بسم الله الرحمن الرحيم

 

تمهيد:

لقد كان القرآن بمثابة البلورة في عالم النبوءة، يمكن ان يتابع الناظر في مرآتها أفق الأحداث وتطوراتها وما سيستحدث منها، لقد صرح الرسول بقدرة القرآن على الكشف عن أحداث المستقبل، لما قال(ص): (فيه نبأ من بعدكم)، وأضاف الإمام الصادق في هذا الصدد: (فيه ما كان وما يكون وما هو كائن)، إن قدرة القرآن على الكشف عن مغيبات المستقبل والتنبوء بما سيقع في الزمن المقبل، هو المصدر الذي يسند الأحاديث المتنبئة التي أطلقها الرسول(ص)، وهو المصدر الذي مازال قادرا على ان يمدنا بالمزيد من تفاصيل تلك النبواءات. واكتشاف علم التأويل اليوم يخولنا ان نرجع بالأحاديث النبوية المتنبئة، لنتحرى سندها القرآني ثم نتابع تفاصيلها على امتداد الخطاب القرآني... لنكتشف الرؤية التفصيلية، التي مثلت الماعة ألقاها الرسول هنا وأخرى ألقاها هناك، وترك الكلمة المتممة لها يتكفل بكشفها خبراء التأويل باستقصائها تأويلا، ليحولوا الإلماعة إلى قبس من نور يفي بإضاءة فكرنا في نظرته للحاضر ويشبع نظرتنا في تطلعها للمستقبل. إن ما يجري اليوم من خلل يضرب نظام الحياة على ظهر الكوكب، لم يكن خارج نبوءة أئمة التأويل وحواري الإسلام، بل يكشف تحري التراث المروي، عن وقوع الأحداث المعاصرة في حيز إدراكهم، وفي دائرة اهتماماتهم التي شملت المستقبل وما سيقع فيه من أحداث، مما يدل على مدى تقدم ونضج الفكر القرآني المؤول الذي فجره الرسول(ص) في ذلك الزمان الغابر...

في هذا العرض سوف نتعرض إلى بحث ظاهرة الاحتباس الحراري (الدفيئة) في إطار مقارن بين ما قاله إمام من أئمة التأويل هو ابن عباس- ونسند قوله بتحري خلفياته وامتداداته القرآنية- وبين التصور الذي تطرحه التقارير العلمية الصادرة عن الهيئات الدولية المتناولة للظاهرة... ثم نلتمس الأسباب والحل من خلال استنطاق القرآن ...

 

وصف الظاهرة(*)

 في تقارير الصحافة العلمية

((في بداية التسعينيات، أصدرت الهيئة الحكومية الدولية للتغير المناخي IPCC وهي هيئة علمية تابعة للأمم المتحدة تقريراً رسمياً يشير إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل متنام، ويشير أيضاً إلى أن ذلك يشكل خطراً بالغاً على مستقبل البشرية، بل على مستقبل كوكب الأرض بأكمله. )).

ان ظاهرة اضطراب مناخ كوكب الأرض بصورة انقلابية تتصف بالحدة والفجائية، بالتحول من الحار الشديد إلى البارد القارص، وما يصاحب ذلك من ظهور موجات الحر والجفاف، وحرائق الغابات والفيضانات والأعاصير وذوبان أو انهيار الكتل الجليدية والصخرية، وغمر أجزاء من الأشرطة والمدن الساحلية بمياه البحر الطاغية. فسرت هذه الظاهرة بـ"الاحتباس الحراري"، اي احتباس الحرارة داخل الغلاف الجوي للأرض ومن ثم سخونة سطحها بصورة غير اعتيادية ولد كل تلك الظواهر المصاحبة التي تعبر عن اضطراب نظام الأرض المناخي بصورة خطيرة.

تفسر هذه الظاهرة بالقول ان "الأرض في بيت زجاجي" وصفا لمعاناة الارض الأزلية جراء ما يعرف بتأثير البيت الزجاجي، وهو أهم محفز على حدوث الاحتباس الحراري. فمن أهم صفات البيت الزجاجي، السماح بدخول أشعة الشمس الخارجية وتخزين جزء كبير منها دون السماح لها بالنفاذ ثانية، (وهو ما يشبه وضع السيارة المغلقة في الشمس وكيف ستخزن في داخلها الحرارة)، وهو ما يعني ارتفاع درجة الحرارة بشكل واضح داخل البيت الزجاجي مقارنة بالجزء المحيط به، وهذا هو تماماً حال كوكب الأرض حالياً. فالطبقة الداخلية لغلاف الأرض الجوي تبدو كأنها محاطة بطبقة أخرى عازلة من غازات "الدفيئة" تقوم بعمل زجاجة البيت الزراعي، إذ تسمح هي الأخرى بدخول الإشعاع الشمسي ولا تسمح بنفاذ معظمه ثانية، مسببة بذلك احتباس الحرارة بالداخل ومن ثم انكواء جميع من بداخلها سواء كان إنساناً أو حيواناً أو غير ذلك بحرارة ذلك القيظ  القاسي. وتعتبر غازات ثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء، والميثان، والأوزون، وأكاسيد النيتروجين، ومركبات الكلورو فلورو كربون، من أهم غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، وإن كان الأول هو أهم هذه الغازات وأكثرها تأثيراً.

