إن ما ينتج عن ممارسة التأويل من لذة ملاقحة آيات
الخطاب فيما بينها- يجدها الممارس في فكره ويحسها فورة في مشاعره، تسري
في عروقه وتملي عليه روحه، وتسكنه بحبوحة جنة أرضية سماوية- من شأنها
أن تجعل القرآن فردوسا ممتعا، فلا تضاهيه متعة المأكل والمشرب والجنس
اشد متع الحياة فورة وافتكها سطوة لاسيما في استتباعها لإرادة الإنسان،
فكيف ذلك؟!
في القرآن حديث عن مشهد المتعة واللذة القائم بين الذكر والأنثى ،
فيؤسس الظاهر القرآني مطالع لمشاهد يمكن تفصيلها بالمتابعة التأويلية،
كما في هذين المطلعين: (وعندهم قاصرات الطرف عين، كأنهن بيض مكنون،
فأقبل بعضهم على بعض)48-50/37، وفي مطلع آخر: (مما يشتهون ... حور عين،
كأمثال اللؤلؤ المكنون)21-23/56. نظم الخطاب ينسخ الوجه الظاهر لـ (حور
العين) لما يحكمه في وجه باطن يتحدد في (اللؤلؤ المكنون)، أو (البيض
المكنون)، يضاف إلى ذلك، ان في كلتا الآيتين تأسيسا لمشهد تتظاهر فيه
الرغبة، فيه حورية مشتهاة هي بمثابة اللؤلؤة أو البيضة المكنونة في
حسنها، تقبل على صاحبها ويقبل عليها: (فأقبل بعضهم على بعض)، ثم يدع
القرآن الكلام تعففا عن متابعة المشهد تصريحا، فالأمر يعلم بالفطرة،
هذا المشهد ذاته يتداخل فيه القرآن عندما يحيلنا التناظر لذلك،
فقوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين،
كأنهن بيض مكنون، فأقبل بعضهم على بعض)48-50/37، مؤول بالنظير:
(إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل
من رب العالمين)77-80/56، فـ(الحورية) (اللؤلؤة) (البيضة) تصرف إلى وجه
باطن هو (القرآن)، فالقرآن يحل محل الحورية، ويُكوّن مشهد الشهوة
والإمتاع والرغبة حاضرة من خلال الحديث عن المس، حيث المقطع: (كتاب
مكنون، لا يمسه)، يحيلنا إلى النظير: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم
المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة
تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا)49/33، والى النظير: (قالت رب
أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر)47/3، (وإن كنتم (...)
لامستم النساء فلم تجدوا ماء ...) 43/4، فالمس أو اللمس تعبير مهذب
عن فعل التزاوج والنكاح بين الجنسين.
بناء على ما تقدم، نستنتج أن القرآن تظاهر بصورة حورية واعتبر إعمال
الفكر فيه بمثابة المس أو اللمس لتلك الحورية الحسناء، التي يضاهي
جمالها جمال اللؤلؤة أو البيضة المكنونة.
والسؤال الذي يتظاهر: كيف يكون مس الفكر للقرآن المكنون يضاهي مس
النساء؟ والجواب يهدف إلى معرفة كيف تكون المتعة الناتجة عن
مس الذكر للزوجة متحققة في مس الفكر للكتاب تأويلا. وفي هذا جواب ضمني
عن السؤالين: كيف يمكن تحويل متعة الجسد إلى متعة للفكر؟. وهل المتعة
واللذة الجسدية المتظاهرة في النكاح في حقيقتها هي متعة الدماغ والفكر؟
.
للتعرف على ما تقدم من سؤال رئيس، وما يترتب عليه من أسئلة فرعية،
علينا أن نفهم المشهد التفصيلي لمس الذكر للأنثى، الذي يورده
الله بصورة تعبر عن الحياء العظيم الذي يتخلق به الله، وهو ما
يمكن التعبير عنه بالغيرة، كما في الحديث: (انَّ اللَّهَ غَيُورٌ
يُحِبُّ كُلَّ غَيُورٍ)(الكليني، الكافي:536) ،
وذلك لما يحيل العلاقة بين الآية المتشابهة والآية المحكمة إلى علاقة
بين الذكر والأنثى من ناحية الممارسة الزوجية، ويطرح ذلك في إطار رمزي،
بطبيعة الحال، كترجمة لصفة الغيرة والحياء، عندما يقول تعالى: (وجعلنا
الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17،
فالليل والنهار في تسمية الخطاب القرآني هما آيتان، ولما هما كذلك فان
حركتهما يمكن ان تمثل حركة آيات القرآن، المنقسمة إلى محكمة ومتشابهة،
فالآية المحكمة بمثابة آية النهار مبصرة يبصر الإنسان في ظرفها الأشياء
تحت أشعة شمسها، والآية المتشابهة بمثابة آية الليل، آية ممحية بحندسها
الدامس، يتخبط الفكر ويتحير في دلالتها كما يتخبط الإنسان في ظلام
الليل الداكن مصطدما بالأشياء.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن الانطلاق في بحث مشهد العلاقة الجنسية
بين الذكر والأنثى في صورتها الرمزية من خلال النظير: (خلق لكم من
أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها)21/30، فسميت الزوجة بـ (السكن)،
وهذا يقودنا إلى النظير: (جعل لكم من الليل سكنا)96/6، حيث سمي
الليل هو الأخر بـ(السكن)، مما يعني ان الزوجة مؤولة بالليل. يعزز ذلك،
ان الله وصف العلاقة الزوجية بين الذكر والأنثى بالتلابس، فالرجل لباس
المرأة، والمرأة لباس الرجل: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس
لكم وأنتم لباس لهن)187/2
، ثم من جهة أخرى، عبر عن علاقة الليل بالنهار بأنها علاقة تلابس،
فالليل لباس يغطي النهار، والنهار لباس يغطي الليل: (وهو الذي جعل لكم
الليل لباسا)47/25.
