بسم الله الرحمن الرحيم

 

يتحدث القرآن عن وجود قراءتين لخطابه، قراءة غرضية تتجرد من النزاهة تحاول ان تحمل القرآن اهواء القارئ وتصوراته الخاصة، وافكاره المسبقة، في محاولة لتحريف الخطاب عن مراداته واغراضه ومقاصده ومبتغياته الى مراداتها واغرضاها وقصودها ومبتغياتها، لتوفير شرعية مفتعلة لمقاصد غير شرعية او لفهم غير سوي، وهي القراءة التي يصطلح عليها قرآنيا بالتقول تارة وبالتحريف تارة اخرى، كما يصطلح عليها التراث النبوي بالرأي تارة وبالقياس تارة أخرى، وقد يدمج العنوانين الاخيرين ليقال: قياس الرأي. وعندما يصنع القارئ غير النزيه الرؤية المتكلفة التي زوقها وزينها بايات الكتاب زورا، يستعملها في احداث فتنته التي يحاول من خلالها ركوب الموج للوصول الى مبتغاه وتحقيق أهدافه الخاصة وبهذا يجند القرآن لخدمة الفساد، وشق الصف الى مذاهب، وتهديد وحدة الأمة والمس بأمنها وسلمها الأهلي. وفي قبال هذه القراءة ثمة قراءة أخرى نزيهة، تحاول ان تستنطق القرآن، وتستكشف مقاصد الكتاب الكريم، ودلالات الوحي، ومبتغيات الآيات دون ان تتدخل للي عنق الخطاب من اجل ان يعبر عن مسبقة فكرية او فكرة خاصة او هوى غير مشبع. ثم يعطف هذا القارئ النزيه هواه وفكره على الرؤية التي نطق بها الكتاب، فيتبناها فكرا وموقفا ونهجا تصلح به الحياة، وتصان به وحدة الأمة، وتحصن امنها وسلمها الاهلي.

ويمكن الانطلاق للتعرف على تصور القرآن لهاتين القرآتين من خلال فهم الخطاب الوارد في المنهج من خلال قراءة هذا الخطاب بقراءتين، تكشف الأولى عن التصور القرآني للتأويل المحمود وتكشف الثانية عن تصوره عن التأويل المذموم، فالآية المركزية التي تتناول منهج التاويل هي الاية السابعة من سورة آل عمران: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3.

التأويل إحكاما

يمكن تصريف الوجه الظاهر في الخطاب المبحوث ليكشف عن معالم التأويل المحمود الذي يدعو اليه الكتاب، وذلك برد مقاطع الخطاب الى الآيات النظيرة المفسرة له، قبل ان نجمع الحصيلة التي تفصل الموضوع في صورة قراءات طرية:

يمكن حمل المقطع: (آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) على وجه يكشفه النظير: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)70/2، ففي الخطاب الأول فان الكتاب يتألف من ايتين هما المحكم والمتشابه، وان العلاقة بينهما هي التقابل، فوضع المحكم كاصول للكتاب والمتشابه كفروع له، في الخطاب الثاني، وضع المبين في قبال التشابه، فبني اسرائيل يطالبون ان يبين لهم ما تشابه عليهم، اي يريدون ان ينتقلوا من وضع المتشابه الى وضع المبين. فمحصلة المقارنة، انه إذا كان المتشابه وضع في قبال المحكم في الخطاب الأول، ووضع المتشابه في قبال المبين في الخطاب الثاني، فان ذلك يعني ان المحكم هو المبين. واذا كانت العلاقة بين الطرفين هي التقابل، فان بتعريف احد المتقابلين يعرف الاخر، اذ بالاضداد تعرف الاشياء. فاذا كان المحكم هو المبين، فان المتشابه هو غيره، اي غير المبين، وهذا التعريف بالمغايرة هو الذي يؤكده ويصادق عليه النظير: (مشتبها وغير متشابه)99/6. فسمى او عرف الخطاب المحكم بانه غير المتشابه، مما يعني اذا كان المحكم هو المبين فان المتشابه هو غير المبين. وبناء على ذلك يمكن فهم عبارة (آيات بينات) في الكتاب بمعنى آيات محكمات، كما في قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد)16/22. اي ايات محكمات، وقوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون)1/24. اي آيات محكمات.

