|
عندما يطالعنا التاريخ بالرسول(ص) وهو يقرأ القرآن على حروف، ويقرئ كل حلقة من حلقات الدرس على حرف دون حروف، وعندما يلتقي الدارسون في المسجد ليأم بعضهم بعضا في الصلاة، أو يرتل بعضهم الكتاب على مسامع بعض، يختلفون ويتخاصمون إلى الرسول(ص)، لاكتشافهم تفاوتهم في السورة الواحدة، حيث كل منهم قرأها على حرف ولم يعهد الحرف الذي قرأ به صاحبه، فتصور كل منهما حتمية خطأ صاحبه، إلا ان المفاجأة حدثت عندما صحح الرسول الحروف كلها، وهو الموقف الذي انبثق عنه السؤال: هل الرسول بدّل الحرف الذي نزل به جبرائيل من تلقاء نفسه؟! هل عبر اختلاف القراءات المتلقاة عن الرسول عن اعتباطية في قراءة الخطاب القرآني؟ هل هذا يدل على إبطال أحدوثة الوحي؟ هذه الظنون طرقت النفوس وتداولتها الألسن آنذاك، فوجد ضربا من الهرج والشك لاسيما مع وجود المنافقين المخترقين لصفوف الأمة، وحداثة عهد العرب بالإسلام، مع وجود جبهتين معاديتين قريش المشركة من جهة وأهل الكتاب من جهة أخرى. في مشهد لاحق، نجد ان التغاير في قراءة الخطاب القرآني قد شاع، فالمتتلمذون للرسول، هم الذين يصدر عنهم التغاير، فهذا الإمام علي يقرأ على حرف فيغاير الحرف الذي قرأ به تلميذ الرسول النجيب ابن مسعود، وهذا أبي بن كعب الأنصاري – تلميذ اخر من تلاميذ الرسالة- يقرأ بحرف فيغايرهما، وهذا حرف اخر يقرأ به زيد بن ثابت مغايرا للجميع، وهذا ابن أبي الدرداء يقرأ على حرف فيغاير الحرف الذي يقرأ به أبو موسى الأشعري، وهذا المقداد بن الأسود يقرأ القرآن على حرف ويغاير الحرف الذي تقرأه أم المؤمنين أم سلمة - زوج الرسول- كما يغاير الحرف الذي تقرأه عائشة بنت أبي بكر، وكان جميع القرّأء، المشار إليهم، والمتغايرون في الأحرف التي قرؤوا بها، قد تتلمذوا وأخذوا عن الرسول(ص)، بل ألقى بعضهم الحروف التي قرأ بها على حلقات الدرس التي أوكل إليه تعليمها والاضطلاع بتدريسها... وتقدمت القرون تلو القرون، واخذ المتأخرون ينظرون في تجربة المتقدمين، فكتب بعضهم - مع ضعف معرفته وإلمامه بتفاصيل تاريخ القرآن والقراءات- كتب متسائلا، هل القرّاء (التلاميذ) شرّعوا الإبدال في قراءة خطاب الكتاب اجتهادا من عند أنفسهم، تعبيرا عن عدم صيانتهم للحرف الذي قرأ به الرسول؟(*) بينما تساءل البعض الآخر: هل قراءة خطاب الكتاب على قراءات تمت اجتهادا أم سماعا عن الرسول؟!. وعند إعطاء الاعتبار لمشهدي التاريخ، دون إغفال أو إسقاط كيفي للاعتبار عن الأخبار، يتضح أن تأسيس تراث القراءات وضع حجر أساسه الرسول وتتابع نموه مع التلاميذ، والأجيال التي تتلمذت لهم، ولذلك فان التساؤل ينبغي أن يلقى في رحاب الرسول، فمنه انبثق الأمر، وفيمن حوله تفشى علما وعملا. فالسؤال المثالي الجدير بان يتمحور حوله البحث، هو: هل تبديل قراءة خطاب الكتاب بتغاير القراءات (الحروف) هو تبديل سماعي أم اعتباطي أم منهجي؟! فإذا تناولنا القضية في إطار الرسول(ص)، يكون السؤال: اولا: هل الرسول تلقى حروف الكتاب عن جبرائيل، أي إن جبرائيل تعدد نزوله على قلب الرسول، وفي كل مرة قرأ خطاب القرآن الواحد على حرف من سبعة- سواء قصدنا بالسبعة الرقم ذاته أم رمزا للكثرة - مما يعني ان القراءات بهذه الطريقة سمعت ورويت، وهو ما يترتب عليه أن الرسول(ص)، ليس له دخل في إنتاج قراءات وحروف الكتاب، وإنما هو يتلقاها عن الملأ الأعلى ثم رواها للمسلمين من حوله وهم بدورهم تداولوها وورثوها للأجيال اللاحقة؟ ثانيا: هل إن هذه القراءات والحروف كانت ضربا من التلقائية الذاتية، التي فيها تصرّف الرسول بالوحي استنادا إلى دواعي شخصية؟! ويترتب على ذلك النيل من الرسول، والشك في الأمانة المناطة به، وصدقه في أداء الرسالة الموكل إليه إبلاغها للبشرية كافة.. ثالثا: هل ان القراءات واختلاف الخطاب الواحد على حروف شتى عبر عن سوء حفظ الرسول، ام سوء حفظ التلاميذ من حول الرسول، اذ لم يستطيعوا حفظ الخطاب على قراءة منضبطة، وساعد على ذلك خلو المصحف من علامات الشكل والاعجام، مما اسهم في التخليط. رابعا: هل إن القراءة على سبعة حروف عبرت عن قابلية واسعة لقراءة الكتاب على حروف غير محصورة، واستندت إلى منهج منضبط، ويترتب على ذلك، أن الرسول علَّم هذا العلم المنهجي للمسلمين من حوله، فصرفوا قراءة الخطاب القرآني الواحد على قراءات وحروف عدة، فتعددت بعدد القرّاء؟. وهكذا نقف عند التأمل في لغز السبعة أحرف على مفترق طرق، وقدام ثلاث حلول أو خيارات أو معالجات، (السماع، الاعتباطية، المنهجية، سوء الحفظ)، لابد من التخيير بينها، والتعرف على مدى واقعية كل منها، وإقامة الدليل على الصحيح منها، وإبطال الباطل. فليس خيار الأجيال المتقدمة – التي علق المسألة في إطار التاريخ وتعاطى معها بروايتها فحسب- يلزمنا أو مجبورين على الأخذ به، بعد إن اعتبرت، تلك الأجيال الواقع القرآني المتعلق بهذا الشأن قد تحول إلى أحجية عمياء ومعضلة مستعصية على الحل، كما تعكس ذلك الأربعين محاولة التي بذلت لتفسير الحديث الأحجية: «انزل القرآن على سبعة أحرف»، فلما كثر الجواب وخفي الصواب قال من جاء بعدهم: إن الأمر مشكل ومعضل، والأولى الإعراض عن هذا الحديث، لأنه لم يؤد إلى معنى صحيح، وعندما انسد باب العلم فلم ينتج موقفا جادا لفهم تاريخ القرآن، تخلد هذا الموقف الانسدادي على امتداد القرن الطويلة المتعاقبة ... فهل للجيل، الذي نعيش فيه، محالة يبذلها رافضا الاستسلام مع أجيال المستسلمين متابعا المحاولة مع المحاولين؟ هذه محاولة تحلل الموضوع إلى الخيارات الاربع التي ينحل إليها عقلا، ثم ينظر في الخيار الذي يمثل حلا، ليس نظريا وإنما حلٌ يؤدي إلى موقف عملي، يمثل انبعاثا إصلاحيا. 1) خيار السماع: ان الادعاء بان قراءات الخطاب القرآني قد نزل بها جبرائيل كلها، ثم بلغها الرسول للقراء من حوله، ثم هم بدورهم تداولوها وورثوها يبطله الواقع، إذ لم يصل قراءة أي خطاب قرآني، فيما يروى من تاريخ القراءات قراءة على سبع قراءات الا آية او اثنتين. ثانيا إن السماع لو صح لطبع الدين بطابع الرواية ونفي عنه طابع العقلانية، وهو ما يرهن الدين للسماع والنقل، ليس على مستوى الجمهور بل على مستوى الرسول والصف الوارث لعلمه فهم كلهم رواة لا دراية لهم، وهذا يتنافى مع خطاب الكتاب الذي حض على التفكر والتعقل والتدبر طويلا. مما يعني ان هذا الخيار، لا يثبت لا على المستوى النظري أو التطبيقي. 