بسم الله الرحمن الرحيم

 

الترابط

الزمن الكوني والزمن القرآني

يرتبط القرآن بالكون بعلاقة مرآتية عاكسة، فيها يمكن النظر الى القرآن باعتباره تعبيرا اخر عن الكون، والكون تعبير اخر عن القرآن. فاذا كان الكون هو آيات قرآنية فان القرآن هو آيات كونية، واذا كان الزمن الكوني يتعاقب من خلال تعاقب آيتي الليل والنهار فان الزمن القرآني يتولد من خلال تعاقب آيتي المحكم والمتشابه، اللذين يرمزان بل يمثلان الليل والنهار الكونيين رمزا. فالتجدد الذي ينتج في ظرف هذين المتعاقبين، هو ذاته الذي ينتج في ظرف الناتج عن تعاقب الليل والنهار القرآنيين. هذا المعطى المحصل من الأهمية بمكان، ما يتطلب التركيز عليه بالبحث الاستدلالي، بهدف اعادة تشكيل رؤية الأمة تجاه القرآن الكريم في ارتباطه بالكون، وبالزمن الذي يتولد في فضاءه، وما ينتج عن ذلك الامتداد الزمني من تجدد الخطاب ومعاصرته لاحداث الحياة، وما ينجم عن ذلك من تحول القرآن الى بلورة، تشبه البلورة في عالم النبوءة، التي تتعاقب مشاهد الاحداث عليها فتنبئ مستنطقها بالأحداث الغائبه الواقعة خارج ادراكه..

خلقت الآيات التي تؤلف نظام المخلوقات أزواجا، فكان مبدأ الزوجية، هو قانون يطرد في مكونات الحياة، يقول تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)49/51، فما من شيء يخضع للتحليل الا ويكشف عن تشكله من زوجين اثنين، (الذكر والانثى)، بالمعنى الطبيعي او المعني الرمزي. فاذا كان الزمن يتألف من زوجي الليل والنهار، فان القرآن يتألف من زوجي المتشابه المحكم، ففي المتصور القرآني المتشابه والمحكم آيتان: (الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، والليل والنهار آيتان: (وجعلنا الليل والنهار آيتين)12/17، وهذا التناظر بين الخطابين، يجعل احدهما يمثل الاخر رمزيا، فـ (الليل) في وجه من الوجوه يمثل الآية القرآنية المتشابهة، و(النهار) في وجه من الوجوه يمثل الآية القرآنية المحكمة: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17. فالتشابه هوالتباس الادراك في علاقته باللفظ يؤدي الى محو او غموض المعنى، بمثابة علاقة العين بالأشياء الواقعة في ظلام الليل الماحي لأعيانها، بينما الإحكام هو وضوح الادراك في علاقته باللفظ يؤدي إلى إبصار المعنى، بمثابة علاقة العين بالأشياء الواقعة تحت أضواء النهار المجلية للبصر أعيان تلك الأشياء.

كما يمكن عكس العلاقة التمثيلية القائمة بين الليل والنهار والمتشابه المحكم، وذلك بتعريف التشابه بانه اضطراب الادراك في علاقته باللفظ، بمثابة اضطراب النهار بحركة النشور، بينما الإحكام هو ثبات الادراك في علاقته باللفظ يؤدي إلى ثبات المعنى، بمثابة ثبات الليل بسكون الاحياء فيه.

ويمكن ان نجد مصادقة قرآنية، تزكي هذه الفكرة المستنبطة، عندما نرجع الآية القرآنية، (الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، الى النظير: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)39/13، فالنظير ينسخ تشابه لفظة (المتشابه) لما يصرفها الى وجه يفيد (المحو)، وينسخ لفظة (المحكم) لما يصرفها الى وجه يفيد (الثبات). فكان الاول مأخوذ من تناظر وضع لادراك حال التشابه بالليل في محوه لأعيان الاشياء، وكان الثاني مأخوذ من تناظر وضع الادراك حال الإحكام بالليل في ثبات وسكون الأشياء فيه.

