|
التفكير الأسطوري، هو الذي يمنح الخيال الاعتبار، فيضعه في موضع الحقيقة، ويجرد الحقيقة من الاعتبار عندما يصفها بالأسطورية، ليكون الواقع ممتنعا والممتنع واقعا، وبذلك يعيش هذا النمط من التفكير في قطيعة مع الواقع، وفي احتجاب عن الحقيقة، فهو يعيش ما لا يدركه، ويدرك ما لا يعيشه. هذا التفكير ليس نمطا مهمشا من أنماط التفكير، على ظهر هذا الكوكب، بل هو النمط السائد والأكثر شيوعا، فقد جبلت البشرية على التفكير الأسطوري. ويمكن أن نجد تقريرا لهذا التصور في طيات الخطاب القرآني، فالتقاء النظيرين: (آبائنا الأولين)24/23، (والجبلة الأولين)184/26، يوحي أن آباءنا، نحن البشر، جبلوا وتخلقوا بجبلة معينة أعطتهم طابعهم: (خلق الأولين)137/26، وان هذا التخلق على المستوى الفكري تمثل في التفكير الأسطوري: (إن هذا إلا أساطير الأولين)83/23، الذي هو تفكير مضلل: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين)71/37، وتوراثت البشرية هذا النمط من التكفير: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون، ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين)69-71/37. وأصبح التخرص هو السمة المطبعة لنتاج البشر الفكري- بالحديث من غير علم: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)116/6. وإذا أردنا تمثل الخطاب القرآني في فهم الواقع المعاصر، يمكن أن نجد في الآيات الكريمة، التي وصفت الواقع التاريخي مجالا يعكس الواقع المعاصر، وهذا إجلاء لمرآة الخطاب التاريخي للقرآن لنبصر فيها الواقع الحاضر: لقد اعتقد إنسان الجاهلية الأولى، في إطار تفكيره الأسطوري، أن الوحي القرآني، لم يكن حقيقة، وإنما هي فرية إفتراها محمد بن عبدالله: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)15/68، كما اعتقد إن بعثة الأموات من القبور هي أسطورة أخرى من أساطير محمد: (قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين)82-83/23. وإذا ما أردنا التركيب بين الأسطورتين- وهو ما يسوغه التناظر- فلقد آمن الجاهليون الأولون، بان وحي الله مات بهلاك الرسل الماضين الذين كان يوحى اليهم: (حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب)34/40. فلا يمكن لآية الوحي أن تبعث من جديد .. ثم ترتب على النظر إلى القرآن كأسطورة، امتناع العقل الجاهلي عن التفاعل معه في محاولة لفقه مضمونه، باعتباره الرسالة الإلهية، المطلوب العمل بوصاياها وتعاليمها، وهو ما وصفه قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين)25/6، هذه لقطة من المشهد الذي واجهته الرسالة في أول انبعاثها.. إذا توقفنا عند هذا المقدار من المشهد، الذي يوصف التفكير الأسطوري، ولتفعيل انعكاسه في صفحة حاضرنا، نذكّر بان حديث القرآن عن (الجاهلية الأولى)33/33، يقرر وجود جاهلية أخرى ضمنا، كما يقرره صراحة النظير: (فلله الآخرة والأولى)25/53، مما يعني أن مشهد الجاهلية الموصوف، له حضوره الآن:"الجاهلية الأخرى والأولى"، فهذا المشهد الأول يعيد تحقيق نفسه ضمنا من خلال الجاهلية الأخرى التي نعيشها، اليوم، ففي محنتها، لم يعد الجاهلي المعاصر يؤمن بالوحي القرآني الحي، المتأبد النزول، كما انه غير قادر على استيعاب أن الخطاب القرآني يمتلك القدرة على الانبعاث من جديد ليدلي بدلوه في كل الوقائع، ليتمدد في إطار اللاتناهي متجاوزا القراءات التي يحدد فيها، بسبعة أبحر، وهو ما يقرره قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18 . ولإضاءة المسألة: ينص القرآن على التأويل، عندما يعلق علم الكتاب على تأويله، كما يطلق على علماء التأويل اسم الراسخين في العلم، في قوله تعالى: (ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، ثم في ظل هذا العلم تتظاهر خصائص القرآن التي تعبر عن هويته وتدل على مصدره، والتي من أبرزها النطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، فالآية هنا تُوصّف نطق الكتاب كحقيقة علمية، ولا ترد كبلاغة خطابية. فمن خلال الإجراءات والقواعد التي يعتني ببيانها علم التأويل، يتم استنطاق القرآن، فينطق