2) خيار الاعتباطية: ان الادعاء بان الرسول(ص) قرأ القرآن على حروف من تلقاء نفسه- وهو لو حدث لاعتبر معصية لا تغتفر- هذا الزعم ليس محدثا، ينتج معنا نتيجة التفكير في تضاعيف المشكلة، بل أكد القرآن تردده كمقولة وإشاعة في محيط الرسول، آنذاك، ودفعها الله بالتوجيه للرسول(ص) بان يقول: (قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)15/10.. 3) خيار سوء الحفظ: ان الادعاء بان الرسول اساء الحفظ، وربما نسى عندما بلغ الخطاب من موقف الى اخر، هذا الطرح له واقع، حيث كان الرسلو يتخوف من النسيان، وقد اوضح ذلك الخطاب القرآني، في قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه)17/75، ثم يكشف هذا المعنى عندما يقول مطمئنا لرسوله: (سنقرئك فلا تنسى)6/87، فقد وعد الله ان يقرئه فلا ينسى الرسالة، وقد عزز ذلك بوضح الرصد: (إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا)27-28/72. وبناء على ذلك، فان الرسول لم يسوء فهمه، ويغلط في حروف القرآن. وتبعا لذلك فان القرآن، كان محفوظا: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)9/15. لقد حفظه الله من خلال تمكين الرسول من الحفظ الجيد له حتى يبلغه على وجهه. عندها يرد السؤال عن الامة، هل حفظت القرآن، وهنا يتردد الحفظ بين عدة معاني، الا ان معنى ان ذاكرة من حول الرسول فرطت، ممتنع، باعتبار ان الرسول تحرز من ذلك بالكتابة، فقد جاء بالحديث: (احفظوا العلم بالكتابة)، وقد حفظ القرآن من خلال التدوين... لذلك فان الاختلاف في تعدد القراءة لم يرجع الى سوء الحفظ، بدليل ان قولهم هذا حرف ابن مسعود وهذا حرف علي وهذا حرف أبي، من باب ان كل حرف كان يعكس جزء من علم القرآن. مما يعني ان هذا التغاير في القراءة هو تغاير يعبر عن منهج منتج للعلم والمعرفة ... 4) خيار المنهج: نمهد لبحث هذا الخيار المتبقي، بالإجابة عن السؤال: هل قرأ الرسول القرآن إبدالا، بالصيغة التي تعكسها القراءات التي تروى في التراث؟ وتحري المسألة بعد إجراء مسح للخطاب القرآني للكشف عما يفيد، مما يتعلق بهذا الشأن، يكشف عن وجود آيات تدل على هذا المعنى بصورة قاطعة، فبالإضافة إلى النص القرآني المتقدم، هناك قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)101-102/16، وهو الإبدال الذي يُعرف بالنسخ، بدليل قول ابن عباس: (ما ننسخ من آية)، قال: ما نبدل من آية، فالنسخ هو الممارسة التي اعتمدها محمد (ص) وأشاعها بين الفقهاء آنذاك، وبها ولّدوا ما يعرف بالقراءات والحروف والوجوه. وعندما يصف الرسول(ص) إن الإبدال ليس اعتباطيا: (قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي)15/10، ينطوي هذا الكلام ضمنا على الإشارة إلى المنهج المنضبط الذي يخضع له الإبدال القرآني المُولّد للقراءات. كما يبطل الخيار الثاني، الذي يزعم أن الرسول تصرّف بمكونات الخطاب