بناء على ذلك، فان الليل القرآني نتعقله من خلال احساسنا بظلمات الجهل والغموض الذي يكتنف الفكر في علاقته باللفظ، والنهار القرآني نحسه عندما نشعر بنور العلم والوضوح الذي يعتري الفكر في علاقته بالآية، مما يعني ان المتشابه -ليل القرآن- والمحكم -نهار القرآن- لهما ترجمتهما التي يمكن الشعور بها، وحقيقتهما الخارجية والواقعية التي يمكن تلمسها، وان ظلمات هذا الليل ونور هذا النهار يرصد ويعاش على مستوى الفكر، وان من خلال ليل -متشابه القرآن- ونهار -محكم القرآن- يعيش العقل البشري ليله ونهاره، أي ان ثمة ترجمة فكرية لهذين المفهومين، وهذا يكشف بعض تجليات آية الليل والنهار في الخطاب والفكر .

ويمكن التأكيد على ذلك، عندما نرجع الى قوله تعالى: (زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)3/13، فالليل الذي يفيد معنى المتشابه يغشى النهار الذي يفيد معنى المحكم، فكيف تترجم هذه الاغشاءة على مستوى الفكر، يقول تعالى: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون)9/36، حيث نفهم (البصر والابصار) بمعنى العقل والتعقل، تبعا للنظير: (فاعتبروا ياأولي الأبصار)2/59، فالبصر من اسماء العقل، مما يجعل الابصار هوا لتعقل . فاذا ما اتصل المحكم بالمتشابه يحدث النهار الفكري، ويتولد عن ذلك طاقة موجبة هي نور العلم، بينما اذا انفك المحكم عن المتشابه يحل الليل الفكري، ويتولد عن ذلك طاقة سالبة هي ظلمات الجهل، يعبر عن كل ذلك منطوق ومفهوم قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون)37/36..

فاذا ما عرفنا ان المتشابه ليل الفكر هو الوجه الظاهر، والمحكم نهار الفكر هو الوجه الباطن، فان تحول الفكر المسلم  منذ اكثر من الف عام الى المنهج الظاهري- ان صح ان نعتبر هذا الجهل منهجا- نعرف ان العقل المسلم غرق في التشابه، فلم يعقل من القرآن الا الوجه الظاهر الذي يلازمه التشابه دوما، وبذلك عاش في ظلمات ليل سرمدي او اضطراب متأبد واسداف جهل مطبق، وقد حق عليه قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون)71-72/28. وهذا ما جعل الزمن متوقفا في البلاد الاسلامية منذاك، وذلك يعني ان الحدث على الأرض يراوح محله ومعطيات الواقع تكرر نفسها، ويمتنع التقدم والتطور والتجدد بامتناع حركة الزمن الكوني بتوقف حركة  الساعة الزمنية في الفكر المسلم، وهو التوقف الذي  يترجم بتوقف ساعة الزمن في فضاء القرآن المنزل، ولا سبيل الى تحريك الزمن الكوني واخراج الأمة من سجن ليلها السرمدي الا بتحريك الزمن القرآني، فالزمن الكوني مرتبط بالزمن القرآني، واذا انفك الزمنان فان الزمن الفكري يتوقف ويجري الزمن الكوني مستقلا، وكأنه لا يجري بانطفاء جذوة التجدد على الأرض، فاذا ما اعيد الربط بين الزمن الكوني والزمن القرآني فآنذاك فقط وفقط يمكن ان نمكّن الزمن من ان يسـأنف دورته من جديد، فيبدأ زمن الفكر يجاري زمن  الكون، وينتج التجدد، ويعاصر الفكر الواقع، ولا يستقل عنه بالتقادم، ولا يتم ذلك الا  بالعودة الى المنطق العبوري والتمسك بعلم التأويل الذي يمثل الرابط بين الزمنين، والمفعل للزمن الفكري والقرآني.

 

الزمنان

علاقة الصورة والمرآة

ان العلاقة بين القرآن والكون هي علاقة مرآتية عاكسة، فيها يكون الاول الصورة والثاني هو المرآة. ويترتب على ذلك، ان الزمن الكوني يجد له تمثله القرآني ليكون الزمن القرآني هو انعكاس للزمن الكوني. ولما كان الليل والنهار لفظان يمثلهما القرآن بالمحكم والمتشابه، اللذين هما ركنا استنباط الفتوى. فتبعا لذلك، فان شرح الزمن القرآني هو شرح الحركة المنهجية القائمة بين مكونات الخطاب، وما ينتج عن تلك الحركة المنهجية من تطور الأحداث التي يوصفها الخطاب، اي ان الزمن القرآني عندما يجري بتلاحق المتشابه والمحكم سوف ينتج الاحداث، بذلك يجسد الزمن القرآني الزمن الكوني الذي اذا تحرك انتج تطورات الاحداث: (ان القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آى قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله (ص)، ومنه آى يقع تأويلهن بعد رسول الله (ص) بسنين، ومنه آى يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آى يقع تأويلهن عند الساعة، ما ذكر من أمر الساعة، ومنه آى يقع تأويلهن عند الحساب، ما ذكره من أمر الحساب والجنة والنار)(الدر المنثور:2/339)..