وعلى الرغم من أن وجود هذه الغازات، وبخاصة ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، ضروري للمحافظة على استمرار الحياة بشكلها الحالي، إذ بدونها قد تصل الحرارة على الأرض إلى ما دون 15 درجة تحت الصفر، إلا أن ممارسات الإنسان السيئة وأبرزها إزالة الغابات والمناطق الخضراء وتلويث البحار والمحيطات والإسراف في حرق النفط وبقية أنواع الوقود الحفري الأخرى، قد حولت هذه النعمة الصالحة إلى نقمة طالحة.  فقد أدت هذه الممارسات إلى زيادة إنتاج غازات الدفيئة، في الوقت الذي قل فيه معدل امتصاصها، لتتراكم على هذا النحو بكميات كبيرة وزائدة عن الحد في طبقات الجو، وهو ما أدى إلى تعاظم تأثير البيت الزجاجي وبالتالي حبس كميات إضافية من الحرارة زائدة عن الحاجة داخل الغلاف الجوي، مسببة في النهاية ظاهرة الاحترار العالمي Global Warming، المعروفة اصطلاحاً بظاهرة "الدفيئة" أو "الاحتباس الحراري".

 وتشير القياسات العلمية بالفعل إلى ارتفاع الحرارة على سطح الأرض بما بين 0.4 و 0.8 درجة مئوية خلال الـ150 عامًا الماضية، وهذا بالتزامن مع ارتفاع مستوى انبعاثات غازات الدفيئة في الجو. ورغم أن هذه الزيادة تبدو للوهلة الأولي طفيفة وغير مؤثرة، فإنها كافية في الواقع لاضطراب حركة التيارات والأمواج في البحار والمحيطات، وكافية أيضاً لتغير مسارات التيارات الهوائية وكميات السحب والثلج المتساقط وغيرها من العوامل المتحكمة في طبيعة المناخ العالمي. من هنا لم يكن غريباً اقتران هذه الزيادة بارتفاع مستوى سطح البحر بين 10 و 20 سنتيمتراً، كما لم يكن غريباً اقترانها بتكرار ظهور موجات الحر والجفاف، وحرائق الغابات والفيضانات والأعاصير وذوبان أو انهيار الكتل الجليدية والصخرية، وغمر أجزاء من الأشرطة والمدن الساحلية بمياه البحر الطاغية، وهي كلها علامات واضحة تدل على تغير مناخ الأرض بصورة ملحوظة.

ومنذ صدور ذلك التقرير عن الأمم المتحدة والجدل والخلاف لم ينقطعا بين مشكك في حقيقة تلك الظاهرة وواقعية تداعياتها ومخاطرها المحتملة وبين مرجح لصحتهما، أو بين مؤيد للإجراءات المتخذة للحد منها وأهمها برتوكول (كيوتو) وآلياته المختلفة، وبين معترض على جدوى الحلول المقترحة وعلى تكلفتها الباهظة.

 

مخاطر الظاهرة:

 مفاعيلها الحاضرة ومضاعفاتها المقبلة

(( تستمر تلك النظرة التشاؤمية لأبعد من هذا، عندما تشير تقديرات لجنة الـIPCC الأممية، وكذلك معظم النماذج الرياضية المختصة في التنبؤ بحجم التغير المناخي المستقبلي، إلى أن الأرض ستتعرض - إذا ما ظلت انبعاثات غازات الدفيئة على وتيرتها الحالية– لارتفاع في درجة الحرارة مقداره أربع درجات في المتوسط بنهاية القرن الحالي.

 وستتباين هذه الزيادة من منطقة جغرافية إلى أخرى، فمثلاً ستقتصر هذه الزيادة على درجتين مئويتين فقط في منطقة جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية، بينما ستحظى منطقة الجزيرة العربية والشام وشمال أفريقيا، إضافة إلى أميركا بزيادة تتراوح بين 3 و 5 درجات مئوية، في حين أن منطقة مثل القارة القطبية الشمالية سترتفع فيها الحرارة بمقدار عشر درجات مئوية.

 والسؤال البديهي الآن هو إذا كانت زيادة الحرارة بمقدار درجة واحدة مئوية قد سببت لنا تقلبات مناخية جامحة ومتاعب متزايدة بهذا الشكل، فما بالنا إذن بزيادة مقدارها أربع درجات كاملة؟ النتائج والتداعيات ستكون في الحقيقة كارثية، وسيصعب تحملها، لكن يجب على أي حال معرفتها والتوعية بها، لعل أن تكون في ذلك فائدة، أو لعله يعطينا تصوراً عن فداحة الخسارة المترتبة على إهمالنا وعدم مبالاتنا بحق البيئة المحيطة وبحق أنظمة الأرض الطبيعية، ومن تلك التداعيات:

  • ذوبان أجزاء كبيرة من القارة القطبية الجنوبية وغرينلاند، مما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البحر بمقدار قد يصل إلى تسعة أمتار كاملة، وهو ما يعني غرق أجزاء كبيرة من الجزر الاستوائية والدلتاوات البحرية والمناطق الساحلية المنخفضة خاصة في شمال أوروبا وشرق أميركا ومصر وبنغلاديش والهند والصين.