بناء على ذلك، إذا رجعنا إلى قوله تعالى: (يولج النهار في الليل)6/57،
فإذا كان الليل رمز الزوج الأنثى، فان النهار رمز للزوج الذكر، على ضوء
المقابلة بين (الذكر والانثى)45/53، فنقرأ بالتعويض: يولج الذكر في
الأنثى، وهو ما يعبر عنه بالغشيان في النظير المصادق: (زوجين
اثنين يغشي الليل النهار)3/13. ويكمل هذا السياق الأخير النظير
الذي يتحدث عما ينجم عن الغشيان من حمل وولادة: (وجعل منها زوجها
ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما
أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين)189/7.
فعلاقة الاغشاء بين الليل والنهار التي تحكي بصورة رمزية إغشاءة الذكر
للأنثى، وهي الرمزية ذاتها التي تحكي التأويل باعتباره الواقع المنهجي المنظم
العلاقة بين طرفي الخطاب المتشابه والمحكم، حيث قوله: (هو الذي جعل لكم
الليل لتسكنوا فيه)67/10، يتناول (الليل) رمز المحكم عندما يُعرف بالثبات والسكينة، وفي المقابل
هناك (النهار) رمز المتشابه لما يمتاز به النهار من اضطراب بما يشهده من حركة ونشاط
وانتشار: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار
نشورا)47/25، وبذلك يتحقق في رمزية (النهار) مفهوم التشابه الذي يُعرّف
بالمضطرب، (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون)37/36،
فانسلاخ النهار عن الليل تعبير عن انسلاخ صفة الإحكام عن الآية، مما
يحولها إلى عنوان التشابه، لتعود الآية كالحة كالليل ممحية الوجه
والدلالة، ونجد هذا المعنى في الامتداد من قوله: (يغشي الليل
النهار)54/7، الذي يتكامل مع النظير: (فأغشيناهم فهم لا
يبصرون)9/36، فاغشاء الليل للنهار ينجم عنها احتجاب الأبصار، بمعنى
العين تارة، وبمعنى الفكر تارة أخرى.
هذا باختصار بعض المشاهد المعبرة
عن الليل والنهار في تمثيلهم الرمزي للمنهج، والذي يمكن ان يقرأ
بالتفصيل في بحث قادم: (المنهج في مسرحية رمزية).
من خلال هذه المقارنة يمكن ان ندرك تشبيه الكتاب خطابه بالحورية،
وتشبيه عملية مس القرآن بمثابة مس تلك الحورية، في إحداث المتعة
والشهوة التي تضاهي المتعة الناتجة عن تزاوج الذكر بالأنثى. فالعقل
الذي يمارس المزاوجة بين زوجي المتشابه المحكم، وما ينتج عنها من سكينة
ورحمة: (خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها)21/30، يعني إن
الالتقاء التزاوجي بين الجنسين هو صورة عن الالتقاء التزاوجي بين
المتشابه المحكم، وإذا كانت الأولى عملية جسدية تختزن لذة الجسد وشهوة
الغريزة، كما يبدو من خلال فهم ظاهر لممارسة الجنس، فان الثانية هي
عملية فكرية تختزن شهوة الفكر ولذة الروح، وان كانت المتعة واللذة
والشهوة تتوج كلتا العمليتين، فان الثانية أكثر تجريدا من الأولى،
والإمتاع الفكري أشد من الإمتاع الجسدي، والإمتاع النفسي اشد من
الإمتاع المادي، (إنما يتذكر أولوا الألباب).
وعن هذه المتعة الفكرية التي تنجم عن ممارسة تأويل الكتاب، يقول
الحديث: (من انس بتلاوة القرآن لم يستوحش بفراق الأخوان)، باعتبار أن
انس متعة لقاء الإخوان تنتج عن تزاوج الأفكار تأويلا، وأنس المتعة في
تلاوة القرآن، تنتج عن تزاوج الآيات تأويلا، فالعلمية متكافئة، ويمكن
لذلك تعويض أحداهما عن الأخرى. وكلا المشهدين كمن أهديت إليه زوجه
واشتغل بها، فلم يستوحش بمفارقة الإخوان، فهذه علاقة مكافئة ثالثة.
