بعد التعرف على عملية استنباط الأحاديث النبوية
من القرآن، يمكن معالجة حقيقة الأحاديث القدسية، فقد تصاغ الأفكار المستنبطة من
القرآن بصيغة أحاديث قدسية، فتروى عن الله، جل جلاله، وفي هذا الصدد قال ابن عباس:
«اتقوا تفسير القرآن فانه الرواية عن الله»، باعتبار القرآن كلام الله الموجه
للبشر، كما يقول تعالى: (هذا بيان للناس)138/3، فكان بالامكان رواية الفكرة
القرآنية عن الله، مما يحيلها إلى حديث قدسي، كما قد يصاغ الحديث القدسي بإشراك
جبرائيل، باعتباره نزل بالقرآن على الرسول(*): (فانه أنزله على قلبك بإذن الله) 47/2، بهذا اللحاظ يصبح كل حديث
استنبط من القرآن يمكن إسناده إلى جبرائيل.
وبهذا نفهم أن الحديث القدسي لا يفرق شيئاً عن الحديث النبوي إلا في
العبارة المصاغ بها، ويمكن إجراء تحوير في العبارة وتحويل الحديث النبوي إلى قدسي،
أو القدسي إلى نبوي. وهكذا أصبح استنباط الحديث القدسي من القرآن، يعتمد الطريقة
ذاتها لاستنباط الحديث النبوي، ففي كلا الحالتين، يعرف الحديث بانه الفكرة القرآنية
المصاغة بعبارة تؤديها، ويمكن تقديم نموذج للحديث القدسي في الخبر التالي: «عن
سالم بن حفصه: لما هلك ابو جعفر محمد الباقر (ع) قلت لأصحابي: انتظروني حتى أدخل على أبي عبدالله
جعفر بن محمد (ص) فأعزيه فدخلت عليه فعزيته، ثم قلت: إنّا لله وإنا اليه راجعون، ذهب
والله من كان يقول: «قال رسول الله (ص) ولا يُسأل عمن بينه وبين رسول الله (ص)، لا
والله لا يرى مثله أبداً! قال: فسكت أبو عبدالله (ع) ساعة ثم قال: قال الله عز
وجل: ان من عبادي من يتصدق بشق تمرة فأربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى اجعلها له
مثل أحد»[24]. ان الراوي سالم بن حفصة من الرواة الذين التقينا بهم في حديث سابق،
في أول هذا القسم من الكتاب، حين استنكر على الصادق تصرف الكلام على وجوه، مما دعا
الإمام الصادق للحديث عن الخلفية القرآنية لمبدأ التصريف، فابن حفصة من الرواة
الجهال الذين لا دراية لهم بفقه الدين، لذلك تعجب من رواية الإمام الباقر المباشرة
عن الرسول مستعظماً هذه الطبيعة في علمه بالمقارنة مع العامة، الذين يروون عن
الرسول بسند وعنعنه، ما يكشف عن غياب معرفته بالأحاديث كأفكار قرآنية تستنبط
بالتأويل، وتروي عن الرسول الذي منطقه القرآن، وباعتبار أن القرآن حديث لمن روى».
بادره الإمام الصادق بعد إطراقه بحديث، بدل ان ينسبه إلى الرسول نسبه إلى الله
سبحانه، دون إسناد، مما أذهل هذا الراوي المسكين، الذي عرف ان الإمام الصادق (ع)
هو وريث أبيه! وله القدرة ليس على رفع الحديث إلى الرسول دون واسطة، بل ورفعه إلى
الله سبحانه دون واسطة، في وقت كان للإمام الصادق القدرة لان يروي الحديث القدسي،
كحديث نبوي بأن يقول: قال الرسول: «من تصدق بشق تمرة أرباها الله له كما يربي
أحدكم فلوه حتى يجعلها له مثل أُحد»، لذلك ليس هناك فارق بين الحديث النبوي والأخر
القدسي، إلا في صياغة الفكرة القرآنية.