ورغم سلامة البنية الاستدلالية المتقدمة،
ووفاءها بإثبات طبيعة فقه فقهاء أهل البيت (ع)، بالمفهوم الأشمل، الذي يستوعب
شيعتهم المتتلمذين لهم، إلا ان هناك من الأخبار ما يعزز تلك البنية بنصوص أكثر
صراحة، تخص فقيه مدرسة أهل البيت، ففي الخبر سئل الصادق (ع) عن السلطة القضائية
التي يتحاكم اليها رجلان من أصحابنا بينهما نازلة في دين أو ميراث فأجاب: «ينظر
إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخف
بحكم الله، وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله»[27]، فالرواة هم
الفقهاء الذين يروون الحديث عن القرآن مباشرة، وقد اعتبر الإمام الصادق ان الراد
على الفقيه المحدّث راد على الإمام، فالرسول، فالله سبحانه، لان ما يستنبطه الفقيه
بالتأويل؛ اما آية قرآنية واما حديثا نبويا. ونسبة موقف الرفض إلى الشرك، لوقوع
الرافض في حكم الجاهلية، البديل المنطقي لحكم الله*، وهو ما ينطوي على اتخاذ الهوى الها يطيعه من دون الله،
فينتج عن ذلك شرك الطاعة، الذي يوضحه تفسير الصادق للآية: (اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله)، قال (ع): «والله! ما صلوا لهم! ولا صاموا! ولو
دعوهم لذلك ما أجابوهم! ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا
عليهم حلالا فأطاعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون»، بهذا تتكشف الخلفية، التي فيها
يكون الرفض شركا وظلما، وهو قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الظالمون)، والظلم يترجم بالشرك، كما في قوله: (إن الشرك لظلم عظيم)، فهذه الخلفية
القرآنية تمثل السند لرؤية الإمام الصادق المستعرضة.
نلاحظ ان الممارسة التأويلية للفقيه تجعله لا
يختلف عن الإمام والرسول، فكلهم ينتجون الأحاديث وينزلون الآيات، وان الموقف
الرافض لما يصدر عن الفقيه، يطال الرفض الإمام والرسول والله، جل جلاله، فنستنتج
بان ليس في الممارسة الفقهية تمايز بينهم، لرجوع ممارسة الجميع إلى عملية منهجية،
واضحة المبادئ، ومنضبطة القواعد والآلية. فإذا ما أصررنا على اكتشاف الفارق، فإننا
نجده يتجلى في تلقائية العملية، حيث يمكن تنفيذها بقراءة الكتاب واستنطاقه، عبر
إجراء المقارنات بين الآيات على اختلافها تارة، وعن طريق تهيئ العقل لتنفيذ هذه
العملية ذاتيا تارة أخرى، وفي الحالة الأخيرة، يكون العقل البشري مجسما للقرآن،
وترجمة حيّة له، والى هذا العقل انتمى عقل الرسول والإمام وبعض فقهاء الإسلام، وهو
ما سنتعرض له في الكتاب اللاحق من سلسلة (القرآن المؤول).