بهذه المقارنة، نكتشف مصدر بعض الأحكام الفقهية التي تتعلق بمس القرآن
كما تتعلق بمس الزوج، فهي مشتركة بين المشهدين، أي ان الحكم الذي يجري
على مس النساء هو ذاته يجري على مس القرآن، باعتبار ان هذا يؤول بذاك،
فمن المستحبات ان يتطهر الإنسان قبل مس زوجه، هذا الإجراء ذاته يجري
على القرآن، بلحاظ أن وجه من وجوه القرآن الزوجة، وبلحاظ ان إيلاج
المتشابه بالمحكم، هو مس يشبه إيلاج الذكر في الأنثى مساً، وكما ان مس
النساء ينتهي بواجب التطهر ذات الأمر يجري على القرآن، حيث يتوجب تطهير
النفس:
(وما
جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان؛ زيادة في هدى أو
نقصان من عمى، ...، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم،
فإن فيه شفاء من أكبر الداء؛
وهو الكفر والنفاق والغي والضلال، فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه)
(المجلسي، بحار الأنوار: 89/23).فالامر يبدأ بالمطالبة بالتطهر
قبل المس وبعد الانتهاء من المس يتوجب التطهر أيضا.
ولمتابعة هذا الفردوس الذي يمثله القرآن، وما يحوي من
ملذات ومتع لا تخطر بالبال، ولم يفطن لها إلا الألباب، يمكن إن نرجع
إلى النظير: (وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور
عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون)16-24/56، المؤول
بالنظير: (أم لكم كتاب فيه تدرسون، إن لكم فيه لما تخيرون)37-38/68،
فيصرف النظير وجه (الفاكهة) إلى وجه آخر هو (آيات القرآن). فالتخير بين
موضوعات القرآن أيها يقتات عليها الفكر، يضاهي التخير بين فواكه الجنة.
وإذا رجعنا إلى قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح
فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين)22/15،
مؤول بالنظير: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)2/12،
ينسخ النظير وجه (الماء النازل) بوجه باطن هو (القرآن النازل). فتبعا
لذلك، فان القرآن يتحول إلى مخزون ماء له طعم الحياة، نسقى من معينه
فنحيا، مما يعني ان استنباط علوم القرآن تأويلا، هي عملية حفر في أرضية
الخطاب، للكشف عن خزائن الأرض من ماء الحياة: (قال اجعلني على خزائن
الأرض إني حفيظ عليم)55/12، لاسيما إذا عرفنا ان الاستنباط لفظة
يستعملها العرب للدلالة على حفر الآبار، فيقولون عن حفر البئر:
(استنبطها) (استنبط الماء)، أي شق الأرض بحفره عميقا لاستخراج الماء،
فاستنباط علوم القرآن هي عملية تقليب لوجوه أرضية الخطاب، للوصول إلى
الأعماق العميقة التي تنطوي على مخزون المعارف والعلوم القرآنية
باعتبارها هي الماء الذي يحيا به الفكر الإنساني، وتزدهر به الحياة على
ظهر الكوكب. هذه السقيا من جملة ملاذ الجنان، كما في الوصف: (ويسقون
فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا، عينا فيها تسمى سلسبيلا، ويطوف عليهم
ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا، وإذا رأيت ثم رأيت نعيما
وملكا كبيرا)17-20/76..
فهل خطر ببال القارئ ان يجد مثل هذا البحث الذي يتناول متعة الفكر
القرآني التي تضاهي اشد متع الحياة ضراوة الأكل والشرب والجنس،
يتناولها القرآن بهذه الطريقة، وبهذا التفصيل، وبهذا الترتيب الذي فيه
يتعدى حكم المثل الى نظيره لتنشأ الأحكام المشتركة بينها. ثم يكتشف
القارئ كيف أن متعة الفكر التي يحققها القرآن ههنا هي أعمق وألذ من
متعة الجسد. إنها صورة من صور الإعجاز القرآني الذي لا تنقضي عجائبه،
ولا تفنى غرائبه، ولا يشبع منه العلماء ولا يمل منه الفقهاء، أولئك
الراسخون في علم التأويل الذين عاشوا في صدر الإسلام، والذين نكتشف سر
تلهفهم على قراءة القرآن- (كان يختم احدهم القرآن مرة في اليوم
والليلة)- مما مكن الكثير منهم من حفظه واستظهاره، فنكتشف ان في
خلفيتهم اللذة التي تعتريهم فتستعجلهم في قراءة سوره تباعا، وتلاوة
آياته استرسالا، دون أن ينال منهم الملل أو ينقض عزائمهم السأم، لقد
كانت قراءتهم تأويلا، تتبع الأمثال، وتلاقح بين الآيات، لتنتج العلوم
والمعارف المختلفة في لذة غامرة وسعادة أبدية غير منقضية. لقد كان
السر: كيف يملّ ويسأم من يتعاطى ملاذ الفردوس القرآني جنة الله على
الأرض؟!.
|
 |
تاريخ النشر: 3/فبراير/2006 |