|
هل الإنزال القرآني حدث انقضى أم طاقة كامنة وامكانية متجددة؟ ان رصد طبيعة مفهوم الإنزال في القرآن والسنة النبوية والواقع المعرفي في صدر الإسلام، وحركة الفقه التي نشأت على أثر نزول القرآن، وفيها نفر من كل طائفة فرقة ليتفقهوا في الدين بكيفية محددة المعالم، كل هذه الوقائع والمؤشرات يمكن ان تجند للإجابة على هذا السؤال، لتقديم مجالا بؤريا واسعا لرؤية الحدث وسبر تداعياته واستكشاف آفاقه وآثاره .. عندما تحدث القرآن عن نزول آياته، اوضح ان الآيات المنزلة على أنواع، فهناك الآية المنزلة محكمة والأخرى المتشابهة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، الا ان بروز التشابه - اي المجهول- يفرض البيان الهادي الى الحق، كما نجد في قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)70/2، وهذا الاقتران بين الخطابين، يوضح ان المتشابه الذي وضع في قبال المحكم، في الخطاب الاول. وضع في قبال المبين في الخطاب الثاني، مما يعني ان المحكم هو المبين، وان المتشابه عندما يطلب بيانه، اي يطلب إحكامه، يعني ان الإحكام هو عملية تبيين. ولكي تتم عملية التبيين، توقفت على مقدمة مرشدة لها من خلال المثل، لذلك نزل المثل كنوع ثالث: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ومثلا)99/2. التي تعني النظر الى الايات باعتبارها متماثله، فهي تقوم بدور الآيات الرابطة بين آيات الكتاب المنحصرة في آيتين: المتشابهة والمحكمة، وذلك عن طريق تثوير فاعلية التذكر في الذهن عندها يبدأ المثل يذكر بشهبه فترشّد عملية تقدير الفكر، المتحققة في انزال الآية في موضعها المناسب من الآية المحكمة التي تبينها: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)44/16. ثم إن الآيات الناتجة عن طريق الربط بين المتشابه والمحكم تأويلا تتولد عنها آيات بينات تهدي إلى الحق: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات)99/2. اي ان هنا انزال اخر، هو انزال الايات البينات المتولدة عن تراكب بين الايات المتشابهات مع المحكمات، ثم يمكن المصادقة على الناتج عندما يشك فيه، وذلك فرض انزال آيات المصادقة: (أنزلت مصدقا لما معكم)41/2. حيث هنا نوع اخر من الانزال، الذي فيه ينزل تأويلا، آيات اخرى تصادق على الايات الناتجة بالتركيب التأويلي. وعندما يسمى الله ردّ المتشابه الى المحكم، وما ينتج عنه من تركيب بانه إنزال لآيات بينات: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات)99/2. ، فان الإنزال هنا يعني خلق الآيات: (أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم)6/39 ، (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)25/57، اي خلق الحديد، فإنزال الأنعام خلقها، وبناء على ذلك، فان إنزال الآيات البينات الناتج عن طريق رد المتشابهات الى المحكمات هي عملية خلق للآيات، مما يفيد ان القرآن كائن حي يتوالد بالتكاثر ... ولتأكيد هذا الجانب، نقول: لما اوضح القرآن، ان من وجوه كلمة الانزال هو الخلق، فإذا ما وظّفنا معنى الخلق في فهم أبعاد الإنزال القرآني، فذلك يعني، أن القرآن بمثابة الكائن الحي، يبدأ في صيغة نطفة تأخذ بالنمو والتطور منذ تلك اللحظة وتمر بمراحل عمرية مختلفة: (يخلقكم في بطون أمهاتكم -(أي أم الكتاب: المحكمات)- خلقا من بعد خلق)6/39، وهذا ما يكشف ان القرآن ليس وجودا ثابتا- أي أن مادته محصورة فيما نزل منه- وإنما هو نزول مخلوق متجدد من خلال النمو والتطور المتتابع الذي فيه يمتلك امكانيات التخلق ذاتيا. ويمكن المصادقة على هذه النتيجة بعدة تأويلات توصل البحث الى النتيجة ذاتها: الاولى: إذا رجعنا الى قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ... وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3، نجد انزال الآيات كصنفين ربط بالتأويل، فاذا كان هناك نزول للقرآن بالوحي المباشر الذي يمثله نزول جبرائيل، فان هناك نزولا اخر ناتج عن انزال الايات