بسم
الله الرحمن الرحيم

الأصالة قد تعني الرجوع الى القديم والتمسك به والمحافظة عليه،
والتجديد قد يعني التخلص من القديم ومسايرة تطور الحياة، ولم يعان
القرآن من هذه الازمة الا في الاطار المحرف الذي وضع فيه، في مرحلة
الاختلاف والتمذهب، فقد جمد النص وفهم على وجه ظاهر، وحرف يتيم، وتحدد
في قراءة من قراءات سبع، تم تهميشها واتهامها بالشذوذ والغائها. وهو ما
من شأنه ان يقود الى ارتباط الكتاب بالفترة الزمنية من التاريخ الذي
نزل فيه، وأدى تقدم الحياة الى تقادمه، فتعلقت به قضية الأصالة
والمعاصرة لتشمله باشكاليتها، اما إذا ما نظرنا إلى القرآن في إطاره
الأصيل الذي فيه يستظل بالتأويل، فأن القرآن يكون قد جمع بين الأصالة
والتجديد دائما بين القديم والمعاصر أبدا، فتعددت وجوهه وتصرف على قراءات غير قابلة للحصر،
فلا ترد عليه هذه الإشكالية مطلقا، إلا أن لهذه الحقيقة خلفيتها الأعمق
التي تجعل القضية تحتاج الى مزيد من الإشباع بحثا ..
اذا ما نظرنا الى الخطاب القرآني باعتباره بيانا: (هذا بيان
للناس)138/3، وعرفنا ان وظيفته مرتبطه ببيان السنن: (القوانين): (يريد
الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)26/4، بناء على ذلك يتضح ان
الخطاب القرآني جاء ليبين ويهدي الى السنن الخالدة التي لا يعتريها
تغير ولا تحول: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا
ولن تجد لسنة الله تحويلا)43/35، وهذا يكشف ان ارتباط القرآن بالوجه
الكوني الكامن الذي يتمثل بالسنن التي تقف كهيكل للكون، والتي لا يطرا
عليها صفة القدم والتحديث لا تجعل القرآن عرضة لإشكالية الأصالة
والمعاصرة.
في هذا السياق يمكن القول: ان لكل مشهد جزئي من مشاهد الحياة القدرة
-في ظل السنن الثابته التي لايعتريها
التحول او التبدل- على تلخيص الحياة بأسرها، فتصريفه الى الوراء يمكن ان يكشف لنا عن
الماضي، وتصريفه الى الأمام يمكن ان يكشف عن المستقبل، وبذلك يعمل
التصريف على الكشف عن اسرار الحياة وما يختزنه الكون من محتوى باطني،
يؤول من جهة الى الماضي، ويتطور من جهة اخرى الى المستقبل.
ولكن قد ينشأ عن ربط القرآن بالسنن
الوهم بارتباط العلم القرآني بالخطوط الكلية دون التفاصيلية منها،
باعتبار ان السنن والقوانين هي الثابت الكامن خلف مظاهر الحياة التي
تمثل المتحول.
وينتفي هذا الوهم، عندما ندرك ان القرآن في الوقت الذي يبين الثابت من
خلال اشتغاله ببيان السنن الثوابت، في الوقت الذي يفصل التفاصيل من خلال
اشتغاله بضرب الأمثال. فإذا كانت السنن هي الكليات فان الأمثال هي
الجزئيات، مما يعني ان استراتيجية الخطاب القرآني تقوم على تقديم صورة
تعتني ببناء الهيكل دون ان تغفل التفاصيل الدقيقة لمشهد الحقيقة.
وعندما نربط التفاصيل بالمشهد، فذلك باعتبار ان القرآن ينطلق من الحقيقة
المعرفية للكون، التي ترى ان الحقيقة التفصيلية لأي مكون كوني مجزءة
ومبعثرة على آيات الكون، وان المنهج المعرفي ينبغي ان يقوم باستنباط
تلك الحقيقة التفصيلية عن طريق جمع أجزائها استقراء، وذلك بمراجعة
نظائر المكون قيد النظر، وتصور الموضوع من خلالها، واعطائها بعض
أحكامها وتفاصيلها وخصائصها، وبتعاقب الانتقال من نظير الى اخر تجمع
تفاصيل الحقيقة.
بهذه الطريقة المنهجية يمكن للقرآن ان يروي سردا قصة الكون والحياة -من
بدايتها الباكرة وإلى نهايتها الممتدة في السرمدية- رواية تفصيلية
دقيقة غير قابلة للتناهي، ولا فصولها
قابلة للنفاد. فالقرآن في ظل هذه الاستراتيجية يكون غير نافد، عندها
وعندها فقط يمكن التعرف على أبعاد قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من
شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله
عزيز حكيم)27/31. وفهم قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18 .
