معيارية استثنائية

إلى جانب معيارية الكتاب للحديث، أشارت الروايات إلى معيار استثنائي يلجأ إليه المضطر، عند الضرورة الماسة للعمل الفوري برؤية الإسلام في إطار معين، قد يجد المؤمن نفسه أمام حديثين متناقضين، ولا يستطيع عرضهما على الكتاب ولا السنة الثابتة، لأسباب معينة، فلعدم القدرة على الترجيح بينهما بالعرض يأمر الشرع بالخروج من هذا المأزق بتحكيم معيارية استثنائية هي معيارية: «مخالفة العامة»، التي ينص عليها الخبر عن سماعه بن مهران قال: «سألت أبا عبدالله(ع) فقلت: «يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه، قال (ع): لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله، قال: قلت: لابد من ان نعمل بأحدهما، قال: خذ بما فيه خلاف العامة»[43]، فمدلول هذا الحديث ان الأمر متوجه بالتوقف في الأحاديث المتضاربة فيما بينها، حتى ترد إلى العالم القادر على الحكم فيها بعرضها على الكتاب أو السنة، فإذا كان لابد من الأخذ بأحدهما للضرورة فيؤخذ بما فيه خلاف العامة*، فمن أين تستمد معيارية خلاف العامة مشروعيتها؟.

نجد سند هذا الحديث في القرآن في مجموعة من الآيات المتراكبة فيما بينها أولها قوله: (فلا تنازعوا فتفشلوا ويذهب ريحكم)46/8، ولكن الأمة بعد الرسول بغي بعضها على بعض في أمر الخلافة وتفرقت، وذهب ريحها. لذلك برأ الله رسوله من الفرق التي بغت فقال: (الذين فارقوا دينهم لست منهم في شيء)159/6، فالفِرق والمذاهب التي بغت على أهل بيته فارقت دينها. وبذلك لم تستجب لأمر الرسول الناهي عن التنازع، الذي أشارت إليه الآية، وهذا يعني قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون أهواءهم)50/28، فمثلت المذاهب والفرق (العامة) اتجاه الأهواء، فأصبح الرشد يتحرى فيما خالف الهوى، فعند الضرورة يلتمس الحق في الحديث المخالف للهوى، المتمثل في مذاهب الرأي، حيث ان لم يمثل ذلك كل التقوى، فهو أقرب للتقوى، فشكلت هذه الآيات الخلفية القرآنية، التي تبرر معيارية «خلاف العامة».

وإن وافق كلا الخبرين العامة فإن معيارية الأخذ بما فيه خلاف العامة تظل سارية المفعول، حيث بالنظر إلى «ما هم إليه يميلون»، كما يقول الصادق لمحاوره عمر بن حنظله: «ثم وجدنا أحد الخبرين يوافق العامة والآخر يخالف، بأيهما نأخذ من الخبرين؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه يميلون، فإن ما خالف العامة فيه الرشاد قلت: جعلت فداك، فإن وافقهم الخبران جميعا؟ قال: انظروا إلى ما تميل إليه حكامهم وقضاتهم، فاتركوه جانباً وخذوا بغيره. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: اذا كان كذلك فارجه وقف عنده، حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، والله هو المرشد»[44]، فنجد أن معيارية ما فيه خلاف العامة تتحول إلى ما إليه يميلون، عند تطابق الحديثين مع ما يرويه العامة، فيتحدد المعيار بـ: «ما فيه خلاف العامة أو ما إليه يميلون».

يمكن أن نتلمس حقيقة الأحاديث التي تشرع معيارية مخالفة العامة في موقف المذاهب التاريخي من مدرسة التأويل، التي تمحورت حول شخص أئمة أهل البيت بعد رحيل الرسول، فالعامة دأبت على مناقضة علي بن أبي طالب (ع) ليس في فضائله فحسب، كما قال معاوية لولاته: «لا تتركوا فضيلة لأبي تراب وأهل بيته إلا وتأتوني بنقيضها فإنه أحب اليّ»، بل وتعدوا ذلك إلى الأحكام التي رويت عن الإمام علي، حيث قاموا بمناقضتها، وفي ذلك يقول الإمام الصادق (ع) للراوي: «أتدري لِم أُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت لا ندري. فقال: ان علياً (ع) لم يكن ليدين الله بدين إلا خالفت عليه الأمة إلى غيره، إرادة لإبطال أمره وكانوا يسألون أمير المؤمنين (ع) عن الشيء لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضداً من عندهم ليلبسوا على الناس»[45]، فنجد في هذا الخبر ليس إتباعا للهوى فحسب، بل وإصرارا على مخالفة الحق، مما يجعل الرشاد متأكدا في مناقضتهم.

وينتهي الكلام في حوار الإمام الصادق (ع) مع عمر بن حنظله، إلى التوقف في الخبرين المعمول بهما عند العامة، وعدم إعطاء حكم يرجح خبرا على آخر، والكف عن اعتماد اي منهما. إلا ان التوقف ليس نهائياً، وإنما حتى يتسنى اللجوء إلى الأعلم المعبر عنه بالإمام في قوله: «وقف عنده حتى تلقى إمامك»، فإمامه هو القادر على ردّ ما تشابه عليه إلى المحكم من الآيات، وإبطال الحديث الآخر بإثبات تناقضه مع القرآن. وعندما يتعذر التوقف والرد إلى الأعلم، فإن حكم الاضطرار يبدل الموقف إلى الإباحة المتمثلة في التخيير، حيث الأخذ بأي منهما، كما يبيح الشرع الميتة عندما يضطر المضطر اليها غير باغ ولا عاد، ففي الخبر: «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك»، فكلمة «التسليم» في الحديث تفهم على أحد وجهين، «التسليم» من الاستسلام للظرف القاهر الذي ينشىء الاضطرار، أي بأيهما أخذت من باب الاضطرار وسعك، أو تفهم بمعنى بأيهما أخذت من باب التسليم لأهل البيت (ع) وما روي عنهم وسعك، ولا يستقيم الوجه الثاني الا بتقويمه بالوجه الأول. ولما كان أصل مخالفة العامة مخالفة الهوى، فإننا عند التخيير نجد معيارية مخالفة العامة حاضرة بالدعوة للأخذ بما فيه خلاف هوى النفس، وخلاف ميولها من الحديثين.

مما تقدم يتبين ان تحكيم معيارية «ما خالف العامة» يقدم على الأخذ بالتخيير، حيث التخيير هو السبيل الأخير، الذي يلجأ إليه المضطر مع عدم القدرة على التوقف للرجوع بالمتشابه إلى أهله العالمين به، التزاما بقوله: (ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمهم الذين يستنبطونه منهم)83/4، ونجد ان التخيير ليس بالإباحة التامة وإنما معيار مخالفة العامة حاكم عليه.