القرآن: المعيارية الشاملة

إن فكرة استغراق البيان القرآني، لكل المشهد الكوني في جانبه المشهود والغائب، تفتح الباب على مصراعيه للقول بان كل حركة وسكنة وفكرة حقّه في الوجود، يمكن للقرآن ان ينزل فيها آيات قرآنية تحكيها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فالقرآن هو كتاب الحق والحقيقة، يدل على ذلك قوله تعالى: (بالحق أنزلناه وبالحق نزل)، ويمكن التعبير عن هذه الآيات القرآنية المؤلفة تأويلا، بالعبارة المؤدية لمضامينها فتعتبر أحاديث، وبالتالي يكون للرسول في كل مشهد كوني أحاديث، يختزنها القرآن في بطونه، فما من شيء إلا وبيانه في القرآن، والرسول حدّث به أما بصورة صريحة؛ بأن يوجد في ظاهر النص القرآني ما يدل عليه، واما بصورة باطنة تظهر بتأويل النص وتقليبه على وجوهه، يؤكد ذلك قول الرسول: «ما جاءكم يوافق الحق فأنا قلته، حدثت به أم لم أحدث»[57]. حتى الأحاديث التي تعتريها شبهة الوضع، لا يتحدد الموقف منها بالإلغاء مطلقا، لان ما وافق منها الكتاب حال العرض حديث معتبر، وهذا الاعتبار لا يستمده الحديث الموضوع بلحاظ كونه موضوعا، وإنما يستمده لموافقته القرآن. وان ورد عليه الخطأ في إطار الحديث: «من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».

ويمكن الاستدلال على هذا الشمول في معيارية الكتاب والسنة بتأويل الإمام على (ع) لقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، حيث أوضح بان الردّ إلى الله الحكم بكتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته، فعملية العرض التي تشير إليها الآية تطال كل شيء، فتعبر عن موضوع النزاع بكلمة (:شيء) الموغلة في التنكير، والتي تستطيع ان تشتمل على كل  الموجودات المادية، والمجردة. فتنسجم هذه الرؤية التي أشارت إلى استيعاب البيان القرآني لكل الحقيقة، فلم يفرط منها شيئا، بذلك أصبح للقرآن والسنة قابلية لان يعرض عليهما كل شيء على الإطلاق، يعزز ذلك ما ورد في الأخبار، والتي منها:

1/ «عن سورة بن كليب، قال: قلت لأبي عبدالله (ع): بأي شيء يفتي الإمام؟

قال: بالكتاب، قلت: فما لم يكن في الكتاب.؟

قال: ليس شيء إلا في الكتاب والسنة.

قال: فكررت مرة واثنتين.

فقال (ع): يسدد ويوفق فأما ما تظن فلا»[58].

2/ وفي حوار أخر:

«عن هيثم عن أبي عبدالله (ع) قال:

قلت له: يكون شيء لا يكون في الكتاب ولا سنة؟

قال: لا.

قلت: فان جاء شيء؟

قال: لا.

فعدت إليه مرارا.

فقال: لا يجيء، ثم قال: مشيرا بإصبعه ليس حيث تذهب ليس حيث تذهب».

3/ وفي حديث ثالث:

عن سماعة عن ابي الحسن موسى (ع) قال:

قلت: أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه (ص) أو تقولون فيه؟

قال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه (ص)»[59].

فنلاحظ في هذه المشاهد التاريخية، ان الأجيال المعاصرة للائمة كانت تسأل عن مدى سعة علم الكتاب، وكان التساؤل ينطلق في ظل الإجابة المهيمنة التي تتبناها مدرسة الرأي، التي تروج لفكرة محدودية النص القرآني، فكانت الأجيال المتسائلة تتعقل فكرة المحدودية، لأنها تنظر إلى القرآن من منظار مدرسة الرأي كنص جامد، بينما ينظر الأئمة اليه باعتباره نصا متحركا ينطق بعضه ببعض، فيولد نصوصا وقراءات غير نافدة، لذلك هم يصورون في أجابتهم ان القرآن والسنة كل منهما علم مستوعب لبيان كل شيء، وحينما يكرر السائل السؤال بذلك يعبر عن عدم استيعابه للإجابة النافية، لإمكانية ان يأتي شيء خارج نطاق البيان القرآني، مما يجيله إلى التساؤل عن إمكانية الرأي والاجتهاد في النص، فيأتيه الجواب بالنفي، بلحاظ ان استيعاب القرآن لايدع مجالا للتقوّل والرأي في الدين، أو لإمكانية وضع أصول للاستنباط بعد الأصول التي يعبر عنها علم التأويل. ففي الخبر الأول يحيل الإمام السائل إلى السنة بعد فقد الرؤية في القرآن، وليس في ذلك قولا بمحدودية السنة، لان ما السنة الا نتاجا للكتاب وامتدادا له، وانما أريد من هذه الإحالة التوسعة، حيث من يتعسر عليه تأويل الآيات، فان السنة اكثر بسطا، مما يجعل البحث فيها له مدى أوسع وأيسر على الباحث الوصول إلى قصده، بواسطة تأويل الأحاديث، وقراءة بعضها في بعض.

