يتعين مفهوم أهل البيت في الدائرة الخاصة في الرسول وأوصياءه، وفي الدائرة
العامة في الفقهاء، بينما في الدائرة الأعم يستوعب الأمة. فالمفهوم
في الدائرة الخاصة والعامة يشكل طبقة أهل البيت، التي قوام علمها الكتاب العزيز.
بناء على هذا، يمكن أن نبحث معالم فقه أهل البيت القائم على التوسل بالآلية
التأويلية، في استنباطهم للأحاديث من القرآن، وروايتها عن الرسول كأحاديث نبوية،
أو عن الله تعالى كأحاديث قدسية. لنعمق بهذا البحث فهمنا
للعلاقة القائمة بين الأحاديث والقرآن من جهة، وكيفية استنباطها من القرآن من جهة
أخرى.
شكل القرآن المنطلق الوحيد للعلم والمعرفة في بدء
الدعوة الإسلامية، وكان النص القرآني القادر على التمدد، يملي على المسلمين حياتهم
الفكرية ويمتعها، في الوقت الذي يثقلها بالمسؤولية الجسيمة. وظل القرآن كذلك على
امتداد عصور الأوصياء، فعندما تحدث أئمة أهل البيت عن معالم علمهم، قالوا: «إن
الله علم نبيه (ص) التنزيل والتأويل فعلم رسول الله عليا»[11]، وقال علي (ع) عن علمه: «ما بين اللوحين شيء إلا وأنا أعلمه»[12]، وقال الإمام الصادق في هذا السياق: «كان علي (ع) صاحب حلال وحرام
وعلم بالقرآن، ونحن على منهاجه»[13]، فأكد ان مصدر العلم والمعرفة وفقه الدين منحصر في القرآن، ولهذا
عندما سأل أبو جحفة علياً: «هل عندكم من رسول الله شيء بعد القرآن؟! قال: لا والذي
فلق الحبة والنسمة إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في القرآن»[14]،
ان مقولة الإمام علي التي تحصر العلم في القرآن، لا تعني انه لم يدون الأحاديث عن
رسول الله، ولكن بعد ان عرفنا الأحاديث بانها استنباطات قرآنية، للفقهاء المقدرة
على إعادة استنباطها من القرآن، في إطار عملية العرض، أصبحت الأحاديث تندرج ضمن
جواب الإمام علي (ع): «إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في القرآن» فالإمام علي يحصر
العلم الموروث عن رسول الله في القرآن، ثم يعمم العلم إلا ان يؤتي عبدٌ علماً
بالقرآن، وكأنه يرفض الصيغة الحصرية للسؤال، التي تتعلق به وبالأئمة من أبنائه
خاصة، فالإمام علي أراد تحويل الإجابة لتصبح بعموم حديث الرسول (ص): «ما أنعم الله
عز وجل علي عبد بعد الإيمان أفضل من العلم بكتاب الله ومعرفة تأويله»، وقد أُمر
الرسول بتعليم المسلمين التأويل، الذي فيه يضعون القرآن في مواضعه، وهي الحكمة*، التي قال عنها: (ويعلمهم
الكتاب والحكمة)، وأكد عليها في أكثر من آية.
ولما كان هدف الإسلام تعليم تأويل القرآن لتمهيد
العمل به، كما قال الرسول: اقرأوا القرآن واعملوا به وما تشابه عليكم ردّوه إلى
عالمه»،«من قرأ القرآن وعلم تأويله ثم لم يعمل به
فليتبوأ مقعداً من نار»، أصبح المسلم على ضوء هذا الخطاب العام مطالباً بان يطبع
حياته في شتى مجالاتها وأبعادها بالقرآن، فتكون حياته على المستوى الفردي، ومواقفه
على المستوى الاجتماعي ترجمة للقرآن. لذلك كان فقهاء القرآن لا يصدرون في منطقهم
إلا عن القرآن، متمثلين قول الله الذي يصف منطقه بالقول: (لا ينطق عن الهوى ان هو
إلا وحي يوحى)، اذ تعدى هذه الآية، التي تمثل حدا من حدود الله، يؤدي إلى الوقوع
في التقوّل. وقد وردت تصريحات عن أئمة أهل البيت تبين استنادهم إلى هذه الآية،
كقولهم: «والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا ولا نقول الا ما قال ربنا»[15]، فهذا تصريح بالتزامهم بالقرآن، الذي يمثل كلام الله، وفي هذا السياق
وصفوا شيعتهم كتراجمة للقرآن، فقالوا: «شيعتنا من أطاع الله في كل شيء ولم يعص
الله في شيء»[16].