وحيا مفصلا لكل شيء: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)89/16، ويتحقق نطق الخطاب برد بعضه إلى بعض، وهو ما يقرره الإمام علي: «كتاب الله ينطق بعضه ببعض». بناء على هذا، فان القرآن له القدرة على النطق وحيا، وهو ما من شأنه الكشف أن الوحي القرآني لم ينقضِ بفقد الرسول، ولم يمت بموته، وإنما مازال متتابعا في نزوله من خلال المجال الاستنطاقي او الاستيحائي الذي يوفره التأويل، والذي يُمكّن الكتاب من النطق وحيا، مما يفرض خلود الوحي ضرورة ... لقد سمى الله القرآن حديثا، في قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)23/39، كما أوضحت هذه الآية الكريمة، أن الحديث القرآني، يعتمد على ثنائية الآيات، المحكم/ المتشابه، الذي فيه يعرف المحكم بالمعلوم، والمتشابه بالمجهول. و(التشابه) في الوجه الثاني له، يعني التماثل والتناظر، وهو القاعدة المنطقية التي يؤسس عليها التواصل بين زوجي الخطاب، المحكم/ المتشابه. ثم في خطوة لاحقة يوضح الكتاب، إن الحديث القرآني يتألف من أحاديث، (حديث ضيف إبراهيم المكرمين)24/51، (حديث الغاشية)1/88، (حديث الجنود)17/85، مما يعني أن الحديث القرآني يتألف من أحاديث قصصية، كما في قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)111/12. ولما كانت تلك الأحاديث التي يتألف منها الحديث القرآني هي آيات، فان تلك الآيات أو الأحاديث القرآنية تتسم بسمتين أساسيتين يقيم على قاعدتهما علم التأويل وجوده وفاعليته، السمة الأولى، هي التمزيق(التفكيك): (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات)19/34، السمة الثانية هي الإتباع (التركيب): (فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث)44/23، ففي التمزيق تتولد آيات، وفي الإتباع تتولد أحاديث (آيات). فيظهر الخطاب القرآني في: السمة الأولى باعتباره آيات إلا إنها مفككة، تمثل نثارا وأبعاض مواضيع غير مكتملة، ومجملة غير مفصلة، ففي هذه التبعثر والاجتزاء، إمكانية لخلق مجالات يتتابع فيها الخيال .. وتتفتح فيها آفاق لموضوعات لا تتناهى، يمكن التفكير فيها والبحث عن أجزائها. وفي ذلك كسر لألفة القراءة، في وجهها الواحد الأحد ... السمة الثانية، تستند إلى السمة الأولى، كما تؤسسها، عندما تفرض قواعد علم التأويل ضرورة أن تتلو أجزاء الخطاب المتبعثرة عطفا، لنضد عقودا من الأفكار الثمينة والكتب (الموضوعات) القيمة: (رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة)2-3/98. وفي ذلك عودة إلى إلفة القراءة، التي فيها يسود الخطاب ذو الوجه المتمتع بالوحدة الموضوعية .. كما إن الإتباع يفرض القطع من جهة، والوصل من جهة أخرى، مما يعني أن عملية الإتباع هي عملية تؤسس لعملية التفكيك وتعتمدها؛ عندما تفكك بيان الخطاب من جهة، ثم تنقل تلك الأجزاء المفككات لبناء بيان آخر قيد التشكل من جهة أخرى. فمشهد اعمار أرضية الخطاب، تناظر مشهد اعمار الأرض، فالإنسان في طرف ما يهدم جبل بالكسرات من اجل أن يقيم ويبني في طرف آخر سدا. ان تبعثر وتمزق وتفكك أحاديث الخطاب القرآني، كما في الوصف: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات)19/34، هو الذي يحوّل القرآن إلى قطع غيار صالحة لان تشيد ما لا ينفد من البيانات العلمية والبصائر الفكرية والنصوص النظرية، التي تتناول شتى مجالات الحياة والعلوم والمعارف على اختلافها. وإذا كان التمزق ظاهرة موت، فان الإتباع تأويلا هي ظاهرة انبعاث، من خلالها ينبعث القرآن إلى الحياة، فالجاهلي الأول لم يصدق بانبعاث الأحياء، والجاهلي المعاصر لم يصدق ان القرآن المتمزقة أوصال موضوعاته قابل للحياة. وصار الراسخ في علم التأويل في الوقت الحاضر يرث مقام الرسول(ص)، عندما يدعو لاعتماد علم التأويل، فهو يدعو إلى ما تعتبره الجاهلية أساطير، أسطورة نزول الوحي، وأسطورة انبعاث الأموات، ويحقق المؤول المعاصر ذلك من خلال منح أجزاء خطاب القرآن الميتة بالتبعثر والتمزق والتفكك منحها قابلية الحياة بالالتئام والتواصل والتآلف تأويلا، لينتج عن ذلك نتاج متعاصر الموضوعات يتناول وجوه الحياة الراهنة على اختلافها، ويعبر عن اتصال القرآن بالحياة، وانبعاثه للوجود. لكن من المتوقع أن يواجه الإحياء القرآني- الذي يقوم به رجل التأويل المعاصر- الجاهلية المعاصرة وأساطيرها بقولها: (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد؟ أافترى على الله كذبا أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد)7-8/34. فيشار إلى راسخ العلم بأنه مؤسطر، إذ ما يقال في الجاهلية الأخرى إلا ما قيل في الجاهلية الأولى، تشابهت قلوبهم: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك)43/41. فصار الراسخ في العلم المعاصر يمثل دور الرسول، الذي جاء بالوحي القرآني، والذي خلّده من خلال إشاعة علم التأويل في الأمة، وإيجاد أفواج الراسخين الذين بهم تتكاثر القراءات، ولما مات النبي بقى الوحي ببقاء الراسخين في العلم، بيد أن موت القرآن تحقق باستهداف حياة الراسخين، واختفى باستئصالهم: «هكذا يموت العلم بموت حامليه»، كما يقول الإمام علي في توصيفه محنة القرآن المؤول، الذي كتب التراث شهادة وفاته. وهو ما يصادق عليه بعض النصوص التراثية التي تصف قيام الإمام المهدي في آخر الزمان، فنقرأ: «يحيي ميت الكتاب والسنة». إن صقل مرآة القرآن تأويلا، خولنا أن نرى أنفسنا في مرآة التاريخ، ليكون الحاضر صورة للماضي، والموقف الجاهلي المتأخر في أسطوريته يحتذي الموقف الجاهلي المتقدم، فكما لم يصدق المتقدم أن الله أوحى القرآن، لم يصدق المتأخر أن القرآن يوحي قرآنا عن طريق الفاعلية الاستنطاقية التي يمثلها التأويل. أيضا لم يصدق المتأخر أن الخطاب الذي تعلق بالقرون الغابرة له القدرة على أن يُبعث ليتعلق بالقرون الحاضرة، تمثلا بالمتقدم، الذي لم يصدق بالبعث وقيام الأموات للحياة، لنقرأ في القرآن قصة القرى المعاصرة، كما قرأنا فيه قصة الحضارات البائدة. لقد بدأت الجاهلية الأخرى، عندما تُنُكِر للوحي القرآني المستند إلى علم التأويل مُنْزِل الآيات، فصودرت الصحائف والمصاحف، التي كانت نتاج ممارسة التأويل، ووليدة تطبيق إجراءاته وقواعده على خطاب الكتاب، وما ترتب عليها من قراءات ونزولات قرآنية، خالدة ينتجها القرآن بصورة ذاتية. فأقامت السلطة محارقها رفضا للوحي القرآني، فمنذ تلك اللحظة التاريخية أعلنت الجاهلية الأخرى عن عصرها، الممتد مذاك ليشمل اللحظة، ومن تلك النقطة صودر الإسلام مضمونا ولم يبق منه إلا الاسم، ومن القرآن إلا الرسم، وقراءات لا تتجاوز التراقي. ان التكليف المناط بالمؤمنين بحقيقة الإسلام، اليوم- لاسيما قطاع الشباب الذي يعيش الاغتراب بغربة الإسلام. قطاع الشباب الذين يمثلون حلفاء الرسول، الذين فيهم قال: «حالفني الشباب وخالفني الشيوخ» - يتمثل بضرورة التحرك لإخراج علاقة الأمة بالقرآن من الوضع الأسطوري إلى الوضع الشهودي الذي أضاءت معالمه ممارسة صدر الإسلام، وبذلك يؤتون على بنيان الجاهلية الأخرى من القواعد، بانبعاث محمد إلى الحياة في شخوصهم، يصدع بالأمر معرضا عن المشركين، بانتشار تلامذة محمد الشباب الراسخين في العلم في كل حدب وصوب، يتخللون الديار، ويشغلون الفراغ الناتج عن غياب قرّاء الإسلام وفقهاء القرآن أصحاب القراءات، وفي طليعتهم الإمام علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب الأنصاري، والمقداد بن الأسود، وابن عباس، وتلامذته، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة وطاووس ... لتعود ممارسة التأويل تصرف وجوه الكتاب المنزل وتؤلف القراءات من جديد، لتثبت حقيقية الوحي القرآني النازل تأويلا. ليعود القرآن الحي يبعث الآيات التي دفنت في الباطن إلى الحياة بعثا، وليخلد ظاهرة الوحي سرمدا. على قطاع الشباب المهمش تنعقد الآمال الكبيرة، وبهم يبدأ مستقبل الإسلام الواعد. آن الأوان لعلم التأويل أن يمطر الأرض، فتنب الراسخين في العلم فينبثوا في كل أصقاع الأرض، وللقرآن أن يقوم ويصنع بقيامته الحياة التي تعج بالازدهار. فعندما يكون الوحي هو إنزال الآيات تأويلا، فان الوحي القرآني، مازال مستمرا، والقرآن في نزول متأبد.
والحمد لله رب العالمين.
|