التأويل في إطار الحديث

 

تحليل ( السنة)

يشير التصور للسنة في صدر الإسلام، إلى رؤية مختلفة تتباين مع التصور التقليدي الحالي، ولذلك علينا في بداية هذا الفصل، إعادة تعريف السنة النبوية، وذلك بإعادة تحليلها إلى مكوناتها الأولية، على ضوء نصوص الكتاب والسنة، لنتمكن من إيقافها على حدودها، قبل المتابعة لإجلاء بقية التصور.

إن شمولية العلم القرآني، التي يشير إليها قوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، تتجلى في قدرة الكتاب على التفصيل، كما في قوله تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ... هل ينظرون إلا تأويله)52/7، فكانت عملية التبيين عملية تأويل للنص، بإرجاع متشابهاته إلى محكماته، هذه العملية التأويلية استند إليها الرسول في إيضاحه لمحتوى الكتاب، لذلك قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما انزل إليهم)44/16، مما جعل كل ما نطق به الرسول من بيان كثيف التفاصيل يستند إلى الكتاب، كما يقر الرسول بذلك، في قوله: «إني والله لا يمسك الناس علىّ شيئا، إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه»[1].

ويتصور بيان الرسول للكتاب في صيغة سلبية تعتمد على اللفظ، كما يقرر ذلك قوله: (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)4/53، هو البيان الذي تمثله الأحاديث، التي جمعت في كتب عرفت بكتب الحديث. كما يتصور في صيغة إيجابية فيها يطبق الرسول أفكار الكتاب على الوقع أو يقر ذلك التطبيق كما ينص على ذلك قوله: (إن اتبع إلا ما يوحى إلي)15/10، وهو البيان الذي كشفت عنه كتب الأحاديث، بالإضافة إلى كتب التواريخ والسير. وطبيعة الوحي في الآيتين تتحدد بالوحي القرآني بدلالة قوله: (أوحينا إليك هذا القرآن)3/12. ويؤكد تقيد الرسول بالقرآن التحذير والوعيد الموجه له، في قوله تعالى: (لو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين)44-47/69. وقوله تعالى: (لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قيلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا)47/17، حيث الآية الأولى تحذر الرسول من تجاوز القرآن على مستوى الخطاب، والآية الثانية تحذره من التجاوز على المستوى العملي والتطبيقي. ولما كان الرسول معصوما في الإطار التشريعي من تجاوز القرآن فيما يصدر عنه، بدلالة قوله: (فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم)28/72، ولما في ذلك من تقوّل يحوّله إلى شريك لله سبحانه على الصعيد التشريعي، وهو كفر لا يمكن أن يصدر عن الرسول، بدليل قوله: (ما كان لبشر آن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله)79/3، ليتبين من ذلك أن التحذير من التجاوز وارد في صيغة خطاب غير مباشر يتوجه به القرآن إلى الأمة (*)، وهو يشير بطرف خفي إلى المستقبل، الذي تتورط فيه الأمة في شرك التشريع بتقولها في النص باعتمادها على الرأي.

وهذا التحليل للسنة لا يتطابق مع التحليل التقليدي، إلا في التقسيم الشكلي للسنة، ويتباين معه في ربط السنة بالكتاب، في قبال فصل السنة عن الكتاب في الفكر التقليدي، كما يدل على ذلك تصوره بان السنة قد تأتي ببيان زائد عما في الكتاب. ويترتب على هذا الربط بين الكتاب والسنة عودة التقسيمات الثلاثة إلى البيان السلبي، أي اللفظي، بمعنى أن البيان الايجابي يؤول إلى البيان السلبي باعتبار أن الرسول لو سئل عن فعله أو تقريره، فسوف يواجه السائل ببيان سلبي، أي بحديث يكشف به عما يستند إليه فعله وتقريره من الكتاب. بهذا يمكن حصر تعريف السنة بالبيان السلبي لرجوع البيان الايجابي إليه.

يضاف إلى ذلك، إن الأفكار القرآنية يستنبطها الرسول من الكتاب عن طريق التأويل، وهو المنهج الاستنطاقي، الذي يمنح القرآن القدرة على النطق من غير جهة التكلم، وذلك باقتران الآيات ببعضها لتنطق نطقا إيحائيا، كما تعكس ذلك الأحاديث: «القرآن آمر زاجر وصامت ناطق»[2]، «كتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعي لسانه»[3]، «ينطق بعضه ببعض»[4]، وعندما ينطق القرآن وحيا تسمعه آذان العقول يترجم نطقه المحدثون: «لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال»[5]، بذلك أضحت السنة التي انحصرت حقيقتها بالأحاديث، كأفكار قرآنية يوحي بها الكتاب عند تأويله، بهذا نكتشف أن السنة ليس مقصور بيانها وإنتاجها على الرسول، باعتبار أن عملية استنباط الأفكار القرآنية غير مقتصرة عليه، ولا محصورة فيه، بل يشاركه فيها القرّاء والمحدثون، الذين يمثلون فقهاء التأويل، الذين صنعهم في مدرسته ومنحهم هذا التخويل حين أعلن شعاره: «حدثوا عني ولا حرج» بحيث أصبح المحدث اسما من أسماء الفقيه، وكشف حقيقة عملية التحديث المعتمدة على تأويل الكتاب بالقول: «حدثوا عني ولا حرج فمن كذب علي وقال عني ما لم أقل فليتبوأ مقعدا  من النار»[6]، فهذا الخطاب يدعو المسلمين للتحديث عن الرسول، ولكن بـ(ما قال) وليس بما لم يقل، ولتعرّف على حقيقة (ما قاله) نرجع إلى قوله: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عني قلته أم لم أقله»، والتحديث عنه بما قال يعني أن يروي المحدّث الأفكار القرآنية عن الرسول، دون الحاجة لان يسمع تلفظ الرسول بها بصورة مباشرة، بل تصدر تلك الأفكار عن المحدث، وهو يعلم كل العلم أن الرسول لم ينطق بها بصورة مباشرة، ولكن يعتمد مشروعية روايتها عن الرسول باعتبار أن الحديث فكرة قرآنية، كما تنص على ذلك دعوة الرسول الآنفة * .

إن الخلفية التي يصدر عنها إعلان الرسول المدشن لواقع الفقه، بإشراك الفقهاء في علمية التحديث، تستمد منطقها من أن نطق الرسول بالقرآن كاف في تمثيل الأساس الذي تستند إليه عملية التحديث، فقد تلقى المسلمون عن الرسول كافة آيات القرآن النازلة نزولا مباشرا، ولما كان القران حين يقرأ على سبعة أحرف، يمنح نصه اللاتناهي، صار كل ما يؤول إلى القرآن يمكن نسبته إلى الرسول، الذي لا يعدو خطابه القرآن، مما يجعل خطابه يتصف باللاتناهي، لذلك أمكن للفقهاء (:القرّاء والمحدثين) نسبة استنباطاتهم القرآنية إلى الرسول، والزعم بضرس قاطع بأنها صادرة عنه كأحاديث** . هذا أولا. ثانيا من الضروري أن يتبين الرسول هذا الخطاب، فيدعو فقهاء التأويل للتحديث عنه، لان القرآن لما كان في فكره غير نافد، فان الأحاديث التي مصدرها القرآن غير نافدة، وما كان للرسول أن يستوعب في بيانه اللفظي والعملي الفكر والبيان القرآني اللامتناهي، بشهادة الرسول: «إلا إن الحلال والحرام أكثر من ان أحصيهما وأُعرفهما فآمر وأنهي عن الحرام في مقام واحد»[7]، لذلك استعان بفقهاء الأمة كي يحدثوا عنه، فان تحديثهم عنه تحديثهم عن القرآن الذي لايتجاوزه منطقه ولا يعدوه بيانه. وبذلك تتوراث عملية التحديث عن الرسول بقية أجيال الأمة، فتحمل على عاتقها مسئولية ترجمة الكتاب، لتصبح مسيرة الأمة تسترشد بخلفاء الرسول من المحدقين إلى قيام الساعة. فأصبح أولئك التراجمة من فقاء الأمة هم أيضا في بيانهم اللفظي والفعلي يمثلون امتدادا لسنة الرسول (ص) إلا ما ثبت معارضته عند عرضه على القرآن أو السنة الثابتة بالقرآن.

ويصادق على هذه الرؤية لحقيقة الأحاديث، حث الرسول المسلمين على عرض أحاديثه على القرآن للتأكد من سلامة نسبتها إليه وصدورها عنه، باعتبار ان ما يصدر عنه أفكار قرآنية استنبطت عن طريق تأويل الأحاديث، وهو القائل: «إني والله لا يمسك الناس على شيئا، إني لا احل إلا ما أحل الله في كتابه ولا احرم إلا ما حرم الله في كتابه»، لذلك صار القرآن هو المرجع المعياري الذي يقاس به ما يزعم انه حديث، فإذا ما ثبت أن فكرة ذلك الحديث المزعوم متطابقة مع الكتاب، ثبت بذلك التطابق صوابه، وإذا ما تنافر مع ما جاء في الكتاب ثبت بطلانه، فليس المقياس نطق الرسول بالحديث فعلا أو لم ينطق، وإنما المقياس تطابق مع الكتاب أو لم يتطابق، وفي ذلك تحقيق لقوله: « ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عني قلته ام لم اقله».

