|
التأويل وتحولات شخصية الخطاب
لقد وجدنا في التاريخ الإسلامي ما ترتب على اقتصار النظر على ظاهر الكتاب، منقطعا عن باطنه، ما يولد جهلا يقود أحيانا إلى الكفر!. فقد وجدنا امرأة بذلت نفسها لمملوكها، محتجة بقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)6/23، ووجدنا آخر شرب الخمر، محتجا بقوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا)93/5، ووجدنا ثالث استباح نكاح الذكران محتجا بقوله تعالى: (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا)50/42، فبقتيات المذاهب والفرق على الوجه الظاهر من الخطاب القرآني نشأت عذابات الأمة بتفجر الخلافات التي أسست للفرق والمذاهب المتناحرة في التاريخ أساسها، باعتبار ان الظاهر القرآني من أوضح معالمه التفرق والتعاند والتضاد والاختلاف، وهو ما ترجم إلى واقع، تعيشه الأمة بصورة متفجرة منذ قرون، ففي موضوع الجبر والتفويض، نجد آية تدل على الجبر وأخرى تدل على التفويض. وفي موضوع التجسيم والتعطيل، نجد آية تدل على التجسيم وأخرى تدل على التعطيل، وفي موضوع أبوة الرسول، نجد آية تدل على الأبوة، وأخرى تنفي أبوته، وفي موضوع صفاته نجد آية تصف الله بالناسي: (فاليوم ننساهم)51/7، وأخرى تنفي عنه النسيان: (وما كان ربك نسيا)64/19، وفي موضوع العصمة تجد آية تقول بإمكانية صدور المعصية عن الرسول: (وعصى آدم ربه فغوى)121/20، وأخرى تنفي، بقول يوسف: (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا)38/12، وفي موضوع تجد آية تنص على وجود مشرق ومغرب للشمس، وأخرى تنص على وجود أكثر من مشرق ومغرب، وفي موضوع شهود بداية الخلق، تجد آية تدل على شهود الكافرين لخلق السموات والأرض: (أولم يرى الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)30/21، وأخرى تنفي شهودهم لخلقهما: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم)51/18، فكل هذه المفردات والآيات مما يدل على التناقض والتضاد والتعاند والاختلاف هي من ابرز خصائص ومعالم ظاهر وجه الخطاب القرآني الذي شكل سجن الفكر الظاهري. فكان الاعتماد على الوجه الظاهر للخطاب القرآني قد يقود إلى الكفر، وفي أحسن الأحوال يقود إلى الاختلاف والتمزق والتشرذم، كما اختلفت الأمة الإسلامية إلى فرق ومذاهب متناحرة متلاعنة متكافرة، فلم ينفعها ظاهر القرآن، بل كان الظاهر القرآني المستقل عن الباطن، ينطبق عليه قوله تعالى: (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)13/57. وإجلاء لهذه الإشكالية التي تلازم الوجه الظاهر، ينبغي أن نعلم أن شخصية الخطاب القرآني في صيغته المنقسمة إلى ظاهر وباطن، يمثلها الخطاب القرآني ذاته بالشخصية المتقية أو المنافقة في إظهارها وإبطانها، لقد وصف الله الشخصية المنافقة، بالقول: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون)167/3، كما وصف الشخصية المتقية بالقول: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه)28/40، ونسبة ما يكتمه الخطاب في باطنه أكثر مما يظهره ويعلنه، كما هو الحال مع المتقي أو المنافق، حيث عن هذه النسبة يقول تعالى: (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)118/3، فحجم ما يظهر من علم القرآن في الوجه الظاهر منه بالمقارنة لما هو راقد في باطنه هو بمثابة رأس جبل الجليد الطافي على السطح بالنسبة لمتداده الأكبر الذي يرسو تحت الماء في قاع المحيط. وهذا ما يتجلى في حديث القرآن عن عدم نفادية علمه: (ما نفدت كلمات الله)27/31، التي