القرآني من تلقاء نفسه ... وإذا بدأنا ندخل في تعزيز (الخيار المنهجي) لظاهرة القراءات، على الخيارين الآخرين، فان ذلك يتطلب تصورا نظريا للمسألة، ثم المصادقة عليه من خلال التطبيق المعرفي في التاريخ، لنبدأ ذلك بعرض النقاط التالي: إذا كان تصريف القرآن على حروف، لم يكن نتاج عملية تلقائية، ولا نتاج سماع، فان ذلك يفرض الخيار المنهجي، أي إن القراءات نتاج علمي الطابع، له إجراءات وقواعد، أدى توظيفها على إنتاج القراءات، وتصريف الخطاب على حروف، وهذا الخيار، ينسجم مع الطرح القرآني الداعي إلى العقلانية والتفكر والتدبر... هذا من جهة، من جهة أخرى، فان ذلك ينسجم مع وجود عنوان لهذا المنهج، نص عليه الكتاب، في قوله تعالى: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، فإذا ادعى البعض ان (الواو استئنافية) ، مما يعني أن تأويل الكتاب مقتصر على الله، بينما لا يعلم الراسخون في العلم تأويل الكتاب، فان الذي يدفع هذا الزعم، نسيان أصحاب هذه المقولة، ان الله وجّه الكتاب باعتباره رسالة إلى البشر: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)138/3، فكيف يكون الكتاب بيانا للناس وموعظة ولا يفقهه إلا الله؟. ثم يدفع ذلك تسمية علماء التأويل بالراسخين، فإذا كان الراسخون لا يعلمون تأويل الكتاب، فبأي صفة وصفوا بأنهم راسخون في العلم؟. فلا شك أن وصفهم يعني تمكنهم من علم تأويل الكتاب، يدل على ذلك تعريف أحاديث السنة المحكم بالناسخ، ثم تعريف الناسخ بالثابت. فإذا عرفنا ان الرسوخ هو الثبات، فان الراسخين هم الذين يمارسون التأويل، عن طريق رد المتشابه إلى المحكم، وما يترتب على ذلك من نسخ فيه يبطل التشابه وتحكم الآيات. فعقولهم راسخة لأنها تمتلك القدرة على نسخ التشابهات التي ترد عليها، والتساؤلات، التي تتعرض لها. لذلك هم راسخون في العلم. وإذا رصدنا هذه الفكرة على صعيد التطبيق التاريخي، نجد أن أصحاب القراءات، هم تلاميذ الرسول المباشرين، الإمام علي، الذي وصف بالقول: «ما رأيت ابن أنثى اقرأ من علي بن أبي طالب»، ابن مسعود، الذي يصرح بأنه اخذ سبعين سورة من في رسول الله، وانه عرض قراءاته على الرسول، وكان يُحسِّن الرسول قراءته، ويقول مثنيا عليه: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأ على قراءة ابن أم عبد»، كذلك كان من ابرز القرّاء أبي بن كعب، وابن أبي الدرداء، وأبو موسى الأشعري، والمقداد بن الأسود، الذين قرأت بقراءتهم الأمصار. والذي يدل على ان قراءاتهم نتاج تطبيق علم منهجي على الكتاب هو نسبة القراءة إلى القارئ المنتج لها، باعتبار أن القرآن حرث، وكما أن لكل حارث حرثه، كذلك فان حرث الكتاب تنسب فيه القراءة المحصلة للقارئ الحارث لها، لذلك قيل: هذه قراءة ابن مسعود، وتلك قراءة علي، وتيك قراءة أبي، كما قيل أن حلب قرأت على قراءة المقداد بن الأسود، والشام على قراءة ابن أبي الدرداء، والكوفة على قراءة ابن مسعود، والبصرة قرأت على قراءة أبي موسى، والمدينة على قراءة زيد بن ثابت. فنسبت القراءة إلى المنتج لها هو اكبر دليل على أن ثمة