وهكذا ستكون حركة الزمن القرآني هي صورة عاكسة لحركة الزمن الكوني، وما ينتج في الظرف الزمني من احداث ووقائع هي ذاتها تنتج عن طريق تعاقب الليل والنهار القرآنيين بانتاج نصوص تشرح وقائع جرى او سيجري بها الواقع. وبناء على ذلك فان شرح حركة الزمن هو شرح لمعالم منهج الاستنباط بتصريف الاسمين، (الليل والنهار)، باعتبار ان العرب اطلقوا عليهما اسماء كثيرة، عبر كل اسم منهاعن وجه من وجوه وبُعد من أبعاد الموضوع المنهجي والزمن القرآني، هذه الاسماء هي: (الدائبان والصرفان والجديدان والأجدان والحاديان والأصرمان والملوان والعصران والردفان والصرعان والأثرمان والمتباديان والفتيان والطريدان وابنا سبات وابنا جمير وابنا سمير)( بحارالأنوار: 56/9 ).

  1. فـالدائبان لدءوبهما وجدهما في السير .

  2. والصرفان لصروف الدهر فيهما.

  3. والجديدان لحدوثهما وتجددهما ولذلك سمي الأجدان .

  4. والحاديان لسوقهما الناس إلى الموت .

  5. والأصرمان لقطعهما الأعمار.

  6. والملوان من قولهم:(عشت معه ملاوة من الدهر)، أي حينا وبرهة. ويقال:(سكت مليا)، أي طويلا.

  7. والعصران من العصر بمعنى الدهر .

  8. والردفان لترادفهما وتواليهما.

  9. والصرعان إبلان ترد أحدهما حين تصدر الأخرى والصرعان أيضا المثلان .

  10. والأثرمان أي القديمان الشائبان، فإن الثرم سقوط الثنايا من الأسنان.

  11. والمتباديان من البدو بمعنى الظهور.

  12. والفتيان لأنهما يتجددان شابين.

  13. والطريدان لأنهما يطردان ويدفعان سريعا.

  14. والسبات بالضم الدهر.

  15. والجمير من قولهم أجمر القوم على الشي‏ء إذا اجتمعوا عليه وهذا جمير القوم أي مجتمعهم

  16. والسمير من المسامرة وهو الحديث بالليل والسمير أيضا الدهر وابناه الليل والنهار)

فاذا ما اردنا ترجمة هذه المعاني الى ما تؤول اليه في الاطار المنهجي القرآني، فان هذه الترجمة لن توصف المنهج فحسب، بل ايضا ستلقي الضوء على ما تؤول اليه حركة الزمن القرآني، باعتبار ان المتشابه والمحكم في الوقت الذي هما ركنا منهج الاستنباط، ايضا هما الليل والنهار القرآنيان، وكما ان الاسماء المشار اليها تصف الليل والنهار من خلال لحظهما بوجه من الوجوه، فان ذلك الوجه يجد له ترجمته في الفضاء القرآني:

الدائبان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الدائبان، كما يقول تعالى: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار)33/14، فتعاقب الليل والنهار هو تعاقب الشمس والقمر، حيث المتشابه هو قمر القرآن، والمحكم هو شمس القرآن، ويدل التعاقب على ان القرآن كون يزخر بالحركة والحياة، وان غاب الشعور بتلك الحركة عن احساس الأمة، فذلك بتبلد الشعور بوقوعه في مطب الظاهرية، الا ان حركة الزمن القرآني من خلال تعاقب ليل ونهار القرآن، يجاري الحركة اللا شعورية للجبال: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون)88/27،  والعلم الحديث يثبت ان الأرض تتكون من صحائف، (وفي الأرض قطع متجاورات)4/13، وان تلك (القطع المتجاورة) متحركة، يضغط بعضها على بعض فينتج عن ذلك نتوءات في السطح هي الجبال، كما قد تؤدي تلك الحركة الى تسوية بعض النتوءات (الجبال) لتشكل سطوح مستوية او قيعان بحار.

