بسم الله الرحمن الرحيم

 

التأويل المعاصر

 

د. عامر عبد زيد كاظم

دكتوراه فلسفه إسلامية، جامعة الكوفة كلية الآداب
 

 

في مجال البحث عن سلطة القارئ وتجذيرها في البعد المعرفي نحاول إن نقف هنا عند احد المساحات التي تطورت فيها سلطة القارئ من مؤول رمزي للنص إلى مؤول يبحث عن مقاصد المؤلف الخفية إلى مؤول بوصفه قارئاً على طرف المساواة مع المؤلف، والنص بوصفه القراءة بعداً حوارياً بل أنها تعدت النص لتشمل العالم.

فالتأويل واحد من مناهج الفكر القديم المتجدد وقد تنوعت مواقفه ورهاناته بتنوع السلطات الفاعلة سواء كانت عقلية أو أسطورية أو لاهوتية تقوم على مركزية النص لكن هذا الأمر اختلف مع مشروع الحداثة ومقولة الأنسنه فقد كانت هناك تصورات جديدة غدت الرهان الرابح فيه .

التأويل مفهوما:

التأويل لغة : أول (التأويل)  تفسير ما يؤل إليه الشيء وقد (أوًّله ) تًأويلا و (تأوّله) (1) التأويل مفهوم :كلمة الهيرمنيوطيقاً فن التأويل كما هو الحال مع الكلمة المشتقة من الإغريقية والتي تمفصل مع لغتنا العلمية تتوزع في المستويات المختلفة للتفكير تدل الهيرمنيوطيقاً Hermeneuein : يتضمن الحقل الدلالي الذي يغطيه المصطلح الإغريقي معاني التعريف والشرح والترجمة والتأويل والتعبير 00 (وقد تطورت الفعالية ( الهيرمينوطيقيه ) بوصفها تأويلا وتفسيرا للنصوص خاصة انطلاقا من الرواقية لتأخذ شكل القراءة الاستعارية وهكذا وقد شكلت  الهيرمينوطيقا تجاوزا للتحليل النحوي والبلاغي بالبحث عن النوايا العميقة للمؤلفين      (2) وتتضمن كلمة Hermeneutike : بالإغريقية في اشتقاقها اللغوي كلمة (tekhne) التي تحيد إلى ( الفن ) بالمعنى الاستعمالي التقني لاليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية واستعمالية ورمزية (3)

 وبما ان الفن آلية لا ينفك عن الغائية (teleologic) فان الهدف الذي تجتر هذه الوسائل والتقنيات هو (الكشف) عن حقيقة شيء ما 000 وعليه تعني الهيرمينطيقا فن التأويل (4) التأويل التراثي الرمزي: وهو تأويل إطلاقي يحتكر المعنى ويحوله إلى عقيدة ويعتمد التعالي الميتافيزيقي أي كشف نية المؤلف.

في الفكر اليوناني: وهذا نلمسه في بدايات الفكر اليوناني عند الفيثاغورسية وتأويلاتها الرمزية للأساطير والكون عبر رمزية الأعداد والموسيقى، وتجده عند الرواقية في قراءاتها لملاحم هوميروس. والشعراء الإغريق ، وبذلك ارتبط التفسير بالفيلولوجيا (علم اللغة)  .وان لفظ الهرمنيوطيقا, لفظ يوناني، مر بعدة مراحل غيرت في دلالة المصطلح فجذوره الأولى وردت في مقولات أرسطو المنطقية بمعنى تفسير العبارة . (بيري هرميناس) وضعه أرسطو جزءاً من أجزاء المنطق ويعني كما ترجمه قدماء المناطقة قضية العبارة أي كيف يمكن تفسير العبارة. والهرمنيوطيقا قد سمي في بعض الكتابات بعلم التأويل أو التأويلية الذي يبحث عن تفسير النص وفهمه وقد ذكر بأن هذا المصطلح اشتق من هرمس في اليونانية وهو الملاك الذي ينقل رسائل الآلهة وتعاليمها إلى الأرض, .(5) فقد اعتبر هرمز hermes رسول الآلهة إلى البشر يبلغ حرفياً وينجز كلاما ما، وكل  تبليغه لهذا. فالمصطلح الفلسفي hermeneus ترجمه أو نقل او إيضاح حر في إدراك المقصد الحقيقي للعبارة المنطوقة وعلى المؤول المترجم الذي يريد أن ينقل إلى اللغة (لغة الخاصة) وبصوره متجددة ما أريد التعبير عنه (في لغة أخرى) وتعطي معنى التكهن، فن تبليغ الإرادة الإلهية(6) لكن تبقى دلالة التأويل ظنية Interpretation :مشتقة من الأول، وهو لغةً الرجوع، ويرادف التفسير، وقيل هو الظن بالمراد، والتفسير القطع به، فاللفظ المجمل إذ الحقه البيان بدليل ظني يسمى مؤولا بدليل قطعي يسمى مفسرا (7).

في الفكر اليهودي: بنقد النص ثم انتقلت المحاولة إلى تفسير النصوص المقدسة ونلمسها في الميراث النص المقدس والتاويلات التي كانت تحاول التوفيق بين التصورات الفلسفية والتصورات التوراتية كما فعل (فيلون) الذي يطرح تصور نخبوي في فهم النص/ التوراة بقوله :يكون فهم النص على حقيقته ليس مقدورا للجميع ، مادام طريق هذا هو التأويل الذي ليس مقدورا أو مسموحا به للناس جميعا (8). ويغدو هذا الطرح ديدن كل هذه القراءات التي تحاول التوفيق واستنطاق قصد المؤلف لهذا يضع أصولا للتأويل إذ انه يرى إن المعنى الحرفي يشبه الجسم والمعنى الخفي يشبه الروح ومع هذا  ينبغي إن لا يهمل المعنى الحرفي، بل يجب إن تراعى الحرف والروح معا أو الظاهر والخفي لهذا يلوم الذين لا يؤلفون 000 لكل منهما (9).

إما الغاية من التأويل إن فيلون يجعل من التأويل وسيلة ضرورية يحقق بها أغراضا لها قيمتها لديه أو بعبارة أخرى، لتتفق النصوص المقدسة مع آرائه الفلسفية في الله، وفي الخلق، وفي النفس، وفي الدين، يحرص الحد من كله على إن يأخذ صفة العالمية  لا أن يظل ديناً لطائفة خاصة هم بنو إسرائيل .ويرى ضرورة تأويل النصوص التي تثبت بظاهرها لله مالا يليق به من الصفات والأحوال، كالجسم والكون في المكان والكلام بصوت حروف والندم وهو في هذا يقول :الله لا يأخذه الغضب ولا يندم ولا يتكلم بحروف وأصوات وليس له مكان خاص يقر فيه. بل انه يتشدد في التأويل فيقول :هؤلاء الذين لا يريدون قبول طريق التأويل المجازي ليسوا أغبياء، بل هم أيضا ملحدون (10).

 إما الفكر المسيحي: وفي اللاهوت المسيحي استعملت بمعنى منهج وقواعد تفسير الكتاب المقدس إلا أن معناه بدأ بالإتساع تدريجيا ليشمل الأدب والفن والنقد الأدبي وفلسفة الجمال .

فمصطلح الهرمنيوطيقا مصطلح قديم ظهر في اللاهوت الكنسي بمعنى مجموعة القواعد التي يعتمد عليها المفسر في فهم الكتاب المقدس، وقد استعمل الهرمنيوطيقا في الدراسات اللاهوتية للدلالة على هذا المعنى منذ سنة 1654مـ ولم يزل مستخدما بنفس المعنى في اللاهوت البروتستانتي غير إن مفهومه اتسع بالتدريج فشمل دوائر أخرى تستوعب بجوار الدراسات اللاهوتية العلوم الإنشائية والنقد الأدبي وفلسفة الجمال والفلكلورفان (Anagogic lnterpretation) هو تفسير للكتاب المقدس تفسيرا رمزيا للكشف عن معانيها الخفية لان الشريعة مجتمعة على ظاهر وباطن كما يذهب بالاعتقاد بعض رجال  الدين، ومن خلال التأويل يتم إخراج النص من دلالته الظاهرية إلى دلالته الباطنية .

فالظاهر هو الصور والأمثال، والباطن هو المعاني الخفية التي لاتتكشف إلا لأهل المعرفة والعلم. والتأويل يؤدي إلى رفع التعارض بين ظاهر الأقاويل وباطنها )(11)

 لدى اغسطين: فانه يسير في التأويل المجازي بفطنته، إذ يرى وجوب التمييز بين ما يجب إن يأخذ من  النصوص حرفيا وبين ما يجب تأويله مجازيا، على إن تكون نتيجة التأويل الاتفاق مع العقيده، ومبدأ وجوب اتفاق نتيجة التأويل مع العقيده، تراه صار مبدأ متوارثا فهذا توما الاكويني يؤكد في الخلاصة ألاهوتية: إن كل ماعدا المعنى الحرفي لا يعتمد عليه وانه لاشيء من تلك المعاني الأخرى إلا وهو موجود بوضوح في المعنى الحرفي. لكن مع هذا ظهر التأويل المجازي في الفكر المسيحي حتى جاء التصور البروتستاني الذي رفض هذا التأويل ووضع شروط أخرى للتأويل.

ما نفهم من هذه المقدمة بالتعريفات إن التأويل بمعناه القديم والوسيط خاضع للقراءة أيدلوجية عقائدية يهيمن عليها المعنى الاوحاي المطلق وعنف القراءة المطلقة في ظل هيمنة المفاهيم المتعالية الميتافيزيقية التي ورثها هؤلاء من اليونان وأصبحت أداة في أيديهم غابت عنهم التاريخية وأصبحت أمامهم مطلقة .

وهذا الأمر على العكس منه في الدراسات المعاصرة التي تجاوزت الإطلاق بالتاريخية لان النص وليد واقعه التاريخي ولهذا يجب إن يفهم ضمن هذا البعد إلا إن يخضع قصد المؤلف إلى رهانات دوغمائية مطلقة والتأويل المعاصر يدعو إلى وعي تاويلي يكون محركه جوانية الفهم وبرانية الحوار وهذه الدعوة بمثابة موروثنا نحن ووجود تراثنا  في اللحظة الراهنة هنا ولان بوصفه تجربة حية ومعاشة وانصهار أفاق هذين (12) وفي عصر النهضة عرف المصطلح بالهرمنيوطيقا الكلاسيكية فبعد فك الربط بين الكنيسة واحتكارها حق تفسير النص الديني كان من اللازم تحقيق مناهج تكون متاحة  للجميع عند قراءة وتفسير الكتاب المقدس وعلى هذا الأساس ثمة مستويين في التأويل التراثي /التأويل الرمزي والتأويل المعاصر.