بعضها من بعض مما يؤدي الى توليد الوحي للوحي. وهو الذي يعبر عنه بقدرة القرآن على النطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، فالله لا يقول الا حقا. وبناء على ذك، فان قابلية القرآن على النطق لا ينبغي ان يكون كلاما انشائيا، او عبارة بلاغية، او مفهوما اعتباطيا، وانما هو حقيقة علمية، وواقعة يمكن ان تخضع للمشاهدة والمراقبة، والتأكد من سلامتها وصدقيتها، وهي التي رصدها الإمام علي(ع) وعبر عنها بالقول: (كتاب الله ينطق بعضه ببعض)، وهذا النطق يعني ان القرآن يمتلك القدرة على الايحاء عن طريق المقارنة بين مكوناته، فهو ينطق وحيا. وهذا ما يجعل مصطلح (الوحي) لا يصدق على الايات النازلة فحسب، وانما ايضا يصدق على ما ينتج عنها عند المقارنة. الثانية: قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، الى النظير: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17، يصرف النظير وجه (الآية المتشابهة والأخرى المحكمة) الى وجه باطن هما (النهار والليل). فيكون المتشابه المشكوك او المجهول المعنى يرمز له بآية الليل الممحية. والمحكم الجلي والواضح المعنى يرمز له بآية النهار المبصرة. وتعاقب الآية المتشابهة والأخرى المحكمة الذي قد يصطلح عليه بـ (الاختلاف) يولد آيات، كما يقول تعالى: (إن في اختلاف الليل والنهار ... لآيات لقوم يتقون)6/10، اي ان رد المتشابه الى المحكم يتولد عن هذا الرد آيات. وهو المطلوب اثباته.. الثالثة: إذا ما أردنا المتابعة من حيث انتهينا، فالله يقسم الوجود الى زوجين اثنين، فالزمن ينقسم الى ليل ونهار، والاحياء تنقسم الى ذكر وانثى، والخطاب ينقسم الى متشابه ومحكم. ففي الوقت الذي يمثل علاقة الذكر والانثى بعلاقة التلابس: (نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)187/2، يعبر الله عن العلاقة بين زوجي الزمن بانها علاقة تلابس: (وجعلنا الليل لباسا)10/78، فيها يلبس الليل النهار فيتلاشى الظلام او يلبس النهار الليل فيشرق النور، كما في قوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون)37/36. بناء على ذلك، اذا كانت علاقة الليل بالنهار هي علاقة الذكر بالانثى فماذا ينتج عن غشيان الليل للنهار، يقول تعالى: (زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)3/13. فيتولد عن غشيان الليل للنهار الآيات، كما يتولد الحمل والولد عن غشيان الذكر للأثنى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين)189/7. فغشيان الزوج لزوجه نتج عنه الحمل والولد .. وهكذا نجد ان الشك في ناتج الدليل بالتساؤل: هل ان التقاء الآية المتشابهة بالأخرى المحكمة يولد عنها آيات جديدة فعلا؟ يحيلنا الشك الى التماس الهدى في النظائر والأشباه التي تؤول اليها عناصر الموضوع المنهجي، فالمتشابه والمحكم هما الليل والنهار من جهة، وهما الذكر والاثنى من جهة أخرى. فاذا كان هناك شك في انتاجية علاقة المتشابه والمحكم، فان ليس هناك شك في انتاجية الذكر والانثى. فكما ان المولود الناتج في علاقة الاحياء قد يشبه أحد طرفي العلاقة، الأب او الأم، فانه في كثير من الأحيان ياخذ من هذا ومن هذا ليكون حالة فريدة. كذلك يكون الناتج في التقاء المتشابه بالمحكم فقد يعزز فكرة احد الآيتين اللتين تشكلان العلاقة، وقد تولد آية جديدة ومختلفة، بمعنى ان الوجه والدلالة والمعنى المتولد لا ينتج عند النظر الى الآيتين بشكل مستقل ومنفصل. تفضي عملية تحليل تقسيم آيات القرآن الى محكمات وأخر متشابهات، الى ان هذا التقسيم ليس ذاتيا نابعا من الموضوع، أي من الآيات. وانما هو فكري، بمعنى ان التشابه هو صفة لعلاقة الإدراك بالآية حال غموضها أو الجهل التام بها. وان الإحكام هو صفة لعلاقة الإدراك بالآية حال وضوحها والإحاطة علما بها. وتبعا لذلك، فان ربط الآيات بالادراك يتفاوت من شخص لاخر من حيث الوضوح والغموض، التشابه والإحكام، فما هو واضح عند زيد هو غامض عند بكر، وما هو