تبين إننا لو أردنا كتابة ما ينتج من علم الكتاب في ظل الحركة المنهجية التي يفرضها قواعد علم التأويل، فان بحار الأرض المتحولة إلى مداد تنفذ مهما ضوعفت، ويبقى القرآن ممتنعا عن النفاد: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18، فالحديث في هذه الآيات عن علم الكتاب، في جانبه الباطن، وليس عن علم القرآن في جانبه الظاهر، فهذا المشهد التمثيلي الملقى أمام الفكر والخيال يكشف حجم ما يبدو لنا في الظاهر القرآني بالمقارنة بحجم ما يخفى عنا من علم باطنه، فلنتصور كم هو عدد المجلدات التي ستكتب بمداد البحور المضاعفة، والتي حاولت ان تستنزف الباطن القرآني، لو حسبنا كم من الحبر يحتاج إليه مجلد بألف صفحة، ثم وزعنا حجم بحار الأرض المضاعفة على ذلك المقدار، سنجد أنفسنا أمام رقم فلكي. كل ذلك الكم الهائل من الكتب، التي ستملأ مكان المحيطات المستنفدة إلى عنان السماء، تمثل بعض علم الباطن، وتعجز عن استنفاده(*). وإذا ما عدنا إلى الصورة التمثيلية التي فيها يشبه الخطاب بالشخصية المنافقة أو المتقية، التي هي شخصية كتومه، ما تستبطنه اكبر مما تظهره، وما تخفيه أكثر مما تبديه، نلاحظ عند استرسالنا في مفهوم الكتم ومقابله، نجد ان الله سبحانه يطرح الكتم في قبال الإبداء: (يعلم ما تبدون وما تكتمون)29/24، ويجعل الكتم في قبال الجهر: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون)110/21 ، ويعوض عن الكتم بالإخفاء ويجعله في قبال الإبداء: (تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا)91/6، ويجعل الإخفاء في قبال الإعلان: (ويعلم ما تخفون وما تعلنون)25/27، ويجعل السر في قبال الجهر: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)7/20، فيكون علم الكتاب الظاهر هو الجهر والباطن هو السر، والظاهر هو البادي والباطن هو المكتوم، والظاهر هو الباطل -إذا ما انقطع عن الباطن الذي هو الحق- والظاهر هو المعلن والباطن هو الخافي ... ثم من جهة أخرى، يطلق الخطاب القرآني على المجال الظرفي الذي يحوي العلم الباطن المكتوم لخطابه، بالقلب تارة: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه إثم قلبه)283/2، وبالرحم تارة أخرى: (أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن)228/2، وبالصدر تارة ثالثة: (وما تخفي صدورهم أكبر)118/3، وبالنفس تارة رابعة: (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك)154/3، بناء على ذلك فان علم القرآن هو المكتوم في رحم الخطاب وقلب النص وصدر الكتاب، وتنطوي عليه نفسية البيان القرآني، وهو الذي تعبر عنه كل هذه المصطلحات .. ان طبيعة الخطاب القرآني في اكتتامه وتحفظه، قائمة على الالتباس: (تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق)71/3، فالتشابه عندما يعتري المحكم، يشكل ظاهرة الالتباس تلك، حيث يتحول التشابه بمثابة اللباس، الذي يجلبب المحكم، فيتنكر الحق في ثوب الباطل، فيكون هذا التنكر كتم للحق، قامع له من الظهور، ومخفى له من النجوم بمعنى الظهور ، بذلك يصادر الحق ويكبت ويكتم تحت سطح الوجه الظاهر. وهذا ما يؤدي إلى ضرورة توظيف آلية التأويل القائمة على فض الالتباس، وفضح التنكر، وهتك الاحتجاب، وإنهاء حالة الكتم، بالتحول من الكتم إلى الإعلان، من الإخفاء إلى الإبداء، من السر إلى الجهر، وعن هذه الآلية، آلية نقل الباطن إلى حيز الظاهر يقول تعالى: (والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون)72-73/2، ويفسر (اضربوه)، بجعل