قرآنية عقوبة الرجم
فالسؤال: ما هي الآيات الدالة على الرجم في القرآن وعلى قتل اللائط
والسحاقية؟
لقد سمى الله الزنى فاحشة في قوله: (ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة
وساء سبيلا)32/17، وكذلك سمى اللواط التسمية ذاتها في قوله: (ولوط اذ قال لقومه
أتأتون الفاحشة وأنتم تنظرون)54/27، والمساحقة تدخل تحت عنوان الفاحشة، بدلالة
تثنية اسم الموصول في قوله: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما)، فالقرآن قد حدد
عقوبة الزنى بمئة جلدة، بينما حكم على اللائط بالقتل، كما حكم بذلك على قوم لوط في
قوله: (فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود
مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد)82-83/8، فالله نسب الرجم إلى نفسه
(وأمطرنا) ولما علمنا ان الله يؤول يده بيد الرسول: (ان الذين يبايعونك إنما
يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)10/48، ويؤول فعل يد الرسول بفعله في قوله: (وما
رميت اذ رميت ولكن الله رمى)17/8، فان فعل الله فعل رسوله، ولما كان الرسول بشرا:
(إنما أنا بشر مثلكم)110/18، فان عقوبة الرجم وإمطار اللائط بالحجارة هي عقوبة
يقوم بها البشر تنفيذا لأمر الكتاب، فهم بذلك يعبرون عن إرادة الله، وفعلهم فعل
لله، فقول الله في ختام آية رجم قرية لوط: (وما هي من الظالمين ببعيد)، هو تشريع
لعقوبة الرجم في حق كل من أتى بمثل هذا العمل، بعد قوم لوط، الذين لم يسبقهم أحد
من العالمين.
يصادق على ذلك تحقيق ما تؤول اليه كلمة (الإسراف) في قوله: (انا
أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين)33-34/51، حيث ترجع إلى قوله:
(كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم
يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وابقى)126-127/20. فالآية الثانية تصرح بان ذلك جزاء من أسرف، ويتحدد معنى المسرف في
الآية الأولى في اللائط.
ويرجع الحكم على مرتكب الفحشاء في نظام العقوبات في الإسلام إلى آية
جزاء الإفساد، حيث تقودنا الآية الآنفة من خلال كلمة (الإسراف) إلى قوله: (ثم ان
كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفين، انما
جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ان يقتلوا أو يصلبوا أو
تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا في الأرض ذلك لهم خزي ولهم في الاخرة عذاب
عظيم الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم فاعلموا ان الله غفور رحيم)32-34/5.
يستند القاضي في الإسلام لهذه الآية فينتخب العقوبة المناسبة التي يطبقها على
المفسد. وبناء على الآيات المتقدمة تدخل العقوبات
المتقدمة في تفاصيل هذه الآية، فتدخل عقوبة الجلد والرجم إلى جانب أنواع العقوبات
المذكورة في الآية.
بهذا نجد ان الزنى له حد أدنى يتمثل في مئة جلدة، وحد أعلى يتحدد في
الرجم، فالجلد من نصيب الزاني أو الزانية غير المحصنين، بينما المحصنان يرجمان.
اما الزاني والزانية غير المحصنين مما ملكت اليمين فحدهما الأدنى خمسين جلدة
والأعلى مئة جلدة: (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من
العذاب)25/4. أي انهما لا يخرجان عن الحد الأدنى، الذي استحال إلى حدين اثنين.
بينما حد اللواط هو حد الزنى، فيعاقب غير المحصن بالجلد، بينما يعاقب المحصن
بالرجم، فكما استعيرت عقوبة الزاني المتعلقة بالمحصن من عقوبة اللواط، كذلك
استعيرت عقوبة الجلد كحد أدنى من عقوبة الزاني، لتمثل الحد الأدنى من عقوبة
اللواط، وهذا يسند ويصحح الاخبار التالية:
روى يُونُسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ
الْفُضَيْلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): ((حَدُّ اللُّوطِيِّ مِثْلُ
حَدِّ الزَّانِي قَالَ إِنْ كَانَ قَدْ أُحْصِنَ يُرْجَمُ وإِلَّا جُلِدَ)).
