|
التصريف: علم الفقه والأستنباط عندما نعرف التأويل بعلم تصريف الوجوه، فان المبحث يكتسب اهميته من قول الرسول في حديث أَبي الدَّرْداءِ: (لا تَفْقَهُ حتى تَرَى للقرآن وُجُوهاً) أَي تَرَى له مَعَانيَ يحتملها. فما التصريف الا عملية الكشف عن الوجوه، فان ندرك معنى التصريف اي ان ندرك الكيفية التي بها نستكشف وجوه القرآن، وهو ما يحقق الفقه، ويؤكد هذا المعنى القرآن في قوله تعالى: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)65/6. فالتصريف للقرآن هو فقه استنباط علم القرآن. وعند تحري التراث القرآني الأول نجد الحديث مطولا عن ظاهرة البحث عن وجوه الموضوع، قيد النظر، عند فقهاء صدر الإسلام وفقهاء البيت النبوي، مثل الإمام علي، وهنا نموذجان يهدفان إعطاء لمحة، عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ: وأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ مَعَايِشِ الْخَلْقِ وأَسْبَابِهَا فَقَدْ أَعْلَمَنَا سُبْحَانَهُ ذَلِكَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ؛ وَجْهِ الْإِمَارَةِ ووَجْهِ الْعِمَارَةِ ووَجْهِ الْإِجَارَةِ ووَجْهِ التِّجَارَةِ ووَجْهِ الصَّدَقَاتِ، فَأَمَّا وَجْهُ الْإِمَارَةِ، فَقَوْلُهُ: (واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينِ)، فَجُعِلَ لِلَّهِ خُمُسُ الْغَنَائِمِ والْخُمُسُ يُخْرَجُ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ مِنَ الْغَنَائِمِ الَّتِي يُصِيبُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ومِنَ الْمَعَادِنِ ومِنَ الْكُنُوزِ ومِنَ الْغَوْصِ)(وسائل الشيعة: 2/489). وفي خبر اخر، عن فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الإمام الصادق(ع )عَنِ الْجِهَادِ أَ سُنَّةٌ هُوَ أَمْ فَرِيضَةٌ؟ فَقَالَ: الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: فَجِهَادَانِ فَرْضٌ، وجِهَادٌ سُنَّةٌ لَا تُقَامُ إِلَّا مَعَ الْفَرْضِ، وجِهَادٌ سُنَّةٌ، فَأَمَّا أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ فَمُجَاهَدَةُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ، وهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ، ومُجَاهَدَةُ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فَرْضٌ. وأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَا يُقَامُ إِلَّا مَعَ فَرْضٍ، فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ولَوْ تَرَكُوا الْجِهَادَ لَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ. وهَذَا هُوَ مِنْ عَذَابِ الْأُمَّةِ وهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَحْدَهُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَدُوَّ مَعَ الْأُمَّةِ فَيُجَاهِدَهُمْ. وأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ؛ فَكُلُّ سُنَّةٍ أَقَامَهَا الرَّجُلُ وجَاهَدَ فِي إِقَامَتِهَا وبُلُوغِهَا وإِحْيَائِهَا فَالْعَمَلُ والسَّعْيُ فِيهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا إِحْيَاءُ سُنَّةٍ وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) (وسائل الشيعة:5/24). والسؤال: كيف يوصف القرآن عملية تصريف وجوه آيات القرآن؟ لنفهم ابعاد هذا التصور القرآني من خلال الخطابات القرآنية، فقوله تعالى: (فما تستطيعون صرفا)19/25، مؤول بالنظير: (لا يستطيعون حيلة)98/4، او بالنظير: (فلا يستطيعون سبيلا)48/17. ينسخ النظير وجه (صرف) الى وجه (حيلة ) (سبيل) اي طريقة، مما يعني ان الصرف هو الحيلة والطريقة، بمعنى الوسيلة الى غاية. يصادق على ذلك النظير المعنوي: (وابتغوا إليه الوسيلة)35/5، المؤول بالنظير: (وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، فينسخ النظير وجه (الوسيلة: الحيلة: الطريقة)، بوجه اخر هو (التأويل)، مما يعني ان التصريف هو الوسيلة التي بها تؤول الآيات على وجوه كثيرة... فاذا ما تابعنا البحث عن معنى (صرف) نرجع الى قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار)47/7، مؤول بالنظير: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)22/28، فيكشف النظير ان الانصراف بابصارهم الى اصحاب النار هو توجهها، ليكون المعنى: "واذا توجهت أبصارهم تلقاء أصحاب النار"، اي ان صرف تأتي بمعنى توجه. فاذا ما فهمنا البصر ليس بمعنى حاسة الأبصار، وانما بمعنى العقل، لتسمية الله العقل بصرا في قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، اي يا أولي العقول، فهذا يعني ان التأويل او الأعتبار هو علم التصريف الذي في ظله تتوجه العقول من معنى الى اخر، ومن وجه الى وجه اخر، فهو علم توجيه المعنى والتحول بالوجوه .. ولكي يقرب القرآن معنى (التصريف) يضع الفكرة المجردة في المزيد من الصور الحسية، كما في قوله تعالى: (وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون)5/45، فالتصريف الفكري يشبه تصريف الرياح عندما تتحول من اتجاه الى آخر: (شرقية، غربية، جنوبية، شمالية، جنوبية شرقية، شمالية شرقية، جنوبية غربية، شمالية غربية)، انها الاتجاهات التي تضاهي امكانية تصريف المعنى في اتجاهات شتى. وبناء على هذا، فان قدرة الكتاب على احتمال المعاني - المصطلح عليها بـالوجوه- تقع خارج إطار النفاد وتنطلق من قوله تعالى: (في هذا القرآن من كل مثل)89/17، الى درجة القول: (ما نفدت كلمات الله -(اي امثال الله)- إن الله عزيز حكيم)27/31. ففي القرآن من كل مثل، أي فيه حكم لكل شيء، فما من شيء الا وله مثل في القرآن، ولما كانت الأشياء تأخذ حكم أمثالها فان القرآن قادر على القضاء والفصل في كل شيء، مهما تغايرت العصور وتطور الزمان واستحدثت الاشياء، وهذا ما عبر عنه سادس أوصياء الرسول الإمام الصادق عندما قال: (كتاب الله يحتمل كل شيء). كذلك فان قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار)47/7، مؤول بالنظير: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)15/10، فينسخ النظير وجه (صرف) بوجه اخر هو (بدّل)، فانصرف عن وجهته اي بدل وجهته. فاذا تصورنا هذا المعنى عن علم التصريف في الخطاب القرآني فان التبديل في مكونات الخطاب القرآني ينفي الرسول عنه الاعتباطية، عندما يسنده الى الوحي، الذي يفهم بوجه من الوجوه، بالوحي الاشاري الذي يتولد عن رد النظير الى النظير، الذي يقول عنه الإمام علي: (كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض)، وهو ما نفعله في هذا العرض الذي فيه ينطق النظير من خلال نظيره وحيا، فـ (صرف) تؤول الى (توجه) تارة، والى (بدّل) تارة اخرى. فما نمارسه اقتداء بنهج الرسول الاكرم (ص)، فنحن نصرف الكلمة إبدلا الى ما توؤل إليه بوحي التناظر، الذي فيه يملى الخطاب القرآني على الخطاب النظير تجاه الصرف والإبدال، وشعارنا: (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). والذي يدل على نظام التماثل الهادي في عملية الاستنطاق ارجاع قوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا)89/17، الى النظير: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون)58-59/30، فينسخ النظير وجه (صرف المثل) الى وجه آخر هو (ضرب المثل). فالتصريف هو عملية ضرب المثل، فيها يرجع الخطاب الى الخطاب النظير، والمثل الى شبهه، الذي يقاس عليه فيحدد اتجاه الصرف ومنحى التوجيه ووجه الابدال. الا ان الموقف من التأويل الوسيلة المنهجية لعلم تصريف الوجوه، وما يتمخض عنه ضرب المثل من نتاج يتمثل في نظم آيات القرآن وانتاج الأحاديث هو ما تصرخ به خاتمة الخطابين المتقدمين: (... فأبى أكثر الناس إلا كفورا)، (... ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون). مما يعني ان عملية التصريف التي جاءت لتثري الناس فقها وفهما، تعمل بالنسبة لاخرين على اضلالهم، وعن ذلك يقول تعالى: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)65/6، قال (لعل) باعتبار ان التصريف قد يقود الى الضلال كما في قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون)127/9. لذلك قيل: تأوّل فلان الخطاب على غير تأويله، تأول فأخطأ، مما يعني ان الفكر يمكن ان يؤول موضوع النظر بصورة سليمة أو بصورة خاطئة. أيضا يصادق على ذلك النظير: (انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون)46/6، فما انتجت عملية التصريف الا الصدود والصدوف، فانصرفوا عن الحق الى الضلال: (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنا تصرفون، كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون)32-33/10. فلم يزدهم القرآن النازل ولا تصريف آياته الا طغيانا: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا)64/5. لقد صادر الصراع في تاريخ المذاهب والفرق علم التأويل، علم تصريف وجوه الخطاب، فلم يعد في المشهد الفرقي من ينطبق عليه قول الرسول(ص): (لا تَفْقَهُ حتى تَرَى للقرآن وُجُوهاً)، ولا من يعرف بشارة وصف الخطاب القرآني بالبيان الشامل عندما قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)89/16. لقد اصبح الكتاب معمى في أيدي عميان، يزعمون الفقه الإسلامي دون دليل..
التصريف: زوجا الخطاب المنتجان
لقد خلق الله من كل شيء زوجين: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)49/51، ويجري هذا القانون على الخطاب، الذي يتألف من زوجين: آية متشابه وآية محكمة. ولما كانت العلاقة بين الزوجين هي علاقة منتجية من خلال الغشيان، كما يقول تعالى: (زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)3/13، فان ما ينتج عن غشيان الزوج لزوجه هو الولد، كما يوصفه قوله: (خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين)189/7. كذلك فان ذلك يجري في إطار الخطاب فتزاوج المتشابه مع المحكم يؤدي الى انتاج آيات محدثة، شكلت ظاهرة القراءات في صدر الإسلام... واذا ما انتقلنا الى المشهد كما ترسمه المعاجم، نكتشف ان طلب انثى الدابة للفحل، يجعل العرب يطلقون عليها اسم(صارف)، وهذا التشبيه يوضح ان العلاقة بين الكلمات في ظل علم التصريف هي علاقة الانثى بالفحل، فالكلمات تتزاوج لتنشئ انساقا، يتولد منها المعاني والافكار، فمبدأ الزوجية لا يقتصر على المجال الاحيائي، وانما يطرد في كل شيء، فالخطاب يتكون من المتشابه والمحكم زوجين اثنين، ينتج عن تزواجهما خطابات جديدة وافكار محدثة. وفي مشهد آخر، نجد ان (صريف الباب) اي صريره، تعبير اخر، يوضع في سلة معاني الصرف، فالصريف ينتج عند اضطراب الباب وفقده للثبات، كما يشبه الباب بصريفه انثى الدابة بصريفها، فشق الباب يطلب شقه وزوجه الاخر الذي يمنحه الثبات عند التقائهما وتداخلهما بإحكام وتراص. وهو ما يعبر عن المتشابه الفكري الذي في ظله يتردد الفكر كما يتردد صرير الباب في عصف الريح مما يتبعها طلب صاحب البيت انهاء الوضع بالإحكام وطلب صاحب الفكرة انهاء الوضع بالإحكام.