البعض مثلا للبعض الآخر: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)48/17، فعندما ضربنا مثل الآيات المحكمات والآخر المتشابهات، استنادا لقوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار ايتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17، وجدنا كيف بثت الحياة في المتشابه والمحكم من خلال تمثلهما بآيتي الليل والنهار، بحيث أضحى مفهوما المتشابه والمحكم المجردين، في ظل ضرب المثل، حييين شاخصين، يتحركان بحركة الليل والنهار كما تسردها الآيات المتناولة لموضوع الليل والنهار. ان ضرب مثال الآية: (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى)، يعني الانتقال من المثل المتشابه إلى شبهه المحكم، فتنتقل الآية المنافقة الميتة التي أظلمت، إلى آية مؤمنة حيّة مبصرة، يقول تعالى مظهرا افتقار المنافقين إلى النور بالقول: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب ..)13/57 ... ان الآيات التي يتألف منهم الخطاب، هي آيات تشبه آلية عمل النفس الموصوفة بالمنافقة، بمعنى انها تستبطن أكثر مما تظهر، وتبطن ضد ما تعلن، وهو الوصف الذي يعم جميع آيات القرآن، فكلها ذات ظاهر مخادع، يقول تعالى في هذا الصدد: (إن المنافقين يخادعون)142/4، ونموذج لخداع الآيات الذي فيه تتبدى بظاهر هي على خلافه، قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله)124/6، الوجه الظاهر الذي يشغل نظم خطاب هذا الآية، يجري القول على لسان الكافرين، فهم يعلنون من منطلق نفسية تفور بالشعور الحسدي، نفسية تعلن عنه انها لن تؤمن حتى تؤتى الرسالة كما أتاه الله للرسل، بينما هذا الوجه الظاهر، ينطوي على خداع، بمعنى ان الآية تكتم عكس ما تظهر، كالمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، حيث يمكن النظر إلى هذه العبارة بانها ترد على لسان المؤمنين، بناء لاقتران هذه الآية مع قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)21/33، والجانب الذي هو قيد التأسي في الرسول يحدده النظير: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى)110/18، فالرسول يتماثل مع المسلمين في البشرية، ويمتاز عنهم بالوحي، فكانت الدعوة إلى التأسي هي دعوة إلى المماثلة، فالمؤمنون مطالبون بالتأسي بالرسول باستثارة صفة الوحي كقابلية كامنة يحتاج تظاهرها إلى توفير شروطها، فالآية قيد النظر، تفيد ان المؤمن لن يكون مؤمنا كامل الإيمان حتى يؤتى ما أوتي رسول الله من الوحي، فيكون مؤمنا محدثا، يمتلك العلم اللدني، كرجل سورة الكهف الذي يصدر عن أمر الله، كما قال العبد الصالح رجل سورة الكهف: (وما فعلته عن امري)، وهو ما تعززه الاحاديث المتضافرة: (اني أحب أحدكم ان يكون محدثا)... نموذج آخر لخداع ظواهر الآيات، قوله تعالى: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث)4/101، هذا الخطاب يتحدث ظاهره عن الوضع الذي يكون فيه الناس عند قيام الساعة، وقد صعقوا بالنفخ في الصور وماتوا، فيكون مشهدهم بمثابة الفراش الميت وقد غطى وجه الأرض بالآلاف، ولكن عندما يتشابه قوله تعالى: (وزرابي مبثوثة)16/88، فلا نعرف معنى الزرابي: ما هي؟ فان استقراء التناظر يقودنا الى هذه الاية: (كالفراش المبثوث)4/101، فالزرابي تؤول بالفرش، فنقرأ (كالفراش) بحذف الالف: (فُرُش)، فالزرابي هي فرش مبثوثة، هذه القراءة الاولى، القراءة الثانية: نقرأ الآية كما هي: (الفراش المبثوث)، مما يوضح لنا هذا الوجه ان تلك الفُرُش مطرزة بأشكال والوان تشبه ما عليه اجنحة الفراش، كما اننا إذا رفعنا الإعجام عن حرف السين، يمكن قراءة (فرش) (فرس)، مما يطلعنا تكامل الوجهين، على مشهد حي من مشاهد الجنة، فيه الزرابي مبثوثة على مساحة الجنة، وقد ازدانت بالإشكال والألوان المماثلة لأجنحة الفراش على اختلاف أشكالها وألوانها، وان تلك الزرابي تشبه السجاد الاعجمي: (الفارسي) ... فنجد ان ظاهر الآية القرآنية: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث)4/101، لا يبوح لنا بكل مكنونها من العلم المدخر، فوجهها الظاهر مخادع، لانه يرسب تحته وجوه كثيرة يكتمها ويكبتها، وعلينا ان نفتن الخطاب من خلال مقارنات الآيات المتناظرات، في عملية افتان بعض الكتاب ببعض، تطبيقا للتوصية القرآنية: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض)53/6، وهو الافتتان الذي فيه نقلب وجوه الخطاب: (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه)11/22. فنعمد من اجل انجاز ذلك إلى إتباع التشابه والتماثل: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)7/3، فنقلب الوجوه لنصل إلى الكامن منها في الأول او تلك الأخرى الكامنة في المآل، وعن هذا الافتتان الذي هو لازم المنافق رمز الآية القرآنية التي تشغل النسق الظاهر من خطاب الكتاب: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور)13-14/57. في هذا الخطاب يضيف وصف اخر، للآية المنافقة هو التردد، ويبين حقيقة التردد النظير: (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)45/9. فالآية القرآنية في نفاقها هي الآية التي يعتري وجوهها التردد وتزرع الشك في الإدراك، لذلك يرتاب فيها الفكر ويتردد بترددها بين الوجوه ... ولما كان الكتاب ناطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، والآيات الظاهرة التي تشغل سطح الخطاب، تتصف بالنفاق والخداع والتشابه، بحيث أضحى الكتاب في ظلها (كتابا متشابها)23/39، أي ملتبسا، فان الله يقول عن المنافقين: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول)30-31/47، فلحن القول إشارات سيميائية، ولحن القول هو المصطلح عليه بالّلي والتحريف: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)78/3، أي ان الظاهر القرآني يقود إلى تصورات قد تحسب على الكتاب إلا انها ليس هي كذلك، كدلالة بعض الآيات ان الكتاب متناقض، إلا ان التناقض ليس من الكتاب. وان هذا اللي والتحريف الذي يصدر عن الوجه الظاهر ويقود إلى هذه التصورات الموهومة، التي تشكل خيانة لرسالة الكتاب القائمة على ركيزتي الظاهر والباطن، ناتجة عن نسيان الجانب الآخر من الخطاب، أي الباطن، وعن انتقاض العلاقة الوثيقة بين ثنائي الظاهر والباطن، مما نجم عنه تعطيل الوجه الباطن، الذي يشكل قلب الكتاب، وهو ما يصطلح عليه بقسوة القلب: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم)13/5، حيث العفو على ذلك الظاهر الموهوم هو الدرس والمحو له عن طريق توظيف الدائرة الناسخة: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6. ويمكن النظر إلى هذه الآية القرآنية التي تعبر تعبيرا رمزيا عن الظاهر القرآني، بانها تتناول العقلية المنافقة، باعتبارها عقلية فاسقة محرّفة: (إن المنافقين هم الفاسقون)67/9، وكيف يتبدى تعاطيها مع الخطاب القرآني، فتلك العقلية المنافقية تعمل على نقض الميثاق بمعنى انها توجد القطيعة بين الظاهر المطلوب وصله بالباطن من خلال عملية تأويل عبورية: (وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)26-27/2، وللتدليل على ان الوصل لما أمر هو الوصل بين الظاهر والباطن، نلجأ إلى النظير: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)51/28، فيوضح ان الوصل موضوعه (القول) الذي ينقسم إلى ظاهر وباطن: (بظاهر من القول)33/13، ويكشف النظير التالي ان الوصل هو عملية ضرب المثل: (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)25/14، بالانتقال من المثل المتعين بالقول الظاهر إلى شبهه المتعين بالقول الباطن. ثم يوضح ما يترتب على ذلك التواصل من تبيان وإحكام: (ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون)221/2، وما يؤدي إليه من التمكن من استنباط البصيرة الهادية: (بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون)43/28، وان القرآن في ظل هذه العملية يتبدى باعتباره كتابا يدعو للتي هي أقوم، بينما بأخذه بوجهه الظاهر المنقطع عن الباطن، فيه مجانبة للتقوى، التي تقود إلى تصور الاعوجاج فيما يدعو اليه الكتاب: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون، قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون)27-28/39. ان القرآن غير قادر على ان يظهرنا على الغيب إلا إذا انعتق من النظرة الظاهرية، إلى النظرة المتسائلة، ثم إلى النظرة المحكمة، وهذا يترجم بانتقال الخطاب من صفة النفاق التي تعني إظهار عكس ما يستبطن في دخيلته، وما يعبر عنه ذلك من تظاهر الخطاب في صيغة نفس أمارة بالسوء، يولدها التعاطي الظاهري مع الكتاب، تجعل الكتاب بهذه النفسية التي تتقمصه ينتج الأفكار السيئة والطاغية التي تولد العداوة والبغضاء، كما ينص على ذلك صريح قوله: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)64/5، فتكون الصفة الطاغية على شخصية خطاب الكتاب في هذه الوضعية، أي باعتباره (كتابا متشابها)23/39. وبانتقال الكتاب من النفاق الذي يعبر عن هيمنة صفة النفس الإمارة بالسوء على شخصية الخطاب إلى صفة النفس اللوامة، وذلك من خلال تبادل النظائر اللوم: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض)127/9، الذي يعني ما ينص عليه قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين)30-31/68، فاللوم يفسر بالتساؤل: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)27/37، فبانطلاق التساؤل المتبادل بين الآيات المتناظرة، يبدأ الخطاب يكتشف مسؤولية الوجه الظاهر المنقطع عن توليد ظاهرة الطغيان: (... يتلاومون، قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين)، ولما كانت شخصية الخطاب مرآة تعكس عن معالم الفكر الناظر فيها، فان الفكر اللوام والمتسائل هو الذي يستطيع ان يحرر الخطاب من شخصيته المنافقة وما تتصف به من طغيان، وينقله نقلة نوعية بتحول الخطاب إلى تقمص الشخصية اللوامة الطارحة للاستفهامات، المبنية على تناظر مكونات الخطاب. بتلك التساؤلات تنطلق عملية التحول والعبور من العمى إلى البصيرة: (فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون)66/28، أي ان بالتساؤلات يتم الخروج من العمى، فيكون الفكر الناظر مصداقا لقوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا)73/25، فتكون الصفة المهيمنة على شخصية الخطاب في هذه الوضعية انه كتاب مزدوج الشخصية متشابه/ ومحكم: (أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، بعد ان كانت شخصيته في المرحلة السابقة متمحضة في التشابه، انقسمت في هذه المرحلة بالتلاوم الى متشابه ومحكم ... ثم