عن مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ
الْمُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ
عُثْمَانَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع رَجُلٌ أَتَى رَجُلًا قَالَ
عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُحْصَناً الْقَتْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَناً فَعَلَيْهِ
الْجَلْدُ قَالَ: فَقُلْتُ فَمَا عَلَى الْمُؤْتَى قَالَ: عَلَيْهِ الْقَتْلُ
عَلَى كُلِّ حَالٍ مُحْصَناً كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ)).
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ
عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: ((الْمُتَلَوِّطُ حَدُّهُ
حَدُّ الزَّانِي)).
عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ
مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: ((إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (ع) إِذَا أُخِذَ
الرَّجُلُ مَعَ الْغُلَامِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُجَرَّدَيْنِ ضُرِبَ الرَّجُلُ
وأُدِّبَ الْغُلَامُ وَإِنْ كَانَ ثَقَبَ وكَانَ مُحْصَناً رُجِمَ))[62].
تبقى هناك إشكالية تتعلق بطبيعة الأداة،
التي ينفذ بها الرجم، فتطور العصر يجعل عملية الرجم بالحجارة غير مناسبة، فهل هناك
إمكانية لتحديث هذه الأداة؟ ان القرآن يقبل في هذا الإطار بالتحديث، ويبرهن على
ذلك بآيات بينات لا ريب فيها. ففي قوله في رجم قوم لوط، وهي الآية التي تؤسس للرجم
أساسه: (انا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل
عليهم حجارة من طين مسومة
عند ربك للمسرفين)33-34/51، يبين ان طبيعة تلك الحجارة قد تتغير فتؤول من خلال
(لنرسل) إلى قوله: (يرسل عليكما
شواظ من نار ونحاس)35/55، فهذه الطبيعة نجدها تتحقق في الذخيرة التي تستخدمها
البنادق في الوقت الراهن فالطلقات مصنوعة كبسولاتها من النحاس، ويعبر عن طلقات
البندقية بانها إطلاق نار، ويصدر عند الإطلاق وميض، كل ذلك تعبر عنه الآية [بشواظ
من نار]، لذلك بالإمكان الرجم عن طريق استخدام مدفع رشاش، أو باشتراك أكثر من
بندقية في تنفيذ العقوبة.
يصادق على ذلك قوله: (ترميهم
بحجارة من سجيل)4/105، أي حجارة من النار، ومن خلال (ترميهم) ننتقل إلى
قوله: (وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى)17/8، التي اعتبرناها في التركيب المتقدم
جزء الرؤية المؤسسة لحكم الرجم، فعملية رمي الحجارة على المحكوم بالرجم، هي رمي
لحجارة من نار، وهي الحجارة التي تحدد طبيعتها الآية: (وان من الحجارة لما
يتفجر)74/2، فالطبيعة التفجيرية في الحجارة تشير بوضوح إلى البنادق الحديثة وما
تطلقه من رصاص بقوة الانفجار، فالرمي بهذه الأسلحة هي الوسيلة التي بالإمكان ان
تحدّث العملية البدائية، التي يقوم عليها الرجم، لتصبح متناسبة مع روح العصر،
ومجارية لتطوره.