  • زيادة معدل انتشار الأمراض والأوبئة المستوطنة مثل الملاريا وحمى الضنك والتيفود والكوليرا بسبب هجرة الحشرات والدواب الناقلة لها من أماكنها في الجنوب نحو الشمال، وكذلك بسبب ارتفاع الحرارة والرطوبة ونقص مياه الشرب النظيفة.

  • تدمير أو انخفاض إنتاجية بعض الموائل الطبيعية الحيوية، وعلى رأسها الشعاب المرجانية والغابات المدارية، وهي من أهم الموائل على ظهر الأرض ومن أكثرها عطاء للإنسانية، تتبع ذلك زيادة معدلات انقراض الكائنات الحية كنتيجة مباشرة لتدمير مثل هذه الموائل وعدم قدرة الكثير من كائناتها على التأقلم مع التغيرات الجديدة.

  • زيادة نسبة الأراضي القاحلة وانخفاض الإنتاجية الزراعية كنتيجة مباشرة لزيادة نسبة الجفاف وتأثر عدد كبير من المحاصيل الزراعية سلباً بتغير درجة الحرارة والمناخ.

  • تغير أنماط الأمطار والثلوج وتيارات المحيطات وارتفاع ملوحة وحموضة مياه البحر، وما يتبع ذلك من زيادة موجات الجفاف وحرائق الغابات وحدة العواصف وغير ذلك من الاضطرابات المناخية المذكورة آنفاً.

 ليس من المبالغة  إذن وصف هذه التداعيات بأنها مدمرة، وليس من قبيل المزايدة القول بأنها ستتسبب في رسم خريطة جديدة للكرة الأرضية، وللتوزيعات البشرية عليها. ولعل هذا ما دعا جموع العالم مؤخراً إلى الاجتماع على هدف واحد هو محاولة الحد من انبعاثات غازات الدفيئة ووقف ظاهرة الاحتباس الحراري.

 ومن أجل هذا صدقت بالفعل حوالي 141 دولة من بينها 12 دولة عربية على برتوكول كيوتو وآلياته المختلفة، وأبرزها ضريبة الكربون وتجارة الانبعاثات، رغم ما ينطوي عليه ذلك من ضرر لجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول)).

 

الاحتباس الحراري:

في نبوءة التراث القرآني

يشير التقرير الآنف الذكر، إن الأرض في ظل ظاهرة الاحتباس الحراري بمثابة البيت الزجاجي، المستعمل في الزراعة الحديثة على نطاق واسع، فيه تعمل غازات الدفيئة عمل الزجاجة، التي تحبس حرارة الشمس وتراكمها، مما يرفع درجة حرارة الأرض، ويؤكد التقرير أن ابرز غازات الدفيئة هي ثاني أكسيد الكربون (الدخان)، ومع الإسراف في اجتثاث وتدمير القطاع الأخضر من على وجه الأرض أدى إلى فقد التوازن، حيث من المفترض ان يعمل القطاع الأخضر على امتصاص ثاني أكسيد الكربون في عملية التمثيل الضوئي، مما يخفف من ثاني أكسيد الكربون، ومن ان يتضاعف دوره في حبس حرارة الأرض، حتى لا يحدث الإفراط الحاصل، المتسبب في ارتفاع درجة حرارة الأرض.

هذا المقدار من التقرير، الذي يوصف خلاصة المشكلة، وجوهر الأزمة، هو الذي يتطابق بشكل دقيق مع  تأويل ابن عباس لقوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ)، إن الدخان آية من أشراط الساعة [...] تكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص))(بحار الأنوار: 6/ 301). فابن عباس يشير أن كوكب الأرض بأسره سيتحول إلى بيت متقد، أي دافئ، وان ذلك بسبب الدخان، أي ثاني أكسيد الكربون الذي يجعل الأرض في بيت زجاجي ...

والسؤال: كيف أسس ابن عباس تأويله؟

لقد انطلق من قوله: (ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)14/14، فأرجعها إلى النظير: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا )80/16، فنسخ النظير الوجه الظاهر (الأرض) بوجه آخر هو (بيت، سكن). فأمكن أن يقرأ بالإكمال: "ولنسكننكم الأرض بيتا" أو مسكنا. ثم تتبع الآية ذاتها من خلال نظائر اخرى، فوصل الى النظير الوسيط: (فأصبح في المدينة خائفا يترقب)18/28، ثم إلى النظير: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم)11-13/44، فنسخ الآيتين نسخ إكمال: "ولنسكننكم الأرض مسكنا من بعدهم ذلك لمن خاف فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم" فاستنبط ان الدخان في البيت الأرضي يعبر عن اتقادها، بمجموعة من العوامل:

  • مداخن المصانع: (يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع)17/13

  • عوادم السيارات: (النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود)5-6/85

  • حرائق الغابات: (يوقد من شجرة)35/24.

  • حرائق الحروب: (أوقدوا نارا للحرب )64/5، كما في حرائق آبار الكويت ابان حرب الخليج الثانية ..