 إما التأويل المعاصر: من التقليدي إن نتقصى تاريخ النظرية الهرمنيوطيقية بدءا بكتابات رجال لاهوت القرن السابع عشر البروتستانت من الألمان الذين طوروا منهج فهم الكتاب المقدس لتدعيم أساس لاهوتهم. وقد كانت الولادة الحديثة للهرمينوطيقيا مع الرومانسية الألمانية، فكان ارتباطها بتمييز مستويات القصدية الدالة اقل من ارتباطها بتحديد الصيغة المقاربة الناجحة للمعنى وان تجاوزت المعنى المتعالي عبر التأويلات المجازية صوب أنسنة النص والبحث فيه عن القصد، الذي يهدف إليه المؤلف (فبدلا من الاعتماد على الميتافيزيقيا، نجد انه قد دنى إلى  الإنسان الحي الموجود، وبذا يكون قد استبدل المطلق النظري العقلي أو اللاهوتي أو المثالي، بأخر مخالف وجديد هو الحياة (13) ولذلك تم التحول من الفلسفة المجردة إلى الانطولوجيا التي تتعلق بحقيقة الوجود والموجود والتحليل الابستمولوجي (14)

إلا أن أهم قفزاتها وتطوراتها جرت من "شلا ير ماخر" والذي يعد مؤسس الهرمنيوطيقا الحديثة وقد ميز في النصوص بين الجانب الموضوعي وهو اللغة التي يشترك في فهمها المؤلف مع سائر الناطقين بلغته وبين الجانب الذاتي الذي يمثل خلفية المؤلف الذهنية والفكرية وتصوراته وتسمى نظرياته غالبا باسم الهرمنيوطيقا الرومانسية؛ ثم ظهرت الهرمنيوطيقا الفلسفية (التي نشأت في القرن العشرين وبدأت من مارتن هيدجر(1889ـ 1976م) ولكنها طرحت كنظرية لفهم النص من قبل تلميذه (غادامير) وقد أقام هيدجر الهرمنيوطيقا على أساس فلسفي حيث غيّر الكثير من وظيفة هذا العلم وهدفه من  البحث عن منهج الفهم إلى البحث عن معنى الفهم وحقيقة نفسه فمنح للمصطلح بعداً فلسفياً فهو يبحث عن حقيقة الفهم لا عن منهج الفهم أو المعيار لتقويم الفهم الصحيح من غيره.

فالحركة بدأت إذن على أيدي علماء الكلاسيكيات واللاهوت الذين حاولوا وضع قواعد تحكم التفسير الصحيح للنصوص الكلاسيكية والدينية الأساسية، ولكنها لم تلبث أن اتسعت وامتدت لتشمل النصوص الأدبية وغيرها، بل تجاوزت هذا المجال إلى مجالات علم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، والتاريخ، وبقية العلوم الإنسانية على أساس أن الحياة الإنسانية عملية تضفى معنى على الأشياء ولذا تحتاج إلى أن تقرأ بقصد الفهم والتأويل والتفسير.

وبقول آخر أبسط وأوضح فإنه يمكن تعريف الهرمنيوطيقا بأنها "فن القراءة" أي فن حل النصوص وتفكيكها وتفسيرها والكشف عن معانيها . ويقوم منهج التفسير في أساسه على افتراض أن الكلام له معنيان أحدهما هو المعنى الظاهر والمعنى الخفي أو المستتر أو الباطن، مما يعنى أن اللغة لها هي أيضا وظيفتان أحداهما هي التعبير والأخرى وظيفة رمزية تتطلب البحث عما ترمز إليه . وقد أدت هذه التفرقة إلى قيام اتجاهين كبيرين في التفسير: الاتجاه نحو استرجاع المعنى وإعادة بنائه وهو الذي يتبعه رجال الدين الذين يهتمون باسترجاع المعنى الأصلي للرموز في "العهد الجديد."   والاتجاه الآخر يقوم على الشك ويضم مفكرين من أمثال: نيتشه وماركس وفرويد وغيرهم ممن يهتمون بتحليل ـ أو تجزئة ـ المعنى، وليس تجميع الأجزاء كما هو الشأن في الاتجاه الأول، ورد ذلك المعنى إلى عوامل ودوافع كامنة وخفية.

 إما في مجال التأويل فهناك التأويلية التاريخية يمثلها: شلا ير ماخر وفلهم دلتاي والتأويلية الوجودية التي يمثلها هيدجر، وغادامير، وبول ريكور هم مثابات التأويل في التالي :

  أولا: التاويليه التاريخية:

وهي التي مثلها شلا ير ماخر"(1768- 1834  ) التي تنتمي إلى القراءة الحداثوية هدفها الاعتداد بقيم الحداثة والأنوار التي تبحث عن قاعدة موضوعية أو مبدأ وضعي صارم أو قانون كوني شامل عبر تأسيس حقل المعرفة أتمه على قاعدة عقلية، فأسس بدوره ممارسته بوصفه مفسرا ومؤولا على قواعد نظرية، إذ إن كل هرمينوطيقا خاصة تمثل حالة معينة تحتاج إلى تأطير من طرف نظرية تهم كل خطاب مهما كان؛ فجاءت آراءه مزيجا من أفكار اسبينوزا وكانط وفيخته وشيلغ وجاكوبي نحو تأسيس حقله المعرفي بأتمه على قاعدة عقلية ،(إذا إن كل هرمنيوطيقا خاصة تمثل حالة معينة تحتاج إلى تأطير من طرف نظرية تهم كل خطاب مهما كان )(15) وقد  تأثرت آراؤه الفلسفية الدينية بالمذهب البروتستيني فهو ينتمي لها بوصفه راهب فالبروتستانتي يعتقد إن النعمة الإلهية تصل إلى الإنسان من عند الله دون وساطة الكنيسة لان هناك رابطا مباشرا بين الله والإنسان وقد اعتبر إن أساس الوجود اللامتناهي هو الله، حيث تلتقي عنده جميع المتناقضات . على عكس هيغل ، فهو لا يقبل بأن تكون قوانين الجدل كليه . فالجدل لا يعبر إلا عن وحدة المعرفة وقد أعطى "شلا ير ماخر" تفسيرّا جديا لبعض إحداث (العهد القديم)، وتابع في هذا المجال ما يراه "اسبينوزا"الذي تناول هذا الأمر من قبل ( إن جوهر الشريعة يدركها الإنسان في  نفسه، فهي مشتركة بين جميع الناس، ولا تقتضي الأيمان بقصص تاريخية أيا كان موضوعها، وان مثل هذا الأيمان لا يعطينا العلم بالله ولا من ثمة محبة الله لكن يجب إن يستمد العلم بالله من معاني كلية يقينية. وان إدراك وجود الله وليس بالمعجزات فهي لا تغير)(16)

  فقد أثرت تلك المرجعيات والعصر الذي ينتمي له عصر الأنوار، فقد كان يرى التأويل حقلا تمازج فيه الممارسة والتأمل وهما يقومان على العقل فهو (يأبى أن تسيطر على الحياة الدينية عقائد مفروضة؛ وإنما الحياة الدينية نفسها، كما نعرفها بالشعور الداخلي المباشر أو بشهادة الآخرين، هي التي تستتبع كشرط لها وضع عقيدة؛ هي إذن رسوخ الاقتناع بالتطابق بين مطلبنا الداخلي وبين معطى تاريخي وموضوعي. لكن هذا ما يترتب عليه ارتهان الحياة الدينية بأسرها بمباحث النقد التاريخي، إذ يخضع للنقد التوراة والأناجيل الثلاثة المتوافقة، لا يستثني منه سوى إنجيل يوحنا، رغما عن إن شكوكا كثيرة كانت أحاطت منذ ذلك العصر بأصالته)(17)

 وقد أثارت أفكاره الجريئة والنافذة لبعض معتقدات المسيحية ردود فعل عنيفة من قبل معاصريه. فالدين ينبع من باطن الإنسان والأخلاقيات أيضا وفي الإنسان عاطفتين رئيسيتين هما : الأول: اتجاه الطبيعة والعاطفة. الثانية: "الألوهية". وهما تعبيران عن "الجماعة "التي تصب في "روح المسيح" الذي يعتبر بداية كل شيء ونهايته(18) هذه الرؤية الفكرية النقدية ذات البعد الانسانوي هيمنة عليه وأثرت في تصوراته في مجال التأويل، فقد جمع بين التأويل والممارسة، فأن تأملاته الخاصة بالتأويل تتطابق مع سلوكه بوصفه مؤول في مجال التفسير الديني وترجمة مؤلفات أفلاطون وهو بهذا وليد الفضاء الفكري التنويري.

يعود الفضل إلى شلا ير ماخر في نقل التأويل من دائرة الاستخدام اللاهوتي ليكون "علماً" أو "فناً" لعملية الفهم وشروطها في تحليل النصوص. وهكذا نشأت النظرية العامة لعلم التأويل ولفن التأويل، نظرية تعكف على الخطابات الأشد اختلافا وتسعى إلى إن تبرز عبر التأكيد على مفاهيم مثل اللغة والخطاب والذات المتكلمة والفهم تؤكد (إننا لا نفهم إلا ما عدنا بناءه) ولعل هذه الفكرة تذكرنا بذلك التصور ألشكي الديكارتي، وهذا التأمل قائما على ثالوث (اللغة -الفكر - والخطاب) بوصفه الحصيلة لهما، فاللغة ليس منظومة مجردة بنظره بل هي موقع المعنى والفكر ومقومة للخطاب وأداة للتواصل ودافع ذهني للفرد وبهذا فهي تمثل شرطا للخطاب وموقعا للالتقاء وبين اللغة والخطاب من ناحية ثانية مهمة المؤول يصفها بخطوتين هما:

إقصاء ألذات إلى مركز ثانوي وثانيا اعتبار تلك ألذات سببا للخطاب وعلى هذا الأساس اختط التأويل تأويلات  لكل منها فضاءه ومبني على الدراسة اللغوية والتاريخية(19).