مجهول عند عمرو هو معلوم عند علي. اذا كان هذا ما يؤول اليه التقسم القرآني لآيات الكتاب، فان الاجراء الذي يتبع هذا الوضع الفكري القلق هو التفكير، الذي يدعو اليه القرآن: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)3/13، ولما كان التفكير هو عملية تقدير: (إنه فكر وقدر)18/74، فان التقدير هي عملية إنزال: (قدرناه منازل)39/36، مما يعني ان عملية التفكير في آيات الكتاب من حيث التشابه والإحكام، وكيف يمكن تخلص الفكر من علاقته المتشابهة القلقة بالانتقال الى العلاقة المحكمة المستقرة، يتطلب عملية تقدير فيها ينزل الآيات من بعضها انزالا يكفل له خروج الفكر الى وضع العلم .. ولايضاح هذه العملية، يضع القرآن المسألة النظرية في إطار تمثيلي مشخص، فإذا ما رجعنا الى فهم عملية الانزال باعتبارها عملية تقدير، فانها تشبه تقدير منازل القمر: (والقمر قدرناه منازل)39/36، التي تؤول الى النظير: (والقمر إذا تلاها)2/91، فيتضح ان عملية التقدير هي عملية تلاوة للآيات القرآنية: (أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون)51/29. وان عملية التلاوة تلك فيها تقدر منزلة المتشابه من المحكم المجلي للتشابه، وهو ما الأمر الذي يقوم على التذكر، كما تشير الى ذلك خاتمة الآية: (إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون)51/29. وهي الخاتمة التي تذكرنا بخاتمة الآية الآنفة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ... وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3، والتذكر يعتمد على وجود ظاهرة التماثل والتناظر بين الآيات، فكان النظير يذكر بنظيره والشبيه يذكر بشبيهه والمثل يذكر بمثله. بناء على ذلك، يقوم الفكر للتخلص من التشابه بعملية تتبع نظائر الآية المتشابهة الملتبسة للكشف عن النظير المحكم، الذي يعمل على نسخ وإبطال التشابه وارساء الإحكام، وعند تحديده يكون الفكر المتأمل قد استدل بالمثل على شبهه اعتبارا، ونسخ المحكم تشابه المتشابه تأويلا: (فيتبعون ما تشابه منه ... ابتغاء تأويله)7/3 . وهكذا نخلص الى ان نظر الفكر في الكتاب يتطلب تقدير منزلة الآية المتشابهة من الآية المحكمة، هذا التقدير هو الذي يعني انزال الايات في منازلها، وهو الانزال الذي قد يصطلح عليه بالتلاوة. اي انشاء التعاقب بين الايات المتشابهات والمحكمات. لانتاج النسق القرآني المركب تأويلا. والذي يفرض هذاالوضع المنهجي على القرآن هو طبيعة تركيبة الخطاب القرآني، فقد نزل القرآن متفرقا، ليس على المستوى الزمني فحسب، باختلاف زمن نزول آية أو سورة ما عن زمن نزول أخرى، بل حتى على مستوى الموضوع القرآني الذي توزعت أوصاله وعناصره ومكوناته في آيات تنتمي الى سور متعددة، تتبعثر على مساحة القرآن، هذا الوضع هو الذي يقرره قوله تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)106/17. وهي الظاهرة القرآنية التي يعرفها الإمام علي بالقول: (آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى)(رسالة المحكم والمتشابه، 4)، وهذا الوضع المتفرق لاجزاء الموضوع القرآني هو الذي يفرض التأويل منهجا في الانزال، كما تفيد خاتمة الاية الآنفة، التي قررت الإنزال بعد التفرق، مما يعني انها تؤكد على الانزال تأويلا: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)106/17. وهو المصطلح عليه تراثيا بالنظم والتأليف(*) الذي فيه يعاد إنزال الآيات بتقديرها في منازل بعضها من بعض تأليفا، وعطف بعضها على بعض نظما، مهما كبرت المسافة بين الآية والأخرى، اي سواء وجدت الأية المعطوفة في السورة التي فيها المعطوف عليه ام وجدت في سورة اخرى، وعن ذلك يقول تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)51/28، فالتذكر المستند الى التماثل هو الذي يوصل بين القول القرآني ونظيره، وعن المعالجة بالعطف وصلا من بعد تفرق، يقول الإمام علي في شرحه لهذه الظاهرة: « والمنقطع المعطوف في التنزيل، هو ان الآية من كتاب الله، عز وجل، كانت تجيء بشيء ما، ثم تجيء منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجيء بمعنى غيره. ثم تعطف بالخطاب على الأول مثل قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو بعظه يا بني لاتشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم)13،31، ثم انقطعت وصية لقمان لابنه فقال: (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن (الى قوله:) الى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)، ثم عطف بالخطاب على وصية لقمان لإبنه فقال: (يا بني انها ان تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة أو في السموات او في الأرض يأت بها الله، ان الله لطيف خبير)16/31. ومثل قوله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم)59/4، ثم قال تعالى في موضع اخر عطفاً على هذا المعنى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)119/5، كلاماً معطوفاً على أولي الأمر منكم. وقوله تعالى: (اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)110/2، ثم قال تعالى في الأمر بالجهاد: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)216/2. ومثله قوله عز وجل في سورة المائدة: (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام ذلك فسق)5/3، ثم قطع الكلام بمعنى ليس يشبه هذا الخطاب فقال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، ثم عطف على المعنى الأول والتحريم الأول فقال سبحانه: (فمن أضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فان الله غفور رحيم). وكقوله عز وجل: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين)11-12/6، ثم اعترض تعالى بكلام آخر فقال: (قل لمن ما في السموات وما في الأرض قل كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لاريب فيه)، ثم عطف على الكلام الأول فقال عز وجل: (الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون). وكقوله في سورة العنكبوت: (وابراهيم اذ قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً ان الّذين تعبدون من دون الله لايملكون لكم رزقاً) إلى قوله تعالى: (وما على الرسول الاّ البلاغ المبين)16-18/29، ثم استأنف القول بكلام غيره فقال سبحانه: (أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الآخرة ان الله على كل شيء قدير يعذ ب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولانصير والذين كفروا بايات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم) ثم عطف القول على الكلام الأول في وصف ابراهيم فقال تعالى: (فما كان جواب قومه إلا ان قالوا أقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار)، ثم جاء تعالى بتمام قصة ابراهيم عليه السلام في آخر الآيات. ومثله قوله عز وجل: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا)55-57/17، ثم قطع الكلام فقال: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) ثم عطف على القول الأول فقال. تمامه في معنى ذكر الأنبياء وذكر داود. (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا). ومثله قوله عز وجل: (آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير) ثم استأنف الكلام فقال: (لايكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، ثم رجع وعطف تمام القول الأول فقال: (ربنا لاتؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا) إلى آخر السورة، وهذا وأشباهه كثير في القرآن»(الشريف المرتضى، رسالة المحكم والمتشابه، 30- 32). ففي هذا العرض عطف الإمام علي بعض الايات على بعض، تارة في اطار الآية الواحدة التي انقطع بيانها بجملة اعتراضية، وتارة اخرى، بعطف آية على آية بينهما عدة آيات فاصلة، وتارة ثالثة، بعطفه آية في سورة على آية في سورة أخرى، ونموذج للايات المعطوفات والفاصل بينها سورة الآية الواردة في سورة المائدة والأخرى الواردة في (سورة النساء)، حيث عطف الإمام علي(ع) قوله: (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم)59/4، على قوله في (سورة المائدة): (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)8/59، مفسراً (أولي الأمر) بـ (الصادقين) ودليله هو التناظر الجامع بينهما، المحدد في تطابق صدر الآيتين. ولا يتوقف الإمام علي(ع) في تناوله لقابلية الخطاب القرآني على التشكّل الذاتي من خلال عملية تأليف ونظم تضبطها قواعد التأويل، على طرح تبيين طبيعة الخطاب القرآني المتفرقة والمفتقرة إلى العطف تواصلا، وانما يكشف طبيعة ذلك العطف بانها عملية تخلق، فاصطلح على تلك الايات المتفرقات بمصطلح (أنصاف آيات) او (أبعاض آيات) بنحته مصطلح «آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى»، وأوضح كيفية الحاق أنصاف الآيات ببعضها، في عملية لانتاج القرآن لآيات جديدة وايجاد علاقة تركيبية بين الانصاف والابعاض اكثر تكاملا، مؤكدا على علاقة الاكمال والتمام الرابطة بين المعطوفين بالقول: (آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى)، فتخلق من الجمع بين الانصاف آيات مبينات جديدة، فيقول (ع): «قوله تعالى: (اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)5/25، فرد الله عليهم: (ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذ لارتاب المبطلون)48/29، فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة العنكبوت، ومثله كثير»( علي القمي، تفسير القمي، 12). فالإمام قد عطف الآية القرآنية الثانية على الآية الأولى، لوجود التناظر بينهما في (كتب)، وقوله: «فرد الله عليهم» هي بمثابة العبارة التي نصادفها في التراث مثل: «فأنزل الله قوله تعالى: ..، او فأجابهم الله تعالى بقوله: ..»، فهي عملية إنزال الآية من الآية الاخرى بما يمليه التناظر القرآني. ثم لم يكتف الإمام بذلك، بل أشار الى ان كل آية منهما هي نصف آية، يتألف من اجتماعهما الى بعضهما آية أخرى. وهكذا نكتشف ان القرآن النازل بنزول جبرائيل، لم يكن النزول الجبرائيلي إلا نزولا كأنه انقضى برحيل الرسول، ولكن إنزال جبرائيل للآيات القرآنية التي تشرع التأويل منهجا جعل الخطاب القرآني ينطوي على طاقة نزول كامنة، تثيرها قواعد علم التأويل، التي هي آلية في إنزل الآيات- المتشابهات من المحكمات- بعضها من بعض، وهو ما يفرض تولد علاقات غير محصورة وغير قابلة للتناهي أو النفاد بين ركيزتي الخطاب. مما يجعل آيات الخطاب في حالة نزول مستمر طوع يمين المؤول، من شأنها ان تجعل القرآن في حالة نمو وتخلق دائم، وفي حالة معاصرة متأبدة، وفي حالة تطور غير متناهية، كما تجعل في كل واقعة بيانا، وفي كل نازلة مُنزلا، وفي كل حادث آيات متعلقة. وهذا ما يفرض ان آيات القرآن تكون غير قابلة للنفاد مثل الأعداد الحسابية، فكل رقم مهما عظم باضافة واحد عليه ينتج رقما جديدا في سياق غير متناه. فاضافة رقم واحد هي عملية تكرارية، تشكل دائرة تعيد نفسها، إلا ان محصلتها تنتج التنوع والتجدد والتطور في الأرقام. وهذا تماما ما يحدث في إطار تطبيق قواعد واجراءات علم التأويل على الخطاب القرآني حيث الدائرة التأويلية التي فيها يرد المتشابه الى المحكم هي عملية تكرار، بتكرر رد وارجاع احد الطرفين للآخر، إلا ان هذا التكرار هو المسؤول عن إنتاج التنوع والإنزال المتجدد لآيات الخطاب وتوليد الايات من أنصاف آيات. وبناء على ذلك، فان عصر النص لم ينقض بل هو خالد بخلود النزول القرآني، وكل الأوهام التي بنيت على انقضاء عصر النصوص، تذهب ادراج الرياح. والكلام في هذا الجانب يحتاج الى بحث مستقل، اذ بهذه الفكرة يؤتى على البناء الفكري السائد من القواعد، ليخر هدا. ومن هذا المنطلق الذي رفع وهم انقضاء عصر النصوص، ونقض جمود الحياة الفكرية في الدائرة الإسلامية، نعلن عن استئناف النصوص عصرها من جديد، بنزول أبدي متجدد. والله ولي التوفيق.
|