ولاستناد حديثهم إلى القرآن صار منطقهم أحاديث
تروى عن رسول الله (ص)، ويشير إلى ذلك بصراحة الخبر: «سأل رجل أبا عبدالله (ع) عن
مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال
له: مه! ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله (ص)، لسنا
من أرأيتَ في شيء!»[17]، وفي خبر أخر:
سأل رجل أبا عبدالله (ع) عن مسالة فأجابه فيها فقال الرجل: «إن كان كذا وكذا، ما
كان الجواب فيها، فقال له: مهما أجبتك عنه بشيء فهو عن رسول الله (ص)، لسنا نقول
برأينا في شيء!»[18]، فكان جواب
الإمام يبين طبيعة نتاج المدرسة التأويلية التي قوامها النصوص (: أحاديث وقراءات
)، في قبال نتاج مدرسة الرأي المتمثلة في أراء وتقولات تضاهي النصوص، وتندرج تحت
شعار: (سأنزل مثلما انزل الله) كما أوضح الإمام الصادق ذلك فيما تقدم، فكان طرح
الإمام الصادق ينطلق من فهم ثابت لحقيقة القرآن، باعتباره حوى بيان كل شيء حتى «
أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة»[19]، وأعطيت الأمة وسيلة استخراج هذه الذخائر العلمية والفكرية بتعليم
الرسول (ص) لها التأويل كمنهج لفقه الكتاب، فتطبيق المنهج على الكتاب تستنبط
الفتاوى، التي من الجائز روايتها كأحاديث نبويّة واردة عنه (ص)، باعتبارها ما نطق
به فعلاً، أو ما يؤول إليه منطقه، وهو لم ينطق إلا بالقرآن. وبناءً على هذا أصبحت
أحاديث فقهاء أهل البيت أفكارا قرآنية، بل أحاديث نبوية.
ويعرض التراث نموذجا لعملية استنباط الأفكار من
القرآن والتحديث به عن الرسول، كما تمارسها المدرسة التأويلية، ففي الخبر قال الإمام
الباقر (ع) يوماً لأصحابه: «اذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض
حديثه أن النبي (ص): «نهى عن القيل والقال: وفساد المال وكثرة السؤال»، فقيل له:
يا ابن رسول الله، اني هذا من كتاب الله؟! قال: قوله: (لا خير في كثير من نجواهم
إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)،(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي
جعل الله لكم قياماً)، وقال: (لا تسألوا عن أشياء ان تبدو لكم تسؤكم)»[20]. يكشف الخبر، كيفية استنباط الأحاديث من القرآن، ان تحديثه عن الرسول
ليس الا روايته عن القرآن مباشرة، فيطالعنا بكيفية فهمه لمعنى التحديث عن الرسول
(ص)، فهو يعبر عن فكرة الآيات الثلاثة بعبارة جامعة لمضامينها، ويسندها إلى الرسول
(ص)، وعندما يسأل عن سند هذا الحديث في القرآن، يذكر لأصحابه الآيات الآنفة، لنجد
انه قد راعى فكرتها دون عباراتها، ليؤلف الحديث الذي رواه عن الرسول (ص). يضاف إلى
ذلك إننا نعلم أن لعصر الإمام الباقر، الذي عاش في منتصف الحقبة الأموية
تقريبا، خصائصه ومستجداته الكثيرة، فليس
كل ما رواه عن الرسول ورثه عن صحائف الحديث عن آبائه، وان مفهومه عن التحديث
تأويلا، يستند لقول الرسول: «فما وافق كتاب الله فهو عني قلته أم لم أقله»[21]. فكانت الأحاديث أفكارا متوافقة مع الكتاب ومشتقة منه، ليس إلا.