هذا السند القرآني لتأويل ابن عباس، وبالإمكان ان نتابع المزيد من تفاصيله من خلال توظيف إجراءات وقواعد علم التأويل في الخطاب، وباعتماد الآية التي اعتمدها مطلعا للبحث يمكن أن ينطلق بحثنا هذا:

قوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين)11-13/44، فإذا ما تابعنا قراءة الآية القرآنية وما يلهيا، نجد أن الله يصف الدخان - التي أحالت الأرض إلى بيت متقد- بأنها آية عذاب غاشية، وان هذا العذاب الغاشي إذا مس الناس سيدعوهم إلى الجأر إلى الله متضرعين: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون).  ولكن كيف سيعمل غشيان الدخان (ثاني أكسيد الكربون أبرز غازات الدفيئة) على تظاهر العذاب، الذي سيصيب بشرره سكان الارض؟

قوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون)، مؤول بالنظير: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم)55/29، فغشيان الدخان هو غشيان عذاب سيطال السماء كما سيطال الأرض ويغشاها، وهو الأمر الذي يكشف كيفية حدوثه النظير: (لهم من فوقهم ظلل من النار(الحرارة) ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقوني)16/39. فإذا كان غشيان السماء بتمثل في ظلل من الحرارة، وسحب من الدخان، فان غشيان الأرض هي ظلل، يفسرها النظير: (وإذا غشيهم موج كالظلل)32/31، (فغشيهم من اليم ما غشيهم)78/20. اي ان غشيان الدخان سوف يترجم على الأرض بغشيان البحر لليابسة متسببا في إغراقها..

ولكن كيف يمكن ان يفسر القرآن تأثير غشيان الحرارة على البحر؟ اذا رجعنا للنظير: (والسقف المرفوع، والبحر المسجور، إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع، يوم تمور السماء مورا)5-9/52، كلمة (مسجور)، في اللغة، لها معنيان، الأول (سَجَرَ التَّنُّورَ يَسْجُرُه سَجْراً: أَوقده وأَحماه)، والثاني، بمعنى امتلأ وفاض: (وبئر سَجْرٌ: ممتلئة... سُجِّرَتْ أَي فاضت)، (لسان ‏العرب: 4/ 345 ).  مما يعني ان تحول الأرض إلى بيت متقد، بفعل الدخان، يؤدي إلى اتقاد وإحماء البحر، أي ارتفاع درجة حرارته، فإذا سخن فانه سيتمدد ويفيض: (لما طغى الماء)11/69. وبعبارة جامعة يقول الإمام علي : (المسجورُ بالنار أَي مملوء). فإذا اعتبرنا ان النار هي اسم للحرارة، فان الحرارة  هي التي تملأ البحر عندما يتمدد بها أو عندما يذيب كتل الثلج في القطب.

وقد يأخذ طغيان الماء أشكالا عديدة، فالحرارة تسرع من تبخر الماء وتشكل الغيوم فتنهمر السماء: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر)11/54، محدثة سيول كاسحة: (فأخذهم الطوفان وهم ظالمون)14/29، او ان طغيان الماء ينتج عن دوامات هوائية وأعاصير تتسبب بها اتقاد مناخ الأرض، فتقصف المدن الشاطئية بموجات البحر، وتغرقها محدثة دمارا كبيرا: (فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم)69/17، من خلال ارتفاع مد كالظلل في عتوه: (وإذا غشيهم موج كالظلل)، أي  كالجبال: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم)171/7 . وهو ما حدث مؤخرا في إعصار (كاترينا) الذي ضرب المدن الساحلية وخلف خسائر تقدرها التوقعات بعشرين ألف قتيل، 100 مليار دولار. أو إن هذا الطغيان للماء يتسبب به ارتفاع مستوى البحر، بصورة تؤدي إلى تآكل اليابسة، عندما تغرق الأرضي المنخفضة، ((وهو ما يعني غرق أجزاء كبيرة من الجزر الاستوائية والدلتاوات البحرية والمناطق الساحلية المنخفضة خاصة في شمال أوروبا وشرق أميركا ومصر وبنغلاديش والهند والصين...)).

كما إن ارتفاع حرارة الأرض يعني للمناطق الحارة ازدياد الجفاف، واشتعال الحرائق التي تأكل آلاف الهكتارات من الغابات على امتداد الكرة الأرضية، وتقوض القطاع الأخضر الذي يمثل رئة الأرض، لتزيد هذه الحرائق الهائلة من نسبة المشكلة بتصاعد المزيد من الدخان في السماء ...

ان الحديث عن ظاهرة الاحتباس الحراري، التي يصطلح عليها القرآن بـ (غاشية الدخان)، ويعتبرها آية عذاب، هي التي تشكل عنوان لسورة من سوره، (سورة الغاشية)، ويتحدث مطلعها عن هذه الظاهرة وما سيرافقها من مضاعفات مصاحبة: (هل أتاك حديث الغاشية، وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية، تسقى من عين آنية، ليس لهم طعام إلا من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع)1-7/88. فالمقطع (وجوه يومئذ خاشعة)، نفهم (الوجه) هنا بمعنى وجه الأرض، وخشوعها يعني موتها، بدليل قوله: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى)39/41، فموت الأرض تعبير عن القحط والجفاف واجتثاث الغابات بفعل الإنسان أو الحرائق، كما يشمل مفهوم (موت الأرض) انقراض الكائنات، سواء أكانت حيوانات بفقدها موائلها أو بشر بسبب الأوبئة المتوقعة. يضاف إلى ذلك معاناة الأرض الزراعية (النصب). فمع تغير المناخ ارتفاعا وانخفاضا، تشح المياه جفافا أو او تفيض سويلا، فيعزف المطر عن موسمه ويقع في غير موسمه فيتضرر معه الموسم الزراعي. يضاف الى ذلك نضوب مصادر المياه وتضررها، كل ذلك سيعمل على تدني إنتاجية الأرضي الزراعية، وستشح في عطائها، لتعطي ما لا يغني ولا يسمن من جوع، مما يفرض ظهور نقص الغذاء والمجاعات.

