بسم الله الرحمن الرحيم

المشهد الثاني

 

التأويل وزلزلة الخطاب

 

لقد وجدنا فيما تقدم أن الخطاب القرآني تحدث فيه تحولات في إطار العملية التأويلية، التي يتوسل بها الفكر والنظر لإنجاز العبور من الظاهر إلى الباطن، ولكن كيف يتم هذا التحول التثويري في الخطاب، كما أشار إليه ابن مسعود:  ((من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن)) (الهندي، كنز العمال، ح(2454))، وهو حديث صريح بان القرآن يشتمل علم الأجيال الغابرة وعلم الحاضرين وعلم الأجيال القادمة في المستقبل، أي في الزمن الواقع فيما بعد نزول القرآن، والذي نحن جزء من تلك الأجيال المستقبلية، فقد وجدنا في النماذج المتقدمة أن القرآن أحاط بعصرنا، وكشف التأويل عن بعض علم الكتاب الباطن الذي يتنبأ بوقائع هذا المستقبل، الذي هو الحاضر الذي نعيش فيه، ونحيا في هذا ظـرفه.

يبقى التساؤل كيف يحدث هذا التثوير للخطاب، هذا ما تضطلع بشرحه سورة الزلزلة في البيان التالي، يقول تعالى بعد البسملة:  ((إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان ما لها، يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)) 1-8/99. إذا انطلقنا من تفسير الإمام الصادق:  ((قُلْ لهم يا محمد (سِيرُوا فِي الأرض ثُمَّ انظروا) أي انظروا في القرآن))( القمي، تفسير القمي: 1/ 194)، فإن (الأرض) تصرف إلى وجه باطن هو (القرآن)، فلنتعقب الكتاب في سورة الزلزلة وهو يتحدث عن (الأرض)، وننظر إلى الأرض بوجه باطن يفيد (القرآن)، اي أن (الأرض) هي ارضية الخطاب القرآني.

يقول تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)، فان الأرض عندما تزلزل فان مرتكزاتها التي هي الجبال الرواسي تنهار وتنسف، كما يحدث ذلك في مشهد يوم القيامة: (يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا)105/20، ويضيف الكتاب: (إذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال بساً، فكانت هــــباء منبثا)4-6/56،  مما يعني أن زلزلت الأرض هي ارتجاج مرتكزات نظم ارضية الخطاب القرآني ونسفها. هذا التزلزل عندما يحدث في إطار الخطاب، فان قيامة الخطاب تكون قد حلت، والواقعة قد وقعت! وندرك حدث الزلزال في إطار الخطاب بالتفاتنا إلى معنى المتشابه الذي يعرف بالمضطرب، والتشابه بالاضطراب. ويطرأ التشابه عندما يأخذ الفكر بالتساؤل عن آيات الخطاب، فيعتري ارضية الخطاب التشابه فتضظرب، بعد إن كانت محكمة، حيث يعرف المحكم بالثابت والإحكام بالثبات. فالتشابه الذي يبدأ بضرب الخطاب فيضطرب له، يحقق مفهوم الزلزلة، فالتشابه باعتباره اضطراب اذا ضرب ارضية الخطاب زلزلها، وبدأ الزلزال ينسف الأصول التي يرتكز إليها ظاهر الخطاب، ومس نظام الطبقات، فينال من نظم الخطاب عميقا. فينتج عن ذلك؛ أن تبس وجوه بانطماسها وظهور أخرى مستبطنة، تشكل جزء من خبايا الخطاب.

هذا الاضطراب والتزلزل الذي تتعرض له أرضية الخطاب، يستدعي اللجوء إلى إجراءات التأويل التي تهدف إلى تثبيت الخطاب من جديد بالبحث عن مثبتات حديثة تمثلها آيات محكمات. وذلك عن طريق نفي التشابه الذي يبث الاضطراب المزلزل للخطاب، عن طريق رده إلى المحكمات التي تمنح أرضية الخطاب السكينة وتعيد إليها الاستقرار، في عملية تهدف إلى إعادة إحكام الخطاب وفق مثبتات ومرتكزات وأصول أخرى، تعوض عن المنسوفة، فتكون انبثاق المحكمات الجديدة من باطن الخطاب لتمنحه الاستقرار، بمثابة الحمم النابعة من باطن الأرض لتشكل ظاهرة الجبال الرواسي التي تمنح الأرض الاستقرار، فيتجنب الخطاب بوجهه الجديد بتلك المثبتات الرواسي أن يميد بدلالته، أو أن تنخسف وجوهه، أو يتقوض نظامه، أو يفقد توازنه ...

والذي يصادق على هذا المعنى هو قوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)21/59، فعملية التأويل تنتهي بإنزال الآيات، من خلال ضرب الأمثال والاستدلال بالمثل على شبهه. وهذا الإنزال القرآني للآيات هو الذي يتطلب تصدع مرتكزات ومثبتات الخطاب، التي هي بمثابة الجبال، التي تمنح أرضية الخطاب الاستقرار، بتداعي ونسف الآيات المحكمات التي تعرف بالثوابت، لما تقوم به من دور تثبيت وجوه الخطاب- وإنشاء مثبتات أخرى، يعاد فيها تحديث وجه الخطاب، بهذه العملية يتم إنزال الآيات بتصدع مرتكزات واستحداث أخرى، مستندين إلى منطق المثل دليل على شبهه.....

وهكذا، نجد أن الخطاب في ظل منهج التأويل يتعرض إلى قيامة يفقد فيها أصوله التي يرتكز عليها، إلا انه لابد أن تتولد في تلك القيامة مرتكزات جديدة لتثبت أرضية الخطاب وتمنحه استقراره، وعن ذلك يقول تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين)104/21، أي إن طوي مرتكزات الخطاب وتقويضها، سوف يعقبه إعادة أطلاق الكون من جديد على أسس ومرتكزات أخرى، وفي ذلك يقول تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)48/14. فالخطاب يتبدى للقارئ محكما بناء لارتكاز الخطاب في وجوهه إلى أصول يصدقها القرآن، الذي انزل يصدق بعضه بعضا. بيد انه بمجرد أن يبدأ التساؤل عن الوجوه الظاهرة من الخطاب ونظم الخطاب المؤسس لها، بتلك التساؤلات يزرع التشابه في أرضية الخطاب ويزلزل النَّظْم المحكم له وما ابتني عليه من بناء فوقي يتمثل في الوجوه الظاهرة للخطاب، فالتساؤلات هي التي ينشأ عنها التزلزل، ونجد التلازم بين التشابه والتساؤل في قوله: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا)70/2، إن التشابه يقوض المحكمات كأصول معتمدة يرتكز عليها الخطاب، قيد النظر، مما يتطلب البحث عن/أو الخلق لأصول أخرى تنسخ المتشابهات التي تزلزل الخطاب، بهذا تقوم عملية التساؤل بزلزلة وتدمير أصول الخطاب المألوفة، وبدء تأسيسه استنادا إلى أصول أخرى جديدة، بهذا تكون العلمية التأويلية قد نسفت أصول وأقامت أصول أخرى.

فكما إن الزلزال من حيث الآثار التي يخلقها على الأرض، يحدث تحولات في جغرافية الأرض عندما يتم إعادة تخليق تضاريس الأرض، وتوزيع مكونات تلك التضاريس، فيحدث أن يرتفع قاع البحر فيصير جبلا، وينسف جبل ليتحول إلى قاع، إلى ما هنالك من تحولات في القشرة الأرضية. فان هذه العملية في إطار الخطاب تعني إعادة تخليق الخطاب، وإعادة نظمه وتشكيله، ليتحول الخطاب بدلالاته ووجوهه التي تشكل تضاريسه إلى دلالات ووجوه أخرى، بانتقال صفة الإحكام من آيات إلى أخرى. هذه الحركة التنزيلية التي فيها تتبدل أصول ومرتكزات الخطاب، ويتبدى الخطاب بوجوه وموضوعات أخرى غير مسبوقة، هي التي تشبه حركة صفائح الأرض التي بها تعيد تشكيل تضاريسها ونقل الجبال مرتكزاتها لتخلق خلقا أخر مستحدثا...

ولكن لماذا تزلزل تساؤلات الفكر المتصلة بمكونات الخطاب أرضية ذاك الخطاب وتقيم له قيامة تشبه يوم القيامة ؟ الجواب يكمن في المقطع: (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان: ما لها؟)1-3/99، فالآية توضح أن تزلزل أرضية الخطاب لازم للتساؤل: (وقال الإنسان: ما لها؟) فهذا التساؤل الذي يطرح على أرضية الخطاب فيزلزله، يمكن أن يحمل جوابه معه، عندما نقرأ: (ما لها؟) بصيغة أخرى، ووجه باطن يتجلى بالقراءة: (مآلها)، فالتساؤل عما للخطاب؟ هو تساؤل عن مآل الخطاب، أي إلى ما يؤول إليه في أول الأمر أو ما يؤول إليه في مآل الأمر، فالتساؤل عن البداية التي ينطلق منها أو النهاية التي ينتهي إليها، هو تساؤل عن الأصول المحكمات التي ترجع إليها متشابهات الخطاب، والمسئولة عن تصريف وجوه مكوناته وتحديث وجوه آياته وتجديد قراءاته...