إذ تقوم  تأويليتة على أساس أن النص عبارة عن وسيط لغة؛ ينقل فكر المؤلف إلى القارئ. وبالتالي فهو يشير–في الجانب اللغوي- إلى اللغة بكاملها .ويرى "شلا ير ماخر" علاقة جدلية. هناك جانبان لهذه العملية هما اللغوي والنفسي إذ لايمكن الاقتصار على اللغة وحدها لان الإنسان لايمكن أن يعرف الإطار اللامحدود للغة، كما أن الموهبة في النفاذ إلى الطبيعة البشرية لا تكفي لأنها مستحيلة الكمال، لذلك لابد من الاعتماد على الجانبين، ولا يوجد ثمة قواعد لكيفية تحقق ذلك. فاللغة تحدد للمؤلف طرائق التعبير التي يسلكها للتعبير عن فكره وللغة وجودها الموضوعي المتميز عن فكر المؤلف الذاتي، وهذا الوجود الموضوعي هو الذي يجعل عملية الفهم ممكنه. ولكن المؤلف من جانب أخر يعدل من معطيات اللغة تعديلاً ما. انه لا يغير اللغة بكاملها، وإلا صار الفهم مستحيلاً إذن هناك جانبان: جانب موضوعي يشير إلى اللغة وجانب ذاتي يشير إلى فكر المؤلف ويتجلى في استخدامه الخاص للغة(20) إذ يرى أن مهمة التأويل تهم الكاتب على نحو يتجاوز مهمه. وهكذا تطلب منه إن يأخذ بعدين للتأويل:

الأول/ تأويل نحوي للغة افقه اللغة، إي تأويل يقوم على فهم اللغة التي هي أداة التواصل وشرط للخطاب وتمثل الواقع الذهني للفرد. والتأويل الثاني/ تقنينفسي يركز على أمرين الأول فهم الحديث والثاني فهم الفكر وصولا إلى تلك الغاية التي تقوم على فهم قصد المؤلف في ظل سلطة المؤلف التي كانت مهيمنة .وهذا الأمر يعني تناول ثنائية الذاتي / والموضوعي ، الأول ما يتعلق بالتعبير عن ألذات والموضوعي ما يتعلق مباشرة بعرض الموضوع ومعنى هذا الكلام موصولا بما سبق إن التأويل التقني يساوي تعبير الخطاب. إي التركيز على الخطاب ومعناه بل فهم المتكلم فالمتكلم يعبر عن ذاته بأسلوب (إي تراكيب واللغة واستعمالها لهذا يتغلب التأويل التقني النفسي على التأويل النحوي )(21)

الجانب الموضوعي (اللغة) وفيه يتناول كيف يطور النص نفسه للغة ويتناول الأمر من بعددين ألتنبؤي والبعد الأخر تاريخي يتناول معرفة كاملة باللغة من الجانب وخصائص النص من جانب أخر. إما الجانب الذاتي فله أمران الأول هو إعادة البناء الذاتي التاريخي(النص نتاج للنفس) الثاني ألتنبؤي اثر الكتابه في أفكار المؤلف، ولذلك يعد شلا ير ماخر عتبة الانتقال من التأويل ألاهوتي إلى التأويل الفلسفي الإنساني خلافا لسبينوزا  لا يتعلق شكل الفهم عند" شلا ير ماخر" بين فهم عادي وفهم أفضل للنصوص قصد إدراك  طبيعة الموضوع، إي انه يربط الفهم من منظوره بفردانية الفكر  لشخص معين الذي يتلفظ بخطاب معين ضمن سياق زمكاني خاص)(22)

فقد ظلت الهرمنوطيقا الكلامية أسيرة المنهج وبالتالي لم تستطع إن تتخلص من النزعة الموضوعية في تفسير النص، وهي النزعة التي ارتبطت بنموذج المنهج السائد في العلم الطبيعي الحديث :" فشلا ير ماخر" ينظر إلى النص باعتباره وسيطا فرديا موضوعيا ينتقل من خلاله فكر المؤلف إلى القارئ أو المفسر، وهذا الوسيط اللغوي يكون موضوعيا لأنه يمثل الجانب المشترك الذي يجعل عملية الفهم ممكنة. وعلى نحو مشابه ينظر دلتاي إلى العلامات اللغوية باعتبارها أساسا عاما تتموضع من خلاله تتخارج الحياة والإحداث الباطنية، (23) وينظر معظم مؤرخي الهرمنيوطيقا المحدثين إلى العمل الذي قدمه "شلا ير ماخر"على أنه يمثل المرحلة الثانية، أي ما يسمى  "الهرمنيوطيقا الرومانسية"، الذي جعلت مهمتها الأساسية تحقيق " التجانس congeniality " أي إن يخبر الناقد أو قارئه الحدث النفسي psychicalللمعنى الذي خضع له المؤلف أولاً . ويصف شايرماخر هذه العملية بمصطلح " الحلقة الهرمنيوطيقية" Hermeneutic Circle ، والتي بقيت منذ ذلك الحين السمة المركزية للكثير من النظريات. والحلقة هي الانتقال من التخمين عند المعنى "الكلي " للعمل إلى تحليل أجزائه عبر علاقتها بالكل، يعقب ذلك العودة إلى تعديل فهم العمل  "كله ". وتجسد الحلقة الاعتقاد بان الأجزاء والكل يعتمد أحدها الآخر وانهما يرتبطان بعلاقة عضوية ضرورية . ومن خلال تفسير التأويل بهذه الطريقة ، تصبح الفجوة التاريخية التي تفصل العمل الأدبي عن الناقد أو القارئ سمة سلبية ينبغي التغلب عليها من خلال الحركة المتذبذبة بين إعادة البناء التاريخي من جهة والأفعال acts التكهنية للتقمص empathy  من جانب الناقد أو القارئ، من جهة أخرى(24). وقد تعرضت تلك الرؤية إلى النقد والتواصل فقد تناولها "غادامير"ان (دلالة البحث ألتأويلي هي الكشف عن معجزة الفهم وليس الكشف عن التواصل العجيب بين الذوات. الفهم هو المشاركة في القصد الجمعي. من جهة أخرى، تتطلب الوجهة الموضوعية لحلقة التأويل أن توصف بنمط آخر غير الوصف الذي قدمه شلا ير ماخر )(25) إلا أنا نجد هنا إشارة إلى توسع في سلطة القارئ الذي نجده هنا في هذا التوصيف إلي يقدمه" شلاير  ماخر" إذ حدد أنتاج النص ودور القارئ في تحديد مقاصد النص أكثر من المؤلف مما يعني  المسكوت عنه في النص وهي محاولة جعل النص ينطق بما لم يكن المؤلف قد صرح به وهذه تعطي هميه إلى النص والى القارئ .

  

         امافلهم دلتاي: (1833-1911)

 تدور رؤيته الفلسفية على فكرة الروح الحية. التي تتطور في إشكال تاريخية وقد أنكر "دلتاي" أمكان معرفة قوانين العملية التاريخية لان الحياة الإنسانية مركبة من عدد غير محدود من الحيوات الفردية وهي بدورها تكون الواقع الاجتماعي والتاريخي لحياة الناس .ويقول دلتاي إن الحياة ليست أجزاء متناثرة لا رابط بينها، ولكنها كل منظم له معناه .والفيلسوف يبدأ بالمعاني التي يعطيها الناس للحياة، ويشاركهم المبادئ التي يستخدمونها في تنظيم خبراتهم ويسميها (مقولات الحياة ( lifecategories وتبدا فلسفة الحياة بتحليل مختلف المعاني التي تبدو عليها الحياة العادية ثم بتحليل تأويلات تلك المعاني كما تتبدى في الأدب والديانات وغيرها من النشاطات ثم بتحليل الفلسفة التي عليها الإنسان الفلسفية المختلفة(26) (قدم الهرمنوطيقيا باعتبارها (فن التأويل التراث المكتوب) فهذا  التأويل هو شكل من أشكال الفهم( das uerst ohen)  إي  الصيرورة التي بواسطتها تعرف ما هو داخلي عن طريق علامات نراها من الخارج  بواسطة حواسنا .فالفهم يتعارض مع الشرح (aserklaren) الذي هو خاص العلوم الطبيعة ويهتم بعلامات السببية التي لاتولي أهمية للداخل في مجال الإحداث المادية. وتكمن خصوصية الفهم (27). إلا انه ليس هناك تمايز كبير بين الاثنين وقطيعة بل تداخل (إن المناهج التأويلية تشكل مع النقد الأدبي والتاريخي يؤدي إلى تفسير الظواهر المتفردة بين التأويل والتفسير وليس هنالك حد صارم بل مجرد تباين تدريجي(28) إن الانتقال أو ألازمة التي أحدثها دلتاي لها أهمية بحيث سمحت باستحداث نموذج جديد غير  الواجهة المعرفية والقيمية في التعامل مع النصوص بقوله (يهدف من التأويل) فهم وتفسير أفكار الآخرين عبر علاماتهم، يحصل الفهم عندما تستيقظ التمثلات والإحساسات في نفسية القارئ وفقا للنظام والعلاقة القائمين في نفسية المؤلف) (إن الفهم لا يتمثل في ربط شيء بأخر، بل في إرجاء شيء إلى مجموع، فالحياة نسبة له (تبدوا كديناميكا تتهيكل بذاتها ولا يتسعها إن تؤول إلا بصورة غير مباشرة من خلال العلامات وإنتاجها)(29).

وهنا سعى دالتاي إلى جعل الهرمنيوطيقا بالنسبة للعلوم الإنسانية  Geistewissenschaftenرديفا للمنهج العلمي بالنسبة للعلوم الطبيعية، وهو يرى التفسير explanation النمط الملائم لفهم العلوم الطبيعية في حين إن الفهم understanding هو النمط الملائم للعلوم الإنسانية. ويرتبط الفهم بخبرة الذوات والعقول الأخرى أكثر من ارتباطه بخبراتنا وعقولنا، فهو يعتمد على غزارة معنى أشكال التعبير كلها التي تكون فيها الخبرة ( ونعني هنا التعبير المكتوب، على وجه الخصوص). ومن الجدير بالذكر أن التأويل هو الذي يهب غزارة المعنى للتعبير. ويرى دلتاي إمكانية وجود الحقيقة في مثل  هذا التأويل بقدر وجودها في تفسير العلوم الطبيعية. وقد أصبح التاريخ حقله المعرفي المفضل لممارسة الهرمنيوطيقا لأنه فرض المشكلة الفلسفية المتمثلة بوضع الخبرة الفردية التاريخية في فهم عام واضح يفترض أن تكون الطبيعة الإنسانية فيه الوعي الشمولي التاريخي، أي نمط المعرفة)(30).

إن هذا الفرق الذي يقيمه يجعله ينظر إلى العلوم من غايات مختلفة الطبيعية تكمن غاياتها في كونها مجردة. إما الإنسانية منها غايتها الإدراك الفني والإنساني ونتوصل لها من القيم والمعاني الاجتماعية، لهذا واضح هنا مركزية المؤلف في تأويل دلتاي إلا انه أيضا يمنح المسئول دورا حواريا وليس إقصائيا أو هامشيا إذ يرى النص ( ليس نسقا مغلقا إنما خطاب مفتوح للقراءة والنقد والتواصل الفكري وتداول المفاهيم بين القاري والكاتب عبر دراسة فلاسفة التأويل مقاصد وأهداف النص والمؤلف وإدراك معناها وعلى هذا فرغم تأثر"دلتاي "بالمشروع التأويلي إلا انه خرج بتصور  مغاير للفهم الذي يتشكل لديه على انه يقوم على التركيز جهوده على مفهوم (التجربة) فهو يميز بين نوعين من التجربة الأولى المعاشة التي يستعملها في وصف علوم الفكر أو العلوم الإنسانية والثانية التجربة العلمية التي تخص علوم الطبيعة والذي يجعل من التجربة المعاشة والممارسة وجهين لنفس الحقيقة وبد طابع جدلي وتاريخي)(31).