وهكذا، فان (حديث الغاشية) تناول  ثلاث مخاطر من أربع ذكرها التقرير: (... نقص مياه الشرب النظيفة... تدمير أو انخفاض إنتاجية بعض الموائل الطبيعية الحيوية، تتبع ذلك زيادة معدلات انقراض الكائنات الحية كنتيجة مباشرة لتدمير مثل هذه الموائل وعدم قدرة الكثير من كائناتها على التأقلم مع التغيرات الجديدة...زيادة نسبة الأراضي القاحلة وانخفاض الإنتاجية الزراعية كنتيجة مباشرة لزيادة نسبة الجفاف وتأثر عدد كبير من المحاصيل الزراعية سلباً بتغير درجة الحرارة والمناخ... تغير أنماط الأمطار والثلوج وتيارات المحيطات وارتفاع ملوحة وحموضة مياه البحر، وما يتبع ذلك من زيادة موجات الجفاف وحرائق الغابات وحدة العواصف وغير ذلك من الاضطراب ...).

 

ثقب الأوزون:

في نبوءة التراث القرآني

نعود لتأويل ابن عباس لقوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ)، إن الدخان آية من أشراط الساعة [...] تكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص))(بحار الأنوار: 6/ 301). ان ظهور علم التأويل - في الوقت الراهن- يمنحنا القدرة إلى إرجاع التأويلات التراثية -التي  وصلتنا- إلى القرآن، لنتأكد من سلامتها من الوضع أو التوهم أو الخطأ، وذلك في إطار توجيه مدرسة التأويل: ( ما أتاك من حديث عن بر أو فاجر فاعرضه على كتاب الله، فان وافقه فخذ به وإلا فرده). وإذا استطعنا ان نتأكد فيما تقدم من سلامة الجزء الأول من تأويل ابن عباس، عن طريق الكشف عن سنده القرآني، فإننا مطالبين في الجزء الثاني أن نتحقق منه، أي من المقطع الختامي (ليس فيه خصاص)، ففي اللغة، (الخصاص: شبه كوة في قبة و نحوها إذا كان واسعا قدر الوجه ... وبعض يجعل الخصاص للضيق و الواسع، حتى قالوا لخروق المصفاة: خصاص)(الخليل بن احمد، كتاب العين: 4 /134). مما يعني ان ابن عباس استنبط ان من أشراط الساعة استحالة  الأرض إلى بيت متقد، مرتفع الحرارة- بدلالة الدخان- ثم عندما أضاف ليس فيه خصاص، أي ليس في قبة ذلك البيت، أي السماء كوة، ليوجد تصورا منطقيا لأثر الدخان على القاطنين في البيت، الأرض، بانعدام فتحة تدفع به إلى الخارج ....

فإذا كانت هذه غاية ابن عباس فتأويله للآية يكون محكما، أما إذا أردنا أن نتصور المسألة في إطار دقيق، فان تأويله فيه خلل عندما نفى الخصاص، الكوة في قبة السماء، باعتبار ان الوضع السوي للسماء (الغلاف الجوي) ان لا يوجد فيها اضطراب كوجود الخصاص (كوة)، هذا هو الوضع السوي: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج)6/50، ولكن من أشراط الساعة- التي منها ظهور الدخان- إن يظهر في السماء خصاص، يصطلح عليه القرآن، بالفرج: (وإذا السماء فرجت)9/77، فإذا ما أردنا تصحيح تأويل ابن عباس، سنثبت الخصاص لسقف الأرض آنذاك، أي الغلاف الجوي، باعتبار ان الخصاص  والدخان كلاهما من أشراط الساعة، فينبغي تزامنهما... وان الوقع الحالي للأرض يؤكد على وجود هذا التزامن بين الخصاص الذي هو ثقب الأوزون، والدخان المتمثل في الاحتباس الحراري ...

بناء على ذلك نستنبط، انه إذا كانت السماء سقفا يحمي البيت الأرضي- أي كوكبنا- فان توجد فرجة في سقف السماء، فذلك يعبر عن حدوث ما يضطرب معه الحفظ ... فالسقف المحفوظ هنا هو الغلاف الجوي الذي يحفظ الأرض من الإشعاعات الخطرة والمميتة .. وعندما قلنا فيما تقدم إن النظام اضطرب، فذلك نتيجة الدخان (ثاني أكسيد الكربون). فكما انه أدى إلى اتقاد مناخ الأرض، وسخونة مياه البحار، كذلك أسهم في تآكل طبقة الأوزون، وترتب على ذلك ظهور ثقب الأوزون، الذي يشكل طبقة تحمي الأرض من الإشعاعات الخطرة والمميتة ... وهنا يؤول غشيان الدخان بغشيان يصيب البصر: (وجعل على بصره غشاوة)23/45، حيث يتوقع إصابة عشرات الملايين بإعتام العين إذا استمر تآكل طبقة الأوزون. كما يؤول الدخان (دخان مبين)، بالنظير: (سلطان مبين)، ويمكن قراءتها "سرطان مبين"، تعبير عن توقع إصابة عشرات الملايين بسرطان الجلد نتيجة السبب ذاته.

