آلية  الاستنباط

إن قواعد منهج التأويل التي طبقتها العملية الفقهية الأولى على الآيات القرآنية، اطردت لتشمل تطبيقاتها الأحاديث، ويمكن ان نكتشف شمولية دلالة مقولات الرسول المتقدمة في المنهج للأحاديث، كما شملت الآيات القرآنية من قبل، بالمقارنة بين الإطارين في النقاط التالية:

صنف القرآن آياته إلى آيات محكمات وأخر متشابهات، ويطال هذا التصنيف الأحاديث، وفي ذلك قال الرسول (ص): «من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدى إلى صراط مستقيم»، ثم أضاف: «ان من كلامنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومحكماً كمحكم القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا».

وقد تحدث الرسول عن النسخ في القرآن، فقال: «القرآن ينسخ بعضه بعضا»[28]، وفي هذا السياق قال الباقر (ع) «أنزل القرآن ناسخاً ومنسوخاً»، فنجد تقسيم الناسخ /المنسوخ حاصراً في الأحاديث، فعن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله قال: قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول الله (ص) لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»[29]، مما يؤكد أن النسخ يطرد في الأحاديث.

ويظهر الرسول تصرف القرآن إلى وجوه: «ان القرآن حمال ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه»، وفي هذا الإطار قال علي (ع): «القرآن حمال ذو وجوه»، وعندما وصف الإمام علي أحاديث الرسول، قال: «وقد يكون من رسول الله الكلام له وجهان»[30]، وعن أبي بصير عن الصادق (ع) قال: «إني لا تكلم بالكلام يتصرف على سبعين وجهاً كلها لي منها المخرج»، فنجد ان تصرف الأحاديث امتداد لتصرف آيات القرآن.

ولما كانت الأحاديث كالآيات منها محكمات ناسخات، وأخر متشابهات منسوخات، فان رد المتشابهات إلى المحكمات تنسخ التشابه، وتصرّف الوجوه، مما يؤدي إلى الكشف عن مجموعة الوجوه المتراكبة التي فيها الفتوى، كما قول الإمام علي (ع): «تأويل كل حرف في القرآن على وجوه، بالمعرفة بالناسخ والمنسوخ، ولهذا قال الإمام الرضا(ع): «في كلامنا متشابه كمتشابه القرآن ومحكم كمحكم القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها، ولاتتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا».

وعملية الإبدال التي تحدث في الآيات بقراءة بعضها في بعض، كما يعبر عنها الرسول: «اقرؤوا كما علمتم فانما هو كقول أحدكم هلم وتعال»[31]، كذلك هي القضية تجري بقراءة الأحاديث بعضها في بعض، ومع وجود حرية التعبير عن فكرة الأحاديث، بأي عبارة تؤدي المعنى، قال الإمام الصادق (ع) للراوي الذي سأله عن تعذر التزامه بالعبارة: «إن أصبت المعنى فلا بأس إنما هو بمنزلة تعال وهلم، وأقعد واجلس»[32]، أي ان الأحاديث متصرفة بالإبدال، الناجم عن قراءة بعض الأحاديث في بعض تارة، وتارة أخرى بالإبدال الهادف إلى رواية فكرة الحديث بعبارة أخرى تؤديها، وينجم عن قراءة بعض الأحاديث في بعضها، نظم وتأليف أحاديث جديدة ذات وجوه ودلالات حديثه.

على ضوء ما تقدم، أصبح الفقيه لا يقتصر على تصريف وجوه الكتاب بقراءة بعضه في بعض، بل يتعداها ليشمل تصريفه وجه الأحاديث باستنطاقها بالكيفية ذاتها، وقد قال الرسول: «لن يكون الرجل فقيها حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة»، كما روى عن الإمام الصادق (ع) قوله: «لايكون الرجل منكم فقيها كل الفقه حتى يعرف معاريض [معاني] كلامنا ان كلامنا يتصرف على سبعين وجها لي من جميعها المخرج» وقوله: «انتم افقه الناس اذا عرفتم معاني كلامنا ان كلامنا ليتصرف على وجوه».

وفي الختام، نجد حديثا جامعا للإمام علي يصرح فيه بمماثلة خصائص الأحاديث بخصائص القرآن، عندما يقول: «ان أمر النبي مثل القرآن ناسخ ومنسوخ، خاص وعام، محكم ومتشابه، وقد يكون من رسول الله الكلام له وجهان»، فيصرح الإمام علي بالمماثلة بين كلام الرسول وكلام القرآن، فيذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أهم وجوه التماثل. لينتج عن ذلك، ان الأحاديث أفكار قرآنية، تحمل خصائص القرآن، وتمثل امتدادا لنصه من ناحية الفكرة، وتعمل فيها الآلية التأويلية.


