|
المنهج
في مسرح الرمز القرآني
للقران القدرة في ظل التأويل على إحالة الفكرة المجردة إلى صورة حسية وإحالة المعنويات إلى مجسمات شاخصة، فترى تلك الصورة المجردة وقد دبت فيها الحياة وأصبحت نابضة، ويُسخِّر القران كل مظاهر الوجود ومفردات عالم الحس في سبيل تحويل المجرد والمعنوي إلى محسوس ليعطي انطباعا بان للمجرد قوة المحسوس، فيعزز أثره في النفس والفكر، فتشترك الحواس في لحظِة، وتنفعل النفس به، ويعاينه العقل بعد ذلك. وبهذا يتضاعف تأثير المجرد في صيغته الحسية، والتي لا يمكن أن تمنح له لو اقتصر على محل الإدراك العقلي الصرف، وبذلك يعيش القارئ من خلال تقمص المجرد للمحسوس مسرحية قرآنية مثيرة، خشبة مسرحها العالم المادي، الذي أنزلت إليه الفكرة المجردة عبر سيناريو تشترك في تنفيذه وتمثيله كوكبة من نجوم الطبيعة وإبطالها، الأرض والسماء، الشمس والقمر، والليل والنهار، المطر والزرع، إلى غير ذلك من ممثلي مسرح الوجود الرمزي، الذي ليس له مثيل يبلغ درجته في الفن المسرحي المعاصر. وفي ظل هذا المسرح الرمزي نكتشف أن الخطاب القرآني استطاع أن ينزل فكرة التأويل النظرية بصفتها المنهجية في صورة حسية ليحيلها إلى مسرحية تمثلها مظاهر الوجود والحياة، وبحركتها الطبيعية التلقائية العفوية لا بحركة مفتعلة، فالقران في خطابه هو آيات، ويعتبر الوجود هو الأخر امتدادا لذلك النسق القرآني في آياته، لذلك يطلق على ظواهر الكون بأنها (آيات): (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر، بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الريح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات)164/2، فالآيات المشار إليها هي الآيات الكونية، أي الظواهر، ويمكن أن نفهمها بوجه باطني بمعنى آيات القرآن، ولما كانت آيات القران لا تتحرك إلا في الإطار الذي يتحدد وينضبط بقواعد منهج التأويل، فإننا ينبغي أن نلمح التأويل يتجلى في حركة الآيات الكونية تلك، لنعيش مسرحية مثيرة. المشهد الأول : آيتا الليل والنهاريسند القران في المشهد الأول من المسرحية البطولة إلى ثائي الليل والنهار، فلنتابع هذا الثنائي وهو يتحرك على خشبة المسرح القرآني الرمزي، حركة تمتلك كل عناصر وشروط الفن المسرحي في أعلى وأرقى صوره، ليفهمنا فكرة المنهج التأويلي، لنكتشف كم هذا الثنائي ماهر في تمثيل الدور المناط به، حيث بحركته الفطرية والعفوية المألوفة عنه سنجد أمرا غير مألوف يعبر عن الفكرة التأويلية في مسرحية طبيعية مثيرة وممتعة في بعدها الفني، المتخفي والمستتر وراء الألفة. يبدأ المشهد الأول بتوزيع الأدوار، من خلال قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17، فالليل والنهار في تسمية النص القرآني هما آيتان، ولما هما كذلك فان حركتهما يمكن أن تمثل حركة آيتي القرآن، فالآية المحكمة، التي يبصر الفكر دلالاتها، بمثابة آية النهار المبصرة، التي يبصر في ظرفها الأشياء تحت أشعة شمسها، والآية المتشابهة التي يتخبط الفكر ويتحير في دلالتها، وفي تحديد وجهها، بمثابة آية الليل الممحية بحندسها الدامس، الذي يتخبط الإنسان في ظلامها الداكن. