يمكن في هذا السياق ان نتعرض إلى حكم آخر، لقد أشار القرآن ان الزوج
الذي علم بوقوع الزنى من زوجته وليس له أربع شهداء يثبت بهم الواقعة، تعتبر شهادته
بمثابة أربع شهادات، فله ان يلاعن زوجته، فإذا ما فعل يثبت في حقها العقاب، وإذا
ما ردت الزوجة الملاعنة بأخرى فإنها تدرأ عن نفسها العقاب، وهو ما ينص عليه قوله:
(والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات
بالله انه لمن الصادقين والخامسة ان لعنت الله عليه ان كان من الكاذبين ويدرأ عنها
العذاب ان تشهد أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين والخامسة ان غضب الله عليها ان
كان من الصادقين)6-10/24، إلا ان السنة لم تثبّت الملاعنة على هذه الحالة فحسب، بل
شملت من ينفي ولده عنه، فاعتبرت من يدعي ان الولد لم يكن نتاج معاشرتها لزوجته،
وإنما هو أجنبي عنه، أي انه يعزو الولد لمعاشرة محرمة لزوجته، له ان يلاعن زوجته
على ذلك. فما هي الآيات التي استندت إليها السنة في
بيانها، الذي يتعدى البيان الذي يجود به الوجه الظاهر من القرآن؟.
قلنا؛ ان الله يؤول بالرسول وفعله فعله، كما في قوله: (من يطع الرسول
فقد أطاع الله)80/4، فان الرسول يؤول بالأب، كما تقدم في قراءة بعض قرّاء صدر
الإسلام: (الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبوهم)، فهذا
يجعلنا نقرأ النصوص التي وردت في نسبة عيسى إلى الله كمولد له، بالتعويض عن لفظ
الجلالة ( الله ) بـ( الرسول ) ثم التعويض عن الرسول بـ( الأب)، عندها تصبح الآية
تقصّ قصة أب من الآباء نسبت له زوجته ولدا، وهو ينكر الولد، لنستعرض الآيات ونرى
إلى اين تقودنا، نجد اول ما نجد النسبة في قوله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا)88/19،
وهي نسبة ينكرها الأب، كما يسجل هذا الانكار قوله: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق
الذي فيه يمترون، ما كان لله ان يتخذ من ولد سبحانه)35/19، فنفيه له باعتباره ابنا
غير شرعي، والدعوة المزعومة هي إفك مفترى، وهو قوله: (الا إنهم من إفكهم ليقولون
ولد الله وانهم لكاذبون)152/37، وهي تقودنا إلى قوله: (ان هذا الا إفك
افتراه)4/25، (ما هذا الا افك مفترى)43/34، فالإفك يؤول إلى الفرية، والفرية تتحدد
في قوله: (ولا يزنين .. ولا يأتين ببهتان يفترينه بين
أيديهن وأرجلهن)12/60، ولذلك سمي عيسى (فرية) تعبيرا عن اتهام أمه بالزنى، وبانه
ابن غير شرعي، وهو ما يقصه قوله: (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا، يا أخت هارون
ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا)27-28/19، فاذا تصورنا ان لفظ الجلالة
يؤول إلى أب من البشر زوجته مريم، فان ذلك الأب ينفي بنوته لعيسى ويتهم مريم
بالزنى، فالحل الذي يطرحه القرآن، هو الملاعنة أو المباهلة حيث العنوانان حقيقة
واحدة: (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من
ربك فلا تكن من الممترين، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)59-61/3،
فالخطاب في الآية موجه إلى الرسول المؤول بالأب، الذي ينكر بنوة ابنه عيسى، فتدعوه
الآية إلى المباهلة، حيث المباهلة تفصيلها ما تنص عليه آية الملاعنة: (والذين
يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله انه
لمن الصادقين والخامسة ان لعنت الله عليه ان كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب ان
تشهد أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين والخامسة ان غضب الله عليها ان كان من
الصادقين)6-10/24.
بهذا التلاقح بين الآيات في إطار الدائرة التأويلية، نتوصل إلى ما
قالت به السنة من تفصيل لا يقصر الملاعنة على إثبات الزوج لزنى الزوجة وخيانتها،
بل والى نفي الزوج بنوة المولود، الذي يعلم بانه ليس من صلبه، وإنما ناتج عن علاقة
محرمة تورطت فيها زوجته، وان الزوجة بنسبة المولود إليه تهدف إلى الافتراء عليه،
وتجنب الفضيحة، فجاءت آيات الملاعنة لتحل المشكلة بان يتلاعن الزوجان، فإذا ما
أحجمت الزوجة عن الملاعنة تثبت في حقها الاتهام، فتكون عرضة لعقوبة الرجم، باعتبار ان شهادة الزوج في حقها بمثابة
أربع شهادات، وإذا ما لاعنت تدرأ عن نفسها العذاب، لكن الأب في كلا الحالتين يصبح
منفصلا باللعان عن زوجته، وتصبح محرمة عليه، وينفى الولد عنه، فلا ينسب له، ولا
يرثه.