علما منهجيا يقف وراء إنتاج تلك القراءات، وليست هي بالقراءات المسموعة أو الاعتباطية ... وإذا شاء البعض أن يقول أن الراسخين هم الرسول والأوصياء فحسب، دون إمكانية لان يوجد فقهاء راسخون سواهم، يرد على ذلك البعض بالقول: كيف يصف الله، علماء أهل الكتاب المعاصرين للرسول بالراسخين في علم تأويل كتبهم، في قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)162/4. بينما يمتنع الرسوخ على علماء المسلمين؟ وإذا كان مُؤدّى هذا الاستدلال، ان الواو في الخطاب عاطفة، والراسخون في العلم يعلمون تأويله، كما يعمله الله، وان الرسوخ هو امكان متاح، لأنه يستند إلى علم له إجراءاته وقواعده. فان ذلك لا ينفي الوجه الذي اعتبر الواو استئنافية، وإنما الواو هي من وجه عاطفة، ومن وجه آخر استئنافية. فالراسخون في علم تأويل الكتاب، عندما يردون المتشابه إلى المحكم يعلمون التأويل، وعندما يعجزهم نسخ التشابه، أحيانا، فإنهم لا يتنكرون لربانية الكتاب، بل (يقولون: آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3. وعندها يرجع الراسخ الذي أعضل عليه نسخ التشابه إلى من هو أكثر رسوخا، كما وَجَّه إلى ذلك الرسول(ص): «اقرؤوا القرآن واعملوا به وما تشابه عليكم ردوه إلى أهله يخبروكم»، وقد عرِّف المحكم بالذي (يعمل به) والمتشابه بالذي (لا يعمل به)، فإدراك هذا يفسر الحديث: اقرؤوا القرآن واعملوا بما أحكمتموه تأويلا، فإذا تعذر الإحكام واستحكم الموقف في التشابه، فردوه إلى أهله يخبروكم، أي أهل العلم الأكثر رسوخا، انطلاقا من قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)83/4، فذلك يعني أن علم التأويل، يقسم الوسط الفقهي لمراتبية متدرجة في مستويات، قال فيها الرسول(ص): «رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، فهناك فقيه وأفقه منه، وبينهما مراتب، يسند ذلك قوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم)76/12. وإذا رصدنا هذه الفكرة على صعيد التطبيق التاريخي، نجد أن أصحاب القراءات، هم تلاميذ الرسول المباشرين، الإمام علي، الذي وصف بالقول: «ما رأيت ابن أنثى اقرأ من علي بن أبي طالب»، ابن مسعود، الذي يصرح بأنه اخذ سبعين سورة من في رسول الله، وانه عرض قراءاته على الرسول، وكان يُحسِّن الرسول قراءته، ويقول مثنيا عليه: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأ على قراءة ابن أم عبد»، كذلك كان من ابرز القرّاء أبي بن كعب، وابن أبي الدرداء، وأبو موسى الأشعري، والمقداد بن الأسود، الذين قرأت بقراءتهم الأمصار. والذي يدل على ان قراءاتهم نتاج تطبيق علم منهجي على الكتاب هو نسبة القراءة إلى القارئ المنتج لها، باعتبار أن القرآن حرث، وكما أن زراعة الحرث يجعل المحصول لزارعه، كذلك فان حرث الكتاب تنسب فيه القراءة المحصلة للقارئ المنتج لها، لذلك قيل: هذه قراءة ابن مسعود، وتلك قراءة علي، وتيك قراءة أبي، كما قيل أن حلب قرأت على قراءة المقداد بن الأسود، والشام على قراءة ابن أبي الدرداء، والكوفة على قراءة ابن مسعود، والبصرة