هذه الإشكالية التي استعرضناها في صدر البحث، ليست بالإشكالية
المعاصرة، وإنما أعيد طرحها حديثا، والا فتاريخ القرآن التي استعرضناه، يشير إلى
دعوة الحركة الانقلابية في صدر الإسلام إلى الاكتفاء بالكتاب، والنهي عن تعاطي
أحاديث السنة بحجة تناقضها، فكان الشعار (حسبنا كتاب الله )، الذي اقتصرت على وجهه
الظاهر، الذي لا يغني علمه شيئا بعد بتره عن عمقه المفصل له، وبهذا أفسحت المجال
للرأي ليتلاعب بدلالات آيات النص الظاهرة والبتراء ويوجهها كيفما تبتغي الأهواء
والمآرب. والدعوة المعاصرة تنطلق من هذا الاتجاه، لتلغي السنة وتكتفي بالكتاب في
ظاهره، لانها لم تعرف له باطنا، وبهذا تستطيع ان تجعل حركتها واسعة في التشريع في
الإطار المسكوت عنه، على غرار الواقع الفقهي بصيغته الظاهرية السائدة، الذي تحوّل
فيه الفقهاء إلى أرباب وشركاء يشرعون للناس دينا، لم يأذن به الله، لانه يلتمس
بيانه من خارج الكتاب: (لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)21/42،
بعد ان قالوا بمحدودية النص، وألفوا قواعد عامة تحت عنوان (علم الأصول ) فوضعوا من
خلالها الكثير من التشريعات بآرائهم.
وهذه الإشكالية في الوقت ذاته الذي تكشف عن تناقض الكتاب والسنة، تدل
كيف ان تأسيس الأحكام على العلم الظاهر للكتاب، يؤدي إلى تناقض وتضارب، تتكاذب فيه
النصوص، وتنطلق الشبهات، وينهد الدين. وان الدعوة المعاصرة كالقديمة لا تستند إلى
خلفية حسنة النوايا، لان الاختلاف في السنة وتناقضها نتيجة الموضوعات من الأحاديث
مشكلة طرحت في حياة الرسول واستمرت من بعده، فهي قديمة وليست حديثة، لكنها لم تؤد
معالجتها آنذاك إلى الدعوة للتخلص من السنة، أو امتناع الرسول وإحجام الفقهاء عن
إنتاج الأحاديث! بل كل الذي دعا إليه الرسول كحل لهذه الإشكالية
هو عرض أحاديث السنة على الكتاب. وقد تقدم ان المثال، الذي يبتني على أساسه
إشكالهم، المفروض ان يقود إلى التساؤل عن الكيفية التي فيها يتفصل الكتاب، لان
التفصيل كفيل بتعليل البيان الزائد للسنة، كما يكفل تحويل القرآن إلى استيعاب
السنة، مما يحوله إلى معيار يخلص السنة من الأحاديث المفتريات.
فيكشف الإشكال عن قدرة الكتاب على التفصيل لبيانه، وهو الكشف الذي يدل
صرح الفقه التقليدي المؤسس على إجمال النصوص وظاهريتها، وعلى ظنية الأحكام،
المستندة إلى قواعد أصولية لا تمت إلى سنة الرسول بصلة، بل هي خارجه عنها ومحدثه.
بهذا نتبين فائدة الإشكالية في طرحها المعاصر، الذي يثير علامات الاستفهام
المختلفة والمتعددة الأبعاد، التي تدعو المسلم إلى المراجعة الشاملة للأسس
بالتفكير بالتناقضات، التي أسست للفقه التقليدي كيانه المزيف لحقيقة الدين، ولا
يغني ذلك الكيان ادعاءه التمثيل للإسلام المحمدي الأصيل، ولا الامتداد والوراثة
لتركته، التي جاء بها الرسول والقرآن، لانه بعيد عن حقيقته الجوهرية كل البعد.
بهذا الاستعراض نكون قد قدمنا لمحة عن قدرة السنة على تفصيل الكتاب،
ليتبين ان بيان السنة الزائد على البيان الظاهري للكتاب، إنما يعبر عن انتسابه إلى
الأعماق الباطنة للنص، فهو ينتج عن طريق تلاقح الآيات القرآنية، فإذا ما كان الفكر
ظاهري في تعامله مع النص بوقوفه على ظواهرها، لا فكرا عبوريا يقوم على العبور من
الظاهر إلى الباطن، فان ذلك سيجعله غير قادر على تصور النص القرآني مستوعبا للسنة،
والسنة في تفصيلاتها غير خارجة عن النص، ولا بيانها زائد عليه.