|
بسم الله الرحمن الرحيم
في الوقت الذي دعا الخطاب القرآني الى تأويل الكتاب بالقول: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟)52-53/7، دعا في موضع اخر من خطابه الى تدبر الكتاب بالقول: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)29/38. وعن ذلك ينشأ سؤال رئيس، هل يدل العنوانان على طريقتين لفهم الكتاب أم ان الأسمين يفيدان حقيقة واحدة ومفهوم مشترك، مما يعني ان هناك طريقة واحدة قد تتعدد اسماؤها وعناوينها واللافتات المعبرة عنها؟ ثم بناء على ترجيح الثاني، ما القيمة من عنوانين لمنهج واحد؟ يمكن ان ننطلق في الاجابة باستنطاق القرآن، ليعرف لنا التأويل من جهة، ثم يعرف لنا التدبر من جهة أخرى، فاذا تطابق التعريفان، دل ذلك على وجود منهج واحد موحد، ورجح الاحتمال الثاني، واذا اختلف التعريفان دل ذلك على وجود منهجين، ورجح الاحتمال الأول. لقد تقدم في كلمة الشهر الماضي تحت عنوان: (القرآن بين التأويل إحكاما والتأويل تشبيها)، ما يحقق مفهوم التأويل بصورة تغني عن استعادة بحث الموضوع مرة اخرى، فنكتفي بالاستدلال بقراءة مما وردت هناك، في تعريف التأويل: "هو الذي أنزل عليك الكتاب متشابها مثاني آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين أوتوا العلم من قبله فيتبعون ما تشابه منه، فينسخون التشابه ثم يحكمون آيات الكتاب، ابتغاء تقليب وجوهه تأويلا وابتغاء استنباط علمه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب". في هذه القراءة يمكن ان نجد تفصيل لمعالم عملية الاستنباط تأويلا، فالكتاب انزل متشابها، اي متناظرا، بتماثل آياته على مستوى اللفظ تارة والمعنى تارة أخرى، وثنائيته تعنى انقسامه الى آيتين، آية محكمة وأخرى متشابهة. والمحكمات تمثل أمهات وأصول الكتاب والمتشابهات تمثل فروع الكتاب، فترد الفروع الى الأصول باقتفاء التشابه، أي التناظراللفظي والمعنوي الجامع بين الآيات القرآنية، وفي ظل هذه الرد تقلب وجوه آيات الكتاب، أي المعاني والدلالات، فتثبت وجوه وتنسخ أخرى، في عملية تهدف لاستنباط علوم الكتاب تأويلا. هذا هو مفهوم التأويل، ومن أراد التواسع يمكن ان يراجع كلمة الشهر الماضي، ففيها الكثير مما يقال. بعد هذا العرض يمكن ان نتجه لتحقيق مفهوم التدبر، فيمكن التعرف على ذلك من خلال فهم المعنى الظاهر للكلمة، فالتدبر كلمة تعرف بوضعها في قبال ضدها، كما في قوله تعالى: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين)26-27/12، فـ (الدبر) كلمة تقابل (القبل). فاذا قلنا أقبل بوجهه وأدبر بوجهه أو أقبل بكله عليه وأدبر بكله عنه، يعني ان الأشياء ينظر إليها في إطار هذا التقابل بأنها تنقسم إلى قسمين، القبل ما يعتبر وجه الشيء، يصادق على ذلك وضع الوجه في قبال الدبر في قوله: (وجوههم وأدبارهم)27/47، والثاني الدبر ما يعتبر ظهر الشيء، يدل على ذلك قوله تعالى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقلب كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي ...)42/18، فالكف ينقسم الى ظهر وبطن، وهو ما يلحظ في مشهد النادم الذي يقلب يديه وهو يصفقهما ببعضهما، فيظهر ظاهر كفه تارة وباطنه تارة أخرى... تبعا لذلك يمكن ان نخلص إلى أن الدعوة الى التدبر في القرآن: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)29/38. هي دعوة للعبور من قُبل الخطاب، الذي يمثل الوجه، الى ظهر الخطاب، الذي يشكل الدبر. وهذا يفرض ان هناك وجها مدركا قيد الملاحظة المباشرة ووجها غير مدرك خارج إطار الملاحظة، يتوارى في الخلف، وهو ما من شأنه أن يثبت ان للكتاب وجها ظاهرا معلنا واخر باطنا مستخفٍ، وهي فرضية صحيحة يمكن البرهنة والاستدلال عليها بقوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون، وما لا تبصرون، إنه لقول رسول كريم(...) تنزيل من رب العالمين)38-43/69. فالكتاب يوضح ان قول الرسول الذي هو القرآن، تنزيل رب العالمين، له وجه مبصر واخر غير مبصر.. وبناء على ذلك، فان الدعوة للتدبر هي دعوة لقلب الآية القرآنية على وجهها للوصول الى الوجه الباطن، ويمكن التدليل على ذلك من خلال قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)29/38، المؤول