لقد أخذت فكرة استيعاب الكتاب والسنة للبنية الكونية، تتراجع لحساب الفكرة النقيضه، الناصة على محدودية الكتاب والسنة. ومع تزايد الحصار الفكري، ونتيجة للدعاية المكثفة للفكرة النقيضه، يضاف إلى ذلك ظاهرية الناس في علمهم، كل هذه العناصر تراكمت لتفسح المجال للرأي وللتقوّل في الدين، وازداد الناس عن الحقيقة بعدا وغربة مع اشتغالهم بالفكرة المزيفة، التي هي أقرب لحياتهم الظاهرية، فشبت عليها الأجيال، وتعلقت بها القلوب. واليوم أصبحت فكرة شمولية علم الكتاب مثارا للتعجب، ومحطا للاستهجان، الذي يتحدث عنه الإمام الصادق بقوله: «ان الله أنزل كتابه الصادق البار فيه خبركم وخبر من قبلكم وخبر السماء وخبر الأرض فلو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجبتم»[60].

والخلاصة، ان الكتاب والسنة قابل لأن تعرض عليه كل الحقائق والوقائع، وقادر هو بدوره على ان ينزل فيها آيات قرآنية ترصدها، كما تقبل تلك الآيات ان تتحول العبارة المؤدية لها إلى أحاديث نبوية، كما يمكن رواية تلك الأفكار كأحاديث قدسيه، وكل ما يؤول إليها عن الله، جل وعلا، وهكذا أصبح القرآن المؤول قادراً على استيعاب كل الحقائق، والبت في كل الاختلافات والمنازعات، ليصبح الكتاب مهيمنا على الحياة بكل وقائعها وأحداثها، وفي مقام الموجّه لمسارها والمدير لأموارها.

ويمكن في هذا الإطار عرض قضايا متنوعة على القرآن باعتباره معيارية شاملة، أمر الله بالرجوع إليه حال الاختلاف: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول)59/4، فيرجع بتلك القضايا كفروع يبحث عن أصولها في الكتاب، لتستبين وجه الحق فيها، ولكن هذا الاستعراض سوف نقدم الجزء الأكبر منه في الفصل القادم، ونكتفي الآن بتقديم نموذج تراثي نستأنس به، كما عـوّدنا القارئ على ذلك، قبل ان نقدم نموذجا واحدا ذو صفة تحقيقية، يتعلق بتحديد تاريخ مبعث الرسول المختلف فيه على عدة أقوال، ونبدأ بالنموذج التراثي:

«قال الماوردي سمعت ابا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم، يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل، فقلت: انك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله: «خير الأمور أوساطها»؟ قال: نعم، في أربعة مواضع، قوله تعالى: (لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك)68/2، وقوله تعالى: (والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)67/25، وقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)29/17، وقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا)110/17.

قلت: فهل تجد في كتاب الله «من جهل شيئا عاداه»؟ قال: نعم، في موضعين: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه)39/10، (واذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك قديم) 11/46.

قلت: فهل تجد في كتاب الله: «احذر شر من أحسنت اليه»؟ قال: نعم: (وما نقموا إلا ان أغناهم الله ورسوله من فضله)74/9.

قلت: فهل تجد في كتاب الله: «ليس الخبر كالعيان»؟ قال: نعم، في قوله تعالى: (قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)260/2.

قلت: فهل تجد: «في الحركات البركات»؟ قال: في قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة)100/4.

قلت: فهل تجد «كما تدين تدان»؟ قال: في قوله: (من يعمل سوءا يجز به) 123/4.