إن مور السماء في قوله تعالى: (والسقف المرفوع، والبحر المسجور، إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع، يوم تمور السماء مورا)5-9/52، أي اضطرابها، فاضطراب السماء بالدخان(غازات الدفيئة)، هي التي تنعكس في اضطراب الأرض:  (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور)16/67، فالمور  الطارئ على نظام الأرض مؤول بالمور الطارئ على نظام السماء. وبناء على الآيتين النظيرتين يمكن القراءة: " يوم تمور السماء، فإذا الأرض تمور"، مما يؤكد على الترابط القائم بين الأرض والسماء. وفي هذا مصادقة على ما تقدم من تصور، تم تشييده استنادا لقواعد التأويل. وإجراء المصادقة هذا معتمد في علم التأويل، ومن خلاله يصادق البحث على النتيجة بتحصيلها عن طريق آخر..

 

المعالجة:

اكتشاف قيم نظام الأرض الذكي!!

ان فاعلية الظواهر الطبيعية على الأرض تشكل نظاما حيويا يتصف بالذكاء ويتجاوب مع أداء الإنسان سلبا أو إيجابا، فتوحش الظواهر الطبيعية بتظاهرها في صورة زلازل ناسفة وسيول جارفة وموجات مد عاتية أو موجات جفاف مجدبة وأوبئة مهلكة وعواصف هوجاء وأعاصير مدمرة وحرائق غابات شاسعة يفسرها القرآن بأنها جزاء للفعل البشري، أي إنها ردود فعل جزائية، وهي صادرة عن النظام الحيوي للأرض متوافقة مع طبيعة الفعل البشري في خيره أو شره: : (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)30/42، (فكلا أخذنا بذنبه: فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)40/29. فبمراجعة النصوص المتقدمة، يمكن ملاحظة ان غشيان العذاب كان يأتي في إطار جزائي: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول: ذوقوا ما كنتم تعملون)55/29، فالفرج الذي في السماء:  (وإذا السماء فرجت)9/77، يؤول إلى فرج المرأة: (التي أحصنت فرجها)12/66، ففرج السماء يعبر عن انتشار فاحشة الزنى والعري والإباحية، فالعقاب يأتي على شاكلة الذنب: (جزاء وفاقا)26/78، وهو ما يشير إلى أن تحصين فرج السماء يتطلب ثورة أخلاقية تحصن فيها فروج النساء والرجال بالعفة. وفي هذا السياق فان طغيان الماء: (لما طغى الماء)11/69، والهلاك بالرياح: (فأهلكوا بريح صرصر عاتية)، كلا الأمرين يؤولان إلى طغيان الحاكم في سياساته: (فأهلكوا بالطاغية)6/69. لقد هلك قوم نوح بطغيان الماء جزاء للطغيان، وكذلك هلك الطاغية فرعون بطغيان الماء جزاء وفاقا...

فيمكن اتخاذ هذا التفسير، الذي يربط العقاب بردات فعل نظام ذكي للأرض، مرجحا للفصل في الاختلاف حول جواب السؤال: هل ما يجري في الأرض من انقلابات مناخية تضطرب لها الحياة على ظهر الكوكب هي نذر أم تباشير؟ وكيف السبيل للخروج من هذه الأزمة والقضاء عليها او الحد من تطورها؟

إن فساد سياسات الحكومات التي تدير الكوكب وتتحكم بمصائر الشعوب ومقدرات الأرض، مما يقول عنه سبحانه وتعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)41/30، هذا الفساد ينذر بظلامية مستقبل الحياة على ظهر الأرض!  وان تفاؤل البعض، من المراقبين والمحللين في مراكز القرار، حيث (هناك من العلماء من يذهب في تفاؤله إلى حد القول بأن التغير المناخي حتى لو تحقق لن يخلو من فوائد، منها مثلاً تحسن إنتاجية بعض الغابات والمحاصيل، وزيادة مصادر المياه، وتحسن حالة بعض الموائل الطبيعية، وغير ذلك من التقديرات المتفائلة)، هذا التفاؤل يشبه تفاؤل القوم الذين قرؤوا نذر العذاب باعتبارها شروطا لحقبة من الازدهار والخير القادم جهلا، وفيهم يقول تعالى: (ولكني أراكم قوما تجهلون، فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين)24-25/46.