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فان رمزية الليل والنهار، المتعينة في التشابه والإحكام، تسري على الخطاب النبوي، بدليل قوله: (والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس، إنه لقول رسول كريم)17-19/81، فهذا النص يتقدم بذكر الليل والنهار، ثم يُعرف الليل والنهار بأنهما قول الرسول، أي أن أقوال الرسول تنقسم إلى متشابهات (:الليل) وأُخر محكمات (النهار: الصبح)، ويصادق على هذا التقسيم القرآني، قول الإمام علي(ع): ((إن أمر الرسول مثل القرآن [...] محكم ومتشابه))(*). ويتتابع المشهد الأول مع ثنائي الليل/النهار الذي يمثل المحكم/المتشابه، وذلك في إطار قانون الزوجية الكوني: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)49/51، أي لما كان كل شيء خلق زوجين، فان ذلك يطرد على الخطاب اللغوي الذي يتألف هو الأخر من هذه الزوجية فينقسم زوجين، هما المحكم/المتشابه. ولما كانت العلاقة الزوجية هو ما يقصه قوله: (زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)3/13، وغشيان الليل والنهار يأتي في إطار العلاقة الزوجية القائمة بينهما، وهي العلاقة المعبرة عن افتقار الزوج إلى زوجه، وهو الافتقار الذي يتجلى في ميل ذاتي في طرفي الزوجية إلى القلق والاضطراب نتيجة انعزالهما، وهو القلق والاضطراب الذي يحقق مفهوم التشابه، وهو الذي ينزع بكل منهما إلى التخلص منه بطلب الأخر: (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا)54/7، ناشدين بذلك الطلب الحثيث إحراز السكينة والاستقرار: (أزواجا لتسكنوا إليها)21/30، وهو الاستقرار الذي يحقق مفهوم الإحكام، وهذا النزوع إلى الاستقرار بين طرفي العلاقة الزوجية هو الذي يعلل طلب الزوج لزوجه، وطلب الليل للنهار، وطلب المتشابه للمحكم، فبالتحاق الأول بالثاني يبطل التشابه، وينسخ الاضطراب، ويعفى على قلق المعاني، ويثبت وجه الآية، وتستقر دلالتها، ويحكم معناها. لقد عبر الليل والنهار فيما تقدم عن مفهومي المحكم والمتشابه من خلال الوضوح والغموض، فكان الليل يرمز إلى المتشابه، والنهار يرمز إلى المحكم، بينما في تبادل الأدوار، يمكن أن يعبر الليل عن المحكم والنهار عن المتشابه، فيكون المحكم بمثابة الليل لما يتميز به الليل من سكينة واستقرار تنشأ عن توقف نشاط الأحياء بالنوم: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه)67/10، بذلك يتحقق في رمزية (الليل) مفهوم الإحكام الذي يُعرف بالثبات والسكينة، وفي المقابل يكون المتشابه بمثابة النهار لما يمتاز به النهار من اضطراب بما يشهده من حركة ونشاط وانتشار: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا)47/25، وبذلك يتحقق في رمزية (النهار) مفهوم التشابه الذي يفيد الاضطراب، وهو ما يقابل مفهوم المحكم الذي يفيد الثبات، فغشيان الليل للنهار: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا)54/7، تعبير عما يطرأ على دلالة الآية المضطربة من استقرار وثبات بالتحاقها بالآية المحكمة تارة، وتعبير عما يطرأ على تلك الدلالة من اضطراب وتشابه والتباس تارة أخرى. بناء على إمكانية تبادل الأدوار بين الليل والنهار على أساس من هذا الفهم النسبي الذي فيه يترادف (الليل) تارة مع مفهوم التشابه وتارة أخرى مع مفهوم الإحكام، وكذلك الحال بالنسبة لـ (النهار)، إذ يترادف تارة مع مفهوم التشابه لما يترادف الليل مع مفهوم الإحكام، وتارة أخرى يترادف مع مفهوم الإحكام لما يترادف الليل مع مفهوم التشابه. ويكمل التصور الذي فيه تنزع الآية إلى الالتحاق بالآية الأخرى لكي تمنحها السكينة، من خلال تراكب التصور الذي فيه يتضح الأثر الذي يتركه انكسار العلاقة الزوجية، يقول تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون)37/36، فانسلاخ النهار عن الليل تعبير عن انسلاخ صفة الإحكام عن الآية، مما يحولها إلى عنوان التشابه، لتعود الآية كالحة كالليل ممحية الوجه والدلالة، ونجد هذا المعنى في الامتداد من قوله : (يغشي الليل النهار)54/7، التي تتكامل مع قوله: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون)9/36، حيث غشيان الليل النهار ينتج عنه عدم القدرة على