وفي هذا السياق، فان الجبال كما وصفها الله في القرآن تتحرك، وان حركتها لا شعورية بطيئة تشبه حركة السحاب، التي لا تكاد تلمح حركتها، لذلك نحسبها ثابته لولا قصر مكوثها في الفضاء، الذي يدل على حركتها.  ان الوضع القرآني تماما يشبه هذا الوضع، فالكون القرآني يتكون من قطع متجاورة هي السّور القرآنية، والسور تتكون من قطع متجاورة هي الايات، وان تلك القطع تتصل ببعضها بالتناظر، فتنشأ الحركة الخفية التي لا تكاد ترى، (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)127/9، فاذا ما اكتشف التناظر اكتشفت الحركة، وهكذا يمكن تحريك القطع القرآنية المتجاورة وفق املاءات التناظر، ليتولد عن ذلك امكانية التنبوء من خلال النظر في الكون القرآني الذي يرمز الى القرآن الكوني بما وقع او يقع من غيب محتجب في الكون المشيأ..

الصرفان: ان المتشابه - ليل القرآن - والمحكم - نهار القرآن- صرفان، كما يقول تعالى: (انظر كيف نصرف الآيات)46/6، ان انصرف الايات المتشابهات والاخر المحكمات يناظر تصرف الزمان بين الليل والنهار وما يتولد عن ذلك من وقوع الحوادث التي نسبت الى ذلك التصرف فسميت بـ (صروف الدهر). وهذا ما يترجم في الاطار المنهجي، ان تصرف المتشابه والمحكم عندما يتعدد توجيه كل منهما كما يتعدد توجيه الرياح، ( شمالية غربية، شمالية شرقية، شمالية، جنوبية،غربية، .. الخ)، فينجم عن ذلك التوجيهات التي فيها يتلو المتشابه المحكم، ويتغاير المحكم من موضوع الى موضوع، يؤدي الى تولد الايات التي تعكس موضوعات مختلفة تارة، ومستويات من العمق تارة اخرى: (تصريف الرياح آيات لقوم يعقلون، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون)5-6/45. فهذا الخطاب يفتتح بالحديث عن تصريف الرياح، وسرعان ما يعرفها بانها ايات الله التي تتلى، ليوجد علاقة تشابه بين تصريف الرياح وتصريف الآيات من خلال تعدد امكانية التركيب بين الآيات المختلفة، وهو ما يذكر بتصرف الزمن بين الليل والنهار، (تصرف الايام)، وما يتولد عن ذلك من صروف الدهر واحداثه.

ويترتب على تصرف ليل ونهار القرآن، (المتشابه والمحكم)- من خلال تعاقب مواقعهما في بناء الموضوعات المستنبطة- الفهم والفقه للرؤى القرآنية، وفي ذلك يقول تعالى: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)65/6، ويتعين منهج (النظر) الذي يترتب عليه الفقه والفهم، النظير: (هل ينظرون إلا تأويله)53/7 . بحيث يسعنا ان نولد القراءة: "انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون تأويلا" أو "هل ينظرون إلا كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون تأويلا".

الجديدان والأجدان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الجديدان المتجددان، كما يقول تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون)2/21، حيث يعرف (الذكر) الكتاب العزيز، بدليل قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز)41/41. فكما ان تعاقب الليل والنهار ياتيان بكل جديد، يثير الادهاش والعجب، فان حركة تلاحق المتشابه بالمحكم يؤدي الى النتيجة ذاتها، لذلك يقول تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا)1/72، (أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون)59-60/53. فنفهم العجب بما يتولد عن تلاحق المتشابه -ليل القرآن- والمحكم -نهار القرآن- : (إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به)(الآمدي، غرر الحكم: 110).