 يضاف إلى ذلك، ان عملية عرض الأحاديث هي عملية إعادة استنباط ما استنبطه الرسول من الكتاب، مما يدل على ان الذي يعرض الحديث قادر على استنباطه، فيتضح ان أحاديث العرض على القرآن بالإمكان أن تسلط الضوء على الطبيعة الأولى للفقه، حيث كان الفقهاء يشاركون الرسول في إنتاج الأحاديث، ويتعلمون بالعرض على القرآن دقة الاستنباط، كما يحققون الأحاديث المتداولة بين الناس، ليثبتوا سلامة نسبتها إلى الرسول. بهذا يتضح ان المحدث في صدر الإسلام لم يكن يقتصر دوره على حفظ أحاديث الرسول، ليكون جهده الروائي بمثابة أصداء للخطاب النبوي، وإنما كان الفقيه قادرا على استنباط الفكرة القرآنية، والتعبير عنها بعبارته أو فعله. ومخول نسبتها إلى الرسول باعتبارها حديثا. فحينئذ يكون في منطقه وفي فعله ترجمانا للقرآن، لذلك ترجمة القرآن لم تكن مقتصرة على الرسول، بل المؤمن كما في وصف الإمام علي ينبغي ان يكون ترجمانا للقرآن: «قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله»، هذا على صعيد البيان الايجابي للكتاب إما على صعيد البيان السلبي ففي حديث الإمام علي عن القرآن يضيف قائلا:«جعله الله ريا لعطش العلماء، وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى»، فالتحديث عن الرسول متاح لان القرآن هو المصدر الذي منه تنهل الأحاديث. لذلك ونتيجة لجهود فقهاء التأويل في استنباط الأحاديث من الكتاب وروايتها عن الرسول (ص)، أخذت الأحاديث تزداد كلما تقدم الزمن زيادة كمية، وهذه الحقيقة متحققة بغض النظر عن الوضع، فالأحاديث المروية عن الرسول كان معدلها يزداد باطراد، والفكر المذهبي السائد يؤمن بهذه الفكرة بشكل ضيق، حين يرى المذهب الشيعي ان أقوال أوصياء الرسول الأئمة الاثنا عشر (ع) تعتبر أحاديث، بينما ترى المذاهب السنية ان أقوال الصحابة أحاديث. إلا ان كل منهما يرى ان أحاديث من يؤمن بحديثهم أحاديث حفظوها عن الرسول (ص)، انطلاقا من ان الحديث ما نطق به الرسول فعلا، وليس الحديث استنباطات قرآنية.

يبقى السؤال: ما مصير القوالب اللفظية لعبارة الرسول؟ إذ تبين أن الاعتبار كله منصب على الفكرة التي يكفلها القرآن باعتباره مرجع تلك الأحاديث، وتلخصت حقيقة الحديث بالفكرة القرآنية؟ والجواب: ان الأحاديث كقوالب لفظية تعكس المعاني القرآنية، ليست للقوالب فيها قيمة ذاتية، أو قدسية، بل القدسية متوجهة للفكرة القرآنية التي تضمنتها، وهو ما تدل عليه مقولة الرسول التي خاطب بها من سأله عن تعذر روايته الأحاديث كما سمعها عنه، فأجابه (ص): «إذا أصبت الحديث فأعرب عنه بما شئت»[8]، فكل المطلوب أداء الفكرة القرآنية بالألفاظ المناسبة لها، والتي تفي بها وتؤديها، فالرسول يؤسس للمحدثين والرواة مبدأ الرواية، الذي يظهر القيمة للأحاديث كمعانٍ ينبغي للرواة استهدافها في روايتهم عنه ليس إلا. وهذا المبدأ المفوض للرواية يقضي بحفظ المعنى دون العبارة، لأن القرآن كمصدر للأحاديث غير قابل لأن ينزح، مما يجعل الفقهاء المحدثين، في كل عصر ومصر، يعتمدون على عبارتهم الخاصة في التعبير عن الأفكار القرآنية المستنبطة.

إلا أن الرسول ميز بين صنفين من الرواة والمحدثين، فالبعض يروي عن الرسول عن سماع لا عن دراية، والبعض يمتلك جزء القدرة الفقهية، فيروي عن شبه دراية، ويبقى البعض الأخر المتمكن من الفقه يروي عن دراية. فجاء خطاب الرسول يحث غالبية الرواة الذين لا يملكون أهلية الفقه في الدين، الذين مازالوا على أول درجات السلم الفقهي، ان يرووا الأحاديث ما أمكن كما تلقوها عنه، فقال: «رحم الله، امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»[9]، وقال: «نضر الله امرئ سمع منا حديثا فأداه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع»[10]، بينما أجاز لفئة الفقهاء أن يتجاوزوا الرواية النصيّة عنه إلى الرواية المكتفية بالمضامين.

بهذا يتبين ان عهد الأحاديث لم ينقضِ بذهاب الرجل الأول في الإسلام ومن حوله من رجال، وإنما هو عهد متصل مادام التأويل إلى جانب القرآن يصرفه لينتج الأفكار القرآنية غير النافدة، التي تلبي وتشبع الحاجات المعرفية للإنسان، والتي بها يستطيع أن يحافظ على سلامة موقفه، عندما يبقى دائماً في إطار إيحاءات القرآن التي يهديه إلى رشاده.