قلت: فهل فيه قولهم: «حين تَقْلِي تدري»؟، قال: (وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا)42/25.

قلت: فهل تجد فيه: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، قال: (هل آمنكم عليه كما آمنتكم على أخيه من قبل)64/12.

قلت: فهل تجد فيه: «من أعان ظالما سُلط عليه»؟ قال: (كتب عليه انه من تولاه فانه يضله ويهديه إلى عذاب السعير)4/22.

قلت: فهل تجد فيه قولهم: «لا تلد الحية الا حية»؟ قال: قوله: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)27/71.

قلت: فهل تجد فيه: «للحيطان آذان»؟ قال: (وفيكم سماعون لهم)47/9.

قلت: هل تجد فيه: «الجاهل مرزوق والعالم محروم»؟ قال: (من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) * 75/19.

قلت: فهل تجد فيه: «الحلال لا يأتيك الا قوتا، والحرام لا يأتيك الا جزافا»؟ قال: (اذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم)163/7.»[61].

ففي هذا النموذج، يمكن استخلاص عدة ملاحظات تثري البحث من بينها؛ ان الاستنباطات يمكن ان تؤخذ من ظاهر آيات الكتاب، ويمكن تارة أخرى ان تؤخذ من بطون آيات الكتاب. وهذا الحوار الدائر بين الطرفين، يمكن ان يكون شاهدا مزدوجا على عملية العرض، كما على عملية الاستنباط، باعتبار السائل يطرح المقولة، ويطلب من الطرف الأخر ان يعرضها على الكتاب، ويستنبط سندها القرآني. ان هذه الأمثال أفكار قرآنية، لذلك يمكن اعتبارها أحاديث، وفعلا بعضها وارد في كتب الحديث. ان عملية الاستنباط هذه تبين كيف تتحرر من الالتزام الحرفي بمناطيق الآيات، وتغوص إلى المفاهيم لتدرك المضامين المجردة، التي تمنح أفكار القرآن الحياة، ويمكن ان يشعر القارئ بذلك بالالتفات إلى المقولة، التي ينطلق المجيب منها بمقارنتها بالآية التي تؤول اليها، لتبدو الآية لدى القارئ، وكأنها للتو نازلة غضة طرية، حيث يستشعر بانه لأول مرة يسمع بها.

 

نموذج: تاريخ بعثة الرسول:

لقد اختلف في اليوم الذي بعث فيه النبي محمد بن عبدالله (ص)، وتعددت الأقوال حتى بلغت سبعة هي:

السابع عشر من شهر رمضان.

الثاني عشر من شهر رمضان.

الرابع والعشرون من شهر رمضان.

الثاني عشر من ربيع الأول.

السابع والعشرون من شهر رجب.

الثامن من ربيع الأول.

الثالث من ربيع الأول.

ويمكن بدء البحث في هذه المسألة الخلافية من كلا آية تشير إلى الموضوع بصراحة، كقوله تعالى: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير)19/5، فالآية تشير إلى أول بروز للرسول محمد (ص) بعد فترة وانقطاع من الرسل، ويعززها قوله: (تنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون)46/28، وقوله: (ان انذر قومك من قبل ان يأتيهم عذاب اليم قال يا قوم اني لكم نذير مبين)2/71، وقوله: (وانذر عشيرتك الأقربين)214/26، وقوله: (يا أيها المدثر قم فانذر)2/74، وهذه الأخيرة تشير إلى لحاق جبرائيل بالرسول إلى فراشه ليأمره بالإنذار ولأول مرة بعد ان تلا عليه أول الآيات القرآنية، التي تجمعها سورة العلق في الغار*، في أول نزول للقرآن، وإذا ما تعقبنا الآية الأولى في عجزها نكتشف الآية التي تتكامل معها، والتي تشير إلى مجيء الرسول بعد انقطاع ظاهرة الرسل، وهو قوله تعالى: (ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير) 19/5، فالآية تشير إلى معركة بدر أولى معارك الإسلام، وتوضح ان الله أنزل القرآن على عبده محمد، في يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، أي في مثل اليوم الذي نشبت فيه معركة بدر، هذه المعركة تشير كتب التواريخ إلى حدوثها في السابع عشر من شهر رمضان، ففي مثل هذا اليوم أنزل الله على رسوله قرآناً، وبعثه إلى الناس كافة بشيراً ونذيرا، بحيث  يمكننا قراءة الآيتين تأويلا: ”فقد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير.