عرض الحديث

تعرض تراث الحديث إلى عملية وضع منظمة حاولت تحريفه وتزييفه، كما تعرض إلى الاجتزاء جراء عمليات الحرق لصحائفه وقتل حملته، مما فرض ضرورة البحث عن أداة منهجية لنقد ذلك التراث، وتحقيقه، وتمييز الحق فيه من الباطل. والحاجة إلى الكشف عن معيارية صارمة في عدالتها، تحفظ للأحاديث اعتبارها، فكان العرض على الكتاب المعيارية المحققة لذلك، والتي لا غنى عنها في عملية تمحيص الأحاديث. وان ما يفرض هذه المعيارية ويمنحها مصداقيتها العلاقة القائمة بين الأحاديث والقرآن، فالأحاديث سواء أكانت نبوية أو قدسية هي أفكار قرآنية، وان إنتاجها غير مقتصر على شخص الرسول، وانما يشاركه في ذلك فقهاء الأمة باعتبار ان ما الحديث الا ما نطق به القرآن، نطقا يعتمد على الإيحاء الناتج عن مقارنة الآيات الناظرة إلى بعضها. فليست الأحاديث كفتاوى إلا تعبيرا عن فتوى الله القائل في خطابه للرسول: (يستفتونك قل الله يفتيكم)176/4، وفتوى الله هي حكم الكتاب المنزل، كما يقول سبحانه: (وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، فلما كانت هذه هي حقيقة الأحاديث في نسبتها إلى الرسول الذي منطقه القرآن، أو نسبتها إلى الله باعتبار القرآن كلامه، تبين ان الأحاديث لايمكن ان نحققها بعيدا عن الكتاب، لذلك كان العرض على الكتاب معيار أحاديث السنة.

تعتبر عملية العرض عملية نسخ، والنسخ يرد بمعنى الإبطال أو الإثبات، فاذا ما طابق الحديث القرآن أو السنة الثابتة به، فعملية النسخ تقوم بدور الإثبات للحديث، واذا ما ثبت التباين بين الحديث والقرآن، فعملية النسخ تقوم بدور الإبطال. ويشرح الرسول عملية العرض في الحديث المروي عنه: «فما اتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله»[35]، فالعرض عملية اعتبار، وقد عرفنا الاعتبار، فيما مضى من مباحث هذا القسم، بانه عنوان يترادف مع التأويل، أي اننا نستطيع ان نقرأ الحديث الآنف بالإبدال التعويضي: «اقرؤوا القرآن وتأولوه فما وافق كتاب الله فانا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله»، ثم يأتي حديث الإمام على الرضا ليكمل معالم الفكرة: «ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فان كان يشبههما فهو منا وان لم يشبههما فليس منا»[36]، وعن العبد الصالح: «اذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله فان أشبههما فهو حق، وان لم يشبههما فهو باطل»[37]، فيتضح من هذين الحديثين ان الاعتبار (:التأويل) يعتمد على التشابه في عملية تلحظ التناظر بين النصوص، فتبدأ عملية العرض بلحاظ الحديث بمثابة آية نقيسها على أشباهها من آيات القرآن، فننتقل من الحديث إلى الآية القرآنية المناظرة الموجودة في الظاهر القرآني، الذي قد يحوي فكرة الحديث بالكامل، فنكتفي عندئذ بذلك الظاهر. أو يمكن ان يحوي جزء من الفكرة، تارة أخرى، فيعتبر الظاهر حينذاك مطلع للفكرة يحتاج لان يرد إلى بقية النظائر التي تؤول اليه، فنؤلف من جملة تلك الأشباه والنظائر فكرة، اما ان تتوافق مع الحديث واما ان تتناقض معه وتخالفه، وعلى ضوء ذلك يتم قبول الحديث أو ردّه، وتحديد الحق من الباطل اذا كان الحديثان متناقضين، ويعزز هذا البيان فهمنا لعملية العرض، باعتبارها عملية استنباط للحديث.