ان الغاية من الضربات (الجزائية- العقابية)، التي يسددها نظام الأرض الحيوي والذكي للإنسان فرض المراجعة على موقفه وأدائه وسياساته التي ينتظم فيها ذلك الموقف ويتأطر فيها ذلك الأداء، هذا ما يصرح به الخطاب القرآني: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)41/30، متوخيا أن تفضي المراجعة إلى تراجع الدول: (لعلهم يرجعون)، عن السياسيات الطاغية، وليست عن السياسات المباشرة التي تضرر البيئة وتؤدي إلى إفساد نظام الأرض المتوازن فحسب، والتي حذر منها (علماء البيئة وجماعات الخضر بكثرة الحديث عن أضرار التلوث، وأهمية المحافظة على أنظمتنا البيئية، وجدوى التنمية المستدامة، وغيرها من المبادئ البيئية المحافظة)، فركزوا على السياسات المرتبطة بشكل مباشر بالبيئة متجاهلين الطابع العام للسياسات المتسم بالطغيان، أي ان المسألة ينبغي ان تقوم على مراجعة لكل الأداء السياسي والمخططات التي يستند إليها الساسة في كل مجالات الحياة، وليست في مجال دون آخر، وإجراء المراجعة الشاملة لها، وهو التراجع الذي يسميه النظير المصادق بالكف: (وكف أيدي الناس .. ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما)20/48. بعد ان دأبت الدول المسئولة عن تلك السياسات تنزيه سياستها عن الفساد: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)1-12/2.

فالأرض لا يعالج وضعها برتوكول (كيوتو) وآلياته المختلفة، الذي يقتصر اهتمامه بالعوامل الظاهرية التي تحد من، غاشية الدخان، المصطلح عليها بالاحتباس الحراري، بل المطلوب توسيع أفق المُوقّعين على هذا البرتوكول بمعرفة ان هذه الظاهرة في  ترتبط بعموم سياسيات الدول الصناعية الكبرى التي طابعها الافساد: (تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)48/27.. وغير مقتصرة على السياسات المتعلقة بالبيئة خاصة.

ان المطلوب من سياسات دول الكوكب ان تنبذ الإفساد، وتتوخى الإصلاح في نهجها على الصعيد الداخلي والخارجي، الخاص والعام، المحلي والعالمي، موقنة بان النظام الحيوي والذكي للأرض قابل لان يتحول إلى وحش مدمر إذا ما استفزته السياسات التي طابعها الفساد، كما ان ذلك النظام ذاته قابل لان يتحول إلى أم حانية على الكوكب يتحدب عليه بالرحمة إذا ما اتصفت السياسات بالحكمة والإحسان. وفي كل ذلك يقول تعالى: (لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين، وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون)56-57/7، فالرحمة قريبة من السياسات المحسنة والعذاب محيط بالسياسات الجائرة. وذكر (الرياح) هو ذكر لمظهر من مظاهر نظام الأرض على سبيل الرمز، يشير إلى قوة الظواهر التي يمكن أن تتحول إلى (عصى تأديب وعقاب) يوظفها النظام للتدمير في صورة أعاصير مزلزلة أو عواصف مثورة لمد بحري عظيم الخراب بغية تنبيه القائمين على السياسات الجائرة أو بغية عقابها وتدميرها: (فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية)69-8/69، كما إن تلك الرياح يمكن أن تتحول إلى راعٍ لقطيع السحاب تسوقه من بلد لبلد فتزرع الخصب والنماء والحياة في الأرض داعمة السياسات المحسنة:  (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب)36/38...

إننا لا يمكن ان نتصور مخرجا  لهذه الأزمة العالمية، المرشحة للتطور إلى مستويات مخيفة، دون التمهيد لذلك بمعرفة أن الأرض تخضع لنظام يتسم بالحيوية والذكاء- معبرا عن إرادة الخالق- ويستجيب لقيم ومواقف الإنسان في خيرها وشرها ويرد عليها مثيبا أو معاقبا! ثم بعد ذلك ينبغي التعرف على نظام القيم الذي يعمل نظام الكون استناد له، صانعا ردود أفعاله الجزائية. وهو النظام الذي وعد الله أن يمكنه كدين يدين به سكان الأرض كافة: (ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون... ولو كره المشركون)33/9، باعتباره هو النظام السنني الفعلي للأرض، والذي قال عنه تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم)26/4، ، وهو النظام الكفيل بأن يكشف عنه القرآن المؤول.

