عندما قال تعالى: (في
هذا القرآن من كل مثل)89/17، رفع هذه الآية شعارا، في ظله استحالت أمثال
الكتاب إلى رموز، قادرة أن تعبر برمزيتها المفتوحة عن كل
الدلالات ولتمثل كل أشياء الوجود بصورة مطلقة، فعبارة في القرآن من كل مثل يراد من
هذا العبارة المعنى بحذافيره، فهي لا تنطوي على مبالغة خطابية يضخم معها المعنى
على حساب الحقيقة، بل أريد من المعنى الظاهر إن يمثل الحقيقة كل الحقيقة، دون
مواربة أو مقاربة أو مبالغة، وإنما كلمة علمية جادة وصريحة. وهو الفهم الذي أدركه
أئمة التأويل في التاريخ الإسلامي، عندما قال صادقهم:
(كتاب
الله
يحتمل كل شيء)،
وأضاف موضحا ما يترتب على هذا الاحتمال من علم غير متناه:
«إني أعلم ما في السموات، وما في الأرض، ومن في الجنة، ومن في النار، وما كان وما
يكون وما هو كائن، وحين عظم ذلك على سامعيه، قال إن الله يقول: (أنزلنا عليك الكتاب
تبيانا لكل شيء)89/16» (محمد الصفار، بصائر الدرجات، 194)،
إن سعة احتمال الآية القرآنية من المعاني غير المحدودة، (مع لفت الانتباه أن
مفهوم الآية يصدق على مكونات الخطاب كافة: العبارة، الكلمة، حرف الهجاء، علامة
الشكل، وعلامة الاعجام). هذه السعة الاحتمالية لم تعد عند المتأخرين قابلة للتصور،
ووقعت خارج إطار التعقل منذ ألقي بالأمة في متاهة حقبة الاختلاف المذهبية، التي ساد
فيها التفكير الظاهري- أواخر القرن الثالث الهجري- وتجلت مذاك ظاهرة هجر القرآن
عندها ضاع شعار (في
هذا القرآن من كل مثل)، وصودر المعنى لصالح الفكر الظاهري الذي قيد دلالة هذه الآية
القرآنية، واعتبر المعنى الأولي الظاهر -الذي يبشر بالسعة غير المحددة للمثل
القرآني، التي تحمل اللا تناهي في حمولتها واللانفادية في جعبتها- اعتبرها ضربا من
المبالغة الكلامية...
ولعقلنة ما ترتب على أن يكون في القرآن من كل مثل، ينبغي معرفة أن القرآن جاء ليكون
مرآة ينعكس على سطحها الواقع الخارجي، لتكون بينهما علاقة تبادلية، فآيات الواقع
تعبر عن آيات القرآن، وآيات القرآن تعبر عن آيات الواقع، وان العلامات تتصرف، كما
تتصرف مكونات الواقع، فكما نحول العملة من صورة إلى أخرى، دينار، لدولار، لجنيه، أو
نبدل العملة إلى قيمة مساوية تمثلها مواد غذائية أو خدمات طبية أو خدمات تعليمية،
تشترى من خلال دفع تلك العملة، وقيمة تقدم في قبال قيمة مساوية، كذلك فان الآيات
القرآنية تتبدل فيما بينها تتصرف وتتحول من صورة إلى أخرى، ومن وجه إلى وجه
...
وتستند عملية التصريف إلى منطق التماثل، انطلاقا من أن (المثل) كلمة تسوية، فهذا
مثل هذا، أي يساويه، فقوله تعالى: (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة)، فهذا الخطاب يعتمد
على كلمة (مثل): (مثل كلمة...) و(كاف التشبيه): (كشجرة)، للإعراب عن التساوي القائم بين (الكلمة)
و(الشجرة)، فالمثل دليل على شبهه. وبناء على ذلك، يمكن التعويض محل الشجرة بالكلمة، والعكس. فقوله تعالى:
(ويا
آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من
الظالمين)19/7، فإذا قرأنا بالتعويض: (لا تقربا هذه الكلمة فتكونا من الظالمين)،
فان كلمة المنهي عن الاقتراب إليها تتضمن كل نواهي الكتاب، باعتباره دستورا، فكما إن الكلمة عندما
تتصرف تولد بالتداعي تأويلا كلمات لا تنفد، فان ذلك يعبر عن أن الشجرة ما هي إلا
ميثاق يحتوي على توصيات تأمر وتنهي، وان اختراق تلك
التوصيات ومخالفتها هو اختراق للميثاق والعهد، يصدق على ذلك قوله تعالى: (ولقد
عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما)115/20...
فقوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)19/7، مؤول بالنظير:
(تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون)187/2،
يصرف النظير الوجه الظاهر (الشجرة) إلى وجه آخر هو (حدود الله). فالشجرة هي كلمات
من جهة، ومن جهة أخرى هي حدود الله، وتشريعاته، اومره ونواهيه، حلاله وحرامه، مما يجعل محصل الوجهين يفيد أن
الشجرة هي كلمات تتناول حدود الله، ولما كانت الكلمات تنقسم إلى كلمتين (كلمة طيبة)
وأخرى (كلمة خبيثة)، فان ذلك يؤول إلى النظير: (ويحل لهم الطيبات
ويحرم عليهم الخبائث)157/7. فالكلمة الطيبة هي تلك الكلمة المتعلقة بتحليل
الطيبات والكلمة الخبيثة هي الكلمة التي تتعلق بتحريم الخبائث..
مما يعني إن الشجرة تتصرف إلى كلمات تمثل وثيقة تحتوي على توصيات واوامر
ونواهي الكتاب، وان هذا العهد الذي عاش في ظله آدم حياة كاملة في عالم الروح، لم
يخترق مرة واحدة، بل اخترق مرات كثيرة ... وما الأكل من الشجرة إلا تعبير عن خرق من
الخروقات، وخطيئة من الخطايا، تذكر على سبيل المثال. فقوله تعالى: (ولقد
عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما)115/20. وهذا ياتي في
سياق قوله في ابناء آدم: (وما
وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)102/7 . فلم يكن ذكر
خطيئة الأكل من الشجرة الا على سبيل الرمز، وهو يشبه الحديث الذي يصف امرأة دخلت
النار لحبسها قطة حتى ماتت، فهي لم تطعمها ولم تطلقا فتمكنها من الأكل من خشاش
الارض. فهذا لا يعني ان ذلك هو الذنب الوحيد الذي أخذت به تلك المرأة، وانما هذا
الذنب هو رمز يعبر عن قسوة المرأة، ولو اتيح المجال لاستقرأء حياة تلك المرأة
لاطلعنا على الكثير من التجارب والسلوكيات العدوانية والغلظة التي تطبع شخصية تلك
المراة وتعبر عن خلوها من الرحمة، مما يعني ان قصتها مع القطة، ما هي الا مثالا من
الامثال يضرب ليعبر عن طبيعة تلك المرأة القاسية، فقس على ذلك: (وضربنا
لكم الأمثال)45/14 ..
وبناء على ذلك، فان عقب انتهاء حياة آدم في ذلك العالم وحلول أجله، قامت قيامته(من مات قامت قيامته)
فحكم عليه بكونه ظالما: (وكان
عهد الله مسئولا)15/33، فعوقب بالهبوط إلى عالم الدنيا: (قالا
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قال اهبطوا بعضكم
لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)23-24/7، ليعيش تجربة الشقاء بعد السعادة: (فقلنا
يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)117/20. فالشقاء كان سمة
للحياة على ظهر الأرض، بينما كانت السعادة هي سمة الحياة في عالم الأرواح ...
