تأليف الأحاديث

يمكن بعد هذا التطرق إلى قراءة الحديث بعضه في بعض، وما تسهم به هذه القراءة من تأليف أحاديث أخرى أكثر تطوراً في معانيها، أو ذات دلالات جديدة، ونقتصر في هذه المعالجة على الأحاديث التي تتعلق بشرح منهج التأويل، لما كان الحديث يتصرف على وجوه، كما تتصرف الآيات القرآنية، فإننا بالإمكان إعادة قراءة الأحاديث التي من خلالها عالجنا التأويل في الإطار القرآني، بصرفها عن وجهها الظاهر إلى وجوه باطنية، تتعلق ببحثنا للتأويل في إطار الحديث. إن التحوّل بتلك الأحاديث من الوجه الظاهر إلى الأخر الباطن، بالإمكان إحداثه بالرجوع إلى قوله: (الله انزل أحسن الحديث كتابا متشابها)، ففي هذه الآية قد سمى الله آيات القرآن أحاديث، وبناء على ذلك ننظر إلى كل ما تقدم استعراضه من رؤى في إطار آيات الكتاب، باعتبارها رؤى تجري في إطار الأحاديث، فمثلا الحديث: «انزل القرآن على سبعة أحرف» بتأويل كلمة (القرآن) الواردة فيه بمعنى باطني هو (الحديث)، يمكننا القراءة تأويلا: «أنزل الحديث على سبعة أحرف»، وقياسا على هذا النموذج يمكن الاستطراد في إجراء التغييرات وإنجاز التحوّل في الدلالة على بقية الأحاديث، التي تعاطينا معها في إطار تأويل آيات القرآن، في الفصل الماضي، وهنا نموذج نقرأ من خلاله الأحاديث على وجوه باطنه:

نموذج:

قال الرسول (ص): «لو قرأ الناس القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان. هذا الحديث يناظر الحديث»: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، حيث التناظر يكمن في كلمة «انزل»، ولهذا أمكن القراءة بالإكمال: لو قرأ الناس القرآن كما أنزل على سبعة أحرف ما اختلف اثنان، ويمكن إرجاع الحديث باعتباره متشابها في «أحرف» إلى الحديث الناسخ المروي عن الإمام الباقر حيث يقول: «أنزل القرآن على سبعة وجوه»، وبهذا أمكن قراءة الحديث الآنف بالإبدال: [لو قرأ الناس القرآن كما أنزل على سبعة وجوه ما اختلف اثنان].

ولما نرجع هذا الحديث الناتج، إلى الحديث المحكم المروي عن الرسول (ص): «ألا يكون الرجل فقيهاً حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة»، فيمكن ان نؤلف بين هذا الحديث والحديث الآخر، فنقرأ الحديث: [لو قرأ الناس القرآن على وجوه كثيرة لكانوا فقهاء ولما اختلف اثنان]. وبإرجاع الحديث إلى قول الصادق راوياً عن الرسول الأعظم (ص): «انتم أفقه الناس اذا عرفتم معاريض [ معاني ] كلامنا ان كلامنا ليتصرف على وجوه» فإننا بالإمكان قراءة الحديث الآنف: [أفقه الناس من عرف تصريف القرآن والحديث على وجوه، ولو قرأ الناس القرآن كما أنزل على سبعة وجوه ما اختلف اثنان].

وفي الخبر المروي عن الإمام علي (ع) انه مرّ بقاضي الرأي فقال له: «أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، قال: هلكت وأهلكت تأويل كل حرف في القرآن على وجوه»، فردّ هذا الحديث إلى حديث الرسول: «من أفتى الناس بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك»، ويمكن قراءة كل من الخبرين في بعض لنؤلف الحديث التالي: [إنما يفتي من عرف الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه حيث بها تأويل كل حرف في القرآن على وجوه].

وبرد هذا الحديث الناتج إلى قول الرسول في تفسيره الآية (7) من آل عمران، «المحكمات هن الناسخات، والمتشابهات هن المنسوخات» فإننا يمكن إجراء التطوير في الحديث الآنف بلحاظ هذا الترادف الواقع بين المحكم والناسخ من جهة، والمتشابه والمنسوخ من جهة أخرى، لنقرأ الحديث: [انما يفتي من عرف نسخ المتشابهات بالمحكمات من الحديث، حيث بها تأويل كل حرف في القرآن على وجوه].

وبرد هذا الحديث إلى قول الرسول (ص): «ان في القرآن محكماً ومتشابهاً فمن ردّ المتشابه إلى المحكم فقد هدي إلى صراط مستقيم». فإننا يمكن قراءة الحديث الآنف: [إنما يفتي من عرف ردّ المحكمات الناسخات إلى المتشابهات المنسوخات لان بهذا الرد يتأول كل حرف في القرآن على وجوه].

وحين نرد هذا الحديث الناتج إلى الحديث الذي نتج معنا سابقاً وهو: [أفقه الناس من عرف وجوه القرآن والحديث، ولو قرأ الناس القرآن كما أنزل على سبعة وجوه ما اختلف اثنان]، يمكن ان نوجد الحديث الأكثر تكاملا والحاكي لمنهج التأويل: [افقه الناس من عرف وجوه القرآن والحديث ولا يعرف ذلك حتى يعرف رد المتشابهات المنسوخات إلى المحكمات الناسخات، لان بهذا الرد يتأول كل حرف في القرآن على وجوه، ولو قرأ الناس القرآن على سبعة وجوه ما اختلف اثنان].

هذا الحديث النبوي الذي انتهينا إليه نتج عن تأليف عدة أحاديث، بالصورة التي عرضناها، نتيجة لردّ الحديث المتشابه إلى الحديث المحكم المناظر، فتنسخ الأحاديث بعضها بعضـاً، وتظهر علاقات التكامل بينها، قابلية الاندماج والانصهار، لتوجد حديثاً جديداً، أو أكثر تطوراً في فكرته، وبهذا المثال نختم فصل «التأويل في إطار الحديث».