إن علاقة طرفي إشكالية الأصالة والحداثة- التي تبدو متناقضة- تعبر في وجه
آخر عن تكامل طرفيها، فالامر يشبه التناقض بين الشهيق والزفير في عملية
التنفس، فرغم ان الشهيق عكس الزفير، فان العمليتين متكاملتين، رغم
تخالفهما في الاتجاه والوظيفة، واذا ما رجعنا الى الأصالة والتجديد،
فان الأصالة التي تعني القديم والتجديد الذي يعني الحديث، نكتشف ان كل
ما يقال عنه حديث يأتي يوم ليكون قديما، مما يعني ان القديم والحديث
انما هما صفتان تلحظان الاشياء وتلحقان بها في إطار تطوري. ولما كان
المسار التطوري فيه يعود آخر الأمر إلى أوله، فان كل ما يقال عنه انه
حديث هو في صورة من الصور قديم، وكل ما يقال عنه انه قديم هو في صورة
من الصور حديث. بمعنى ان الحديث يختزن القديم، والقديم ينطوي على
الحديث، فلا وجود لقطيعة مطلقة بين الحديث والقديم، بل كل منهما يؤول
الى الآخر ويؤدي اليه وينبثق عنه، بصورة لا يمكن معها- عند تصور
الموضوع في هذا الاطار- ان تصح إشكالية الأصالة والمعاصرة الا بتصور
ظاهري ساذج.
وهنا نكتشف ان الأصالة الحداثة ترجع الى علاقة المتشابه المحكم ذاتها،
لتكون الأصالة والحداثة هي وجه وتجلي ومظهر من وجوه وتجليات ومظاهر
المتشابه المحكم، بحيث يمكن التعويض عن المتشابه/المحكم، كما في الرسم
الايضاحي:

مثال على ذلك، ان وجود الطيور تحلق في الفضاء هو الذي طرح على فكر
الانسان منذ القدم فكرة الطيران، مما يعني ان فكرة الطيران التي ادت-
وبعد محاولات مضنية بذلتها الانسانية- الى اختراع الطائرة لا يمكن ان
تكون فكرة جديدة. نستنتج من هذا، ان الفكرة كانت قديمة، وتطبيقها
بالمقارنة مع التطبيق الذي تمثله الطيور، يكشف ان خبرات الانسان التي
تعكسها احدث الطائرات التي اخترعها، بالمقارنة مع خبرات الله الخالق
الكامنه وراء تطبيقات فكرة الطيران في عالم الطيور، محكوم عليه بانه
بدائي ومتخلف الى درجة كبيرة، فهذا ما يجعل فكرة الطيران التي يمثلها
الطائر هي فكرة متقدمة بصورة تقنية عالية، تصل بها الى حد الوقوف في
موقف المثال المثالي، ومصدر الالهام الأبدي، وتبقى التطبيقات التقنية التحديثية للانسان
بالنسبة لبعضها البعض هي تحديث، الا انها تطبيقات دون التطبيق القديم،
(المثال المثالي)، والمصدر الملهم. مما يجعل فكرة التحديث والتجديد دون (المثل
المثالي)، بصورة دائمة، اذا ما اعتبرنا ان الحديث ينبغي ان يكون تطويرا
للقديم، ومتقدما عليه بدرجة.
وهذا ما يؤدي بنا الى الخلوص بمبدأ يقتضي: ان القديم ينبغي ان تكون له
صفة المرجعية دائما بالنسبة للفعل الانساني المبدع، يستلهم الانسان
بمراجعته ما يطور به اختراعاته ويحسنها، ويبقى الانتاج الانساني رغم كل التحسينات
والتطويرات المتعاقبة بالنسبة للقديم في موقع الفرع بالنسبة للأصل دائما وابدا، لما
يمتاز به القديم، (المثال المثالي) بالتقنية العالية، والتي لم ولن
تجاريها الفعل الانساني مهما بلغت ملكة الابداع الصناعي عنده حد
الادهاش..
وهذا الذي جعل مخلوقات الله، الأمثلة المثالية، المكونه للبناء الكوني
تتمركز في مقام المرجعية المطلقة. وهو الامر ذاته، الذي جعل القرآن،
الذي هو الاخر ينطبق عليه صفة المخلوق والمثال المثالي، له مقام
المرجعية المطلقة ذاته، فلا ينبغي للزمن ان يتجاوزه، ولا لمسار الاحداث
التطوري للحياة ان يتقادمه، لذلك يبقى معيارا نقديا خالدا، (وعلى كتاب
الله تعرض الأمثال)، فيحق الحق ويبطل الباطل، ومصدر يلهم العلم
والمعرفة، بصورة أبدية ..