في الختام، من الجدير أن ندعم هذا التصور- الذي يربط بين الخطيئة وبين ردود فعل ظواهر الطبيعة التي تتفاعل مع الإنسان في إطار جزائي- من خلال ذكر بعض النصوص الدالة، ففي الدعاء: ((أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُحْدِثُ النِّقَمَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُورِثُ النَّدَمَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحْبِسُ الْقِسَمَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ الْقَضَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُدِيلُ الْأَعْدَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَقْطَعُ الرَّجَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُورِثُ الشَّقَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُظْلِمُ الْهَوَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَكْشِفُ الْغِطَاءَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحْبِسُ غَيْثَ السَّمَاءِ))(تهذيب ‏الأحكام: 3/95). وتفسيرا لهذا الدعاء يرد الخبر عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) يَقُولُ: ((الذُّنُوبُ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ الْبَغْيُ عَلَى النَّاسِ، والزَّوَالُ عَنِ الْعَادَةِ فِي الْخَيْرِ، واصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ، وكُفْرَانُ النِّعَمِ، وتَرْكُ الشُّكْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ)، والذُّنُوبُ الَّتِي تُورِثُ النَّدَمَ، قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَابِيلَ حِينَ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ فَعَجَزَ عَنْ دَفْنِهِ: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)، وتَرْكُ صِلَةِ الْقَرَابَةِ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، وتَرْكُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، وتَرْكُ الْوَصِيَّةِ، ورَدِّ الْمَظَالِمِ، ومَنْعُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْتُ ويَنْغَلِقَ اللِّسَانُ. والذُّنُوبُ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ: عِصْيَانُ الْعَارِفِ بِالْبَغْيِ، والتَّطَاوُلُ عَلَى النَّاسِ والِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ والسُّخْرِيَّةُ مِنْهُمْ. والذُّنُوبُ الَّتِي تَدْفَعُ الْقِسْمَ: إِظْهَارُ الِافْتِقَارِ، والنَّوْمُ عَنِ الْعَتَمَةِ، وعَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، واسْتِحْقَارُ النِّعَمِ، وشَكْوَى الْمَعْبُودِ، عَزَّ وجَلَّ والذُّنُوبُ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ: شُرْبُ الْخَمْرِ، واللَّعِبُ بِالْقِمَارِ، وتَعَاطِي مَا يُضْحِكُ النَّاسَ مِنَ اللَّغْوِ والْمِزَاحِ، وذِكْرُ عُيُوبِ النَّاسِ، ومُجَالَسَةُ أَهْلِ الرَّيْبِ. والذُّنُوبُ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلَاءَ: تَرْكُ إِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وتَرْكُ مُعَاوَنَةِ الْمَظْلُومِ، وتَضْيِيعُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. والذُّنُوبُ الَّتِي تُدِيلُ الْأَعْدَاءَ: الْمُجَاهَرَةُ بِالظُّلْمِ، وإِعْلَانُ الْفُجُورِ، وإِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ، وعِصْيَانُ الْأَخْيَارِ، والِانْطِيَاعُ لِلْأَشْرَارِ. والذُّنُوبُ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ: قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، والْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ، والْأَقْوَالُ الْكَاذِبَةُ، والزِّنَا، وسَدُّ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وادِّعَاءُ الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والذُّنُوبُ الَّتِي تَقْطَعُ الرَّجَاءَ: الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، والْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، والثِّقَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ، والتَّكْذِيبُ بِوَعْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والذُّنُوبُ الَّتِي تُظْلِمُ الْهَوَاءَ: السِّحْرُ، والْكِهَانَةُ، والْإِيمَانُ بِالنُّجُومِ، والتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. والذُّنُوبُ الَّتِي تَكْشِفُ الْغِطَاءَ: الِاسْتِدَانَةُ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ، والْإِسْرَافُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْبَاطِلِ، والْبُخْلُ عَلَى الْأَهْلِ والْوَلَدِ وذَوِي الْأَرْحَامِ، وسُوءُ الْخُلُقِ، وقِلَّةُ الصَّبْرِ، واسْتِعْمَالُ الضَّجَرِ والْكَسَلِ، والِاسْتِهَانَةُ بِأَهْلِ الدِّينِ. والذُّنُوبُ الَّتِي تَرُدُّ الدُّعَاءَ: سُوءُ النِّيَّةِ، وخُبْثُ السَّرِيرَةِ، والنِّفَاقُ مَعَ الْإِخْوَانِ، وتَرْكُ التَّصْدِيقِ بِالْإِجَابَةِ، وتَأْخِيرُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ حَتَّى تَذْهَبَ أَوْقَاتُهَا، وتَرْكُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالْبِرِّ والصَّدَقَةِ، واسْتِعْمَالُ الْبَذَاءِ والْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ. والذُّنُوبُ الَّتِي تَحْبِسُ غَيْثَ السَّمَاءِ: جَوْرُ الْحُكَّامِ فِي الْقَضَاءِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ، وكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ، ومَنْعُ الزَّكَاةِ والْقَرْضِ والْمَاعُونِ، وقَسَاوَةُ الْقَلْبِ عَلَى أَهْلِ الْفَقْرِ والْفَاقَةِ، وظُلْمُ الْيَتِيمِ والْأَرْمَلَةِ، وانْتِهَارُ السَّائِلِ ورَدُّهُ بِاللَّيْلِ) (وسائل ‏الشيعة : 16/283)، وسرد بعض الذنوب هنا يأتي على سبيل المثل، وليس على سبيل الحصر، فبالامكان توسيع قائمة الذنوب المسببة للعقاب بتصريف  تلك العناوين  تأويلا.

صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): (إِذَا فَشَا أَرْبَعَةٌ ظَهَرَتْ أَرْبَعَةٌ إِذَا فَشَا الزِّنَا ظَهَرَتِ الزَّلْزَلَةُ، وإِذَا فَشَا الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ احْتُبِسَ الْقَطْرُ، وإِذَا خُفِرَتِ الذِّمَّةُ أُدِيلَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وإِذَا مُنِعَتِ الزَّكَاةُ ظَهَرَتِ الْحَاجَةُ) (الكافي: 2/448 ) .

 

  

 


(*) اقتبست المعلومات العلمية، فيما يتعلق بظاهرة الاحتباس الحراري، نصا تارة وبتصرف تارة أخرى من التقرير المنشور على (الجزيرة نت) .