بسم الله الرحمن الرحيم

 

الرَّقْم

ترقيم القرآن أم سجنه!

 

إن ترقيم القرآن في العهد الأموي بعلامات تفيد الشكل وأخرى الإعجام، لم يعتمد على عهد الرسول باعتبار أن الآية والعلامة القرآنية كانت مفتوحة على كل الوجوه وكل القراءات، وتحتمل صروف من الإعجام والشكل، فمثلا: تقرأ كلمة: تعلم، يعلم، نعلم، بعلم. وتقرأ كلمة: جؤار، خوار. وتقرأ كلمة: تبينوا: تثبتوا. وتقرأ : (لقد علمت) بفتح التاء تارة ، وبضمها أخرى. وتقرأ كلمة: (مَنْ بعثَنا) : (مِنْ بعثِنا)، فانفتاح الكلمة على التصرف على مستوى الإعجام والشكل تم مصادرته، لتغلق الآية أو العلامة القرآنية بصورة كاملة على قراءة واحدة. ولكن إذا ما استنطقنا القرآن تأويلا، فيما يتعلق بهذا الشأن فماذا نكتشف؟! 

لننطلق من قوله تعالى: (كتاب مرقوم)20/83، فكما في المعاجم: «كتاب مَرْقُوم أي قد بُيِّنتْ حروفه بعلاماتها من التنقيط»(1). إذا عرفنا أن البيان في المصطلح القرآني يطلق على الإحكام: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا: ما هي؟ إن البقر تشابه علينا)70/2، فوضع البيان في قبال التشابه، بينما وضع التشابه في قبال الإحكام في قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3. مما يعني أن البيان هو الإحكام، ولما عرّف الرسول المحكمات في هذه الآية بالقول: (المحكمات هن الناسخات)، فذلك يعني أن البيان الذي يعرف بالإحكام هو النسخ. فإذا رجعنا بهذا المفهوم إلى قوله تعالى: (كتاب مرقوم)20/83، حيث يفيد الرقم تبيين الحروف بعلامات التنقيط، فان رقم الكتاب على المستوى الشفهي هو نسخه في عدة وجوه في عملية تصريف آيات الخطاب تأويلا على قراءات تفيد إعجاما وشكلا متغايرا من قراءة إلى أخرى. فهذا المعنى الايجابي للرقم. وفي ظل هذا المعنى رفض فقهاء التأويل في صدر الإسلام ترقيم القرآن كتابيا، واقتصروا على ذلك شفهيا، ليكون الخطاب منفتحا على كل الوجوه ومحتملا كل الدلالات، وقد ورد مثل هذا الرفض على لسان فقيه التأويل المتتلمذ بين يدي الرسول عبدالله بن مسعود عندما قال: «جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم»، «أراد تجريده من النقط والفواتح والعشور لئلا ينشأ نشء فيرى أنها من القرآن»(2).

بينما على وجه آخر للترقيم، فان قوله: (كتاب مرقوم)20/83، رقم تفيد ختم : «والمِرْقَمُ: القَلَمُ. والرَّقْمُ: الكتابة والختم»(3). والختم في المصطلح القرآن تفيد القيد والقفل، فقوله: (ختم الله على قلوبهم)7/2، تؤول إلى النظير: (وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)11/8، فالختم هو الربط والتثبيت، وبالرجوع إلى نظير آخر: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)24/47. فان الختم يفيد القفل. هذا معنى (الرقم) الذي تفيده قاعدة التأويل التناظري وهو ذاته يتأكد مع نظير ينتمي إلى قاعدة التأويل المكاني، في قوله تعالى: (وما أدراك ما سجين، كتاب مرقوم)8-9/83، فنقرأ (سَجِين) بفتح السين، من السجن، فرقم الكتاب أي وضعه في السجن، والسجن يفيد الإحكام، أي الحصر، فسلطات النفاق التي هيمنت على التاريخ الإسلامي عندما ثبتت كلمات القرآن ترقيما، بصورة كتابية، بوضع تلك الأرقام، فإنهم بذلك سجنوا آيات ورموز وإشارات الكتاب لتفيد وجها واحدا، وبذلك قفلوا تلك الآيات من أن تتعدى الوجوه التي راموا الآيات التعبير عنها. وإذا ما رمنا التوسع في ذلك نعود إلى السورة :