بالنظير: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها)47/4، فيبين النظير ان التدبر هو طمس وجوه بردها على أدبارها، لجعل الوجوه المدبر بارزة. ويمكن القراءة نسخا: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته فنطمس وجوها فنردها على أدبارها). ويمكن المصادقة على ذلك وتكميل الفكرة من خلال النظير: (ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون)96/12، ويمكن التعرف على الملقي بالنظير: (وكلمته ألقاها)171/4، عندما يتضح ان القاء الكلمة (الآية) على وجهها ينجم عنه الكشف عن حقيقتها والاحاطة بها علما، وهو ما يعبر عنه المقطع: (فارتد بصيرا .. اني اعلم من الله ما لاتعلمون). ويمكن القراءة بالنسخ اكمالا: (القى الكلمة على وجهها فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون). ان تقليب الوجوه: (يوم تقلب وجوههم)66/33، تهدف الى اظهار الوجه الباطن تارة والظاهر اخرى، وهو بمثابة تقليب النادم لكفيه: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقلب كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي ...)42/18، فالكف ينقسم الى ظهر وبطن، والنادم يقلب يديه وهو يصفقهما ببعضهما، بحيث يظهر ظاهر كفيه تارة وباطنهما تارة اخرى. وتتوخى عملية قلب الوجه الظاهر للوصول الى الوجه الباطن، تتوخى استنباط البصيرة القرآنية، وذلك عن طريق ضرب مثل الوجه الظاهر الذي هو عينه الوجه الباطن. فقوله تعالى: (يضربون وجوههم وأدبارهم)27/47، يؤول الى النظير: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)48/17، فيمكن القراءة بالاكمال تأويلا: (يضربون [امثال] وجوههم وأدبارهم)، فعندما نضرب مثل الوجه الظاهر نصل الى الوجه المدبر الباطن، وعندما نضرب مثل الوجه المدبر الباطن نصل الى باطن الباطن ... الخ، بهذه الطريقة تتسلسل العملية: (يا جابر! إن للقرآن بطنا وللبطن بطن وله ظهر وللظهر ظهر. يا جابر! وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن )(بحار الأنوار:89/95). وعلى هذه الطريقة يعول في تفصيل الكتاب، وفي الكشف عن بيان القرآن الشامل والكامل، الذي يقول عنه تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، والذي يقول عنه الباقر (ع): (إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا مَضَى، ومَا يَحْدُثُ، ومَا هُوَ كَائِنٌ، وكَانَتْ فِيهِ أَسْمَاءُ الرِّجَالِ فَأُلْغِيَتْ، وإِنَّمَا الِاسْمُ الْوَاحِدُ فِي وجوه، لَا تُحْصَى يَعْرِفُ ذَلِكَ الْوُصَاةُ)(وسائل الشيعة:13/196) . فيتضح ان ما التدبر إلا القاء كلمات الخطاب على وجهها في عملية تعرف بافتان الخطاب عبر تقليب وجوهه: (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه)11/22، وهو الذي يقود الى النظير: (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، فالتناظر بين طرفي الخطاب بتكرر كلمة (ابتغاء) تؤدي الى تعريف الفتنة بالتأويل. فإذا ما قرأنا نسخا بتعريف الفتنة بتقليب الوجوه، كما تفرض الآية: (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه)11/22، لنقرأ: (ابتغاء افتان الخطاب بتقليب وجوهه وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)، او القراءة كالتالي: (ابتغاء تقليب وجوهه تأويلا وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)، ليتحدد تعريف التأويل بتقليب الوجوه. وهكذا نصل الى ان التدبر هو التأويل حيث يجتمع العنوانان على معنى واحد هو تقليب الوجوه. والدليل على ذلك القراءتين؛ الأولى التي تعرف التدبر: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته فنطمس وجوها فنردها على أدبارها)، والثانية التي تعرف التأويل: (ابتغاء تقليب وجوهه تأويلا وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم). فالتقليب هو عملية طمس للوجوه الظاهرة مما يؤدي الى أخفائها لتكون باطنا، واظهار للوجوه المدبرة مما يؤدي الى إبرازها لتكون ظاهرا. فالوجه الظاهر المشتبه بالتأويل يقلب الى وجه باطن مبصر، فقوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه،... ، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق)107-108/3، فالله يعبر عن الوجه الظاهر المشتبه بالوجه المسود، تعبيرا عن تلاشي معناه تشابها، بينما