فيلازم التساؤل التزلزل والتشقق الذي يضرب الوجه الظاهر الذي يشغل سطح الخطاب فيصدعه، بتصدع مرتكزاته من الجبال، عندها تبدأ الأرض بإخراج أثقالها، (وأخرجت الأرض أثقالها)، إن إخراج الأرض لأثقالها في الإطار الجيولوجي يعني أن الأرض يتكون باطنها وقلبها من مادة منصهرة من المعادن الثقيلة، وهي المعادن التي تتظاهر إلى الأرض بواسطة شقوق لتشكل ظاهرة البراكين، وتفسر لنا: إن ما الجبال إلا انبعاثات لتلك الأثقال المنصهرة وتكدسها على بعضها على السطح، بفعل تراكمي، ومن ثم برودها لتعطينا ظاهرة الجبال. بهذا يكون باطن الأرض قد استحال إلى ظاهر، وطمس السطح الذي تظاهرت عليه الصهارة. إن تطبيق هذا المشهد في إطار الخطاب يعني أن التساؤلات التي زلزلت الخطاب وشققته، يتبعها إجراء رد المتشابه المتزلزل إلى المحكم الثابت، فتخرج العلم الباطن الكامن في قلب الخطاب ليشغل سطح الخطاب ويشكل الوجه الظاهر له وإعادة تشكل مرتكزات جديدة (:جبال) تعوض عن تلك المنهارة ..

إن طرح التساؤلات على آيات الكون، وإرجاع آياته بعضها إلى بعض، يمكن أن يتلقى المتساءل الإجابات وحيا، هذا ما تشير إليه الآية: (وقال الإنسان ما لها، يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها)3-5/99، وتحويل هذه الآية في موضوعها لتتناول أرضية الخطاب القرآني، يكشف أن القرآن في ظل الممارسة التأويلية له القدرة على النطق وحيا: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، وقد حللنا هذه الآية بالصيغة التي كشفت أن القرآن له القدرة عند ردّ ما تزلزل بالتشابه إلى ما هو ثابت ومحكم يؤدي إلى نطق أرضية الخطاب وحيا تسمعه آذان العقول، وهذا الوحي ينسب إلى الله في ظل قوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك)65/39، (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا)7/42،  حيث لا يقصد بالوحي دائما النزول المباشر لجبرائيل، وإنما على وجه هو الوحي الناشئ عن العملية التأويلية التي فيها ينطق القرآن وحيا، عن طريق اقتران الآيات النظائر:  ((كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض))، كما يقول الإمام علي، وهذا النوع من الوحي قابل للاستمرار أبد الدهر ..

ثم إن القرآن القادر على النطق بامتلاكه قابلية الكلام وحيا، لهو قادر على الحكم في الاختلافات: (وأنزل معهم الكتاب [الناطق] بالحق  ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، بناء على هذا نفهم قوله تعالى: (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)6-8/99، والذي يرد بعد الحديث عن استنطاق القرآن لأرضية الخطاب وإجابة القرآن عندها وحيا: (يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها). والقرآن لما ينطق فانه نطقه بدين الحق الذي يمثل التي هي أقوم: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما)9-10/17، عندئذ فان الأمة بمختلف مذاهبها وفرقها وتوجهاتها قادرة أن تعرض اختلافاتها وعقائدها ودينها على القرآن ليروا القيمة التي يمنحها لهم، وعندها يمكن أن يكتشفوا أن القرآن في ظل التأويل يصدر أحكامه بصورة دقيقة دقة ذرية: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)7-8/99 ، كما قال تعالى: (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)49/18، حيث عندها سيكون حكم الكتاب هو حكم الله، الذي قال عن حكمه: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)47/21 ، حيث بعرض المذاهب والفرق نفسها على الكتاب تقوم قيامتها التي فيها يحكم الله عليها من خلال حكم القرآن المؤول حكما دقيقا يمثل فصل الخطاب عندما ينطق بالحق...

إن هذا النموذج في الوقت الذي يشرح منهج التأويل، في الوقت ذاته، الذي يقدم تطبيقا لقواعد المنهج، فيلعب بذلك دورا مزدوجا. فإذا تساءلت: كيف يزلزل الخطاب بالتشابه ويعاد تشكله ويعاد تثبيته على وجه باطن ينسخ الوجه الظاهر؟ تكون الإجراءات المنهجية المطبقة على سورة الزلزلة هي النموذج المجيب، حيث تساءلنا عن الآيات وأوجدنا فيها التحولات الصارفة لها على وجه أخر لم يعهد، مما يعد من الذخيرة الباطنية للخطاب والكنوز المعرفية الكامنة في أعماقه. فتمت نسف أصول تسند الوجه الظاهر المألوف، واستبدالها بأصول أخرى تعلل الوجه المستحدث..

 

 

   تاريخ النشر: 1/نوفمبر/2006