوة القرآن على مستمعه بقوة السحر وتأثيره، حيث لم يعرفوا قوة اشد سطوة ولا أكثر عجائبية من قوة وعجائبية السحر. وهكذا نجد أنفسنا- نحن المعاصرين- نستطيع ان نعاين قوة الله المتجلية على صفحات القرآن، عندما نقرأه متسلحين بعلم التأويل، ونحس بذلك التأثير الذي يمر كالطاقة الكهربائية في العروق والأعصاب، مما فسره المتقدمون بالسحر، فنشارك المتقدمين في الاندهاش والانفعال -العالي التوتر- بالحضور القرآني والتجلي الإلهي، فلم نعد بحاجة إلى الاستشهاد بانفعال المتقدمين الذين نزل عليهم القرآن، لنثبت الإعجاز القرآني، بعد إن صارت لنا تجربتنا الخاصة بالانفعال والاندهاش تجاه القرآن، وهو يفتح علينا أبواب العلوم، ويكشف عن آبار ومناجم من الكنوز المعرفية تعج بها أرضية خطاب غير قابلة للنزح أو الاستنزاف او النفاد، ويلقي علينا بالفتاوى التي استفتيناه بها، ويدهشنا بغرائب إجاباته، ودقة تفصيلاته، وشدة تعاصره في حضوره، وقدرته على الإدهاش المتتابع، وعلى إنشاء الفضاء الممتد في عوالم زاخرة بالغرابة والمفعمة بالحيوية والخالصة في العقلانية. كل تلك العقلانية والأحاسيس يمكن لنا أن ننقلها إلى الآخرين، وندلهم على طريقة انبعاثها مع توظيف أداة التأويل في الخطاب، إنها لا شك تجلي للمعجزة في أبها صورها، لا يسع المواجه لها إلا أن يخر ساجدا مذعنا مسبحا. وان وضع الاحتراب الحضاري والتصارع العالمي- الذي استحكمت فيهما المعادلة الدولية، اليوم، دون وجود أفق لخيار السلام- يستنقذ العالم منه علم التأويل، الذي يبرز في منعطف تاريخي، ليستنطق القرآن فينطق بالإسلام، باعتباره حبل نجاة، وبوصفه نظاما عالميا إنساني الطابع، يرقى بمستواه فوق العصر، بكل إنجازاته المبهرة، فيتواضع العصر أمام إدهاشه ويخفت رونق العلوم أمام علومه. وهذا يضعنا على أعتاب المرحلة التي فيها تتحقق النبوءة القرآنية: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)33/9,(ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)28/48. وهو ما يفرض على البشرية الطالبة للنجاة، أن تساير تيار التاريخ المتدفق في اتجاه تحقيق نبوءة إظهار الإسلام على الدين كله، بينما وضع نفسها عكس هذا الاتجاه المتدفق بعنف- لتسبح عكس التيار- سيؤول بها المطاف للانجراف والتمزق شر ممزق: (وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق)19/34.
|