تطرح في الوقت المعاصر إشكالية تتلخص في الدعوة إلى الاكتفاء بالكتاب
والاستغناء عن السنة، بحجة تضاربها واختلافها على ذاتها، لما تعرضت له من عملية
تخريب بالوضع الذي مارسته اغلب الفرق المقتتله في التاريخ الإسلامي، ولما كان في
السنة الكثير من الأمور التي ليس هناك ما يدل عليها في الكتاب، في الوقت الذي تحدد
فيه البيان النبوي في حيز الكتاب، كما يدل على ذلك قوله: (وأنزلنا إليك الذكر
لتبين للناس ما نزّل إليهم)44/16، فليس للرسول حق التشريع خارج ما جاء في الكتاب،
وهو الكتاب الذي فصل كما دل على ذلك قوله: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على
علم)52/7. فترتب على ذلك رفض السنة والاكتفاء بالكتاب،
أو في أحسن الأحوال رفض الأحاديث، التي جاءت ببيان زائد على بيان الكتاب! ولتوضيح
هذا الفريق طرحه يستند إلى مثال يجده في مسألة رجم الزاني والزانية المحصنين، وقتل
اللائط، فالقرآن قدم تصورا، تجاوزته السنة وجاءت بما ليس في الكتاب، وهو ما يظهر
الرسول بانه يشرع خارج إطار الكتاب!!.
ولإيضاح ذلك، نستعرض الدليل الذي يقدمه هذا الفريق بشيء من التفصيل،
يقول تعالى: (الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما
رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفة من
المؤمنين)2/24، فحددت الآية ان عقوبة جريمة الزنا هي الجلد مئة جلدة، دون ان تفرق
بين محصن أو غير محصن، ثم حين نلحظ قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح
المحصنات المؤمنات فمما ملكت إيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله اعلم بإيمانكم
بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن واتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا
متخذات أخدان فإذا أحصن فان اتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من
العذاب)25/4، فهذه الآية بينت ان ملك اليمين اذا أحصنت، ثم ارتكبت الزنى، فان
عليها نصف عذاب الحرة. ولما كانت السنة تقول بان الحرة اذا ما زنت فانها تحكم
بالموت رجما، فاننا لا يمكن ان نتعقل عقوبة تتمثل في نصف موته! بينما اذا قلنا بان
الحكم بالجلد مئة جلدة، حكم مطلق يشمل المحصن وغير المحصن، واستبعدنا ما جاءت به
السنة، فان نصف العقوبة تكون خمسين جلدة، وهذا أمر متعقل!.
في هذا السياق يأتي الحديث عن اللواط، حيث البيان النبوي الذي تعرضه
السنة، يصرح بقتل اللائط بان يهدم عليه جدارا، مثلا، بينما في قوله تعالى:
(واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في
البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا، واللذان يأتيانها منكم فآذوهما
فان تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما ان الله كان توابا رحيما)15-16/4، فالتثنية في اسم
الموصول (اللذان) يرجع إلى الفاحشة فيثنيها، وبذلك يضم إلى فاحشة الزنى فاحشة
المساحقة واللواط، باعتباره من جنس المساحقة، فكلاهما تعبير عن علاقة بين المثيلين
من الجنسين. فالآية تقول بايذائهما بينما تقول السنة بالقتل، دون وجود ما يدل على
الحكم بالقتل في الكتاب. فهذان مثالان يكشفان عن التناقض
الذي يقوم بين بيان السنة وبيان الكتاب، يقدمهما الفريق الرافع لشعار حسبنا كتاب
الله، ليبرر دعوته لإلغاء السنة والاكتفاء بالكتاب.
هذا الطرح يواجه الفقه التقليدي السائد
كمعضلة عويصة، لم يجد الجواب المفند لها، إلا بالتأكيد على تواتر وقوع عقوبة الرجم
والقتل من قبل الرسول والخلفاء من بعده، مما لا يدع مجالا للشك في الرجم كعقوبة
للزاني المحصن، والقتل عقوبة المثلي. وبهذا يصادر
الإشكال الذي ترتب عليه وضع السنة والكتاب على طرفي نقيض، وما انبثق عنه من الدعوة
لإلغاء السنة والاكتفاء بالكتاب.
إن الإشكالية المطروحة تبدو عميقة، إلا انها إشكالية في تأسيسها
خاطئة، فهي تشير إلى وجود مشكلة خطيرة دون ان تقدر على تشخيصها، فتلجأ إلى علاج
اخطر من المشكلة، بذلك تضاعف الخطر ضعفين، حين ترتب على الإشكال ضرورة هدم السنة
والاستغناء عنها، فهي بهذا العلاج العجول بمثابة من يحكم على المصاب بالصداع، بقطع
رأسه للخلاص من المه، فهي تهدم الدين من حيث تشعر أو لا تشعر، فكيف ذلك؟!