ان النتائج التي تتمخض عنها عملية العرض حاسمة، حيث ما وافق الكتاب حديث يسند إلى الرسول، وما لم يوافق الكتاب زيف مفترى على الرسول، لان القرآن حوى كل شيء، ولم يتجاوز البيان النبوي القرآن، فما لم يصادق عليه القرآن فالرسول بريء منه، هذا الحسم في الحكم على الأحاديث رفضا وقبولا، لا يمكن ان تكفله اي معيارية أخرى غير معيارية العرض. التي تجعل الكتاب يعمل بمثابة المرشح الصارم، الذي يخلص السنة من الأحاديث المتناقضة والمتكاذبة، ليبقي على تلك الأحاديث التي لها سندها القرآني، بذلك يحافظ القرآن على نقاء السنة ويصونها لتبقى دائما وابدا منسجمة مع فكره. وتشكل الآيات والأحاديث منظومة من النصوص تصدق بعضها بعضا، وتأبى أن تتكاذب أو تتنافر تناقضا. ان ضرورة الرجوع بالحديث إلى القرآن نابعة من تعهد الله سبحانه بحفظ القرآن، فصار حفظ السنة متوقفا على إرجاعها إلى القرآن. ويؤكد أهمية المرجعية القرآنية الحديث: «من لم يعرف الحق من القرآن لم يتنكب الفتن»[38]، حيث لا يمكن تصور مرجعية أخرى بالإمكان أن تحكم الأحاديث بصورة قاطعة نفيا وإثباتا، بعد غياب معيارية العرض على الكتاب(*).

إن العرض عملية استنباط، والفارق بين العرض والاستنباط فارق شكلي، ففي حالة الاستنباط ينطلق البحث ليحدد الآية المطلع، التي تتعلق بالموضوع المبحوث ثم نستقرئ نظائرها قبل ان نصل إلى بناء الوجه الذي فيه الفتوى، التي إذا ما عبرنا عنها بعبارة تؤديها استحالت إلى حديث. بينما في حالة العرض ينطلق البحث من حديث نبوي أو قدسي، مشكوك في نسبته إلى الرسول والكتاب، فحينها ننطلق لتحقيق هذه الفكرة بإعادة استنباط فكرة الحديث، بالبدء بتحديد المطلع الممثل لفكرة الحديث. ليتبين ان الفارق بين العرض والاستنباط يتجلى في وجود فكرة التي يراد تحقيقها، أو افتقاد تلك الفكرة، وإلا فالعرض عملية استنباط. والدائرة الناسخة المعبرة عن العرض هي الشكل رقم (3):

 

 والسؤال: ما هي الآيات القرآنية التي تشكل السند المشرّع لعرض الحديث على الكتاب، وبالتالي حاكمية الكتاب على السنة؟!

والجواب يمكن ان يؤسس له قوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)6/49، فما يستفاد من الدلالة المباشرة للآية؛ ان الموقف من حديث الفاسق يتمثل في التحقق والتبين منه، لا الرفض المطلق له. وهذه الفكرة تطرح التساؤل عن حقيقة قوله: (فتبينوا)، ويجيب القرآن بقوله: (قد تبين الرشد من الغي)256/2، (تبين لهم الهدى)25/47، (تبين لهم الحق)109/2، فمعنى التبين هو تمييز الحق من الباطل في حديث المتهم بالفسق، والسؤال الثاني: كيف نتبين؟ويجيب القرآن: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، فالقرآن تبيان لكل شيء، لذلك كل شيء معروض على الكتاب، ومن جملة ذلك الشيء الأحاديث: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)59/4، فالرّد إلى الله رّد إلى كتابه والرّد إلى الرسول رّد إلى سنته، وحينما يتبين من العرض المعتمد على منهج التأويل، صحة فكرة الحديث في نسبتها إلى الكتاب والرسول من بطلانها، يتحدد الموقف من المحدِّث، الذي جاء به، وذلك قوله: (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)43/9، من هذه الخلفية القرآنية انطلقت الأحاديث التي تنادي بالعرض على الكتاب كمعيارية حاسمة في إثبات الأحاديث أو نفيها، ومن جملة تلك الأحاديث: «يا محمد بن مسلم ما جاءك من حديث عن بر، أو فاجر فاعرضه على كتاب الله، فان وافقه فخذ به وان خالفه فرده»، فواضح في هذا التوجيه الصادر عن الإمام الصادق للفقيه محمد بن مسلم ان حديث الفاجر أو الصادق ليس بمردود أو مقبول مطلقا، بناء على الحكم على الراوي بالفجور أو الصدق، وانما هو معروض على الكتاب، الذي يحدد صحة الحديث من بطلانه، وعلى أثر العرض يترتب الحكم على الراوي بانه كذب فيما أتى به، أو أخطأ توهما، أو صدق في حديثه، ويمكن الحكم على الراوي بعد ان نلاحظ الصفة الطاغية كما يكشف عنها العرض: هل الغالب الأحاديث الصادقة أم الأحاديث الكاذبة؟ فالجواب على هذا الاستفهام يحدد صدق الراوي من كذبه.