قرأت على قراءة أبي موسى، والمدينة على قراءة زيد بن ثابت. فنسبت القراءة إلى المنتج لها هو اكبر دليل على أن ثمة علما منهجيا يقف وراء إنتاج التغاير والاختلاف في تلك القراءات، وليست هي بالقراءات المسموعة أو الاعتباطية أو الناتجة عن سوء الحفظ. ثم الذي يحسم الموقف، لصالح خيار منهج التأويل، ان القرآن وصف خطابه بعدة صفات اختص بها، هذه الصفات والخصائص تثبت للقرآن وتتظاهر إذا ما ما تعطي مع القرآن تأويلا، وتختفي إذا ما عزل القرآن عن التأويل، مما يعني ان القرآن يفقد هويته وخصائصه اذا ما عزل عن علم التأويل، ولذلك استحق علم التأويل ان تعرف به هوية القرآن، فالقرآن هو التأويل، والتأويل هو القرآن، ومن دون التأويل لا يوجد قرآن، لان القرآن يصادر ويصبح حروف على صفحات، كما جاء في الحديث: (لن يبق من القرآن الا رسمه). فالقرآن يعود إلى الحياة وتتظاهر صفاته وخصائصه للنظر إذا ما عاد التأويل للالتحام به، وهذه الصفات هي :
ولذلك ورد في تحديد معجزة القرآن الحديث: «المعجزة في نظمه»، فالتأويل يكفل إبراز الإعجاز القرآني عندما يقوم على رد الآيات إلى بعضها، فتنتظم في علاقات مستحدثة تتفجر منها جُمل العلم، فيوصف الحق في الماضي والحاضر والمستقبل، مما يغطي كل نواحي الحياة. نستنبط من كل ما تقدم، انه: لا يمكن أن يخرج القرآن من البكم إلى الناطقية إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف ولا يمكن أن يخرج من اللا بيان إلى البيان الشامل إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف ولا يمكن أن يخرج من الإجمال إلى التفصيل إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف ولا يمكن أن يخرج من المحدودية إلى اللاتناهي إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف ولا يمكن أن يخرج من الحياد تجاه الاختلافات إلى الفصل فيها إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف ولا يمكن أن يخرج من القدم إلى الحداثة والمعاصرة إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف ولا يمكن أن تخرج معجزته من وضع الشبهة وعدم التعين إلى وضع التشخّص والإدهاش المتتابع إلا إذا قرئ تأويلا على سبعة أحرف. فآن الأوان، لأن يخرج القرآن من وضع الموت إلى وضع الحياة، ولا يكون ذلك إلا باعتماد علم التأويل منهج قراءة القرآن على سبعة أحرف. فلقد كتب على هذا القرآن أن لا يبعث إلى الحياة بكل خصائصه المعبرة عن حياته تلك، إلا عندما يتموضع في الموضع الذي يقرأ فيه على سبعة أحرف. كما كتب عليه أن يستلب وتتلاشى خصائص الحياة منه، وتبدل بخصائص الموت، عندما يقرأ على حرف، كما هو في حاضره، وعندها تكون شهادة وفاته قد كتبت!. فما بين أيدي الأمة رفاة القرآن وليس قرآنا حيا!! ...
(*) مما يعني ان المتسائل يعتبر تلك القراءات هي ضرب من الخطأ وتعبير عن التضييع والإهمال الذي صدر في حق القرآن، كما يعبر تساؤله عن إغفاله الأخبار التي تسند انبثاق القراءات إلى الرسول، وهذه الغفلة تعبر عن جهل تارة، وعن إسقاط الاعتبار عن تلك الأخبار تارة أخرى...
|