مقولة؛ ان البيان النبوي لا ينبغي ان يأتي بما لم يوجد في الكتاب،
باعتبار ان ليس للرسول حق التشريع دون الكتاب، كما يصرح بذلك القرآن في الآية
المتقدم ذكرها، نسلم بهذه المقولة، ونعززها بما نضيف إليها من آيات تردفها، كقوله:
(يستفتونك قل الله يفتيكم)176/4، فليس للرسول حق الفتوى، وانما الله هو الذي يفتي،
وما الرسول إلا وسيط ومترجم. وهذه الفتوى هي التي يعبر عنها بالحكم في قوله: (الله
يحكم بينكم)69/22، وهو الحكم الذي يتحقق بقوله: (وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم
بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، فصار حكم الله حكم الكتاب، يدل على ذلك قوله:
(فاحكم بينهم بما انزل الله)48/5، فالاية تدعو الرسول بان يحكم بما انزل الله في
الكتاب، ويصادق على ذلك قوله تعالى: (انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين
الناس بما أراك الله)105/4، والرؤية في الآية هي العلم الذي يمثله الكتاب(*)فالرسول مطالب بان يحكم بعلم
الكتاب.
بناء على ذلك، فان الرسول حين تصدر عنه الفتوى إنما يستنبطها من
الكتاب ولا يتقوّلها، وقد قال تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه
باليمين ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين)44-47/69، ولما لم
يأخذه دل ذلك على انه لم يتقوّل، ثم أكد تنزيهه عن التقوّل بالقول: (ما ينطق عن
الهوى ان هو إلا وحي يوحى)3-4/53، فصار كل ما يطرحه الرسول من فتاوى استنباطات
قرآنية تفصّل الكتاب وتبينه، كما عبرت الآية: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما
نزّل إليهم)44/16، (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه)64/16.
وهذا يستدعي التساؤل عن بيان السنة
الزائد عن بيان الكتاب، أين مصدره؟ فإذا ما نسبنا بعض ذلك الزائد إلى عملية الوضع،
فان البعض الأخر من ذلك البيان الزائد مؤكد صدوره عن الرسول، بما فيها أحكام
الرجم، مما لا يمكن نسبته للوضع هذا من جهة، من جهة أخرى وصف الله كتابه بانه
مفصل، كما في الآية الآنفة: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم)52/7 إلا ان تفصيله
مفقود اذا ما اقتصرنا على الوجه الظاهر من النص، من هذا المنطلق ينشأ الإشكال
الحقيقي: كيف يتفصل بيان الكتاب؟ وهو التساؤل الذي اذا ما اجبنا عليه، سنتعرف على
المصدر الذي تأخذ عنه السنة تفاصيلها، باعتبار ان ليس لبيان السنة مصدرا غير
الكتاب. وإذا ما اكتشفنا ان القرآن بيان مفصل، فان ذلك سيكفل تحويل الكتاب إلى
مرجعية حاسمة للأحاديث المختلف فيها.
والجواب؛ إن تفصيل الكتاب معلق على منهج الاستنباط المتحدد في عنوان
التأويل، كما يدل على ذلك إكمال الآية الآنفة: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على
علم.. هل ينظرون إلا تأويله)52/7، حيث النظر الفكري في النص القرآني، ينبغي ان
يلتزم منهج التأويل: (ولا يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم)7/3، فتأويل
الكتاب كفيل بالكشف عن قدرة الكتاب على التفصل في كل شيء ليتحقق بذلك قوله:
(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، (وكل شيء أحصيناه كتابا)29/78، (ما
فرطنا في الكتاب من شيء)38/6. وهذا التفصيل في الكتاب يرتهن إلى الدائرة التأويلية
المؤلفة من ركنية المحكم المتشابه، كما يصرح بذلك قوله: (الر كتاب أحكمت آياته ثم
فصلت)1/11، وهي الآية التي تؤول إلى قوله: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر
متشابهات)7/3، فبإرجاع المتشابهات كفروع إلى المحكمات كأصول تحدث عملية النسخ
(فينسخ الله ما يلقي الشيطان ( التشابه ) ثم يحكم آياته)، فأوضحت الآية ان نتيجة
عملية النسخ إحكام، وهو الإحكام الذي يؤدي إلى تفصيل الكتاب، كما يدل على ذلك
التعاقب بذكر الإحكام ثم التفصيل في الآية المتقدمة: (كتاب أحكمت
آياته ثم فصلت)، فكلمة (فصلت) تؤول بالفروع التي تمثلها الآيات المتشابهات، حيث
برد الفروع إلى أصولها يتفصل البيان القرآني، وعن هذا التفصيل اتخذ الكتاب موقع
المرجعية المعيارية، لكل المسائل الخلافية، بما فيها اختلافات السنة وتناقضاتها:
(فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)59/4، أي إلى الكتاب والسنة.
اذا انطلقنا من هذه الرؤية، التي فيها نمنح القرآن اعتباره، بان
نتعاطى في فهمنا له وفق آلية التأويل وقواعدها، عندها ستكون المعالجة للإشكال
المطروح على نحو أخر، فيه ينحل التناقض بين الكتاب والسنة، ليثبت الكتاب ان ما
تفصيلات السنة، إلا نتيجة تطبيق منهج التأويل على النص، وما نشأ الإشكال إلا لابتنائه
على ظاهرية النص المؤسسة لإجماله، والمحددة لبيانه.