ان ثبوت الحديث حال عرضه على القرآن يحوّل ذلك الحديث إلى معيارية تابعة لمعيارية القرآن، بالإمكان ان تعرض عليه أحاديث أخرى. وهذا يكشف معنى الدعوة لعرض الحديث على السنة، حيث المقصود من السنة تلك الثابتة بالكتاب، ويقرر هذا التصور الإمام الصادق في مقولته: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف»[39]، فهذا الحديث يطلب عرض الحديث على القرآن ليثبت موافقته له، ليمنح الاعتبار، وفي مقولة أخرى له يقول: «لا يصدق علينا إلا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه»[40]، ليثبت بهذا الحديث عند اقترانه بالحديث المتقدم ان المراد من السنة هي السنة الثابتة بالكتاب. والدائرة الناسخة المعبرة عن عملية عرض الحديث على السنة الثابتة بالكتاب يمثلها الشكل الآنف المرقم بـ(5):

والى جانب حاجة الأحاديث إلى القرآن كمعيار لإثباتها وتحقيق فكرتها، تفتقر الأحاديث للقرآن كمصدر لإنتاج بقية الرؤية، التي يتناولها الحديث المعروض، إذ المسيرة التاريخية الطويلة التي اجتازتها الأحاديث وتعرضت فيها لمصادرة أداة إنتاجها تارة، ولإهمال تدوينها تارة، ولحرق صحائفها تارة أخرى، ولتزييفها وصنعها تارة رابعة، أفقدت التراث الحديثي جانباً كبيراً منه بتعرضه للضياع وبقي منه أشلاء، فقد نجد فيه الحديث المتشابه دون المحكم، أي إننا نجد المجمل دون المبين، أو العام دون الخاص، أو الظاهر دون الباطن، إلى ما هنالك من وجوه المحكم والمتشابه. فكان الرجوع إلى القرآن ضرورة لتجاوز هذه الإشكالية، والنقص المخل في الرؤى النصوصية، فنرجع من الحديث إلى الآية المناظرة، التي تمثل سند ذلك الحديث، ثم نبدأ نتتبع بقية أجزاء الرؤية القرآنية، التي يتناولها الحديث، فيصبح العرض على القرآن بعد ان يصحح الحديث يُمكننا من متابعة إكمال الرؤية  في موضوع الحديث. بعد هذا نقدم مثالا لعملية عرض الحديث في إطار القرآن تارة، وفي إطار الحديث تارة أخرى:

والنموذج يروى عن الإمام الجواد في حواره مع يحيى بن أكثم القاضي العباسي، اذ قال للإمام (ع) ان النبي (ص) قال: «لو نزل العذاب لما نجى منه إلا عمر» فقال (ع): هذا مُحال ان الله يقول: (ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، فأخبر سبحانه ألا يعذب أحداً مادام فيهم رسول الله (ص)، وماداموا يستغفرون»[41]، فالإمام الجواد انتقل من موضوع الحديث إلى موضوع الآية المناظرة، ليصل إلى الآية القرآنية التي لها علاقة، لتظهر تلك الآية تناقضاً صريحاً مع نص الحديث، ما يعني كذب على رسول الله حين نسب اليه، لأن رسول الله منطقه القرآن لا يعدوه. هذا من جهة من جهة أخرى، يمكن عرض ذلك الحديث على الأحاديث الأخرى الثابتة بالقرآن، كقول الرسول (ص): انزل الله عليّ أمانين لأمتي (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة»[42]، فحين نقرن الحديث الآنف بهذا الحديث، الذي يحمل سنده القرآني معه، يتبين بطلان الحديث المعروض.

وبهذا نكون قد عرضنا الحديث الآنف على القرآن فنُسخ نسخ بطلان، ثم عرضناه على السنة الثابتة بالقرآن لنؤيد نسخ البطلان الآنف، وفي هذا نموذج لعملية العرض في إطار القرآن وفي إطار السنة الثابتة.