ولو افترضنا ان حديث الباقر إلى أصحابه ورد في
الصحف، التي كتبها على (ع) عن إملاء الرسول (ص)، فانه يكون حينها قد عرض الحديث
على القرآن، فاستخرج الآيات الثلاث، التي تمثل سند الحديث. وبذلك يتبين ان ما
عملية العرض إلا عملية استنباط للحديث، ومن يستطيع ان يعرض الحديث على القرآن،
يستطيع ان يستنبطه منه، ففي كلا التفسيرين لحديث الباقر نقف على نتيجة واحدة، تثبت
ان الحديث فكرة قرآنية، وهذا ما يجعل عصر الأحاديث لايتناهى، لان الأفكار القرآنية
غير قابلة للتناهي. ونستنتج بان الأحاديث؛ أما ان تؤخذ من ظاهر الكتاب فسندها آيات
ظاهرة، واما ان تؤخذ من باطن الكتاب بواسطة قراءة بعض آياته في بعض فسندها آيات
باطنية، فالإمام الباقر عندما روى الحديث عن الرسول، أشار إلى آيات ثلاثة مثلت
السند القرآني لذلك الحديث، فلم يكن الحديث الا الفكرة الظاهرية في تلك الآيات
الثلاث، قد جمعت في عبارة من انشاء الإمام، ورواها عن الرسول باعتبار الرسول جاء
بالقرآن، ومنطقه لا يعدو القرآن، وما يؤول إليه القرآن علم غير نافد.
ونموذج أخر لعملية الاستنباط للأحاديث في
المدرسة التأويلية ما يروى عن الإمام الصادق (ع): «اما انه ليس من عرق يضرب ولا
نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب وذلك قول الله عز وجل في كتابه: (وما أصابتكم من
مصيبة فبما اكتسبت أيديكم ويعفو عن كثير)»[22]، فالصادق
القائل لشيعته: «لا تقبلوا علينا إلا ما وافق كلام ربنا»، هو الذي يبين، هنا، كيف
يستنبط الأحاديث، حين يعبر عن فكرة الآية القرآنية بعبارته، التي تصبح حديثاً
نبوياً يرفعه إلى الرسول (ص) دون واسطة، وفي الخبر لم يكتف الإمام الصادق بذكر
الفكرة، بل وذكر معها سندها القرآني، الذي ينبغي لو جرد حديثه عنه، والعادة
التجرّد، ان نرجعها عند العرض إلى هذه الآية، كسند يثبت صحة الحديث، وصحة نسبته
إلى الرسول (ص). وقد سبق ان استنبط الإمام علي من هذه الآية ذاتها حديثاً يختلف في
ألفاظه عن حديث الإمام الصادق (ع) ويتحد معه في المضمون، يقول علي (ع): «توقّوا
الذنوب فما من بلية ولانقص رزق إلا بذنب حتى الخدش، والكبوة، والمصيبة، قال الله
تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما اكتسبت أيديكم ويعفو عن كثير)»[23]، فنجد ان صوغ
فكرة الآية متفاوت، فما تضمنته صيغة الصادق (ع) من تحذير من مغبة ارتكاب المعاصي
والذنوب، تصرح به الصيغة المروية عن الإمام علي (ع)، كما إن مصاديق الذنوب، تتفاوت
في كل من الصيغتين، ولكن تبقى الفكرة واحدة، وهذا يمنحنا الإطلاع على فكرة وحدة
الأحاديث عند فقهاء أهل البيت.