فالفرق الذي يقيمه بين العلوم الطبيعية والإنسانية يكمن في الغايات لكل منهما فالطبيعية غاياتها مجردة، إما الإنسانية غاياتها الإدراك الفني والإنساني وتتوصل لها من خلال القيم والمعاني لدى الفاعلين الاجتماعين وليس من خلال مناهج العلوم بل من خلال "العيش مرة أخرى" في الإحداث الاجتماعية لهذا أقام دلتاي العلوم الإنسانية على أساس معرفي في كل معرفة على التجربة "المعاشة" وهي عملية إدراك حسي وليس خبرة من التأويل الفعلي. وعلى أساس نفسي يقوم على دراسة حقائق الوعي التي هي مصدر تشكل الذاتي عن الموضوعي في العلوم الطبيعية.

إن التجربة الذاتية: هي أساس المعرفة وهي الشرط الذي لايمكن تجاوزه لأي معرفة إذ تصبح هي الأساس لإدراك الموضوعي القائم خارج ألذات. وأيضا عمل على تحويل الذاتي إلى موضوعي من خلال التعبير وهو ما يعطي للتجربة الذاتية موضوعيتها يحولها من حالة ذاتية للمبدع إلى حاله خارجية، وهذا التحديد الموضوعي هو ما يؤسس موضوعية العلوم الإنسانية. (إن تجربة المبدع تتجاوز ذاتها من خلال أداة موضوعية هي اللغة في حالة التعبير الأدبي)(32) انه هنا وكما تحدثنا عن رؤيته الفلسفية بوصفها رؤية لحياة الفرد وتجاربه المعاشة التي تشكل بالتالي بنية الفهم الذاتي (يحدد  وهي بهذا المعنى، حامل غزارة الاحساسات والانفعالات التي تعتبر إن كل تجربة فردية تخص الفرد بعينه)(33). إذ الإنسان هنا يفهم نفسه كمتلقي أو قارئ للعمل الأدبي أو الفني لا من التأمل العقلي الذي يتصف انه بعيد عن الممارسة الفعلية التي تتمظهر من خلال التجارب الموضوعية للحياة لان التجربة المعاشة للعمل الأدبي أحاسيس أفكار مواقف متضمنة في العمل التي تظهر من خلال الغوص "الانا" في "الانت". فالملاحظ هنا إن التأويل ( ما هو إلا الرؤية الفهمية المتعلقة بالأشياء في الحياة اليومية بوصفه ان الفهم وسط لا معرفة) (34). وهذا ما يؤيده دلتاي بقوله: ( يحوم فن الفهم  حول تأويل الشهادات الإنسانية التي تم الاحتفاظ بها بواسطة الكتابة (35). لم تتورط في مفهوم الشكل أو البناء اللغوي المنغلق على ذاته في عملية تفسيرها للنصوص ذاتها حتى إن دلتاي قد ذهب في مؤلفه "نشأة الهرمنوطيقا" Entestehung der Hermeneutic إلى القول بأن أدفن الفهم يتمركز حول تفسير بقايا الوجود الإنساني المحفوظة في الكتابة(Qouted in Riner Wiehl “Schleiermachers..) " (36)  

 ثانياً: التأويلية الوجودية : لقد تحررت من الأوهام العلموية والصرامات المعرفية لتغدو تجربة شاعرية وخطابية تقول فيها اللغة كل ما يمكن قوله من فضاءات أو تجارب إذ غدا التأويل مع  هيدجر (1889ـ 1976) وغادمير نمطا في الوجود وليس نمطا في المعرفة، إذ استحالة إن يتأسس الكائن على قاعدة ثابتة أو أصل خالص وإنما يقوم على التغير والتعدد أي استحالة إن يبقى كما هو دون تغير أو تحول أو يبقى بماهيته.

            هيدجر (1889ـ 1976)

 أقام الهيرمنيوطيقا على أساس ظاهراتي فان المجال الحيوي في إدراك الإنسان للوجود في شكله الأكمل وهذا الفهم هو تاريخي  الوقت نفسه أي يتصف بالتغير الدائم وهذا ما تعكسه التجربة ألمعاشه .

وقد أعاد الظاهراتيه إلى الجذر اليوناني اللغوي cogos phenomenon يشير (الجزء الأول) مجموعة ماهو معرض لضوء النهار أو(ما يمكن إن يظهر في الضوء) انه ظهور الشيء في ماهيته الأصلية بنظر هيدجر؛ وهذا الظهور يأتي من خلال ما تكشف الأشياء نفسها من خلال اللغة"الكلام" (ان اللغة ليست أداة للتواصل اخترعها الإنسان ليعطي للعالم معنى إن اللغة تعبر عن المعنوي القائم فعلا في الأشياء فان الإنسان لا يستخدم اللغة بل اللغة تتكلم خلاله والعالم ينفتح من خلال اللغة ويفهم من خلالها )(37)

  ان نموذج الوجود الذي يقدمه "هيدجر" يشير الى فهم الانية الموجودة باعتبارها المصدر النهائي لمسألة الكينونة الموجودة في العالم وكذا الموضوعات القائمة في الواقع . وحيث انه لايفرق بين الذات والموضوع، فهو يجمع بين كينونة الانا وكينونة العالم، تلك التي تجعل من الآنية هي الوجود في العالم فاللغة والشعر والنص الأدبي ليس ذاتي او موضوعي بل هو مشاركة في الحياة (تجربة وجودية) ..انه هنا يبرز التمييز بين التفسير Explanation  والفهم unders tandingالذي على أثره استطاع إن يتوصل إلى ما يسمى بالتركيب الخاص بالآنية أو الوجود design الذي يسعى إلى الحقيقة واكتساب المعرفة والتأويل إي اكتشاف التفسير الذي يظهر نفسه في نفسه إن المتأمل يستطيع إن يضع يده على إن هيدجر لا يعتبر الزمن هو حيلتنا الكلية التي تفهم الأبعاد الزمانية الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل، وهو ما يتنافى مع ما قدمه دلتاي الذي يرى إن الوقائع الإنسانية التاريخية تأتي بشكل مستقل عن الإنسان. ان هيدجر في هذه المسالة يرى إن البنية التاريخية هي بنية الوجود الذي هو إطار الفعل . وبالتالي فانه يحاول إن يوحد بين اللغة في العالم وهذا يظهر في إطار تحليل الوجود الإنساني باعتباره عملية تفسير وانه هذا الوجود يتماشى مع اللغة، وان الوجود الإنساني يرتبط بالوجود في العالم وهذا الوجود يتمفصل وفق بنى ثلاث هي الموجودات، الوضع العاطفي والفهم – التفسير والخطاب (38) ولما كان الإنسان هو الموجود الذي تنحصر كل ماهيته في وجوده نفسه فليس بدعاً أن تتخذ منه "الانطولوجيا" نقطة ارتكاز لها إلا إن الإنسان لأيهم الانطولوجيا من حيث هو إنسان، بل من حيث هو ذلك الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود(39).

إن الإنسان وثيق الصلة بالعالم و العالم وثيق الصلة بالإنسان عند هيدجر؛ لان الوجود بالعالم هو نفسه بمثابة "تحديد أنطولوجي" من تحديات الموجود البشري(40) .لهذا فالهرمنوطيقا الهيدجرية تعرف باسم "الهرمنوطيقا الفينومينولوجية " phenomenological hermeneutics وهي فينومينولوجية لأن التفسير فيها يكون منشغلا بماهية أو معنى ظواهر الوجود الإنساني في صلته الحميمة بظواهر الوجود ذاته .. ومن بين هذه الظواهر الإنسانية فالعلم مجموعة علاقات تعلو على الذاتية والموضوعية إن الإنسان وحده هو الذي يملك العالم بمعنى انه يعيش فيه، ولا يدرك إلا من نفسه، أو حين يسمح  للأشياء إن تظهر وظهور العالم وانكشافه إنما يكون من خلال اللغة، التي انشغل بها هيدجر: الفن والشعر، ولقد وجد الطريق إلى فهم معناهما من خلال فهم ما - اللغة ذاتها)(41) فهذا الارتباط الهيرمنطيقا معه بالظاهراتية(الفينومينولوجه) فاتخذت طابعا وجوديا، وكشفت عن الوجود نفسه للذات التي تؤول. (وبالطبع فقد غاب التطور الفلسفي الخاص لإشكالية الهرمنوطيقا عن محاولة التطوير هذه)(42) وهذا يعود إلى خصوصية التأويل اذ هو فلسفه في الفهم ومفتاح في قراءة النص إما الفينومونولوجيا فقد حاولت معالجة فهم الوجود فيما كانت فلسفة التأويل منصب اهتمامها على إشكالية (وجود الفهم أو كينونة الفهم) لا بوصفه تمثيلا ذاتيا وإنما  بوصفه تفصيل فينونولوجي يراعي خصوصية إنتاج الكائن على ذاته وعلى الوجود إذ تعني الفينومونولوجيا في إطارها الفلسفي والانطلوجي تحديد بنية الظواهر وشروطها العامة بمعنى شكل الظهور أو الانبثاق ( إي ظاهره كانت) الذي يتصل لأول فعله اتصالا مباشرا بالوعي. وهناك خاصيتان أساسيتان تميزان هرمنوطيقا هيدجر في تعاملها مع النص، قد تردد صداهما في هرمنوطيقا  غادامير، والخاصية الأول هي أن النص يكشف عن الوجود وينطوي على حقيقة أو معنى يتجاوز إطار بنيته الشكلية. والثانية ان تفسير النص - وبالتالى فهمه - يقتضى تجاوز إطار الذاتية والموضوعية معا.