كما يمكن حمل المقطع: (آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) على وجه يكشفه النظير: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)39/13. يصرف النظير وجه (المحكمات) في الخطاب الاول بـ (الثابت)، بينما يصرف (المتشابه) الى وجه هو (الممحي). فالمحكم هو الثابت معناه بينما المتشابه هو الممحي وجهه والغامضة دلالته .

أيضا يمكن حمل المقطع: (آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) على وجه يفيده النظير: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم)52/22، فيتكشف ان رد المتشابهات كفروع الى المحكمات باعتبارها الامهات والاصول نسخا، يعقبه إحكام، حيث (ثم) أداة عطف تفيد التعقيب، والإحكام هنا هو نفي للتشابه الذي يسند للشيطان كمجال للريب يستغله لالقاء آيحاته التي يثير فيها كومن النفس وهواجسها وافكارها الجاهزة غير سوية. ويمكن المصادقة على هذه الفكرة من خلال النظير: (ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)6/12، فالنظير يعنون الإحكام الذي ينتج عن النسخ بالتأويل.

كذلك يمكن حمل المقطع: (في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)، على وجه يهدي اليه النظير: (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)45/9، وهو الريب المنهجي، الناشئ عن الجهل بالموضوع، بتردده بين عدة تصورات واحتمالات، وليس هذا الريب اذا ما وقع محطا للذم. ويمكن ان يصدر مثل هذا الريب عن قلوب العارفين المفعمة بالإيمان المولدة لديهم لرقة القلوب في صورة رأفة روحمة ورهبانية، يتحدث عنها النظير: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا ... وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه (اي اتبعوا المتشابه) رأفة ورحمة ورهبانية)27/57، فالزيغ الذي في القلوب بمعنى الريب المنهجي، الذي يتولد في اطار التساؤل لفهم الفكرة وانتاج المعرفة، فيمكن ان يصدر عن قلوب كل توافق الى المعرفة لا سيما العارفين اهل الورع والاجتهاد في العبادة.

ويمكن القراءة: (في قلوبهم ريب فيتبعون ما تشابه منه)، وللتعرف على معنى التشابه نرجع الى النظير: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)23/2، فيصرف النظير وجه (تشابه) الى وجه مساوق هو (مثله)، ليكون معنى التشابه ليس هو الاشتباه، وانما هو التماثل والتناظر والتشابه. يصادق على هذا ارجاع المقطع: (فيتبعون ما تشابه منه)، الى النظير: (اتبعوا ما أنزل الله)21/31، فالاتباع يكشف النظير ضابطته: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد)23/39، فنفهم التشابه المتبع بمعنى التماثل والتناظر، باعتبار الكتاب يكرر عبارته وكلماته بصورة كبيرة، مما نشأ عن ذلك ظاهرة تناظر وتماثل آيات الخطاب لفظيا ومعنويا بصورة ملحوظة، وجدت من يلتفت اليها على امتداد التاريخ .

كذلك تفسير المقطع: (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، من خلال ملاحظة التناظر بين طرفي الخطاب في (ابتغاء) والتي تفيد ان (الفتنة) هي (التأويل)، ويحمل معنى الفتنة هنا على ما وجه يفيده النظير: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)35/21، اي ان الفتنة هي الابتلاء والاختبار. كما يمكن فهم الفتنة على ضوء النظير: (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه)11/22، فالفتنة هي تقليب القلوب، وبناء على أخذ الفتنة بمعنى التأويل، والتعويض بها عنها، نقرأ المقطع: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله  بالصورة التالية: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله وابتغاء تأويله).  ليكون المعنى ان اتباع التشابه يبتغي التأويل ثم تأويل التأويل، في عملية سبر متتابع للفكرة في عمق بطون الخطاب. كما يمكن الاستغناء عن المقطع المكرر، لنقرأ: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله). بينما بناء على اخذ الفتنة بمعنى تقليب الوجوه، فيمكن القراءة: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تقليب وجوهه وابتغاء تأويله ليكون معنى التأويل هو تقليب وجوه آيات القرآن للكشف عن دلالات الخطاب استنطاقا.