الإبصار، الذي يفقد دوره إذا ما حل الظلام، وإذا ساد التشابه فان العقل يكون حينها غير قادر على الإبصار، فالبصر يعبر به تارة عن العقل، كما في قوله: (إن في ذلك لعبرة لأولي الإبصار)، ويعبر به تارة أخرى عن العين الباصرة كما في قوله: (لهم أعين يبصرون بها)195/7. وإذا ما أخذنا الليل بمعنى الإحكام والنهار بمعنى التشابه: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون)37/36، فان انسلاخ النهار عن الليل تعني انفصال صفة التشابه عنه، فنفهم النتيجة في خاتمة الآية: (فإذا هم مظلمون)، بمعنى فإذا هم ساكنون، استنادا للنظير: (وجعل الليل[: الظلام] سكنا)96/6، حيث السكينة والاستقرار تعبير عن الإحكام، ويصبح قوله: (يغشي الليل النهار)54/7، التي تتكامل مع قوله تعالى: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)11/8، فغشيان الليل للنهار في دائرة الفكر هو غشيان الأمن والسكينة اللذين يعبران عن الوصول إلى الحق واستقرار الفكر وسكينة البال وثبات القلب والأقدام، بنسخ التشابه الذي يزرعه الشيطان في الفكر وتحقيق الإحكام، يصادق على ذلك قوله تعالى: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم)52/22... إن تخبط الإدراك عند نظره في الآية المتشابهة بانسلاخها عن الآية المحكمة، التي أشارت إليها الآية: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون)37/36، هو الذي تتابع الحديث عنه الآية التالية: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين)175/7، فالمتشابه هو الذي يتبعه الشيطان: (شياطين الإنس والجن)112/6، فقوله (فاتبعه الشيطان)، الضمير في اتبعه يؤول إلى قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)7/3، ليتبين أن الشيطان مؤول بالذي في قلبه زيغ، فهو كالسارق الذي يستغل ظلمة المتشابه وليله ليحقق من خلاله ما يبتغيه من مآرب ومسوغات ومغانم فكرية مشبوهة يصطلح عليها الخطاب القرآني بالفتنة: (ابتغاء الفتنة)، وهي الفتنة التي تتابع عنها الآية الحديث: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد)53/22، لتوضح أن هذه الشبهات التي يحققها مرضى القلوب، تؤدي إلى افتتان البعض وضلالهم، وتتطور في حدوث الاختلاف والانشقاق، وهو العامل الذي يمثل جذر نشأت الفرق والمذاهب والانشقاقات. ويتتابع المشهد الأول مع قوله: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الإبصار)44/24، إن الآية تصرح أن عملية تقليب الآيات هي عملية عبور من الآيات المتشابهات إلى الأخر المحكمات، فالعبرة مشتقة من العبور والاعتبار، التي ترد في قوله: (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون، قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)43-44/12، فيتضح من النص أن الاعتبار هو الاسم المرادف للتأويل، وهذا العبور هو الذي يؤدي إلى نظم الآيات ليخلف بعضها بعضا: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر)62/25، وفي دلالة هذه الآية تأكيد على إلحاق الآيات ببعضها باعتبارها فروع وأصول، فلابد لاستقراء التماثل أن يعتمد هذه الخلفية في عملية الإنتاج القرآني، حتى لا يقع البحث في تراكم المتماثلات والمتشابهات التي تفتقد إلى وضوح العلاقة النسخية فيما بينها، ما يؤدي إلى تولد الشبهات وانسداد الآفاق على الفكر ووقوع حالة الافتتان، فإلحاق الآيات في إطار المنهجية التأويلية ليست هي عملية جمع نظيرين، وإلحاق شبيهين ببعضهما فحسب، بل هي أيضا عملية إرجاع المتشابه إلى محكمه، والفرع إلى أصله، والمنسوخ إلى ناسخه. ما يؤدي إلى حدوث سلسلة تتعاقب فيها الآيات، فتتجلى ابرز خصائصها في كونها بناء يتصف باليقين