الدائرة التأويلية والأحاديث

وفي ظل هذا السياق المقارن، الذي فيه تسري قواعد المنهج على الأحاديث، كما جرت على الآيات تتفصّل الدائرة التأويلية الرئيس، المتقدم ذكرها، إلى دوائر فرعية، تظهر أثر تضمّن الحديث في دلالة الآية القرآنية، كوجه من وجوهها:     

الشكل (1)

فنجد في هذا الشكل إن النتيجة المتمثلة في الآية المحكمة المؤلفة من الآيتين المتقدمتين، عندما يطرأ عليها أي استفهام، تتحوّل في الجزء المتساءل عنه إلى آية متشابهة، فتنتقل تلقائيا إلى موقع الآية المتشابهة، للبحث عن الآية المحكمة لها، والناسخة للتشابه، مما يعني دوران الدائرة من جديد، فتتراكم الآيات مع كل دورة تدورها الدائرة، إلا إن هذا الرسم الإيضاحي لا ينتج فقط آيات قرآنية، بل هو قابل لأن ينتج الأحاديث، مادام الحديث يعبر عن فكرة الآية القرآنية، ولذلك صار بالإمكان إعادة رسم الدائرة كالتالي:  

           الشكل (2)

إن التعبير عن الفكرة التي توحي بها الآية المحكمة في الشكل الأول، بعبارة تؤدي معناها وتوفى بمضامينها الدلالية، كفيل بتحويل فكرة الآية الناتجة إلى حديث نبوي أو قدسي، حسب ما تحدده الصياغة، وكما يمثل ذلك الشكل الثاني. ويمكن متابعة الرؤية التي يطرحها الحديث الناتج، بتدوير رحى الدائرة لتضيف المزيد من الآيات، التي توحي بالمزيد من تفصيلات فكرة الحديث، أو تنتج المزيد من الأحاديث. وتعتبر هذه الدائرة المختلفة في النتيجة طبيعية، ما أم الحديث يرادف الآية القرآنية. ويمكن النظر إلى الدائرة الأساسية بلحاظات إضافية أخرى، تتولد عنها دوائر تعتبر تفصيلا للدائرة الأم (الشكل رقم 1)، لتعكس تفاعل الآيات القرآنية بالأحاديث، وعبر هذه العلاقة بين النصوص تتحدد آلية الاستنباط، فتكمل الصورة، كالتالي:

 

الشكل (3) 

الشكل (4)

الشكل (5)

 

 

ويمكن تلخيص ما تظهره هذه الدوائر من علاقة بين الآيات والأحاديث في أربعة عناوين تفاعلية، حيث التفاعل بين النصوص عنونّاه بالنسخ، كما تقدم إيضاح ذلك، هذه العناوين الأربعة هي:

نسخ الحديث بالحديث.

نسخ القرآن بالحديث.

نسخ الحديث بالقـرآن.

نسخ القرآن بالـقــرآن.


أولا: نسخ الحديث بالحديث:

إن هذا العنوان الذي يتمثل في دائرة نسخية، تقدم شرحها، فيها ينسخ الحديث المتشابه بالحديث المحكم، يمكن ان نجد مثالا تطبيقيا لها، فيما يروى عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت لعلي بن موسى الرضا، يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه اهل الحديث: «ان المؤمنين يزورون ربهم في منازلهم في الجنة، فقال: يا أبا الصلت: ان الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمد على جميع خلقه والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومبايعته مبايعته، وزيارته زيارته، فقال عز وجل: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)4/80، وقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)10/48، وقال النبي: من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله، ودرجة النبي في الجنة ارفع الدرجات من زاره في درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى»[33].

إن الإمام الرضا قبل أن ينسخ تشابه الحديث، وهو التشابه الناشئ عما يحمله الحديث من شبهة التجسيم، يمهد لذلك ببيان ظاهرة تعدد نسبة الفعل، التي فيها يسند الله فعله لرسله أو العكس، أي يسند فعل رسله لنفسه، مما يترتب على ذلك ان زيارة الله زيارة رسوله، ثم يلجأ إلى حديث محكم ينسخ تشابه الحديث المتقدم،: «من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله»، بهذا يقدم نموذجا لنسخ الحديث بالحديث.