كذلك يمكن حمل المقطع: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3. فاذا قرأنا الخطاب بالفصل باعتبار ان الواو عاطفة: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)، يكون المعنى ان الله والراسخون في العلم يعلمون تأويل القرآن، يدل على ذلك ان التأويل يعرف بالثابت، الذي يعرف بالراسخ، فنعرف ان الراسخون نسبوا للرسوخ، باعتبار ان فكرهم يقوم على رد المتشابه الى المحكم لرفع صفة التشابه عن المتشابه وتثبت وترسيخ صفة المحكم له. بذلك كانوا راسخين. وبناء على ذلك يمكن القراءة بالاكمال بالنظير: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)55/5، لنقرأ المقطع: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)، بالصورة التالية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم: رسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) اي الإمام علي والأئمة من البيت النبوي. او بالكيفية التالية: (وما يعلم تأويله إلا الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون والراسخون في العلم)، ليكون الراسخون في العلم هم فقهاء الأمة من القراء وحملة القرآن، الذين هم دون الرسول وأهل البيت رسوخا، او بحذف المقطع الأخير: (وما يعلم تأويله إلا الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). ليكون المعنى ان الراسخين هم الرسول، (والمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) هو أئمة البيت النبوي، بينما القراءة بالقطع:  (والمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) اي فقهاء الأمة وقرائها، اي ان المعنى ينقلب من الخاص الى العام.

وبناء على ذلك يمكن الرجوع الى نظير الآية الوليدة لفهم معنى التأويل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم (الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) لعلمه الذين يستنبطونه منهم)83/4. لنكتشف ان الرسول واولي الأمر من البيت النبوي هم الذين يمارسون الاستنباط تأويلا، اي إن التأويل هو الاستنباط.

 بينما اذا قرأنا المقطع بالوصل باعتبار ان الواو استئنافية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)7/3. فان الراسخون في العلم يصبحون لا يعلمون التأويل، ويقتصر علم التأويل على الله، جل جلاله، وهذا المعنى ليس مطلقا، يحكم من خلاله على الله بانه هو الذي يعلم التأويل فحسب، وان الراسخون لا يعلمون التأويل مطلقا، وانما المعنى هو ما ينجم عن جمع الوجهين، باعتبار الواو عاطفة تارة مما يعني ان الراسخون في العلم يعلمون التأويل، ولكن في بعض الموارد والموضوعات قد يتشابه عليهم ايات الكتاب فلا يعلمون، وعندها يقولون كل من عند ربنا، فسمى اعترافهم بالعجز رسوخا، وعلى الفقيه الراسخ الذي تعذر عليه فهم بعض القرآن تأويلا، ان يرجع الى العالم الاكثر رسوخا، حيث الرسول وائمة البيت النبوي هم المراجع الذين لا يتعذر عليهم شيء من تأويل الكتاب، مما تحتاج اليه الأمة.

مع عدم اغفالنا بان الله استاثر ببعض العلم، فلا يعلمه سواه، ولما كان بعض ذلك العلم الذي استأثر فيه متضمن في الكتاب الذي نزل تبيانا لكل شيء، فذلك يجعل بعض القرآن مما يتعلق بذلك العلم المستأثر عند الله متعذر تأويله على غير الله، فالله يعلم تأويله والراسخون لا يعلمون، وتبعا لذلك يجري على هذا الموضع قوله تعالى، بقهم الواو باعتبارها استئتافية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)7/3..

وبناء على هذه التحولات في وجه خطاب المنهج قيد البحث: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3. يمكن التعويض في مقاطع هذا الخطاب بما يؤول اليه للوصل الى خطاب أكثر ظهورا في تعبيره عن الوجه المحمود للتاويل، ويمكن إنتاج أكثر من قراءة لهذا الخطاب بناء على تغاير التعويضات وفقا لتغاير النظائر، ولكنها كلها تؤدي الى المعنى ذاته مع اضافات تفصيلية، كالتالي:

القراءة الاولى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب متشابها مثاني آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين أوتوا العلم من قبله فيتبعون ما تشابه منه ، فينسخ التشابه ثم يحكم الله آياته، ابتغاء تأويله وابتغاء استنباط علمه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)، في هذه القراءة يمكن ان نجد تفصيل لمعالم عملية الاستنباط تأويلا، فالكتاب انزل متشابها، اي متناظرا بتماثل اياته على مستوى اللفظ تارة والمعنى تارة اخرى، وثنائيته تعنى انقسامه الى آيتين، آية محكمة وأخرى متشابهة، والمحكمات تمثل أمهات وأصول الكتاب والمتشابهات تمثل فروع الكتاب، فترد الفروع الى الاصول باقتفاء التشابه، أي التناظراللفظي والمعنوي الجامع بين الآيات القرآنية، وفي ظل هذه الرد تقلب وجوه الكتاب، أي المعاني والدلالات، فتثبت وجوه وتنسخ أخرى، في عملية تهدف لاستنباط علوم الكتاب تأويلا.