في ترابطه الذي يعبر عن حقيقة تتصل بحقل من حقول المعرفة. هذا ما يدل عليه خاتمة النص المتقدم، الذي جعل خلافة الليل النهار هي عملية تذكر: (... لمن أراد أن يذكر)62/25، والتذكر تعبير عن التفكير: (إنما يتذكر أولوا الألباب)19/13. وبالمقارنة مع قوله الآنف: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)44/24، يتبين أن التفكير هو العملية التي فيها تنبعث الذاكرة بالتذكر فتجمع المتماثلات إلى بعضها وتحدث عملية عبور من ذكرى إلى أخرى، فهي عملية تقليب للآيات، الليلية والنهارية: (يقلب الله الليل والنهار)، وهذا التقليب هو تقليب للوجوه: (يوم تقلب وجوههم)66/33، وهي عملية امتحان وافتتان للآية موضوع النظر التي تعلق بها التفكير: (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه)11/22 .. وعودا على بدء، نتابع ما يتمخض عن زوجية الخطاب المتجلية في زوجي المحكم/المتشابه: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)49/51، فالغشيان التلاقحي في إطار الزوجين الذكر والأنثى يفضي ببروز ظاهرة التوالد والإنتاج: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين)189/7، إلا إن عملية التزاوج التي هي فعل منتج على الصعيد الكوني عامة، وغير مقتصر على الإطار الأحيائي، فتزاوج آيات الخطاب القرآني، ينتج ذات ظاهرة الولادة المترتبة على الغشيان التلاقحي بين الذكر والأنثى، بتوالد الآيات وإنتاج الأفكار المستحدثة والوجوه المستجدة: (زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)3/13، وهذا الغشيان التلاقحي المنتج هو الذي يخصص فكرته اختلاف الآيات بمعنى تعاقبها: (إن في اختلاف الليل والنهار لآيات)6/10، فالاختلاف نفهمه تارة بمعنى التعاقب وتارة أخرى بمعنى أن تحل آية محل آية كما يخلف الليل النهار أو العكس، فتعاقب أو اختلاف الآيات ينتج آيات جديدة باعتبار تأويل الأحاديث أو الآيات هي عملية منهجية قائمة على اجرائين : الأول/ كسر سلطة الخطاب الناسخة بإحداث اقتطاعات وفواصل في الخطاب ينتج عنها تولد وجوه، يسهم في تشكلها اقتفاء أثر التماثل في إطار (المثل دليل على شبهه)، الذي يقود إلى نظائر وأشباه متناثرة هنا وهناك على مساحة السور القرآنية، تبين ما ينبغي أن تتعرض إليه من اقتطاع، عن هذه العملية يقول تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات)19/34. فتفكيك الخطاب ينتج عنه وجوه وآيات ... الثاني/ بعث سلطة الخطاب بدلالة التناظر أيضا لتحدث تواصلا بين آيات ومقاطع مبعثرة يجمعها التماثل، الذي يدل على انتماءاتها الجديدة والمستحدثة، فتلحق ببعضها لإحداث تأليف محدثا يكشف عن وجوه مستحدثة: (فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث)44/23. فإتباع الأبعاض والاقتطاعات الممزقة ينتج وجوه آيات جديدة وغير مألوفة أو معهودة.. فهذان الإجراءان؛ إجراء الفصل (:التمزيق/التفكيك) وإجراء الوصل (:الإتباع/ التركيب) هما الركيزتان اللتان تقوم عليهما عملية التأويل، وهي العملية ذاتها المعبر عنها تراثيا بـ (( قراءة بعض القران في بعض))، وتأكيدا للغشيان التلاقحي بين زوجي الخطاب، الليل والنهار، وما ينطوي عليه من تداخل يقول تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)29/31، فعملية إيلاج الذكر في الأنثى هي عملية تلابس، طبقا لقوله: (نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)187/2، وهذا التلابس التزاوجي هو فعل منتج على الصعيد الكوني عامة، وغير مقتصر على الإطار الأحيائي، فإمكانية التلابس (:الإيلاج) بين زوجي الخطاب المرموز إليهما بالليل والنهار نجده في قوله: (وجعلنا الليل لباسا)10/78، وهو ما