وهذا الوعي، بواقع الزمن القرآني، الذي يتولد عن تعاقب التشابه والمحكم، نجده في وصف مدرسة التأويل التي قادها البيت النبوي عندما وصفت هذا التعاقب بانه يضاهي تعاقب الشمس المولدة لظاهرة النهار والقمر المعبر عن ظاهرة الليل، فعن الفضيل بن يسار قال سألت أبا جعفر الإمام محمد الباقر(ع) عن هذه الرواية: (ما في القرآن آية إلا و لها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا و له حد ولكل حد مطلع) ما يعني بقوله: (لها ظهر وبطن)؟ قال: ظهره وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما تجري الشمس والقمر، كلما جاء منه شي‏ء، وقع قال الله تعالى: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ نحن نعلمه)(بحار الأنوار:89/94). فالخطاب صريح بان جريان القرآن في ظل العملية التأويلية يضاهي جريان قمر الليل وشمس النهار، المولدة للوقائع والاحداث، بل للقرآن القدرة على ان يتصرف الى الوراء تأويلا، ليكشف عن أحداث الماضي، كما ان له القدرة على التصرف للأمام ليكشف عن وقائع المستقبل. ان القرآن هو قوة علمية فائقة، تمكن من تحري الوقائع في الابعاد الزمنية المختلفة. وتبعا لذلك، يمتلك الانسان القوة العلمية التي تخوله الكشف والسيطرة على الكون المشيأ. 

الحاديان: ان المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الحاديان. الحوادي هي الأرجل التي تتلو بعضها بعضا، وحدا الليل النهار اي تبعه. وفي هذا الإطار يقول تعالى: (يتلو عليهم آياته)2/62، عندما يتعاقب المتشابه والمحكم يتشكل (الكتاب) اي الموضوع: (وهم يتلون الكتاب)113/2، يدل على ذلك قوله تعالى: (رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة)2-3/98، اي في صحف القرآن المطهرة كتب قيمة، اي موضوعات قيمة، مثل كتاب الصلاة: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا)103/4، اي موضوعا، فهناك كتاب الصلاة، وكتاب الصيام، وكتاب الزكاة، وكتاب الحج... فالكتاب بمعنى الموضوع يتم تركيبه عن طريق الحاق او تلاوة الاية المتشابهة بالاية المحكمة .. .

والحادي هو الذي يسوق الابل، والمتشابه والمحكم عندما يتعاقبان يشكلان (سياقا)، بالمعنى الادبي السائد اليوم، واذا كانت امكانية التوجيه لعلاقة المتشابه والمحكم المتعاقبة متنوعة بشكل غير قابل للحصر، فان ذلك يشكل من السياقات غير المتناهية...

كما ان حركة الحدو للحاديين القرآنيين هذه تأخذ مسارا دائريا فيه يؤب أول الامر الى اخره، كما يقول الامام علي (ع) وهو يصف حدو الجديدان، الليل والنهار القرآني او الليل والنهار الكوني: (وإن غائبا يحدوه الجديدان لحري بسرعة الأوبة)(بحار الأنوار: 75/70). وهذا ما يعبر عن حركة الدائرة التأويلية الناسخة التي تنتج الرؤى والمعارف القرآنية..

الأصرمان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الاصرمان، كما يقول تعالى: (أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين)22/68، فنفهم الحرث بمعنى القرآن، كما في الحديث: (أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ)(مستدرك ‏الوسائل:3/ 239). فصرم الحرث هو قطع او قطف او حصاد المحصول. فعملية التعاقب بين المحكم المتشابه يؤدي الى تثمير ارضية الخطاب، وينتهي بحصد المعارف والعلوم القرآنية ..

كما ان (الصرم) تأتي بمعنى القطع، والقطع يأتي كقاعدة من قواعد علم التأويل، فالقول يمكن ان يوصل (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)51/28، تعبير عن قاعدة الوصل، وينتج عن ذلك التذكر، كما في تعاقب الليل والنهار: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر)62/25، كما ان القول يمكن ان يقطع: (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل)25/13، فصار القول يخضع للقطع تارة وللوصل تارة اخرى، هو القطع والوصل الذي يمكن ان ينظر اليهما من خلال تعاقب الليل والنهار القرآني، فالنهار ينقطع بالليل والليل بالنهار، هذا من وجه. ومن وجه يوصل الليل بالنهار والنهار بالليل ولوجا: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)61/22.

المَلَوان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما المَلَوانِ، مشتقة من الأملاء، بمعنى الامهال والتأخير، وهذه قاعدة من قواعد علم التأويل، المصطلح عليها بقاعدة التقديم والتأخير، كما يقول تعالى: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر)37/74. فالليل والنهار يمعملان على قلب الاحداث بتقديم المتأخير، وتأخير المتقدم، كذلك يعمل المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن على انتاج ظاهرة التقديم والتأخير، التي يتولد عنها ضروب من المعارف ..

العصران: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما العصران، المشتقة من العصر، كما يقول تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر)1-2/103، وحوداث الزمان تمارس العصر على الانسان لتكشف عن جواهره، وفي هذا الصدد ياتي الحديث: ( وَفِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ، وَالْأَيَّامُ تُوضِحُ لَكَ السَّرَائِرَ الْكَامِنَةَ)(الكافي:8/22). وبناء على ذلك، فان الليل والنهار القرآنيين هما اللذان يعملان بتقلبهما على اعتصار الباطن القرآني، وتقطير العلوم المكنونه في غوره، وهو الغور المكنون الذي يصرح به قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون)77-78/56.

الردفان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الردفان، كما يقول تعالى: (فالمدبرات أمرا، يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة)5-7/79، فـ (المدبرات) تفهم بمعنى المتدبرات، وما تقود اليه عملية النظر تدبرا من النظر الى الآيات المتشابهات باعتبارها مضطربة (راجفة)، وما يتطلب الامر من انهاء التشابه والرجف والاضطراب بالرادفة، فنردف المتشابه المرتجف المعنى بالمحكم، الذي ينسخ التشابه وارتجاف المعنى بتثبيته بالمحكم ردفاً...

الصرعان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الصرعان، لقد عرفنا الصرعان بالإبلان ترد أحدهما حين تصدر الأخرى فهذا معنى الانصراف، الانصراف عن الماء/ أو الى الماء، بينما الصرعان أيضا المثلان. وهذا المعنى يتجلي في الاطار القرآني: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا)41/17، (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)58/30، فالتصريف القرآني يقوم على ملاحظة التماثل القائم بين الايات، فما التصريف الا ضرب المثل، عندما يتم الانتقال من المثل الى شبهه، ومن النظير الى نظيره في علمية استدلال، يقول عنها الإمام علي: (اعقل ذلك، فان المثل دليل على شبهه)، وهي الانتقالة ذاتها التي يعبر عنها بالعبور من الظاهر الى الباطن، فما الظاهر الا المثل وما الباطن الا شبهه.

الأثرمان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الاثرمان، ان تعاقب الليل والنهار يؤدي الى كبر الطفل الصغير وسقوط اسنانه اللبنية، وحلول اسنان اخرى محلها، كما يعمل على سقوط اسنان الانسان الكبير، تعبير عن الشيب، من ههنا اشتق اسم الاثرمان تعبير عما يقوم به الدهر من تنمية وتكبير عمر الانسان، وهذا النمو هو ذاته الذي يقوم به توالي المتشابه الليل القرآني والمحكم النهار القرآني عندما يتعاقبان، في عملية تراكم تؤدي الى بناء الرؤية القرآنية الناضجة: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما)114/20. فالنظر تأويلا عملية استنطاق للكتاب وحيا، تؤدي الى تنمية المعارف القرآنية تراكميا والمطلوب الاستمرار فيها حتى ينقضي البيان القرآني، مع طلب المزيد منها من اجل قطع المراحل العمرية للرؤية بالوصول الى نضجها الذي يعبر عن الحق القرآني ..

المتباديان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما المتباديان، فالبدو من الظهور، يقول تعالى: (تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا)91/6، مما يكشف ان الليل والنهار يقومان على البدو والاخفاء، فالنهار اسفار وظهور، والليل خفاء وغموض، وهذا ما يترجم في الاطار القرآني بالظاهر والباطن: (ما في القرآن آية إلا و لها ظهر وبطن)(بحار الأنوار:89/94)، والعبور من الظاهر الى الباطن هو انتقال من النظير الى مثله. والتسيمة بالظاهر البادي والباطن الخافي تسمية نسبية، فالوجه عندما يظهر يتحول من الباطن الى الظاهر ويتطلب باطنا، وهكذا دواليك.

الفتيان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الفتيان، كما في الحديث: (إن القرآن حي لا يموت والآية حية لا تموت)(البحراني، تفسير البرهان، 1/28)، ففتوة القرآن تتجلى من خلال حيويته اللامتناهية، التي فيها يكون القرآن دائما في حالة تجدد ويمتلك المعاصرة، ويمتنع عن التقادم وما يؤدي إليه من ضعف الشيب والموت ..