القراءة الثانية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات بينات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية فيتبعون ما تشابه منه، فينسخ التشابه ثم يحكم الله آياته، كتاب انزلناه متشابها مثاني- تقشعر منه جلود وقلوب الذين يخشون ربهم ثم تلين- ابتغاء تقليب وجوهه تأويلا وما يعلم استنباط علمه تأويلا إلا الله ورسوله والذين امنوا الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون، يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب). نجد في هذه القراءة المزيد من التفاصيل، حيث نكتشف أن لين قلوب العارفين الراسخين في علم التأويل اصحاب الرأفة والرحمة الرهبانية هو جزء من انجاح عملية سبر مكنون الخطاب تأويلا، يصادق على هذا الناتج النظير: (إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين)80/56، وخشيتهم تنسجم مع وصف الله للعلماء: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)28/35.

القراءة الثالثة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ثابتات هن أم الكتاب وأخر ممحيات فأما الذين في قلوبهم ريب فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ابتلائه وابتغاء تأويله فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب). في هذه القراءة، نجد ان الكتاب يقرأ اختبارا وابتلاء، ويشرع القرآن هذا الموقف الاختباري الذي يتوخا البرهان ويطلب الدليل تثبتا، بقوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)111/2. فبناء على ذلك، فان ادعاء محمد انه يوحى اليه - بمنظار الوسط الذي خرج فيه يوجه اليه بلاغه ويعلن فيه عن نبوته- يتطلب تقديمه برهان صدق دعواه وصدق رسالته، فقدم القرآن، فكان على الراسخين من اهل الكتاب ابتلاء واختبار القرآن تأويلا للتأكد من سلامة دعوى محمد، وهو الذي حدث بالفعل، حيث اخضع الراسخون الكتابيون القرآن للابتلاء، وكان معيار الاختبار انتفاء التناقض والتهافت والاختلاف عنه عند تدبره تأويلا: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، وقد افضى الاختبار للقرآن تأويلا، إلى إيمان الراسخين الكتابيين به، بدليل قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما)162/4، فلما عملت توظيفات أدوات التأويل على اجلاء اعجاز القرآن خر الراسخون من اهل الكتاب ساجدين: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا، ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)107-109/17.

القراءة الرابعة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب متشابها مثاني آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين أوتوا العلم من قبله فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ورسوله والذين امنوا الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون، والراسخون في العلم من قبله إذا تتلى عليهم آيات الكتاب تأويلا يخرون للأذقان سجدا، ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا،إنما يخشى الله من عباده العلماء وما يذكر إلا أولوا الألباب). ويمكن في هذه القراءة اكتشاف كيف ان الكتاب انزل متشابها، اي متناظرا، وثنائيته تعنى انقسامه الى آيتين، آية محكمة وأخرى متشابهة، وان الذين اوتوا العلم من قبل وهم اهل الكتاب يتبعون التشابه (اي التناظر) لرد المتشابه الى المحكم ابتغاء تاويله، حيث لا يعلم تأويل الكتاب الا الله ورسوله ثم الذين امنوا، اي فقهاء الأمة، (اذا ما قرأنا بالقطع)، ثم الذين امنوا الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون اي الإمام علي، الذي نزلت فيه هذه الاية، ثم الأئمة الراسخين من ولده الوارثين لعلمه، والذين تشير اليهم صيغة الجمع (الذين امنوا).

بعد رحيل الرسول، استهدف المنافقون البيت النبوي -الذي ورث الإمامة باعتبارهم الأئمة من آل ابراهيم- بانقلاب، كما تقرر ذلك الآية التالية، اذا ما فهمناها في ظل قاعدة الترتيب: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)144/3. فتقتضي هذه القاعدة، وقوع الانقلاب بعد وفاة الرسول المترددة وفاته بين الموت والاغتيال السياسي، وهو ما يحسم لغط المذاهب، فلا معقب لحكم الكتاب حول طبيعة ذلك الحدث الواقع، هل هو وراثة طبيعية للحكم ام انقلاب المنافقين.