ويمكن عرض الحديث على القرآن، أي نعتمد على الدائرة التي فيها تنسخ الآية تشابه الحديث، فنجد التماثل بين الحديث والقرآن في قوله: (ارجع إلى ربك فقل له ما بال النسوة قطعن أيديهن)50/12، فكان التعبير بـ(الرب) الوارد في الآية يقصد منه عزيز مصر، والرسول هو الموصوف بـ(العزيز) في آيات قرآنية أخرى، كما في قوله: (عزيز عليه ما عنتم بالمؤمنين رءوف رحيم)128/9، فينتج أن (الرب) كلمة ترادف (العزيز )، و(الرسول ) كلمة ترادف (العزيز )، مما يجعل الرسول هو المقصود بالرب في الحديث. وبناء على ذلك، يمكن فهم كلمة الرب بمعنى باطني هو الرسول، أو يمكن القراءة تأويلا: " ان المؤمنين يزورون الرسول في منازلهم في الجنة ".

والحديث المحكم المستشهد به: «من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله»، مستنبط من الآيتين، كما يدل على ذلك قول الرضا في تفضيل الله للرسول، بأن «جعل طاعته طاعته ومبايعته مبايعته وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته»، فاستشهد للأول والثاني بآيتين واستشهد للثالث بالحديث الدال على ان زيارة الرسول زيارة الله، حيث الآيتان توضح «إن فعل الرسول هو فعل الله»، مما يجعل إمكانية تأويل ذلك الفعل بالزيارة، لينتج أن زيارة الرسول زيارة الله، والتعبير عن هذه الفكرة القرآنية بعبارة دالة تحيله إلى حديث نبوي.

ثانياً: نسخ القرآن بالحديث:

نجد النموذج المحقق للدائرة التي فيها ينسخ الحديث تشابه القرآن، فيما يروى عن الإمام الجواد في حواره مع فقهاء البلاط العباسي، حيث دار الحوار حول المقدار الذي يقطع من يد السارق في قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، وانتهى القول إلى الإمام الجواد الذي أجاب: «ان القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع ويترك الكف، فقال المعتصم الخليفة العباسي: فما الحجة في ذلك؟ قال (ع): قول رسول الله (ص ). السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقد قال الله عز وجل: (إن المساجد لله)، يعني بها الأعضاء السبعة التي يسجد عليها وما لا يقطع،  فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف».

ففي هذا الخبر، نُسخ الوجه الظاهر لـ «مساجد» الذي يفيد أماكن العبادة، بوجه باطن يفرضه اقتران الآية بحديث الرسول، فأصبح معنى المساجد في الآية الأعضاء، التي يستند إليها المصلي في سجوده أثناء الصلاة. ويمكن الرجوع إلى الدائرة، التي فيها ينسخ القرآن بعضه بعضا، لنصدق النتيجة الصادرة عن الدائرة، التي فيها ينسخ الحديث تشابه الآية، وننطلق بعملية التأويل من الآية المتشابهة: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا)38/5، وتشابهها ناتج عن عدم تحديدها للمقدار المقطوع من اليد، فنرجعها إلى قوله: (يد الله فوق أيديهم)، ثم إرجاع الآية قيد البحث من خلال الآية المماثلة إلى قوله: (ان المساجد لله)، فيثبت الترادف بين «يد الله: المساجد لله» فاليد مسجد. ونتابع النسخ، برد الآية: (ان المساجد لله) إلى قوله: (ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام)22/25، مما ينتج عنه الترادف بين «السبيل» و«المسجد» وعلى أساس هذه المرادفة بين اليد كمسجد والسبيل نفهم قوله: (وتقطعون السبيل)29/29، فقطع السبيل هو قطع اليد، ولكن برد هذه الآية إلى قوله: (والذين يقطعون ما أمر الله أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)27/8، فقطع (ما أمر الله به ان يوصل) تؤول بـ (السبيل) المقطوع، لينتج عن ذلك إن قطع اليد كمسجد، وهو ما أمر الله به أن يوصل، إفسادا في الأرض، وبرد الآية: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) إلى قوله تعالى: (ليقطع طرفا من الذي كفروا)127/3، يتحدد المقطوع بطرف اليد، ثم برد الآية إلى قوله: (لأخذناه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)69/46، تبين أن المقطوع طرف من اليد اليمين، ويمكن إجراء نسخ التلاوة والقراءة: ”لأخذنا الذي كفر باليمين ثم لقطعنا منه طرفاً”، ثم برد الآية الناتجة إلى قوله تعالى: (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)8/12، والبَنّان أطراف أصابع اليد، فالمضروب من الذين كفروا هو البنان. والآية حين تسمى السارق كافراً باعتباره كافراً ببعض ما أمر الله في الكتاب، مصداقاً لقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدنيا)85/2، وعقابه بضرب طرفه يمثل خزيا له، جزاء بما اكتسب نكالا من الله، باعتباره أقدم على السرقة المنهي عنها، والتي تمثل فسادا في الأرض، وقد قال تعالى ناهيا: (ولا تفسدوا في الأرض)56/7، وسميت السرقة في آيات أُخرى فسادا، كما في قوله: (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين)73/12، جواباً على قول القوم لهم: (أيتها العير إنكم لسارقون)70/12.