التصريف: الإبدال في مكونات الخطاب ان عملية التصريف هي عملية الإبدال التي تعمل على ايجاد التحولات في الخطاب من خلال املاء النظير على النظير حركة التغيير، وهذا ما يؤدي الى ظاهرة غياب آيات وظهور أخرى. فاذا قلنا ان التصريف قد يؤدي الى الضلال، بمعنى إساءة الفهم والوقوع في الخطأ، فان الضلال هنا يمكن ان يفهم بمعنى ضياع آية بعد تعرضها للتحولات تصريفا، وهو معنى الضلال الذي يحكيه قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد)10/32، فالضلال هنا انحلال جثمان الميت واستوائه جزءا من تراب الارض، فالتصريف الفكري ينطوي على عملية التحليل تلك كما ينطوي على عملية تركيب تلك المكونات من جديد. وعن عملية الانحلال والتحلل يقول تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، درست اي محيت، فالتصريف ينسخ الآية ويحولها من طور الى اخر، بحيث تصبح خلقا آخر، وهو ما عرف في التراث الإسلامي بـ (نسخ التلاوة). كما ان التصريف بعد ان يحلل الآية يعيد تخليقها من جديد، فالتصريف هو العامل الذي يجري على سكان الخطاب الموت والإحياء .. إلا أن ما يتبع الإندراس هو البيان: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، فعلى سبيل المثال، ان ارجاع قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار)47/7، إلى النظير: (ولما توجه تلقاء مدين)22/28، دلّ التناظر على ان (صرف) تأتي بمعنى (توجه)، مما يعني ان الخطابين النظيرين بينهما علاقة تصريف، تخولنا ان نرفع كلمة (صرف) من الخطاب الأول وابدالها بـ (توجه) في الخطاب الثاني، او العكس، لنقرأ تصريفا: "وإذا توجهت أبصارهم تلقاء أصحاب النار" ، "ولما انصرف تلقاء مدين"، بهذه الخطوة التصريفية يمكن القول ان قراءة اندرست وقراءة اخرى تبينت او بعثت او تولدت.. لقد كانت القراءة الأولى (واذا انصرفت .. ولما توجه ..) بينما في القراءة الثانية: (اذا توجهت .. ولما انصرف ...). هذا معنى الاندراس والتبين الذي يعبر عن ضياع قراءة وإيجاد أخرى. لقد انصرفت الكلمة من التشابه الى الإحكام.
التصريف: مكر الفكر وكيد الكلمات ان الانصراف هو عملية منهجية مخططة، فوظيفة القلوب التصرف، كما يقول تعالى: (صرفت أبصارهم)47/7، وهو ما يؤول بالنظير: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، اي أن التصريف هو الاعتبار، فيمكن على ضوء ذلك ان نقرأ: "صرفت أبصارهم اعتبارا"، "فاعتبروا يا أولي الأبصار تصريفا"، ففي ظل هذه العملية ينصرف الفكر من وجه الى آخر، ويعبر العقل من ظاهر الى باطن، إلا ان ذلك التصريف مخطط، يصطلح عليها القرآن بـ (الكيد، او المكر) فالفكر يتحول بالكلمة على ضوء ايحاءات النظائر من كيد الى مكر تأويلا: (تصرف .. كيدهن)33/12. واذا ما اعتبرنا ان الخطاب بمثابة الارض، وان الرواسي فيها التي تمدها بالثبات والاستقرار كي لا تميد، هي الآيات المحكمات وغيرها متشابهات، فان الكيد اعتبارا هو الذي يعمل على نسف ثوابت الخطاب (المحكمات) ويعيد تشكيل الارض وفق ثوابت اخرى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)46/14 . وللمصادقة على معالم مشهد التصريف باعتباره طريقة ووسيلة منهجية في فقه الخطاب، يمكن ان نتابع ارجاع قوله: (فما تستطيعون صرفا)19/25، الى النظير: (فلا يستطيعون توصية)50/36، أي ان الصرف يؤدي الى توليد التوصيات بشأن النظير المراد تأويله، كما ان الرجوع الى النظير: (فلا يستطيعون ردها)40/21، يكشف ان التصريف هو عملية رد وارجاع، فيها يرد المتشابه الى المحكم، واذا رجعنا الى النظير: (لا يستطيع أن يمل)282/2. يكشف ان التصريف هو عملية الميل بالكلمة لتصورها من خلال نظائرها، وهو ما يدل عليه النظير: (لا يستطيعون ضربا)273/2. اي ضرب المثل، الذي يقود الى نشوء مخطط وكيد ومكر آخر، فيه تنسف ثوابت وتقام ثوابت أخرى لخطاب جديد: (وضربنا لكم الأمثال، وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)45-46/14. اننا نفهم هذا الخطاب في اطار شرح فكرة التصريف المنهجية، التي عملت على الانصراف من الوجه الظاهر الذي يتناول الرسل الذين ضربوا الأمثال لأقوامهم الظالمة التي مكرت بهم، إلى وجه باطن يتحدث عن ان مكر الفكر المصرف عندما يضرب مثل الخطاب ليعمل على نسف معالم وجه وقراءة ظاهرة وتشكيل معالم وجه وقراءة محدثة .. ويبقى الفكر الذي يتصور انه مكر بالكلمات ففجر ينابيعها الفكرية التي تروي عطشه كباحث عن الحقيقة، يكتشف بعد فترة ان الكلمات التي مكر بها، مكرت به عن طريق وجوه اخرى لم يلتفت اليها، ارتكازا على أن امكانية التصريف لا متناهية، والخطاب مهما أحكمناه في وجوه، تبقى مكنوناته من الوجوه امكانية متفجرة غير محصورة. فان يتوقف التصريف الفكري عند وجوه مكتفيا، فان قابلية التصريف التي توحي بها الكلمات لا تتوقف. التصريف: والقلق المعرفي ولما يوضع التصريف في قبال الثبات، كما في الحديث: (يا مصرف القلوب ثبت قلبي)، يوضع المتشابه المعرف بالمضطرب في قبال الإحكام. من هذا نستنتج، أن تصريف القلوب هو عملية انصراف الفكر من وجه الى وجه والانقلاب من حالة الى حالة، وتتسم حركة الفكرة حينذاك بالاضطراب، الذي يتجلى في النفس في صورة قلق معرفي، يتمثل في مرحلة انتقالية بين التشابه والإحكام، تنتهي عندما تبدأ عملية النسخ تضع اوزارها ويستقر الفكر على تصور ثابت يتصف بالإحكام. ان منشأ القلق يبدأ مع عقد المقارنات التي فيها يتصور المثل من خلال شبهه، فيضيع الموضوع قيد البحث امتزاجا، قبل ان يعاد تحريره من براثن المزج، بفصله من خلال فك المثل عن شبهه، بعد ان يعطيه بعض صفاته اشتقاقا، يعبر عن ذلك تعريف المعاجم اللغوية للتصريف بانه عملية اشتقاق بالقول: (التصريف: اشتقاق بعض من بعض)، وعندها يتم تمحض موضوع البحث، لذلك يعرف الصرف بالخلو من الشوب، فيقال: ( شَرابٌ صِرْفٌ؛ أَي بَحْتٌ لم يُمْزَجْ)، مما يعني ان التشبيه مزج مؤقت، ثم ينظر الى الموضوع بعيد عن شبهه، اي باعتباره صرف لم يمتزج بما مثل به.