التأويل تشبيها:

بعد إجلاء الوجه الأول للآية الذي يعرض معالم منهج التاويل المحمود، يمكن ان نعمل من خلال نظائر أخرى، على الكشف عن الوجه الثاني، الذي يكشف معالم التأويل المذموم للخطاب القرآني: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3.

ولانحتاج الى الكثير من التأويل، كي نكتشف التأويل المذموم، فيكفينا ان ننظر في المقطع: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة)، فالذين في قلوبهم زيغ، في هذا الوجه، هم المنافقون لقوله تعالى: (ياقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين)5/61، ولتحديد هوية الفاسقين نرجع الى النظير: (إن المنافقين هم الفاسقون)67/9، ثم يوضح الله طبيعة ذلك الريب من خلال النظير: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون(...) ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم، يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين، ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم، يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون)45-64/9. فيتضح ان قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ)، مؤول بالمقطع: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)، فالذين ارتابوا ليس هم الذي اقتصر ريبهم على وجه الآية المتردد بين عدة وجوه، وانما الذين ارتابوا بالله والرسول، اي في الدين، ارتياب لم يتحرروا منه بإعمال التأويل، باعتبار القوم لا يفقهون: (لكن المنافقين لا يفقهون)7/63، او لا يكادون يفقهون: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)78/4.

يصادق على ذلك قول الله تعالى:  (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون، ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون)6/21 ، وما يكمل معنى الاية النظير: (قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)44/12، وتبعا لذلك يمكن القراءة تأويلا: (بل قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون، ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون). وبناء على ذلك، لم يؤمنوا بالكتاب ولا برسالة الرسول، ولا بالاسلام، لذلك انتقدهم الله بالقول: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم)23-25/47، فهم غير قادرين على التدبر، باعتبار ان قلوبهم مقفلة، وهم الذين ارتدوا على ادبارهم عندما اضمروا الكفر وظهروا الإيمان: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون)167/3، وحذروا من القرآن المتحرك تأويلا، ان ينزل فيهم سورة تنبأهم بما في قلوبهم، وهم الذين قادوا الانقلاب بعد الرسول فصادروا التأويل حربا، وفجر الإمام علي بالرد عليهم حروبا، اشتهرت بحروب التأويل، تنبأ بها الرسول، عندما قال: (والذي نفسي بيده! إن فيكم لرجلا يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت المشركين على تنزيله وهم يشهدون أن لا إله إلا الله فيكبر قتلهم على الناس يطعنون على ولى الله تعالى ويسخطون عمله كما سخط موسى أمر السفينة والغلام والجدار، فكان ذلك كله رضي الله تعالى)( كنز العمال :ج 11/613)، فهدفت حروب التأويل الى انتشال التأويل من المصادرة والتجهيل الذي تمارسه اتجاهه الانظمة الانقلابية.

وفي هذا السياق، يمكن فهم المقطع: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة)، ان التشابه لا يعنى التماثل القرآني، وانما المتشابه الغامض الدلالة المتردد بين الوجوه،  او المتشابه الذي يشبه فيه الباطل الحق، الذي يتبعه المنافقون ليلتبسوا فيه فيحملوا المتشابه على الوجه الذي يشرعن باطلهم، ويثني على رموزهم، كما نجد في كثير من تأويلات الايات، التي يغص بها تراث المذاهب الضالة عن هداها، حيث فيها تصرف الآيات القرآنية عن وجوهها الى وجوه باطله تبتغي الثناء على المنافقين والانقلابيين، من الذين اصطلح عليهم الكتاب بالشياطين تارة: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)14/2. وبالمجرمين تارة أخرى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين، المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون، وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم)65-68/9. (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)145/4. وهم الذين قرؤوا اية منهج التأويل قراءة متشابهة، في اطار حملة المنع من تأويل القرآن، فارادوا الترويج لسياستهم المعادية للقرآن، والتي تقوم على فكرة ان التأويل لا يعلمه الا الله، وبذلك يجهلون به منهجا، فلا توظف قواعده في تحريك مكونات الخطاب القرآني واثارة علمه، الذي يكشف عن نفاقهم وكفرهم ومكرهم، وهو ما يقرره قوله تعالى: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون)45-64/9.