 وهاتان الخاصيتان هما في نفس الوقت خاصيتان للغة ذاتها عند هيدجر، وهذا يعنى أن الطريق إلى فهم النص يفترض فهم ماهية اللغة ذاتها.(43) إن اهتمام هيدجر باللغة يرجع إلى فترة مبكرة من فكره حينما أبدع عمله الخالد "الوجود والزمانSein und Zeit  ولكن هذا الاهتمام أصبح يشكل كل أو جل مجال فكره المتأخر اذ يصف في كتابه (الكينونة والزمان) (Being and Time 1926)  العالَم بأنه عالم مشترك، يخلقه ويديمه الفهم المشترك الذي يكون على شكل لغة: متجاوزا التصور الذي  أسماه هيدجر في "الوجود والزمان "بعملية " تأطير اللغة Ge - stell(enframing) (أو التفكير الإحصائي التمثلي للغة هو التصور  الذي يدعونا هيدجر إلى التحرر منه حينما نفكر في اللغة أو نتعامل معها فإنه لا يتحدث عن جلب اللغة إلى محل نظرنا ودراستنا او تعرية بنياتها العميقة او بناء لغة شارحة جديدة (أي نظام لغوي شارح للغة ) وانما هو يتحدث عن المجال المحدد مسبقا الذي تحيا فيه اللغة التي نكون واقعين في شراكها بدلا من ان نوقعها في شراكنا؛ وبذا يصبح الفهم لسانيا وتاريخيا وأونطولوجيا (أي انه مرتبط بقضية الكينونة) . ولم يعد التأويل الآن محض كشف نحن عندما نؤول لا نسقط الدلالة على شيء عارٍ أمامنا، أي أننا لا نلصق له قيمة ،( بل حينما نواجه شيئاً داخل العالم ، يكون للشيء  مشاركة تتكشف في فهمنا للعالم ولا يكون التأويل " إدراكاً ، خالٍ من الافتراضات المسبقة ، لشيء حاضر أمامنا، على الإطلاق " ، بل يرتكز على ما نعرفه نحن ( دائماً ) ـ أي انه فهمنا المسبق ( Vorverstandnis ) الذي لا يمكن أن ينفصل عن كينونتنا (الدازين ) ولا مناص من موقعية situatedness الفهم التاريخية لأنها تمثل الأساس الأنطولوجي لكينونتنا في العالم) (44)

إن ماهية اللغة عند هيدجر تكمن في كونها كشفا أو إظهارا للوجود. واللغة تكشف الوجود عندما تظهر الوجود الإنساني والموجودات الفردية من خلال تحجبها. فكيف يتكشف الوجود على هذا النحو في اللغة؟ لنستمع إلى هيدجر : "إن اللغة في النظرة الدارجة ينظر إليها على أنها نوع من الاتصال. فهي تقوم بوظيفة التبادل اللفظي والاتفاق، وبوجه عام  التوصيل .ولكن اللغة ليست فحسب ولا في المقام الأول تعبيرات مسموعة ومكتوبة عما يراد توصيله ..فاللغة وحدها تجلب ما يكون - باعتباره شيئا ما يكون لم إي تجلب ماهية شي ء ما/ إلى المجال المفتوح لأول مرة . فحيث لا تكون هناك  لغة، كما هوا لحال في وجود الحجر والنبات والحيوان لا يكون هناك أيضا انفتاح لما يكون ل أي لماهية شيء ما/.. ومن خلال  تسمية الموجودات لأول مرة تجلب اللغة الموجودات ابتداء إلى الكلمة والى الظهور"(45)

هذا التصور الذي أعطا البعد الوجودي المتغير الآني له اثر كبير في فهم الوجود ومن هنا اعد وجود الإنسان  في العالم عملية مستمرة في فهم الظواهر والوجود في نفس الوقت  وعمليه مستمرة في الفهم والتأويل؛ وكان لهذا التصور اثر كبير في موقفه من عملية فهم النص حيث هناك اشتراط يقوم على ضرورة وجود معرفة أولية بالنص ونوعه والذي نتلقاه بانفتاح صامت ولكننا نتلقى به متسائلين والسؤال هو الأساس الوجودي لفهم النص وتفسيره؛ انه هنا يؤسس وجود العمل الفني على أساس التعارض بين العالم والأرض ويؤسس بناءه على التوتر القائم بينهما فانه يكون بذلك قد  وضع  أساسا لعملية الفهم وهرمنيوطيقه الفن اذ كان العالم ينتج من خلال العمل الفني فان الانفتاح الوجودي عند المتلقي من خلال وعيه بوجوده الذاتي يجعل عملية الفهم ممكنة (إن ظهور العمل الفني من خلال دخول العالم في شكل منظم وساعتها يحقق العمل الفني وجوده الأرضي)(46).

   غادامير(1900)

  ظهرت ملامح مختلفة لهذه الهرمنوطيقا التي تنسب إلى غادامير والتي تعرف باسم "الهرمنوطيقا الفلسفية "  philosophical hermeneutics  والتي تمتد لتشمل فهم وتفسرا كل ما يكون قابلا للفهم والتعقل ، فإنها وان لم تكن تكرارا لهرمنوطيقا هيدجر فقد كانت امتدادا لمنطقاتها وتوسيعا لآفاقها، وهي بهذا الاعتبار تعد أيضا فينومينولوجية الطابع)(47) وهي تختلف عن "شلا ير ماخر" في دعوته إلى وضع القواعد التي تعصمنا من سوء الفهم إذ هي - أي عند غادامير - تركز على (الاهتمام بما يحدث بالفعل في هذه العملية بصرف النظر عما ننوي أو نقصد) (48). وبالتالي انه يتجاوز المنهج -شلا ير ماخر  ودلتاي في البحث عن منهج للعلوم الإنسانية – صوب تجربتنا الكلية في الفلسفة، والتاريخ، والفن :

أولا: الفلسفة: قد كان التصور الوجودي الذي قدمه هيدجر إذ تأثير كبير على التصور الذي قدمه غادامير فعمليه الفهم تقوم على أساس وجودي (فالوجود الإنساني مشروط بلحظة تاريخية معينة وبإطار اجتماعي يحدد شروط هذا الوجود وآفاقه. وليس هناك أي أولية مسبقة في عملية المعرفة، بل كل من الذاتي والموضوعي في حالة علاقة جدلية محكمة بالشروط الموضوعية المادية والتاريخية التي تتم  فيها المعرفة)(49).

هكذا ظل غادامير وفياً للمنحى الانطولوجيا الذي رسمه هيدغر والمتمثل خصوصا في مسألة اللغة والتناهي الذاتي الذي تكشف عنه التجربة التاريخية وهيرمنيوطيقا الفهم وفهم ألذات على الخصوص، (بالاعتماد على كمونات الكائن في العالم أو الدازاين"Dasein" وبهذا لا تسعى الهيرمنيوطيقى إلى تأسيس قاعدة شاملة وصالحة لكل مستويات الفهم، وإنما على تشكيل وعي نقدي لتناهي "الدزاين" إزاء الإمكانيات الانطولوجية)(50)

فالتأويل الذي غدا مع هادجر وغادامير (هو نمط في الوجود وليس نمطاً في المعرفة بعد الفصل الحاد فنمط الوجود هو استحالة إن يتأسس الكائن على قاعدة ثابتة أو أصل خالص وإنما ينحو قدما صوب التعدد والانفصال أو الحياة والموت وتصبح هويته في "عد ميتة" بالذات، أي استحالة التماهي مع ذاته وصورته أو أن يظل بماهيته الجوهرانية الثابته)(51).وبهذا لا تسعى الهرمنيوطيقا إلى تأسيس قاعدة شامله وصالحة لكل مستويات الفهم؛ وإنما على تشكيل وعي نقدي لتناهي ازاء الإمكانيات الأنطولوجية. إذ غدت إشكالية التأويل هي الحقيقة والمنهج حيث ينتقل غادامير من المنهج إلى  الحقيقة (لتصبح علاقة التجربة التأويلية بالحقيقة هي علاقة إيضاح وكشف أي حقيقة محايثة للتجربة وملازمة للتصور والممارسة)(52).

ثانياً: "الفن "هنا يأخذ غادامير بالتصور الذي قدمه "هيلمهولتز"للاستقراء العلمي بوصفه الاستقراء المنطقي الذي يبحث عن القواعد والقوانين؛ أما الاستقراء الفني فهو كحساسية او الرقةTakt  لهذا يخلص غادامير إلى القول (ان العلوم الإنسانية ترتبط والدقة، وفن الممارسة الذاتية أكثر منه بمناهج مطبقة وقواعد صارمة)(53). فهو هنا يعود إلى عصر الأنوار والحديث عن الطابع الجواني في إدراك الأشياء لهذا يعتبر أن العلوم الإنسانية لها دوماً علاقة بمعرفة الذات. تربط الباحث بذاته عبر عنصر التراث كفهم جذري للذات وتناهيها.

إذ في الفن يضع أساس من اعتبار الوعي الذاتي أساس معرفة في الغربية لان الوعي الجمالي له مكانه ثانوية إذا قورن بالادعاء الآني للحقيقة الذي ينبع من العمل نفسه، وإذا ما تلقينا العمل الفني على أساس الوعي الجمالي نكون مغتربين عنه لنكر إننا حقيقة كأمنه فيه لان العمل الفني يتضمن نوعاً من الحقيقة لا توجد إلا في غيره. مغايرة لمثيلتها في الفلسفة والتاريخ ويعلل هذا بالعودة إلى الشكل إن يجعل هذه التجربة مفتوحاً للأجيال القادمة وتصبح عملية متكررة يقول غادامير: (تقترب خصوبة المعرفة في العلوم الإنسانية من ملكة الحدس الفني أكثر من الروح  المنهجية للبحث العلمي)(54)

 غادمير هنا لا يعطي المادة الأهمية التي أعطاها لها هيدجر بل التجربة الوجودية التي يشكلها الفنان في العمل الفني، وهذه الحقيقة قابلة إن تصبح معطا جديدا ثابتا في الشكل قابلة لتلقي والمشاركة (إن انصهار الحقيقة أو الوجود الماثل في الشكل يكون كامل لدرجة إن يكون شيئاً جديداً)(55) فان تجربة التلقي تجعل هذه التجربة ممكنة وقابلة للمشاركة بها عبر تفاعل تجربة والحقيقة الكامنة عبر الوعي الذاتي. وهنا يضرب لنا مثل عن اللعب فانه ليس مجرد نشاط واعي، لتسلية والمتعة بل انه يتضمن نوعا من جديه إذ تجاهلها احد المشاركين يفسد اللعب. وللعبه أيضا  دينامكيتها المستقلة وأهدافها المنفصلة عن وعي اللاعبين المشاركين فيها ان اللاعب يختار أي نوع من اللعب يريد إن يشارك فيه ولكنه حين يدخل اللعبة يصبح محكوما فيها (بقوانينها الذاتية)(56) دور المبدع في العمل الفني كدور اللاعب في اللعب انه يبدأ بمحاولة تشكيل تجربته الوجودية، ولكن هذه التجربة تستقل –في تشكلها – عن ذاتية المبدع، لتتحول إلى وسيط له دينامياته وقوانينه الداخلية.

هذا التوصيف للعلميه الفنيه تقدم توصيفا لاستقلال النص عن التبعية للمؤلف ثم إن المتلقي /القارئ للنص أيضا يصبح له دور في القراءة رغم آنيته وهي التي تجعل العمل الفني مفتوحا على القراءات القادمة، (إما المتلقي لا يبدع من فراغ بل يبدأ من تجربه العمل الفني الذي له قوانينه التي تبدأ بالمبدع /اللاعب وتنتهي عند المتلقي /المتفرج، من خلال الوسيط الشكل الذي يجعل التلقي ممكن من جيل إلى أخر)(57) ألثالثه يقترح فكرة "الوظيفة الفعلية للتاريخ وهي جماليات تلقي التراث عبر النصوص والآثار والروائع وفق مبادئ وقواعد تؤسس التصورات المسبقة والأحكام  الفاعلة للفرد الحقيقة التاريخية لوجود بهذا المعنى يصبح نشاط التاريخ هو الوجود الفاعل والفعلي والدناميكى للوعي الفردي والفهم الذاتي عبر تركز حركة الوعي في التاريخ على مسألتين:

أ‌-       إنارة وتنوير وضعيتنا الوجودية الخاصة بتشكيل وأشكلة المسائل التي توجه إمكانية وكمونية معرفتنا وايجابية وجودية فعلنا وآفاق رجائنا وانتظارنا للمعنى.