يمثل الوجه الباطن بانه الوجه المبيض، تعبيرا عن انجلاء معناه إحكاما، ويختم الخطاب بنقل السياق من انشغاله بالوجه الظاهر، الذي يتناول الحديث عن البشر يوم القيامة، الى الحديث عن آيات الكتاب التي تقوم قيامتها بممارسة التأويل فيها، وذلك عندما يختم بالقول: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق)، أي ان الوجوه المسودة والمبيضة هي آيات الكتاب المنقسم الى وجهين ظاهر وباطن ... لقد اوضحت الايات ان القاء الكلمة على وجهها تدبرا، يكشف عن الوجه المدبر الذي يمنح المتدبر البصيرة، ويعلمه علم ما لا يعلم: (ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون)96/12، كما يتضح ايضا، ان في ذلك العلم الحياة، التي تبعث في الخطاب بعد ان بدى تاريخيا ميتا يتعلق بالأمم الغابرة: (فألقاها - اي الكلمة على وجهها- فإذا هي حية تسعى)20/20، فالتدبر هي العملية التي فيها تدب الحياة في الخطابات تأويلا. مما يعني ان الخطاب في وضع الميت وان فاعلية التدبر تأويلا هي عملية التي تهب الروح للخطاب وتعيد بعثة للحياة: (وكلمته ألقاها - على وجهها - إلى مريم وروح منه فآمنوا)171/4، انها تشبه الحياة التي دبت في رحم مريم بمولودها النابغة عيسى بن مريم، وان القاء الكلمة على وجهها هو العملية التي تهب الروح لتلك الكلمة، كما ترمز الروح هي المعنى المتجدد.. ولكن كيف يتم تقليب وجوه الآيات تدبرا، ان العملية تتم كما في المعالجة التي يعرضها هذا البحث، انه صرف للكلمات من دلالاتها الظاهرة الى دلالات أخرى، تكشف عنها المقارنة بين النظائر والجمع بين الامثال، ويترتب على ذلك ان تخرج الكلمة من موضوعها الظاهر الذي تشتغل به الى مواضيع غير محصاة تحتملها، وتتعلق بكثير من قضاياها التي ينتمي بعضها للماضي وبعضها للحاضر وبعضها للمستقبل. والمهم ان عملية الصرف من وجه الى اخر هي عملية منهجية يحكمها التناظر .. ولما كان التدبر هو علم التأويل، لذلك فان قواعد علم التأويل تتعلق بالايات التي تتناول التدبر، فقد عرفنا ان التأويل يقوم على اتباع التناظر (التشابه) بين الايات، لتصريف وجوهها: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله)، فان هذا الاتباع ذاته هو الذي يحث عليه في إطار عملية التدبر، وذلك باعطاء تصور للخطاب بانه مجتزء: (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع)66/15، ومن اجل تجاوز الاجتزاء والحاق المقتطعات ببعضا البعض، يقول تعالى: (واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون)65/15، ولكن ما معنى اتباع ادبارهم؟ يمكن فهم هذه العبارة برد قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم)25/47، الى النظير: (فارتدا على آثارهما قصصا)64/18، فيصرف النظير وجه (ادبارهم) الى وجه هو (اثارهم)، ويفسر عبارة (ارتدوا على ادبارهم) او (اتبعوا ادبارهم) بوجه واضح يفيد (قصهم لاثارهم)، مما يعني ان الاتباع او الارتداد على ادبارهم يؤول ويفسر باتباع التناظر للكشف عن الجزء الذي يحتاج إلى ان نعطفه على الجزء الاخر الذي يتواصل ويتكامل معه: (فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون)44/23، فالخطاب القرآني هو معلومات مقطعة وممزقة الاوصال: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات)19/34، ومن شأن الحديث عن القطع والتقطيع ان يفرض الحديث عن الوصل والتوصيل، الذي فيه تتبع النظائر بعضها بعضا، ثم يختم الخطاب بالقول، وبُعدا للقوم الذين لا يؤمنون بهذه الطريقة في فهم الخطاب. وهذا التقابل بين الوصل والقطع يشير اليه بكل وضوح قوله تعالى: (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)27/2، فوضعت هذه الاية القطع في قبل الوصل، واعتبرت من الافساد ابقاء علاقة الانقطاع بين الآيات ومنع وصلها تأويلا. فكانت هذه الاية تتضمن نبوءة بما سيقوم به المنافقون في المستقبل، وتحديدا بعد غياب الرسول، حيث سيفرضون على القرآن وجها ظاهرا وحرفا واحدا، يقرأ قراءة ظاهرة، وبذلك يمنعون وصل الآيات ببعضها تأويلا، وتصريف وجوهها تدبرا، في عملية تهدف ابقاء الخطاب متقطع الأوصال، يمثل أنصاف مبعثرة واشلاء معلومات محدودة الجدوائية، فكان الهدف هو تجهيل الأمة للتمكن من الاستمرار في استحمارها... وعن عملية