فالقرآن انزل على سبعة احرف، اي وجوه، ويمكن بالتأويل الكشف عن تلك الوجوه، التي فيها يتعدد نزول الخطاب القرآني ليقرآ على قراءات يحذرها المنافقون.. لانها تسلبهم شرعية وجودهم في السلطة، وتعطي الشرعية للبيت النبوي، وأولهم الإمام علي. لذلك اعتبر التأويل عند المذاهب الموالية للانقلابيين بانه بدعة وضرب من الزندقة، وتعدي على حق من حقوق الله، التي اختص بها، بقصرهم علم التأويل على الله. بينما الله حذر الأمة من خداع المنافقين هذا، كما حذرها من اعطائهم الولاء وتوعدهم بشديد العذاب: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا، ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا، إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا)145/4. ولكن لقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي، فاتبعت الأمة المنافقين على اثر من مضى، وجرى قوله تعالى:  (رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا)22/71، يدل على ذلك تفرق الأمة الى فرق تعبير عن جنوحها عن الصراط: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق: (فتضل) بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)153/6. لقد كان سبيل الله هو الذي تستنبط معالمه تأويلا، بمرجعية الراسخين من أئمة البيت النبوي الذين اورثهم الله علم التأويل: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)32/35. وفي هذا الصدد ورد عن أنس بن مالك ان الرسول (ص) قال: (يا علي! تعلم الناس تأويل القرآن بما لا يعلمون فقال على: ما أبلغ رسالتك بعدك يا رسول الله؟! قال: تخبر الناس بما أشكل عليهم من تأويل القرآن) (بحارالأنوار: 23/195). فكان المشهد الفقهي بعد الرسول كما وصف: (انتهى العلم إلى ثلاثة عالم بالشام، وعالم بالمدينة، وعالم بالعراق؛ عالم الكوفة ابن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، وعالم المدينة علي بن أبي طالب، فإذا التقوا سال عالم الشام عالم العراق، وسأل عالم العراق عالم المدينة، ولم يسألهم) (ابن عساكر، تاريخ دمشق، 42/410) لقد كان علي إمام الأمة التي يحتاج فقهاؤها إليه ولا يحتاج اليهم، فهو مستغنيا عنهم، كما استغنى الرسول من قبل، وبه تستمر الإمامة في ذرية آل ابراهيم بتتابعها في الأئمة من آل محمد، الذين قرنهم الرسول بذاته، باعتبارهم أئمة من ذرية مصطفاة بعضها من بعض، وأمر الأمة كافة بالصلاة عليهم، فيما عرفت بالصلوات الابراهيمية: (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم، انك حميد مجيد).

الخلاصة

ان القرآن بين طريقتين لفهم مقاصده والتعرف على معارفه وكشف علومه، الأولى تقوم على عطف آيات القرآن بعضها على بعض استنطاقا، لينطق بعضه ببعض تأويلا، وهو المنهج المحمود. وهناك طريقة أخرى، تقوم على عطف القرآن على الافكار الخاصة رأيا، وتفسيره بأمثال الذاكرة تحريفا، وهو ما يؤدي الى التأويل المذموم، الذي في ظله يمنع القرآن من النطق كتما، يقول عنها تعالى: (لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)71/3، فالحق هو القرآن: (بالحق أنزلناه وبالحق نزل)105/17، والباطل هو الرأي الشخصي الذي يكبت المنافقون به القرآن حذرا من نطقه: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون)167/3. ويقارن الإمام علي بين هاتين الطريقتين: (يعطف الهوى على الهدى، اذا عطف الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن اذا عطف القرآن على الرأي)، هذا الفرق بين فقيه التأويل وفقيه الرأي، فقيه الإسلام وفقيه الجاهلية. ولقد انتصرت الطريقة الثانية التي شاعت بين الفرق والمذاهب - منذ قرون- عندما عطفت المذاهب القرآن على آرائها لتشرعنها افتراء، فحمّلوا الكتاب والسنة النبوية بغيهم وتقولوا على الله والرسول كذبا، فويل للذين تقوّلوا من عذاب يوم عظيم، حيث جزاء التقول، بدأ بالتكفير المتبادل بين الفرق وانتهى بالذبح المتبادل، وهو تجلي للانذار: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين، وإنه لتذكرة للمتقين، وإنا لنعلم أن منكم مكذبين، وإنه لحسرة على الكافرين، وإنه لحق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم)44-52/69.

 

   تاريخ النشر: 1/يوليو/2006