فائض القيمة: متوخى المفكر والناقد تصريفا ان عملية تصريف الوجوه، كما هي وسيلة لاستنباط العلم والمعرفة، هي من جهة اخرى وسيلة للنقد المؤدي الى تشخيص الحق من الباطل. أي أن التصريف كما يؤسس العقول المفكرة، فينتج المفكر، كذلك هو يؤسس للعقول الناقدة، فينتج الناقد. ان تعريف التصريف بالميل يعبر عن امكانية ازاحة مكونات الخطاب عن معانيها الظاهرة لتفيد معاني ووجوه باطنة مساوقة. كما تزاح العملة في عملية الصرف الى العملات المساوقة، من درهم الى جنيه الى ريال ... وان الغاية المتوخاة من عملية تصريف العملة هو تحصيل فاضل وفائض القيمة، التي تعبر عن الفرق بين العملة والأخرى. كذلك الأمر في إطار الخطاب، فالتحوّل من الكلمة الى مثلها تتوخى جمع فاضل وفائض القيمة المعلوماتية، التي تعبر عن الفرق بين الكلمة والاخرى، من اجل تحصيل المعطيات العلمية المبحوثة وجمع الثروة الفكرية ... فكما ان فاضل وفائض القيمة المختفية في حركة تبادل المال، يمكن ان تتظاهر فتؤسس مهنة الصرافة، فان على مستوى تصريف الحديث نتوصل الى المحصل ذاته، فعندما نطلق كلمة صيارفة في اطار علم الخطاب فذلك يشير الى المفكرين والمحللين والنقاد الذين يصرفون الكلام وينتقدوه، ففي الحديث عن الرسول(ص): (من طَلَبَ صَرْفَ الحديثِ يَبْتَغِي به إقبالَ وجوهِ الناسِ إليه)؛ أُخِذَ من صَرفِ الدراهمِ؛ والصرفُ: الفضل، يقال: لهذا صرْفٌ على هذا أَي فضلُ)(*)؛ فالانتاج او النقد الفكري ناتج عن الكشف عن القيمة المختفية في ظاهر الكلام، والتعرف على الابعاد الخفية التي يؤول اليها ظهور كلام المتكلم والتي تمثل غايات كلامه ومراميه التي يتوخاها، والتي يصطلح عليها بـ (البطون)، وفي هذا الصدد ورد عن عن حكيم الإسلام الإمام علي قوله(ع): (أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة؟!) (والمعنى كأن الإمام (ع) قال لسدير: ما لك ولقول الحسن البصري، أ ما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة الكلام ونقدة الأقاويل؟! فانتقدوا ما قرع أسماعهم فاتبعوا الحق، ورفضوا الباطل، ولم يسمعوا ما في أهل الضلال، وأكاذيب رهط السفاهة، فأنت أيضا كن صيرفيا لما يبلغك من الأقاويل، ناقدا منتقدا آخذا بالحق رافضا للباطل، وليس المراد أنهم كانوا صيارفة الدراهم، كما هو المتبادر إلى بعض الأوهام، لأنهم كانوا فتية من أشراف الروم مع عظم شأنهم وكبر خطرهم). التصريف: النبوءة بالمستقبل
وتسمي العرب الليل والنهار بـ (الصَّرْفانِ: الليلُ والنهارُ). ( لسان العرب: 9/189)، ولما يشبه الخطاب القرآني المحكم والمتشابه آيتي الخطاب بالليل والنهار: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ... وكل شيء فصلناه تفصيلا)12/17، يمكننا ان نرسم معالم مشهد عميق، فكما ان الصرفان الليل والنهار ينتج عن جريانهما كل احداث الزمن الكوني، فان بجريان الصرفان ليل ونهار الخطاب المحكم والمتشابه، ينتج التوصيف لاحداث الزمان. مما يعني ان القرآن يقوم مقام المرآة العاكسة لأحداث الكون، فهو بمثابة البلورة في عالم النبوءة. وهذا ما يجعل القرآن بمثابة نموذج مصغر للكون، وميزة هذا النموذج، انه يقع تحت سيطرة الانسان، فالانسان قادر على تحريك ليل ونهار الخطاب القرآني، بتحريك المتشابه والمحكم، الى الأمام فيستطلع ما سيقع في المستقبل او الى الوراء ليتعرف على ما وقع في الماضي، وعن هذا يتحدث الخبر عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الإمام محمد بن علي الباقر(ع) قَالَ: (تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ؛ مِنْهُ مَا كَانَ ومِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ تَعْرِفُهُ الْأَئِمَّةُ)(وسائل الشيعة: 13/ 197). ان التأويل باعتباره علم تصريف الخطاب هو الذي يخول المسلم تفصيل القرآن على وجوه، بها يظهر وقائع احداث الحياة بصورة مثيرة للغاية ... ________________ (*) اطلق الرسول على فقه الكلام اسم (صرف الحديث)، ولم يعب الفقه انما عاب الغاية التي يتوخاها، اي عاب الفقيه اذا ما توخى بفقهه صرف وجوه الناس طلبا للوجاهة، ونصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، مما يعبر عن تورط الموقف في النفاق والرياء والتصنع والتكلف والله (لا يحب المتكلفين).
|