ويمكن تعزيز هذا التصور النظري بمثال تطبيقي يبين فكرة الأصالة
والمعاصرة في القرآن، وفق هذا التصور الذي تناولته السطور الآنفة،
فقوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي)95/6، مؤول
بالنظير: (فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه
حبا متراكبا)99/6، فالحبة عندما تنفلق يخرج عنها الجذر الذي يؤصلها
في الترابة، ويؤسس اساسها، ثم ينبت بعد ذلك ساقها باعتباره بناء فوقيا،
يشق الارض ليخرج ويستقر على سطحها، مثال ذلك السنبلة الخضراء ذات الحب
المتراكب، كما تطالعنا بذلك خاتمة الآية الانفة، وكما يفصل الصورة
النظير: (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله)261/2،
فيكشف هذا النسيج من الآيات عن رؤية تصور منظر مألوف من مناظر
الطبيعة من حولنا، وبذلك يقدم القرآن مثالا مثاليا، له المعيارية المطلقة، وله
القدرة الخلاقة التي توحي للإنسان دائما وأبدا بالأفكار المبدعة
والمبتكرة ...
مثال ذلك اذا ما رجعنا الى النظير: (إن الله فالق الحب والنوى)95/6،
فمعنى الحبة يمكن صرفه لما يفيده المقارنة بين النظيرين: (يا بني إنها
إن تكن مثقال حبة)16/31، (إن الله لا يظلم مثقال
ذرة)40/4، يصرف النظير وجه (الحبة) الى وجه باطن هو (الذرة) فالحبة
تعرف بالذرة. ثم لنحدد معنى الفلق بالمقارنة بين النظرين: (أن اضرب
بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم)63/26، (اضرب
بعصاك الحجر فانفجرت)60/2، فالانفلاق هو الانفجار.
فاذا ما رجعنا الى الآية قيد التصريف: (إن الله فالق الحب والنوى)95/6،
وعوضنا عن الحبة بالذرة، وعن الانفلاق بالانفجار، نقرأ: "ان الله مفجر
الذرة والنوى"... واذا ما اردنا التعرف على الذرة وبعض خواصها، يمكن
المقارنة بين الايات، فقوله: (إن الله فالق الحب والنوى)95/6، فالحبة
هي المعرفة بالذرة، مما يعني ان وصف الحبة هو وصف للذرة، فقوله: (نخرج
منه حبا متراكبا)99/6، فالذرة هي فعلا نظام من حب متراكب: (الكترونات،
نيترونات، بروتونات).
واذا ما اعتبرنا ان الانفجار الذري او النووي هو انبات، فان الآية
التالية تصف الانفجار النووي المتسلسل: (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في
كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف)261/2، فالانفجار الذري هو الذي يتخذ
الصيغة المتسلسلة، ويخضع لمتوالية هندسية: ( 2، 4، 16، 32...الخ)،
تتضاعف فيها الأعداد، كما تؤكد ذلك الآية الانفة في خاتمتها: (...
والله يضاعف). هذا بعض إيحاءات المقارنات التي نعقدها، وان كان تتبع
النظائر وعقد المقارنات يعطي الموضوع أبعادا تم عرضها في
تطبيق ماض تحت عنوان الانفجار النووي.
نستنتج من هذا التطبيق، ان حبة القمح عندما تزرع يؤدي استنباتها الى
احداث انفجارها صورة للانفجار الذري المتسلسل، وعند النظر في اطار
مقارن نجد ان نظام الذرة كحب متراكب هو ذاته نظام السنبلة، وان ذلك
الانفجار الخطر الذي لا تشهد العين المجردة تفاصيله، هو الذي يجري من
خلال مشهد استنبات سنبلة القمح بصورة بطيئة، شديدة البطء تمكننا من
لحظه ومتابعة تفاصيله. مما يعني ان المشهد الكوني قيد المشاهدة والمعاينة
يختزن في داخله المشاهد التفصيلية التي يتطور اليها في المستقبل
القادم. وان اشكالية القديم والحديث او الأصالة والمعاصرة، هي ضرب من
توهيمات الفكر الظاهري أكثر من ان تكون حقيقة لها واقعها الموضوعي أو
جرمها المشهود للعيان، وهي
إشكال قد يصدق في إطار الوضع الفكري الظاهري الذي يمثل عقلانية منتقصة
محرفة، بعيدة عن العقلانية الحقيقية التي يكفلها المنطق العبوري الذي يمثل حقيقة منطق الأشياء
ومنطق الفكر ومنطق العلم ومنطق الحياة ...
|
 |
تاريخ النشر:
1/مايو/2006 |
|