***** ****** ******
فيتضح ان القرآن فيما يتعلق بمسالة الخلق عرض خطابين، الخطاب الاول تحدث فيه عن بدء
الخلق عن تطور: (وقد خلقكم أطوارا)14/71، حيث الخلق هنا لا يتعلق بوجه واحد يفيد
تطور الجنين في بطن امه، او تطور الانسان بعد الخروج من بطن امه، وانما هناك بعد
اولي يحكي تطور الحياة على ظهر الارض وكان الانسان مرحلة في هذه التطور، يؤكد ذلك
الخطاب عندما يتحدث عن بداية للخلق: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ
الخلق)20/29، فهذه الآية توضح ضمنا بان الاحداث التي جرت على ظهر الارض تخلف وراءه
آثارا يمكن استقصاءه واعتبارها وقراءاتها قراءة تروي الحقيقة، ثم توضح الآية ان
هناك بداية انطلقت منها الحياة. والخطاب الثاني الذي تحدث عن خلق آدم وهبوطه من
العالم الاخر الى الأرض ظالما: (قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا
لنكونن من الخاسرين، قال: اهبطوا)24/7.
هذا الجانب من الرواية عن قصة الانسان على الارض، التي عبر عنها الخطاب الثاني، هو
الذي استحوذ على الفكر دون محاولة عقلنته عن طريق ربطه بالبعد الذي تناوله الخطاب
الأول المتناول لظهور
الحياة وتطورها، فهذا الفاصل بين الخطابين القرآنيين عن قصة الخلق هو
الذي ولّد تصورا أسطوريا لقصة الخلق استحوذ على الفكر الشعبي وأوجد تصورا
أسطوريا لقصة آدم، سواء على مستوى حياته التي عاشها في الجنة الروحية، او عن كيفية
هبوطه الى الارض. وهذا الفهم الأسطوري اوجد تصورا بالاكتفاء ادى الى تأخير ظهور قصة الخلق والحياة على ظهر الأرض..
بانطلاقة الإنسان
الحديث مستجيبا لأمر السماء: ((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؟)20/29، بينما تخلف
الانسان المسلم عن ذلك السير، الذي يسعى فيه لاكتشاف كيف بدأ الخلق على ظهر
الارض، وكيف تطورت تلك الحياة، وكيف ظهر الاحياء ثم الانسان في نهاية تفاعلات
النشأة الأولى...
ان العقلنة تبدأ عندما نفسر الهبوط باعتباره له بداية ومراحل تطور، وان الامر يشبه
الى حد كبير، ما جرى مع القرآن، فالله يتحدث عن نزول الكتاب، فلو اعتبرنا النزول
لكتاب من قرطاس دفعة واحدة لكان ذلك شيء اسطوري، ينافي الحقيقة، فمن المعروف ان
القرآن نزل منجما باعتباره ايات وسور وتم تدوين صحائفه بشكل تراكمي. ويمكن ان
نستطلع تلك القصة من خلال القرآن الذي اوضح ان الكتاب انزل دفعة
واحدة،الا انه اوضح في ايات اخرى ان القرآن انزل آيات وسور، فكان الاقتصار على
الايات التي تتحدث عن نزول القرآن دفعة، مثل قوله: (وهذا
كتاب أنزلناه مبارك)92/6، (.إنا
نحن نزلنا عليك القرآن
تنزيلا)23/76، (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)31/43،
ويمكن الادعاء استنادا الى هذه الآيات ان القرآن نزل دفعة كما نزل آدم، باعتبار هذه
الآيات تماثل تلك التي تناولت هبوط آدم من الجنة دفعة واحدة،
إلا ان الذي
يحول بين ذلك هو الرواية التاريخية، بالاضافة الى الآيات القرآنية، التي تتحدث عن
نزول الكتاب تدريجيا كايات وسور: (وإذا
أنزلت
سورة)86/9، (وقالوا: لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن
أكثرهم لا يعلمون)37/6،
(وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك
ورتلناه ترتيلا)32/25.
يضاف الى ذلك، ان الانسان مشى في الارض فاكتشف ان تاريخ الانسان يكشف انه لم يكن له
هبوطا اسطوريا، وانما الهبوط كان هبوطا للحياة التي دخلت في مراحل تطور تدريجية.