بإرجاع مكونات الخطاب إلى بعضها ينسخ التشابه والريب وما يلازمه من تردد: (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)45/9، ويحل محله الإحكام واليقين والثبات، فتكون عندها شخصية الخطاب قد انتقلت من مرحلة النفس اللوامة إلى مرحلة النفس المطمئنة: (ياأيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية)27-28/89، وهذا يقود إلى اتصاف شخصية الخطاب بمعالم النفس المطمئنة والراضية التي من أبرزها، القدرة على تلقي علم الغيب: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى)26-27/72، فيتبين على ضوء هذه الآية ان الخطاب تحولت شخصيته إلى شخصية مجتباة ومختارة، قد اجتباها خالقها للاطلاع على الغيب، فتطلع العقل المصطفى على الغيب: : (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)203/7، ومن معالم هذه الشخصية تجلي الله فيها، الذي من مظاهر ذلك امتلاك شخصية الخطاب إمكانية النطق والحكم في المختلفات: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، ويكون حكمه هو حكم الله: (فالله يحكم بينهم)113/2. ويتحقق التمني: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون)118/2، فيبدأ الله ينطق بنطق الكتاب، وفي هذه الوضعية تكون صفة الإحكام هي التي تطبع شخصية الخطاب: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)1/11، بعد ان كان مزدوج الشخصية منقسمة إلى متشابه ومحكم، وتلازم صفة إحكامه التفصل واللدنية. والخلاصة، ان الاعتماد على الوجه الظاهر للخطاب -دون وصله بالباطن- يتولد عنه الجهل، كما يقول تعالى: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)7/30، والإمام علي(ع) عبر عن مفهوم هذه الآية بالقول: (ان أولياء الله نظروا إلى باطن الدنيا اذ نظر الناس إلى ظاهرها، ... بهم علم الكتاب ،[ظاهرة أنيق وباطنه عميق]، وبه علموا)، فأوضح ان أولياء الله نظروا اعتبارا، فاخترقوا بنظرتهم الظاهر لتصل إلى الباطن، سواء أكان ذلك الباطن هو باطن الكون أم الكتاب لا فرق. مما ترتب على تلك العملية العبورية وصولهم للعلم، بحيث بهم علم الناس الكتاب، وبالكتاب توصلوا إلى ما علموا. بينما اقتصار النظرة على ظاهر الكتاب والكون، قاد الغالبية إلى الجهل بالكون وبالكتاب. (*) هكذا نرى؛ كم نحن محرومون وفقراء، رغم اننا نقف على ضفاف محيطات القرآن اللا متناهية، في عمقها وفي عطائها، فنحن لا نملك مما يحدثنا عنه القرآن من العلم العظيم والفياض شيئا يذكر، فكل ما نملكه هو تفسيرات تقليدية وسطحية وساذجة تمثل فقر فكر اصحابها، وتعبر عن ارائهم ولا تعبر عن القرآن، وتكرر منذ الف عام نفسها، فكلها نسخة عن التفسير الأول الذي كتب من ما يربو عن العشرة قرون. ومع دخول التفاسير دائرة الحاسوب، يمكننا ان نقارن بين ما قالته التفاسير في آية ما، فنكتشف ان التفسير يتكرر منذ الف سنة حتى يومنا هذا، ولا يكاد يكون هناك فرق بين اقوال المفسرين، الا فروقا هامشية لا تكاد تذكر او يعتد بها، واذا وجدت فهي ليست أحسن مما قيل، اذا لم تكن أسوء، لانطلاقها من الرأي الذي يمثل عقول منتجيه ولا يمثل القرآن الذي القول فيه يعد الرواية عن الله، حيث اذا قال المفسر، ان تفسير هذه الآية كذا وكذا، فهو في هذه الحالة، انما يروي عن الله ما زعمه، فاذا لم يكن الله يقصد ما قاله المفسر، يكون المفسر قد تقول على الله، وافترى عليه الكذب، وقد ورد في الحديث: (اتقوا تكذيب الله)، ومعناه: ان تقول قال الله ويقول الله من فوق عرشه ما قلت يا كاذب!.
|