وعلى ضوء ذلك يمكن القراءة تأويلا: ”لأخذنا السارق باليمين ثم لقطعنا منه طرفاً فاضربوا منه كل بنان ”.

ثالثاً: نسخ الحديث بالقرآن:

ونجد النموذج الذي يحقق الدائرة التي فيها ينسخ الحديث بالآية فيما يروى عن الإمام زين العابدين (ع)، حيث قيل له: إن عليا سمّى معاوية وحزبه أخوه في قوله: «إخواننا بغوا علينا» فردّ الإمام زين العابدين عليهم بالقول: هو كقوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم صالح)142/26.

فألقى الضوء على مفهوم الأخوة الذي قصده الإمام علي (ع)، انه المفهوم الذي يترجم في أخوة النبي صالح لأفراد قومه الكافرين، هذا المفهوم يتبلور في قوله: (اذ قال لهم أخوهم صالح)، التي يفسرها قول الأقوام لرسلهم: (قالوا: ان أنتم إلا بشراً مثلنا)10/14، حيث مفهوم الأخوة يتحدد في أخوة الإنسانية (:البشرية). بينما يعين قوله: (إنما المؤمنون أخوة)، مفهوم الأخوة في أخوة الإيمان، وهو ما يفيد ان الناس: إما أخوة في الدين أو أخوة في الإنسانية، ومن هذا المنطلق القرآني قال الإمام علي(ع) في عهده لمالك الاشتر: «فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»[34]، فعبّر عن (إن أنتم إلا بشر مثلنا)، وما تطرحه من مماثلة في البشرية بالمناظرة في الخلق، وترادفت هذه الآية مع قوله: (إذ قال لهم أخوهم صالح)، لتبين ان المناظرة بالبشرية تحقق مفهوم أخوة الإنسانية، ما يترتب على ذلك إمكانية قراءة حديث الإمام على بالكيفية التالية: «فإنهم صنفان اما أخ لك في الدين أو أخ لك في الخلق». بهذا تتكشف خلفية الحديث الآنف الذكر: «إخواننا بغوا علينا»، فالأخوة التي قصدها الإمام هي الأخوة بالمفهوم الثاني، اذ معاوية وحزبه من القوم الذين فارقوا دينهم، فليس لهم أخوّة الإيمان.

والخلاصة، ان حركة الدوائر في إطار النماذج الآنفة، بالإمكان ان تضيف المزيد من الآيات والأحاديث إلى بعضها، في عملية تقرأ فيها النصوص بعضها في بعض، لإنتاج بنيات نصية مفصلة في المواضيع التي تتناولها، وتبلغ تلك البنيات حدودها النهائية، التي يكمن فيها مطمح البحث. لنجد أن عملية الاستنباط الفقهي في إطار التأويل قائمة في تفصيلاتها على الاستعانة بكل أشكال النسخ، للوصول إلى الرؤية المستهدف إجلاؤها بالكشف عن وجهها الباطن الكامن في الأعماق، ليطفو بالتصريف إلى السطح، فيكون وجهاً ظاهراً يعبر عن الرؤية الإلهية في الموضوع المبحوث.

إلى هنا تكتمل معالم العملية الاستنباطية، بما تم من شروح، تتعلق بالدائرة التأويلية الرئيس، وما تتفصل إليه من دوائر فرعية. وبهذا البحث يبلغ التصور النظري للمنهج منتهى كماله، ويتحقق النضوج بالتطبيقات المرافقة، التي ستتسع فيما يأتي من فصول.