وهذه الحقيقة يعضدها القرآن، الذي يشير الى وجود بداية لظهور الحياة، والى نزول
الحياة وتطورها على ظهر الارض. فكان تاريخ الحياة يشبه تاريخ الكتاب، حيث لم يكن
للقرآن هبوطا اسطوريا، فلم ينزل دفعة واحدة في رق منشور، كما طلب ذلك من الرسول: (ولن
نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)93/17.
وهذا الطرح لا يتصدى للاجابة عن سؤال: كيف نشأة الحياة على ظهر الارض؟ ولا الدخول
في الجدال الدائر حول النظريات المتصلة بذلك الشأن، وانما الطرح يأتي في سياق الكشف
عن كيف ان الحقيقة تغيب عندما يتعاطى العقل بمنهج ظاهري مع خطاب الكتاب المنزل،
وكيف يتولد عن ذلك التعاطي -الظاهري والخاطئ- التصورات الشاذة والاسطورية او
الحلمية، وكيف ان القرآن يسترد وضعه الطبيعي، ويعبر عن ذاته، وعن الحق الذي نزل به
بصورة علمية، عندما يقرأ خطابه من خلال المنهج العلمي المعنون بـ (التأويل) المفصل
في اجراءات وقواعد منضبطة..
***** ****** ******
ان الاخذ بظاهر القرآن والجهل بالمنطق العبوري، الذي عنوانه التأويل، هو الذي سخف
العقل المسلم وحوله الى عقل اسطوري، ينزع الى ان يعيش أحداث الخطاب القرآني
باعتبارها اضغاث احلام واساطير، ولا يعيشه باعتباره الحق والحقيقة، كما أعلن الله
ذلك صراحة في الكثير من الايات: (بالحق أنزلناه وبالحق نزل)105/17. (هذا كتابنا
ينطق عليكم بالحق)29/45. ولم يتوقع ان يكون التعاطي الاسطوري في فهم الخطاب قد أدى
الى علم او اكتشاف حقيقة، وانما حول القرآن الى الهامش المهمل من الحياة، فهو قصص
تشبه قصص الف ليلة وليلة، (عصا موسى، جن سليمان، خلق الادم للطير، واشفائه للأكمه
والابرص والاعمى)، وفي مشهد هامش اخر يقرأ في الافتتاحيات ويثوب لارواح الأموات ..
بينما كان الوجه المخفي من قصةالكتاب الذي في علميته
الفائقة بلغ درجة الاسطورة، تعرف عندما ندرك ان القرآن يتلو الحقيقة المتعلقة بكل
موضوع من موضوعات العلم والوجود، في أي أفق كانت، وان منطلق التعاطي العلمي معه
يبدأ عند النظر اليه باعتباره نسقا من الآيات: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا
آياته)29/38،
وان هذا التعاطي المدّبر والمتدبر يقوم على استنطاق النسق تأويلا، مما يعني ان
القرآن هو صورة ثلاثة الأبعاد للكون، وان الكون هو الاخر نسق من الآيات، وان
التعاطي معه يتم على قراءة آياته تأويلا ، والتعاطي مع أبعاده تدبرا. وان تطبيق هذه
الرؤية على القرآن هي التي تكفل الكشف الصارخ لكل باحث عميق الفكرة؛ ان الحقيقة التي
يسفر عنها تأويل آيات القرآن هي ذاتها الحقيقة التي يسفر عنها تأويل الكون. وان
القرآن بذلك يتحول الى مجسم للكون يشبه المجسمات المصغرة التي تقام للابنية في علم
الهندسة، وبذلك فان القرآن مجسم الكون ليس له مثيل على امتداد التاريخ، وليس له
نظير رغم كل الانجازات العلمية المعاصرة، فلم يوجد قط مجسم يمثل بنية الكون، يضاهي
الكتاب المنزل، لذلك استحق الكتاب ان يوصف بـ: (القرآن العظيم)87/15.
ولكن حركة الانحراف التي تعرضت لها الأمة على يد الحكام الانقلابيين والظالمين أدت
الى تهميش القرآن، فصُغِّر عظيما: (ولقد تركناها آية فهل من مدكر، فكيف كان عذابي
ونذر)15-16/54