الوصل والقطع تدبرا، تحدث الإمام علي في بيان مطول، فقال من جملة ما قال: (المنقطع المعطوف)، فقال: (والمنقطع المعطوف في التنزيل، هو أن الآية من كتاب الله، عز وجل، كانت تجيء بشيء ما ثم تجيء منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجيء بمعنى غيره، ثم تعطف بالخطاب على الأول. مثل قوله تعالى: (وإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ثم انقطعت وصية لقمان لابنه فقال: (ووَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ) إلى قوله (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ثم عطف بالخطاب على وصية لقمان لابنه فقال: (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو فِي السَّماواتِ أو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ). ومثل قوله عز وجل: (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ثم قال تعالى في موضع آخر عطفا على هذا المعنى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) كلاما معطوفا على أولي الأمر منكم وقوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ) ثم قال تعالى في الأمر بالجهاد: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُم) ومثله قوله عز وجل في سورة المائدة: (وما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ) ثم قطع الكلام بمعنى ليس يشبه هذا الخطاب، فقال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) ثم عطف على المعنى الأول والتحريم الأول فقال سبحانه: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).)(المجلسي، بحار الأنوار: 90/ 31) . كل ذلك يأتي في سياق النظر الى الخطاب القرآني باعتباره مجتزءا وتمثل آياته أنصاف آيات، كما يؤكد ذلك الإمام علي أيضا في موضع آخر، عندما قال: (ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى)، وضرب لذلك الأمثال، ثم علق على ذلك بالقول: (فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة العنكبوت، ومثله كثير)(علي القمي، تفسير القمي، 12). وكما عرفنا في ظل التأويل ان آيات الكتاب تنقسم الى آيتين متشابهة ومحكمة، (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، فان الله تحدث عن رمز الى المتشابه او التشابه بالليل، والى المحكم الإحكام بالنهار، كما يدل على ذلك النظير: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17، وبناء على ذلك يمكن فهم الفكرة التالية في اطار التدبر، حيث قوله تعالى: (والليل إذ أدبر، والصبح إذا أسفر)33-34/74، فالتدبر هو ادبار لليل الذي يرمز الى التشابه، وتمكين للنهار الذي يرمز الى الإحكام. مما يعني ان مجال التدبر يشمل الآيات المتشابهات والآيات المحكمات، وذلك عندما يرد المتشابه الى المحكم نسخا، هذه زاوية من زوايا النظر الى هذه العملية الفكرية، ومن زاوية أخرى يمكن القول، هو تفصيل الأصل المجمل بوصله بفروعه التي تمثلها النظائر. وهكذا نخلص الى ان التدبر هو عملية تتبع للنظائر والحاق بعضها لبعض، في عملية تؤدي الى تقليب وجوه الخطاب، وهذه العملية ذاتها هي المعنونة بالتأويل. فليس هناك فرق بين التاويل والتدبر، وهذا ما يطرح السؤال المتقدم، عن الفائدة المرجوة من تكثير عناوين حقيقة واحدة، فالجواب، ان ذلك يأتي في إطار تصرف الكلمة في اللغة على وجوه واسماء غير متناهية، يعمل فيها كل وجه واسم على لحظ الموضوع في بعد من ابعاده، ويرصدها في جانب من جوانبها، ويشاهدها من زاوية من زوايها. وان جمع عناوين الموضوع يؤدي الى رسم صورة ثلاثية الابعاد تكشف الحقيقة المراد اجلاؤها. وبناء على هذه النتيجة، فان المشاريع، المعاصرة، الباحثة عن فهم للقرآن تحت عنوان (التدبر)، لا خلاص لها من العقم الا باعتماد التدبر بالصيغة التي يوصفها القرآن، ههنا، والتي أفادت ان التدبر هو التأويل، وان هذه العملية المنهجية محددة في خطوات صارمة، فكل تجاوز لهذا التوصيف المنهجي تعصبا لمقولات الاباء فيه وقوع في ضلال التقول على الله رأيا: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى)23/53. فاتبعوا التدبر كما انزل الله في كتابه ولا تقولوا كما قال الاولون: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)170/2.
|