يخولنا النظر إلى تلابس الذكر والأنثى بأنه تلابس لليل والنهار في قوله: (نسائكم [: لياليكم] هن لباس لكم وأنتم [كنُهر] لباس لهن)187/2، كما يمكن اعتبار تلابس الذكر والأنثى يعبر عنه بصورة رمزية إيلاج النهار في الليل: (يولج الليل [:الذكر] في النهار [:الأنثى] ويولج النهار [: الأنثى] في الليل [:الذكر])29/31، فيتمخض عن التلابس والتوالج التلاقحي بين الآيات الليلية والنهارية من الخطاب القرآني إنتاج وتوالد الآيات القرآنية ذات الوجوه المستحدثة التي تقدم الفكر والمعرفة، وهذا الإمكان من التوالد والإنتاج المتاح ما يبرهن على عدم نفادية علم الكتاب، وعلى استيعابه وشموله، فلا مجال لمصادرة اللاتناهي واللاحصرية التي هي معلم مهم من معالم الكتاب، وعمود ارتكازي تقوم عليه صفة خلوده وصلاحيته ومعاصرته وحياته في كل زمان ومكان. ويعزو القران هذه الممارسة التذكرية لأولي الفكر، حيث يؤول قوله: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر)62/25، إلى النظير: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)7-8/3، وعملية نظم الآيات هي عملية تكفلها قواعد التأويل، وتنتج اللاتناهي القرآني: (ما نفدت كلمات ربي)27/31، نستدل على ذلك بقوله: (والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن)20/73، فعملية التقدير للموقع الذي تنزل فيه آية الليل منزلتها من آية النهار،(قدرناه منازل)، قائمة كما لاحظنا في السطور الماضية على أساس من إلحاق الآية الفرع بالأخرى الأصل بالاعتماد على دلالة التماثل اللفظي أو التوافق المعنوي. أيضا تقدير منازل الآيات من بعضها تنسب إلى الله، (والله يقدر ..)، فالتماثل القرآني هو الذي يملي على المؤول اتجاه البحث وتراكب الآيات، فالقران أو قل الله، جل جلاله، هو الذي يهندس البناء النظري، وهو الذي يصمم تراكب مكوناته في تعاقبها، وليس الراسخ في العلم إلا وسيطا يقوم بدور تنفيذي لإملاءات القران التي هي إملاءات الله، فالقران في نطق بعضه ببعض تأويلا: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، يعبر عن نطق الله ووحيه: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا)51/42، فالله يتكلم مع الراسخ عن طريق القران وحيا . يضاف إلى ذلك إن الآية الآنفة: (يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه)20/73، تكشف أن عملية إنزال الآيات تأويلا تنتج اللاتناهي القرآني، وهو اللاتناهي واللا نفادية المشار إليها في:(علم إلا تحصوه) والتي يفسرها قوله: (وكل شيء أحصيناه كتابا)29/78، (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)49/18، فمهما قمنا بالعملية التأويلية المتلخصة في إحكام الآيات وإنتاج المعارف والعلوم والرؤى والأفكار المتعلقة بشتى مجالات الحياة، بواسطة عمليات الإحكام تلك، فإنها غير قادرة على استنفاد أو استنزاف علم القرآن، فـ (علم أن لا تحصوه) هي الخلاصة المعبر عنها بالصورة التمثيلية: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18. ثم بالرجوع إلى الآيات التي تتحدث من الهدف الذي توخته حركة الرسل والمتجوهر في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أي من الليل إلى النهار، أي هي العملية ذاتها التي تم شرحها، حيث يتم إخراج فكر البشرية من التشابه إلى الإحكام، من الريب الملازم للتشابه إلى اليقين الملازم للإحكام، من الجهل المرافق للتشابه إلى العلم المرافق للإحكام، من الكفر المصاحب للتشابه إلى الإيمان المصاحب للإحكام ... بهذا ينسدل الستار على المشهد الأول من المسرحية القرآنية مع خاتمة محملة بالكثير مما يقال، مما يمكن أن يستأنف بحثه في فصول أخرى .
|