ب‌-     الوعي بتناهي وجودنا النظري وهذا يعني نهاية الفهم الذاتي وتحرير متواصل لمكبوتات النظرية وتوسيع مستمر لأفق الدلالة. فاللغة هي ترجمة حقائق التراث وتطبيقها وصهرها في بوتقة القضايا ألراهنه بإحياء دلالات مطموسة وبذور معرفيه وبعث أفكار من طي الكبت والنسيان وغياهب اللغة.(58) "في التاريخ" ينتقد فكرة الوعي التاريخي القائم على منهج فحواه التخلص من النزوع والأهواء الذاتية لتجربتنا الحاضرة التي تلون حكمنا على التاريخ إذ يرى غادامير الأمر بالعكس تماما إن الأهواء والنزوع- المعنى الحرفي- هي التي تؤسس موقفنا الوجودي الراهن الذي تنطلق  منه لفهم الماضي والحاضر معاً. وهذا الوعي الذاتي الذي نلمسه في الأعمال التاريخية التي كانت صدى للاتجاهات السياسية للعصر الذي كتبت فيه (إن التاريخ ليس وجودا مستقلا في الماضي عن وعينا الراهن وافق تجربتنا الحاضرة. والتقاليد التي انتقلت إلينا عبر التاريخ إن الإنسان يعيش في إطار التاريخية Historicality ، وهي المحيط غير الظاهر الذي يعيش فيه تماماً كالماء الذي يعيش فيه السمك دون إن يدركه لأنه غير ظاهر له.فان فهمنا للتاريخ لا يبدأ من فراغ، بل يبدأ من الأفق الراهن الذين يعتبر التاريخ أحد مؤسساته الأصلية. فان التاريخ مثل العمل الفني يمكن  المشاركة في فهمة.كما يعيش الإنسان ويحقق وجوده من خلال فهم التأريخ والفن بدْا من وعيه الراهن، يعيش في إطار اللغة .

إن فهمنا للنص الأدبي لايعني فهم تجربة المؤلف، بل يعني فهم تجربة الوجود التي تفصح عن نفسها من خلال النص، النص الأدبي والشكل الفني – وسط ثابت بين المبدع والمتلقي وعملية الفهم متغيرة طبقا لتغير الأفق والتجارب ولكن ثبات النص –كشكل- هو العامل الأساسي لجعل عملية الفهم ممكنه(59). الواضح إننا أمام تصور نص يتميز عن المؤلف، وهذا النص خاضع لقراءات المتلقي عبر الزمن وهي متغيرة بتغير الزمن وهذا يجعل الأمر مفتوحاً على أفاق التأويل وسلطة القراءة للتلقي.(الحوار هو إنتاج مشترك لحقيقة تشغل الأفراد وتؤسس تاريخ ومصيرهم المشترك ومشاركة لا تنضب في  إنتاج المعاني وتشكيل التصورات وصياغة الأحكام )(60). التي جاءت بفعل عملية الفهم التي ذات صله بالأصول ووعي بماضيها وتاريخية العلاقة مع الأخر التي تدفعنا إلى مساءلة حاضرنا وحضورنا وصياغة أسئلتنا ومشكلاتنا وهذا يتحقق من خلال اللغة هي فضاء التواصل والحوار غير المكتمل بين الحاضر والماضي وبين ألذات والأخر وفق إيقاع المنطوق الداخلي أو اللفظ الجواني)(61) فالفهم الذي يحدث في الخبرة الهرمنوطيقية باعتباره انفتاحا على آخر (أو النص) يهدف إلى الكشف أو الإظهار هو فهم لا يمكن أن يبدأ إلا حينما أعي أن الآخر لا يمكن احتواؤه داخل مفاهيمي  الايديولوجية أو تصوراتي المنهجية. وهذا يعني زعزعة الأساس الذي يستند إليه موقفي الخاص بتخليص الفكر من أرضية التصورات التي يستند إليها. وهذه العملية السلبية في الفهم تشبه - فيما يرى جادامر - حالة السلب التي يصل فيها المرء. إلى حيرة إزاء الكلمات، هي في نفس الوقت ما يطلق سراح الفكر، وعندئذ فقط يبدأ الفهم)(62)

وغادامير يفهم النص الأدبي الذي يكون في نفس الوقت عملا فنيا، لا ينبغي أن يكون مهتما في المقام الأول بتحقق الشكل الذي ينتمي إليه النص بوصفه عملا فنيا - وإنما بما يقوله لنا لكن الأعمال الأدبية لها أساس مشترك عميق يكمن في أن الشكل اللغوي يضفي فاعلية على أهمية المضمون الذي تريد ان تعبر عنه" .

 بور ريكور  1913coeur  * Paul Ri

          من ناحية الرؤيا: ينطلق ريكور في مذهبه الفلسفي من نقطة أساسية، وهي أن الإنسان يؤلف وحدة كلية Totalite  فالإنسان كائن عارف وحاس وفاعل في نفس الوقت ولا يجوز أن نتناوله من ناحية واحدة. واعتبر الإنسان أيضا وجودا وماهية، ولم يعط لأحد هاتين المقولتين الأسبقية كما فعل بعض الفلاسفة من قبله. فلا الوجود يسبق الماهية ولا الماهية تسبق الوجود لذا انطلق في تفكيره من الفلسفة الظاهراتية والفلسفة الوجودية، مركزا على الإرادة التي من خلالها تناول الفكر الأخلاقي والميتافيزيقي.(63) ( وقد تأثر منذ أيام الدراسة بتفكير جابرييل مارسل الذى كان  يقود تيار الوجودية "المسيحية" كمقابل لوجودية سارتر، كما تأثر بتفكير ياسبرز وبالفنومنولوجيا الألمانية "هوسرل وهيدجر". وقد انعكست هذه التأثيرات الفكرية في كتاباته ، إذ ظهر تأثير جابرييل مارسيل في اهتمامه بالكتابة عن المشكلات الدينية واللاهوتية، كما ظهر تأثره بالفنومنولوجيا ومشكلات التفسيرات في اتجاهه الهرمنيوطيقى الذي يعرف عموما باسم الهرمنيوطيقا الفنومنولوجية إن بول ريكو كان خلال كل حياته الفكرية يهتم بمشكلة الذات الإنسانية الفاعلة أو الشخص الإنساني الفاعل وأن الدافع الأساسي وراء كل أعماله الفلسفية كان هو الاقتناع الوجودي بأن الوجود الإنساني له معنى، وأنه بصرف النظر عن وجود الشر والألم والاستعباد ( أو عدم الحرية ) فإن ما في الوجود "مما له معنى" يفوق بكثير جداً "ما ليس له معنى"، فالمعنى والوجود هما الطرفان اللذان يلخصان مشروعه الفلسفى مما يعني أن فكره الفلسفي فكر وجودي إلى حد كبير لأن موضوعه هو الوجود الإنساني، كما أنه فكر فنومنولوجي تأويلي بفضل المنهج الذي يتبعه في حل وفك وتفسير طلاسم "العلامات" التي تستخدم في التعبير عن نظرتنا وتصورنا بل ورغبتنا في وجود تلك العلاقات .وتمثل مشكلة الإرادة موضوعا محوريا في الفكر الوجودي والفنومنولوجي على  السواء ولذ كان ريكير يوليهما أهمية كبرى منذ أوائل إنتاجه بحيث كان يعتزم تكريس عمل ضخم لدراسة المشكلة ونتج عن ذلك كتابه "فلسفة الإرادة").(64)

في مجال التأويل: هناك توصيفات متعددة لمواقفه من التأويل وتصوراته لمنهج التأويل ومنها الآتية:

"تأويلية الإنعتاق"نعت أطلق على منهجه ألتأويلي ورد هذا النعت من قبل الباحثين إلى صبر "ريكور" المفهومي ودقته المثيرة وسعت مشاركته في الفروع العلمية والمعرفية المعاصرة، ولم يترك فناً من الفنون أو علماً من العلوم أو مذهباً فلسفياً أو جنساً أدبياً إلا وعقد معه إرادات في المعرفة والنقد وسجالاً مثيراً مع أنداده من الفلاسفة المعاصرين (65) .

موقف ريكور من التصورات التي قدمها فلاسفة التأويل حيث لمس احد الباحثين موقفا متميزا عند ريكور بقوله: في مواجهة الهيرمونطيقا غادمير الجدلية التي لاتهتم بالمنهج، كان المنهج هو رد الفعل في الجدل المعاصر حول الهيرمومنطيقا. إذا كان (شلاير ماخر) قد تعامل مع الهيرمنيوطيقا باعتبارها علما أو فنا، يصوغ قواعد وقوانين تعصمنا من سوء الفهم وإذا كان (دلتاي) قد  أقام الهيرمنيوطيقا على أساس أنها الخاصية المميزة للإنسانيات في مواجهة المناهج الوصفية للعلوم الطبيعية فان مفكري الهيرمنيوطيقا المعاصرة مثل بيتي Bettiوبول ريكور وهيرش يسعون لاقامة  نظريه "موضوعية " في التفسير أنهم - مثل شلاير ماخر – يحاولون إقامة الهيرمنيوطيقاً علماً لتفسير النصوص يعتمد على منهج موضوعي صلب، يتجاوز عدم الموضوعية التي اكدها غادامير .

ان الهيرمنيوطيقا عند هؤلاء المفكرين لم تعد قائمة على أساس فلسفي ولكنها- صارت ببساطة – علم تفسير النصوص أو نظرية التفسير .(66)

 في وقت هناك من يجده امتداداً لموقف هيدجر وغادامير الوجودي ( والإزاحة الانطولوجية التي حققها ريكور في المضمار هو اعتبار الفهم ليس فقط "نمطاً في المعرفة وإنما نمط في الوجود " ليست فقط ابستمولوجياً كما لدى دلتاي وإنما انطولوجيا كما عند هيدجر وغادامير.(67)

إلا أننا نلمس أن موقفه التأويلي كان خاضعا لقراءته التي كانت تقوم على متابعة وحرص عاليين، ولهذا نجده قد أعطى للوجودية إلى جانب الاهتمام بالبنيوية والدراسات السيميائية المعاصرة لذلك تصور (ان التأويل هو عملية فهم التي يتمحور مجاله في البنية اللغوية تجعل من عملية الفهم حركه شاملة وكلية ، فالفهم ليس نمطاً من أنماط السلوك، وانما هو نمط وجود الذات نفسها (68). وهذا ما نجده في المقاربات الآتية:

المقاربة الأولى: كانت ظاهراتية وتأويلية إذ نلمس هذا في ذلك النمو المنهجي الذي يظهر عبر إصداراته الفكرية حيث كانت البداية حسب ما يشير "جورج زيناتي "تلميذ بول ريكور  ومترجمه إلى العربية في مقدمة لكتابه :الذات عينها كاخر ، يذكر سنة 1960 صدر المجلد الثاني من فلسفة الإرادة بجزين منفصلين حمل عنوان "الإنسان الخطاء" يبحث عن نوع من انطولوجية الإنسان جوهره في وجوده ..تناغم وجودي بين ما يطمح إليه الإنسان وما هو واقع وإمكاناته إذ لخص هذا الواقع أفلاطون في أسطورة"ايروس" أي الحب وهو هنا على ما يرى ريكور الفيلسوف لأنه المحب بامتياز، ابن بوروس رمز الكثرة والوفرة والغنى من ناحية أبيه، غير انه كذالك ابن بيتيا المعدمة التي تعيش بؤسها من ناحية أمه. هناك إذاً فقر انطولوجي مرسوم في بنية نفسية. هذا ما يجعل المرء يتأرجح بين المنفتح اللامتناهي للطموح والتناهي المحدود (كل عمل يولد من الرغبة وكل رغبة هي في أن غنية وفقيرة)(69). إن بول ريكور كان يجد الحل هذا المرة عند كانط: فبين طموح الإنسان إلى سعادة  لامتناهية وواقع طبعه المتناهي هناك لا تناسب بنيوي تخترقه لتحوله إلى توازن  بين الجزئي والكلي فكرة كانط باحترام الشخص الإنساني كغاية (70)

 أما الجز الثاني حمل عنوان "رمزية الشر" هنا انتقل من الظاهرتية إلى الهرمونطيقا أو  (التأويلية) وهي محاولة فك شفرة الرموز التي تحملها الأساطير وعدم الاكتفاء بالمعنى العادي/ السطحي فالهيرمنيوطيقا في المعنى الأقرب والأوضح هي افتراض وجود معنى ظاهر ومعنى باطن في كل وجود معنى ظاهر ومعنى باطن في كل رمز أو نص وان عمل المؤول اكتشاف المعنى الباطن لأنه المعنى الحقيقي. الرمز يعطينا الفرصة للتفكير ولحل شفرة كل الأساطير القديمة التي ورثناها من حضارات متعددة .(71) يقول في مقابله مع (حاولت القيام بتجربة الاكتشاف عن طريق لرموز والأساطير وهو ما يمثل ثورة مصغرة بالنسبة إلي طرائق الوصف المحض المستلهمة من فينومينولوجيا هوسرل التي كانت مألوفة بالنسبة إلى وجدت نفسي أمام رؤى متعددة للعالم مرتبطة بفهم الشر: التراجيديا اليونانية وأسطورة ادم في التوراة وأساطير أرض الرافدين .. فقد اجتهدت في رسم خرائطية لرؤى الشر، وأفضى ذلك إلى رمزية الشر(1960).)(72)  وهنا نلمس أن بول ريكور انتهج منهجا في تأويل الرموز مقارب إلى إحدى الطريقتين للتعامل مع الرموز الأولى هي: التعامل مع الرموز بوصفها نافذة نطل منها على عالم من المعنى والرموز فبهذه الحالة وسيط شفاف ينم عما وراءه .

 الثانية: يمثلها كل من فرويد وماركس ونيتشيه وهي تتعامل مع رموز بوصفها حقيقة زائفة لا يجب الوثوق بها. بل يجب إزالتها وصولا إلى المعنى المختبئ وراءها. إن الرموز بهذه الحالة لاتشف عن المعنى بل تخفيه ويطرح بدلا منهم معنى زائفا ومهمة التفسير هي إزالة المعنى الزائف  السطحي وصولا إلى المعنى الباطني الصحيح هذا ما ظهر في كتاب بول ريكور رمزية الشر" إذ التفسير يقوم على حل شفرة المعنى الباطن في المعنى الظاهر وفي كشف مستويات المعنى المتضمنة للمعنى الحرفي. (73) الملاحظ إن بول ريكور له موقف من هذا الاتجاه الآخر الذي يمثله فرويد وماركس ونيتشيه  اذا يسميهم اسياد الريبه ففي كتابه الذي صدر 1965 حول فرويد الذي سيتعامل معه ريكور بوصفه سيد الريبة الذي يشك بوعي الإنسان لذاته وبحريته، فيسير خطى ماركس ونيتشه اللذين سبقاه إلى هذا الشك المدمر فقد جاء فرويد ليفسر الظاهرة البشرية. ( وهذا معناه أن إحدى القراءتين تسلك الخط الدينى اللاهوتى الذي يتلاءم مع هرمنيوطيقا الإيمان، بينما تسلك القراءة الثانية طريق هرمنيوطيقا الشك التى تجدها فى أعمال نيتشه وفرويد وثمة صراع بين هذين الاتجاهين كرس له ريكير كتابه عن " التأويلات : مقالات فى الهرمنيوطيقا)(74).

  من هنا فأن ريكور يعامل كل مصنفات فرويد بوصفها نص حول الإنسان . وقد تناول بول ريكور جهد فرويد التأويلي خصوصا بما يتعلق بعقدة أوديب التي استخلصها فرويد من تفسير بمسرحية أوديب ملكاً لسوفوكلس اذ يرى فرويد ان الرمز هنا هو رغبة اوديب، وبالتالي كأن ولد في التخلص من والده الممثل للسلطة ولمنع إشباع الرغبة، وفي العودة إلى كنف الأم، هذه العودة التي تمثل الخير الأعظم ، لكنه الخير المحظور .

إلا أن ريكور يقترح تفسيرا آخر هو غائي بمعنى ما، اذ انه يرى في اوديب ليس رمز الرغبة الأصلية ، بل رمز توق الإنسان إلى معرفة  الحقيقة فالسر الغامض للولادة يترابط مع ادراما الحقيقة. الا ان هذا التأويل عرض ريكور لشتى انواع الحملات والانتقادات من لاكان ومؤيديه وبأنه يلحق التحليل النفسي بالهرمنيوطيقا ( التأويلية)(75) .

اعتقد ان الباب المفضي لمشروع  "بول ريكور " هو كتابه "نظرية التأويل الخطاب وفائض المعنى" نجده في هذا الكتاب يعرض لعائق مهم تعرضت لها الدراسات البنيوية وتمركزاتها حول علم اللغة بقيم ثنائية الكلام / اللغة، وهو يعرف اللغة (Langue ) هي الشفرة – او مجموعة الشفرات – التي ينتج المتحدث استنادا إليها رسالة معينة. إذ يلاحظ هناك ثنائية أخرى هي الرسالة / الشفرة، فالرسالة فرديه، لكن شفرتها جمعية وتبدو الرسالة/ قصديه فرديه / تاريخيه / موجهة ؛ فيما الشفرة بلا قصد / جمعيه / لا تأريخية / غير موجهة / تزامنيه .

فالرسالة حادثه قصدية،  فيما الشفرة  نسق / بنيه / اعتباطية / تزامنية، فقد انتشرت هذه الصورة من علم اللغة إلى الأساطير عند  "ليفي شتراوس" وهي مقاربه مشابه لمعالجة الشكلية للحكاية الشعبية التي اقترحها الشكليون الروس، وان كانت مستقلة عنها (76).

فاهتمام هذه العلوم منصب على الشفرة الثابتة واقصدي الرسالة لصالح الشفرة (إذ لم تعد اللغة تظهر بوصفها توسطا أو واسطة بين العقول والأشياء بل تشكل عالمها الخاص بها الذي تشير فيها كل وحدة منه إلى وحدة أخرى من داخل هذا العالم نفسه بفضل تفاعل التناقضات والاختلافات والفروق القائمة في النظام اللغوي.  لم تعد اللغة تعامل بوصفها "صوره حياتيه " بل صارت نظاما مختفيا بذاته ذات علاقات داخليه فقط )(77).

هنا يحاول بول ريكور تجاوز هذا العائق بقوله: أود أن أضع في مقابل هذه المراقبة ذات البعد الواحد مقاربة ذات البعدين تعتمد فيها اللغة على وحدتين لا انفصام بينهما هما العلامات والجمل .فالعلامة موضوع السيمياء شيء افتراضي . والشيء العقلي الوحيد هو الجمله لأنها الحدث العقلي في لحظة التكلم .(78)

فأنه يتناول هنا علمين الأول علم السيمياء والثاني علم الدلالة، الأول يدرس العلامات، علم شكلي صوري، بحيث  انه يعتمد على تجزئة إلى أجزاءه المكونة. أما الثاني علم الدلالة فهو علم الجملة ( اي بما هو فحوى او مغزى)(79).

 جدل الواقعة والمعنى:

ويتناول فيها قطب الواقعة ثم قطب المعنى بوصفهما الكونين المجردين لهذه القطبية العينية ، لهذا يتناول : الخطاب بوصفه واقعه :عاملا على تجاوز التصور للساني الذي الواقعة تختفي فيه بينما تبقى الأنظمة لهذا يؤكد على جدل الواقعة /الشفرة بتأكيده (إن النظام لا يوجد .بل ان له وجودا افتراضيا فقط، والرسالة وحدها هي التي تضفي الفعلية على اللغة. على الشفرة)(80) ثم أن الرسالة برغم هذا التنقل بين العبارات واللغات قادرة على الاحتفاظ بهديتها الدلالية التي يمكن وصفها بأنه ( القول الثلاثي )(81)

ثم يتناول أيضا: الخطاب بوصفه إسنادا : إذ يمكن وصف الجملة بسمة واحدة متميزة ، إلا وهي أن لها محمولا "Predicate" أو مسندا (82) والجملة الخبرية التي تشكل فئة واحد من الوحدات المتميزة، وإنها كلها تحدد هوية شيء واحد فقط . فالمسند يشير إلى كيفيه الشيء أو فئته أو نوع العلاقة أو نوع الفعل (83).

إن الخطاب ليس مجرد واقعه تختفي ووحده لا – عقليه ، كما قد يوحي التضاد بين اللغة والكلام . فالخطاب ذو بنية خاصة به ، ليست هي بنيه التحليل البنيوي ، أي بنيه الوحدات المنفصلة المعزولة عن بعضها ، بل بنية التحليل التأليفي ، اي التواشج والتفاعل بين وظيفتي التحديد والإسناد في الجملة الواحدة . فأن جدل ألواقعه والمعنى تعطينا فكرة الواقعة الكلامية مفتاح الانتقال من لسانيات الرسالة .فالواقعة الكلامية تذكرنا أن الخطاب يدرك زمنيا وفي لحظة آنية ، في حين أن النظام أو النسق اللغوي افتراضي وخارج الزمن (84) إلا انه يؤكد أن أي دفاع عن الكلام  من حيث هو واقعه لا يكون دالا ، إلا إذا اظهر علاقة التحقق وجعلها شيئا مرئيا ، وهي ما تتحقق بفضلها قدرتنا اللغوية على الأداء ويصل إلى إقرار مسلمة إذا تحقق الخطاب كله بوصفه واقعة، فهم يوصفه معنى، والمعنى هنا يريد به الفحو المحتوى الخبري (85)        .