بسم الله الرحمن الرحيم

ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، وما أدراك ما سجين، كتاب مرقوم، ويل يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بيوم الدين، وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين، كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، ثم إنهم لصالوا الجحيم، ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون، كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون)1-21/83

فالسورة يمكن حملها على شرح ما جرى على القرآن، فالحديث في السورة عن الميزان والتطفيف فيه، فإذا عرفنا أن التأويل هو الاعتبار، الذي يعني لغويا الميزان: «فعبر الدراهم أي وزرنها»، فمعنى ذلك ان الحديث في السورة على وجه من الوجوه – باعتبار أن القرآن حمال ذو وجوه- يحمل على تناول موضوع التأويل باعتباره هو العلم الذي ينظم عملية وزن أمثال القرآن بعضها ببعض، حيث المثل يعرف بأنه «كلمة تسوية»، فهذا مثل هذا أي مساوية، وهذا هو عمل الميزان، ان تتساوى الكفتين يعني أن المقدارين متساويين. بناء على ذلك، فان المنافقين الذين إذا اكتالوا على الناس، والناس ههنا آل محمد(*)، يستوفون وإذا كالوا آل محمد يخسرونهم، وعملية الاخسار هي عملية حذف، أي ان هناك عملية حذف جرت في أمثال القرآن، أي آياته، ثم يحذر القرآن أولئك المنافقين: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم .. ) ثم يعود إلى الكتاب الذي يحمل على وجه بـ (كتاب الأعمال)، وعلى وجه آخر بـ (الكتاب المنزل) أي القرآن،  ليتضح أن هناك كتابين، الأول هو كتاب الفجار أي المصحف الرسمي الذي هو كتاب مرقوم، ورقمه أي سجنه من خلال وضع العلامات التي تمنع قراءاته على وجه غير الوجه الذي أردوه. وان ذلك يترتب عليه الويل للمكذبين الذي يمكن ان يفهم بوجهين، الأول: ويل للمكذبين أي للمؤمنين الذين يرفضون الترقيم الذي فرضه المنافقون، ويتمسكهم بتصريف القرآن على سبعة أحرف منزلة، كما أوصى الرسول، مما سيترتب على ذلك المواجهة مع السلطة الأموية التي ستعمل على التنكيل بهم لرفضهم سياسة سجن القرآن، ولذلك حدثت المجازر في صفوف القرّاء، حيث حظرت السلطة الأموية قراءة القرآن بعضه ببعض تأويلا، واعتبرت فقهاء التأويل معتدين وآثمين وأقامت قيامتهم من خلال ضرب أعناقهم باعتبارهم يهددون أمن الدولة القرشية.

ويتابع الخطاب: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)14-15/83، هذا الخطاب يحمل على وجهين قلوب المنافقين تارة وقلوب الآيات القرآنية أخرى، أي باطنها، بدلالة النظير: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)127/9، فعلى وجه فان السورة المنزلة متآلفة من آيات ينظر بعضها إلى بعض تناظرا لفظيا ومعنويا . وبناء على ذلك التناظر الخافي يتصرف باطنها (:قلوبها) على وجه لا تحصى، إذا حملنا هذه الفكرة على فكرة الآية قيد النظر، نجد أن آيات كتاب الفجار قد رقم، هذا الترقيم يفسر بالرين، أي بالجمود، الذي طرأ على قلب وبطون كلمات وآيات الكتاب عندما منعت من التصرف على الوجوه التي تؤول إليها، وذلك نتيجة كسب الظالمين(: سياستهم)، ثم يؤكد المعنى بان ذلك حجب تلك الكلمات عن التعبير عن ربها، أي عن مقاصد الله من كلامه، باعتبار ان الكتاب ينطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45. وهو النطق الذي قال عنه الإمام علي: «كتاب الله (...) ينطق بعضه ببعض»، فإذا لم ينطق الكتاب برد بعضها إلى بعض تأويلا، فان القرآن سيحجب، ولن يعود له القدرة عن النطق عن الله، ولن يتحقق تكليم الله للإنسان من خلال عملية الاستنطاق تأويلا. وبهذا يتحقق الاحتجاب عن الله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)14/83. فالاحتجاب لمنع القلوب عن التصرف، وهذا يفهم على وجهين، حيث منعت قلوب الآيات عن التصرف، ومنعت قلوب القراء عن التصريف بتجهيلها بالتأويل، فأقفلت القلوب: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم)24-25/47، فكان ذلك من فعل شيطان الأنس- إمام المنافقين- الذي يفرض سياسة المنع من تصريف القلوب من اجل ان يستزلهم عن الصراط المستقيم إضلالا.

وإذا ما تابعنا، فانه عندما يعقب خطاب السورة على ذلك بالقول: (يومئذ لمحجوبون، ثم إنهم لصالوا الجحيم)15-16/83، يترتب على قفل آيات الكتاب أن تختلف الأمة في تعاطيها مع الكتاب عندما سيحذو كل قارئ لعطف آيات القرآن على أهوائه وآراءه، بعد ان جهل بعطفها على بعضها استنطاقا، ليكون القرآن قد تحول من كتاب رحمة إلى كتاب نقمة ومولّد للكراهية، ومن صانع وحدة الأمة في ظل علم التأويل إلى صانع الفرقة في ظل علم الرأي الاعتباطي، يقرر هذا قوله تعالى: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)64/5، فيستحل بعضهم دم بعض ويذيق بعضهم بأس بعض، ثم يوم القيامة يصلون النار، عندما يسألون عن تكذيبهم بالكتاب عندما جمدوه ليطفئوا نور الله والحق.

وهكذا يتضح أن الكتاب المرقوم، الذي سجن من خلال الترقيم الذي منع حركته التأويلية، هو  كتاب يمثل سلطة الفجار الذين حاربوا الكتاب الصامت بالتحريف والكتاب الناطق بالقتل، يؤكد هذا المعنى الخبر، عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: «قلت له قوله عز وجل: (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) قال: هم الذين فجروا في حق الأئمة واعتدوا عليهم قلت له: (ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) قال: يعني به أمير المؤمنين (ع) قال: قلت: هذا تنزيل قال: نعم!»(4). لقد سجن الانقلابيون الكتاب بالترقيم من اجل ان يكذبوا على الأمة في ولاية الإمام علي بنفيها وبولايتهم باثباتها بالآيات المتشابهات والأحاديث الموضوعات. هذا الفهم هو الذي يكشف عنه إعادة تطبيق علم التأويل ودائرته الناسخة على خطاب السورة كما تقدم.

ويمكن المتابعة: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون)18-21/83. لقد تأول البيت النبوي بان الكتاب المرقوم هو المرقوم بالخير المتمثل بحب آل محمد، ففي الخبر: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ) بالخير مرقوم بحب محمد وآل محمد»(5). وعن الإمام الباقر (ع) في قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون)، هو رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين»(6). مما يعني ان الكتاب المختوم بحب آل محمد ليس مرقوما ترقيما يهدف إلى سجنه بالإسكات للكتاب عن النطق بالحق، فالكتاب الذي ينطق بولاية البيت النبوي هو كتاب رموزه مفتوحة على كل الدلالات والوجوه والمعاني ليكون تبيانا لكل شيء. بينما كتاب الفجار المختوم بالترقيم بتنقيطه كتابيا هو الذي رام أن يمنع تصريف آيات الكتاب ويصادر انفتاحها الذي يثبت ما يخشى من افتقاد شرعية وجوده في السلطة، فإذا انتفى هذا المبرر، فان كتاب الأبرار من فقهاء التأويل عند شيعة آل محمد مفتوح - في تلك العصور المتقدمة- بانفتاح الآيات على كل الوجوه ليقرأ على سبع قراءات كلها منزلة، وتؤلف على الأثر المصاحف.

وهذا التأويل المروي عن البيت النبوي الذي يجعل مصحف الأبرار هو خير، ومصحف الفجار هو الذي ينبذ الآيات المنزلة تأويلا ويصفها بأساطير الأولين، تكشفه المقارنة بين الموقفين: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين(...)وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين)30/16. فالمؤول انتقل من سورة المطففين التي تذكر عبارة (أساطير الأولين)، إلى هذه الآية النظيرة التي تذكر العبارة الأخرى، فإذا كانت سورة المطففين تنسب عبارة أساطير الأولين إلى الفجار، فان هذا النظير الأخير يجعل المقابل، هم الذين قالوا خيرا، وهم في سورة المطففين الأبرار . وهذا النص كاملا: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون، قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين، وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين، جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين)24-31/16.

وهكذا تتجلى المفاجآت، لقد أوضحت الآيات أن ترقيم الكتاب المنزل هو المخطط الماكر للمنافقين الذين مثلوا السلطة التي كفرت بباطن الكتاب وآمنت ظاهرا بظاهرة، وهم الذين حاربوا الرسول من قبل، فتحولوا إلى النفاق والكيد سرا، حتى نجحوا في إحداث الانقلاب. ولكن الله يتوعد أن بنيانهم الذي مكروه بسجن آيات الكتاب في وجه ظاهر، تأسست عليه مذاهب الرأي التي تحكم القطاع الأوسع من الأمة، سوف يأتي عليه الوقت الذي يقوض من قواعده، أي كما نفعل نحن اليوم، عندما نهدم قواعد جمود الخطاب ونكشف عن قواعد علم التأويل، فيكون تحريك النص القرآني بمثابة الزلزال الذي يسقط كل المذاهب التي أسست كيانها ومقولاتها وأحكامها وتشريعاتها على قاعدة جمود الخطاب وثباته على وجه ظاهر.

فإذا ما تحركت أرضية الخطاب وفق قواعد علم التأويل – الذي ينبعث اليوم- فان كل بناءات المذاهب ستنهار، بانهيار قواعدها، باعتبار إن القارئ سيوضع في طار مقارن بين قواعد تجميد القرآن بالترقيم وقواعد تحرير القرآن من الترقيم، اي بين عقله عندما يقفل وبين عقله عندما يكون منفتحا، عندها ستتفجر أرضية الخطاب القرآني بينابيع علوم غير متناهية في عددها وغير محصورة في تفاصيلها تتدفق كالسيول الجارفة يتحرك ويتصرف الكتاب والقلوب على وجوه، فيتكشف أن المذاهب التي اعتمدت قواعد التجميد هي مذاهب ضالة ورموزها التاريخيين الذين قاموا بعملية التجميد هم أئمة النفاق الذين عادوا البيت النبوي وقاتلوا الإمام علي وأئمة البيت النبوي الذين طهرهم الله تطهيرا، وهم أئمة الكفر الذين اصطلح القرآن عليهم بالشركاء تعبير عن كونهم ما هم إلا أوثان بشرية، عندها سيحدث الانهيار المدوي الذي لن يشهد التاريخ له نظير.

ثم تتحدث نهاية الخطاب عن الأبرار الذين قالوا عن آيات القرآن النازلة تأويلا، على سبعة حروف وفق المنهج الذي وصفه الرسول، واستقام عليه البيت النبوي، أنهم هم الذين يمثلون الإيمان الملتزم، فهم المقربون وأئمة المتقين، الذين يعدهم بجنات عدن، والذين من المفترض أن يكونون الورثة للرسول.

وهكذا نلاحظ أن كتاب أعمال الإنسان الذي سوف يلقاه في يوم القيامة، يتحدد في إطار الكتاب المنزل، فإذا انتمى الفرد إلى إطار الكتاب المسجون والذي يدعو إليه أئمة السياسة ومذاهبها المنافقة في التاريخ الإسلامي، فان ذلك الفرد سوف يؤتى كتاب أعماله في شماله ليكون فاجرا سجين النار، أي عقاب سجن القرآن يؤول إلى السجن في النار، وهو قوله: (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)29/26. وكتابك في سجين، حيث اتخذ أئمة النفاق أربابا من دون الله فجعلتهم شركاء شرعوا لك من الدين ما يستند إلى ظاهر الكتاب المسجون، والمقطوع عن باطنه، وهو ما لم يأذن به الله الذي انزل الكتاب ظاهرا وباطنا، وباعتبار ان تلك المعملية الظاهرية تتخذ من الدين لهوا ولعبا: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون)51/7. عندما تؤمن بالآيات الظاهرة وتجحد بالآيات الباطنة المتمة لها والمحددة لوجهها، والمؤثرة في فهمها. فذلك الجحود مؤسس على نسيان لقاء يومهم، أي الجحود بيوم الحساب الذي لم يؤمنوا به قط، تعبير عن تكذيبهم، لذلك سهل عليهم نفي باطن القرآن، وعن أئمة السياسة والمذاهب الشركاء هؤلاء يقول تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم)21/42.

أما إذا كان الفرد ينتمي إلى إطار الكتاب المفتوح الآيات المتصرف على كل الوجوه، المرقوم بحب محمد وآل محمد، فان ذلك الفرد سوف يؤتى يوم القيامة كتابه في يمينه، ليكون في عليين مع الأبرار: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ، و(عليين) تصرف على مستوى حروف الهجاء على ضوء نظير مثل: (قال هذا صراط علي [بن أبي طالب] مستقيم)41/15، لتقرأ: (علويين) نسبة إلى الإمام علي بن أبي طالب، أي من كان كتاب الأبرار في العلا، فينبغي ان يكون من العلويين، أي أتباع وشيعة الإمام علي بن أبي طالب. (ينبغي فهم كلمة (علويون) في سياقها التاريخي، كما في تجليها التاريخي الذي يتظاهر في الصدام بين الثلاثة والعلويين، بين الأمويين والعلويين، بين العباسيين والعلويين، فكانت لفظة العلويين تعني علي وشيعته أو أبناء علي وشيعته). وقد ورد تأويل الرسول في هذه الآية عن ابن عباس، الذي قال: قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (...) عينا يشرب بها الْمُقَرَّبُونَ) نزل في علي وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر وفضلهم فيها باهر)(7). ويمكن القراءة نسخا يقوم على تصريف حروف هجاء كما أسلفنا القول، بنسخ التلاوة: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي العلويين وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ بمحبة علي الصراط المستقيم)، فكان حب أو بغض علي هو حب أو بغض صراط الإسلام.

يصادق على فكرة محاسبة الفرد في إطار الأمة التي ينتمي إليها، وتأطير كتاب الفرد بكتاب إمامه ومذهبه الذي ينتمي له، قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا)71/17. فانظر أيها المسلم! إلى خطك في الحياة باعتبارك فردا، لا يمكن أن يتحرر من الانتماء الاجتماعي المؤطر له والمهيمن عليه، فما الفرد إلا ابن الجماعة وما الجماعة إلا مصير الفرد في الدنيا والآخرة.

 

(*) كما في قراءة البيت النبوي: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)54/4، قال: نحن الناس المحسودون.

(1) لسان‏ العرب ج : 12  ص :  248  . كتاب‏العين ج : 5  ص :  159

(2) الزمخشري، الفائق، 1/186. الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، 93. عتهما جواد علي، المفصل من تاريخ العرب، 8/ 186.

(3) ابن منظور، لسان ‏العرب ج : 12  ص :  248 

(4) تأويل‏ الآيات ‏الظاهرة ص : 748

(5)المجلسي، بحار الأنوار ج : 24 (ص) : 3

(6)المجلسي، بحار الأنوار ج : 24 ص : 6

(7) ابن شهرشوب، المناقب:  233

تاريخ النشر:17/5/2009