الطريدان: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما الطريدان، كما في قوله تعالى: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا)54/7، فعلاقة الليل والنهار في حركتها الدائبة تعبر عن وجود مطاردة فيها يطارد الليل النهار وينقضة، ويطارد النهار الليل ليجليه. هذه العملية ذاتها يمكن تصورها من خلال تعاقب المتشابه الليل القرآني والمحكم النهار القرآني، حيث ينقض المتشابه الإحكام، وينقض الإحكام التشابه، فاذا ما القي السؤال على مركب الآيات القرآنية يتحول الى صفة التشابه، وبارجاع المتشابه الى المحكم ينتقض التشابه نسخا، وتستوثق صفة الإحكام ...

ابنا سبات: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما ابنا سبات، كما في قوله تعالى: (إذ يعدون في السبت)163/7، فاذا كان الليل والنهار يشكلان أيام الحياة، فان طبيعة الحياة تقوم على العدوان، (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو)123/20. وهذا العدوان المتبادل ينطلق من السبات بمعنى الغفلة، (اعوذ بالله من سبات العقول)، كما يقول الإمام علي. من هذا المنطلق فان المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن، هما ابنا سبات، اي ابنا الغفلة، حيث مهما نحكم وجوه آيات الكتاب فبلحاظ لاتناهي معاني الكتاب: (ما نفدت كلمات ربي)، يبقى هناك مالا يتناهى من المعاني والوجوه المغفولة، تبعا لذلك صح ان يطلق على آيتي الكتاب، الليل والنهار القرآني، بابنا سبات..

يضاف الى ذلك، ان الليل والنهار -الكونيين او القرآنيين- متعاديان لانهما متضادن، فالمتشابه ضد المحكم، واجتماعهما يؤدي الى نقض احدهما للآخر، فالتعادي قائم بينهما. والعدوان على  الكتاب بتفسيره بالرأي يعبر عن موت الخطاب في ظل الفهم الظاهري، لحجزه في وجه ظاهر ..

ابنا جمير:  المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما ابنا جمير. فاذا نُظر الى تلازم الليل للنهار، عبّر ذلك عن اجتماعهما، ويترجم هذا في الاطار القرآني بقوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه)17-19/75، فبالجمع بين المتشابه والمحكم، عن طريق رد النظير الى نظيره الناسخ، يؤدي ذلك الى بناء البيان القرآني في الموضوع المبحوث. فما العملية التأويلية الا تجمير، اي تجميع، للايات المتشابهات والمحكمات ليس الا.

ابنا سمير: المتشابه ليل القرآن والمحكم نهار القرآن هما ابنا سمير، مشتقة من المسامرة اي الحديث ليلا: (سامرا تهجرون)67/23، فتعاقب المتشابه والمحكم يؤدي الى تولد الحديث، وقد قال الامام علي عن القرآن: (وحديث لمن روى) اي ان من اراد التحديث عن الرسول، فان الحديث المُعرّف بالفكرة القرآنية يصاغ باستنباط تلك الفكرة تأويلا عن طريق رد المتشابه الى المحكم. ويترتب على ذلك، تحدث القرآن مع المخاطب، ويحلو هذا الحديث ليلا، كما يقول تعالى: (قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)2-4/73.

فاذا تم توطيد العلاقة الرمزية بين الزمنين، الكوني والقرآني، لتكون آيتا المتشابه والمحكم هما الليل والنهار في فضاء الكون القرآني، فمن شأن ذلك ان يخولنا النظر الى القرآن باعتباره صيغة رمزية للكون. فاذا تولدت الاحداث الجديدة بتعاقب الليل والنهار الكونيين، فان الخطابات الكاشفة عن تلك الاحداث المتولدة يمكن انتاجها عن طريق تعاقب المتشابه - ليل القرآن- والمحكم - نهار القرآن- وهي عملية نمتلك اجراءها متى شئنا، اي اننا نملك بناء الخطابات القرآنية التي تنبؤنا بالغيب، فنتنزلها في إطار مبدأ: (أنزل القرآن على سبعة احرف) لتروي الاحداث التي تولدت في الظرف الزمني الناتج في ظرف الليل والنهار الكوني. بهذا الاكتشاف نحن نمتلك الكون ونضع ايدينا على آلية انتاج الزمن للمعلومة والوقعة من خلال امتلاكنا للقرآن النموذج المرآتي الموازي للكون، والصيغة المجسمة للعلوم والمعارف كافة. ان قوة المعرفة والقدرة المعلوماتية تلك هي المقوم الرئيس لأي نهوض حضاري.

تاريخ النشر: 1/ديسمبر/2005