          تلاحظ ان بول ريكور كان يجمع بين الحدث والبنيه دون التفريط كما هو مال الوجودية او البنيوية وهذا ما تلمسه في حديثة عن كوجيتو (فالحقيقة ليست بديهية مباشرة على ما اعتقد ديكارت ، وليست كذلك بحدس عقلاني على مطلب هو سرل ولا هي برؤية صوفيه ولكنها جهد مستمر للخروج من ذاتي والإقامة عند الآخر ) فان ريكور يتكلم هنا على كو جيتو جريح ولكنه هي قادر على التصدي للمطالبين بنهاية الفلسفة ، وموت الذات الفاعلة)(86) وهذا الأمر نلمسه في 1975 حيث صدر كتابه بعنوان الاستعارة الحية حيث  يعود إلى صراعه مع البنيويين الذي يعتبرون الكلمة  المقررة مجردة وحدة ضمن نسق لا معنى لها خارج مجموعتها المغلقة ان الاستعارة  تعني وصف الواقع العالم الذي نعيش فيه والذي يمكن ان نعيد خلقه من جديد وان تعيشه بتوتر عميق عن طريق الفن والشعر(87).

 ولعل هذا يظهر واضحا في تصوراته للشعر حيث أكد في مابلة معه عن تصوراته للشعر . لقد وصف ريكور تصوراته للشعر بالقول:

أن الشعر الحديث أصبح صعبا للغاية ومرجع ذلك أنه أصبح لزاما عليه مناهضة كافة أشكال تسطيح اللغة، ومن ثم الحفر في اللغة حتى أعماق سحيقة بغرض تجديدها. لذا فإن الشعر الحديث كان لابد أن يكون صعبا على نحو جزئي، وذلك أن التزامه في الغالب هو إعادة تخليق التراكيب اللغوية، بل وإعادة تخليق الكلمات أحيانا، وذلك لإعادة الكلمات إلى أصولها الدلالية الأولى أو لخلق سلسلة من الدلالات التخيلية.

وهذا الذي يفعله الشعر يساعد الفيلسوف، ذلك أن الفلسفة فضلا عن. اهتمامها بصياغة خطاب حول اللغة العلمية إلا أنها تهتم أيضا بالكشف عن أغوار اللغة، والتوسل بها للتعبير عن العلاقة بين الإنسان والعالم، والإنسان وذاته، والإنسان والآخر.

الشعر اليوم مشدودا بين حاجتين أساسيتين، فهو من ناحية يسعى إلى إعادة تخليق صيغ تعبيرية تجسد تجارب إنسانية تمثل جوهر الحياة الإنسانية وذلك من قبيل الحياة والموت، الإحساس بالذنب، والحب وما إلى ذلك. ولكن من جهة أخرى فإنه حالما يبدأ الشعر بإحداث قطيعة بين اللغة والأشياء تصبح اللغة وحدها هي موضوعه،، وهكذا يجد الشعر نفسه - كما أسلفت - مشدودا بين هاتين الحاجتين الأساسيتين: استعادة تجربة إنسانية مفقودة ومطمورة تحت ركام الحياة العادية، أو السعي نحو الكشف عن إمكانيات أخرق للغة لا علاقة لها بالتجربة الإنسانية، وهنا تصبح مهمة القارئ شديدة الوطء لأنه يجد نفسه مضطرا ليس فقط لمقاومة محدودية لغته وتقلصها وإنما يضطر أيضا إلى مقاومة قناعته الخاصة بأن وظيفة اللغة هي استدعاء واستحضار كل ما هو مشترك بين الشاعر والقارئ.

وعن التلقي بنسبه لي قارئ الشعر يقول:أن القراءة - في تصوري - هي عقد ليس بمقدور القارئ تغييره إلى عقد جديد، فإذا كانت الكلمات، والتراكيب، ونسق الفكر بعيدا عن متناول القارئ فإنه في هذه الحالة يصاب بالإحباط ويقصر عن العبور إلى المعنى الذي يريده المؤلف، ولا يتمخض الموقف التواصلي في هذا الحالة إلا عن سوء فهم يسأل عنه طرفا التواصل.

وهنا يطرح ريكور تصوره للشعر بقوله: إنني لا أنظر إلى الشعر فقط باعتباره صيغا لغوية موزونة ومقفاة، و لكني انظر إليه من خلال إطار أشمل باعتباره قصا غنائيا، ومن ناحية أخرى أيضا فإن التخييل السرادي هو شعر في حد ذاته بمعنى أن الحبكة الخاصة بأية حكاية ليست إلا إبداعا لخيال خلاق يطرح عالما خاصا به، فالقصص - بهذا المعنى - لا تقل شاعرية عن الكتابة المنظومة.

فان مفهوم العالم ينطوي على مفهوم الأفق horizon أي ذلك الشيء الذي كلما اقتربنا منه ظل بعيدا عن حوزتنا، ومن ثم تبقى طاقته دائما عصية على الاستنفاذ، فكل تجربة يطرحها لنا هذا العالم تنطوي على شيء ما هناك، ولكن هذا الشيء يبقى مجرد إمكان potential وكل الإمكانات التي تنطوي عليها تجاربنا تشكل ما يسمى بالعالم.إذن فالعمل الفني يعد مخايلا بمعنى أنه يطرح عالما لا تدخل آفاته حيز التحديد. هل هذا هو ما تعنيه؟  (88) ان هذا التوتر والاختلاف مع ما هو سائد ونقده كان واضح في جهد ريكور الفكر سواء كان مع البنيوية أو مع المدرسة الحوليات التي كان لها اثر في دراسات  مشيل فوكو بعد إلا انها كانت تفصي الحدث التاريخي لهذا جاء كتابه الزمن والسرد المجلد الأول 1983 والثاني 1984 التصوير في السرد القصصي  فأن وظيفة السرد والقصص هي أيضا في محاكاة العمل، إذ تتعلق من كل ما يحيط بنا وتتلقاه كعناصر متنافرة سابقه للفهم وتصدغه بعملية توليفيه تخترع العالم الذي نعيشه من جديد .

    والذي يتناوله هنا على بعدين الأول هو سرد التاريخي والذي يحر بالمراحل الثلاث التي تقوم عليها علاقة السرد بالزمن. الزمن المعاش مباشرة بالممارسة وزمن الحبكة والعقدة والتصوير الإبداعي وزمن التلقي العمل الإبداعي رعيشه من قبل قارئ، مقدمة ألذات عينها كأخر إننا هنا إزاء موقفين:

 الأول- انه يعيد الاعتبار للتاريخ التقليدي السابق لمدرسة الحوليات الفرنسية والذي كان يقوم على ما يسمى الوقائع أو الأحداث التأريخية وعلى  ترابطها الزمني(89)

والثاني - انه يجرد عملية كتابة التأريخ من هذا البعد المتعالي الموضوعي ويحولها إلى عملية سرد أحداث وكتابة الأحداث بصورة درامية وعملية تلقي لهذه النصوص من المتلقي فهي عملية حبكة سردية تقوم على الصنعة شانها شأن السرد القصصي.

وفي سنة 1975 كان ريكور قد حاضر حول الايديولوجيه واليوتوبيا مناقشاً ماركس وألتو سير وفيبر وهابر ماس، حول مفهوم الايديولوجيه من وجهة نظر الانتروبولوجيا الفلسفية، التي تحاول أن ترى الإنسان في واقعه الغربي الآني، وهذا ما يقوده إلى إبراز كل ما في مفهوم الايدولوجيا من دور ايجابي وعلى صعيد اليوتوبيا يكفي بمناقشة مانهايم وسان سيمون وفوريه لينه إلى خطر إي يوتوبيا في التدمير وقدرتها على اقتحام الواقع وعلاقتها بالخيال مما يقربها من الفن القصصي وهذه المحاضرات خرجت في كتابه (محاضرات في الايدولوجيا واليوتوبيا(1986))(90).

1- الايدولوجيا واليوتوبيا: أن الحديث في هذه الثنائية كان يعكس تصوراته لكل منهما، فالايدولوجيا تجده كان يحاول إن يقرر  العلاقة بين التمثيل والممارسة العملية prctice  علاقة تضاد أم اقتران؛ إذ يفصل ريكور الاقتران فان التمثيل أساسي جدا إلى الحد الذي يجعله بعدا مكونا لميدان الممارسة (يكون إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي في البداية داخلا في نسيج الفعالية المادية والتعامل المادي للبشر، إذ كل نظام اجتماعي يسعى بشكل ما إلى الحصول على موافقة أولئك الذين يحكمهم؛ اذن يدخل هنا عاملان هما: ادعاء الشرعية من قبل السلطة الحاكمة، والاعتقاد  بشرعية النظام الذي تقدمه رعيته .

فالإيديولوجية تظهر  تظهر في صورتان أحداهما إيجابية وهي الوظيفة الإدماجية إذ أن كل فعل اجتماعي يتوسط رمزياً، والايدولوجيا هي التي تلعب ذلك الدور التوسطي في الميدان الاجتماعي الايديولوجيا (ادماجية) في هذه المرحلة إذ أنها تحافظ على الهوية الاجتماعية. إما الصورة الأخرى للايدولوجيا هي الصورة السلبية عندما تتجمد وظيفتها الإدماجية وعندما تكون عملية تقوم على الممارسة تكون إيجابية في تحقيق الاندماج الاجتماعي وتغدو سلبية عند ما تحول إلى إطار تأملي عقلي /نظري. (91).

إما عندما يقارن بين الايدولوجيا واليوتوبيا فأنه يقوم تحديد لوظيفة كل منها بالملامح الآتية :

إن الإيديولوجية تضفي الشرعية على النظام القائم عبر وظيفة الدمج والحفاظ على الهوية للجماعة والأفراد.اما اليوتوبيا فأنها تقوم بوظيفة التدمير للنظام القائم عبر وظيفتها الاستكشافية للممكن أي تحقق توسعا خياليا على طبيعة السلطة والعائلة والدين ... إنها حلم يريد أن يتحقق وقصدها هو تغير وتدمير النظام الراهن فان موت اليوتوبيا يعني موت المجتمع .

بول ريكور يرجع كل من الايدولوجيا واليوتوبيا الى عملية المخيلة التي لها وظيفتين الأولى قد تشغل المخيلة من جانب لكي تحافظ على نظام معين .وفي هذه الحالة تتمثل المخيلة في تقديم عملية تماهي تعكس كالمرايا النظام للمخيلة هنا مظهر الصورة والثاني قد يكون للمخيلة من جانب آخر وظيفة تدمير ؛ قد تنشط بوصفها اختراقا وتكون صورتها في هذه الحالة منتجة تخيل شيء آخر الوجود في مكان آخر، تمثل للايدولوجية منتجة في أدوارها الأول من المخيلة وظيفتها الدمج والوقاية والمحافظة وبالمقابل تمثل اليوتوبيا النوع الثاني من المخيلة .

 أن كانت الايدولوجيا هي المخيلة بوصفها صورة فان اليوتوبيا هي المخيلة بوصفها قصة ،والمقارنة بين الصورة والقصة يمكن أن توصف أنها مقارنه بين المخيلة التي تعيد الإنتاج وتلك التي تنتج (92).

 

تاريخ النشر:17/5/2009