بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

التلفاز: عالم الغيب والشهادة

إن التلفاز أو المذياع ينطبق عليه المصطلح القرآني علم الغيب الشهادة، حيث في الوقت الذي يغيب المتلقي عن مسرح الحدث إلا إن التسجيل الإذاعي أو التصوير التلفزيوني يخوله من الحضور ليشهد الحدث الذي غاب عنه، مما يجعل المتلقي هو الشاهد الغائب والغائب الشاهد: (وما هم عنها بغائبين)16/82، وليصدق على ذلك المتلقي المصطلح القرآني: (عالِم الغيب والشهادة)73/6، باعتبار المشاهد يشهد رغم غيبته ويغيب رغم شهادته، فلا يؤثر اختلاف المكان والزمان كأن يكون الحدث واقع في شرق الأرض وهو في غربها، أو نتيجة اختلاف الزمان، فقد يقع الحدث قبل ولادته، بيد انه بفضل وجود المذياع والتلفاز يكون قادرا على شهود ما جرى في الزمن الذي غاب عنه فلم يكن له فيه وجودا.

وهذا الأمر، من شانه أن يجعل التلفاز والمذياع يسمى بـ(عالَم الغيب والشهادة)، (بفتح اللام)، باعتبار الجهازين -كما قلنا-يخولان الداخل إلى عالمهما أن يشهد الغائب، ليكون شاهدا رغم غيابه وغائبا رغم شهوده، وهو ما يجعل المشاهد أو المستمع المعاصر ينطبق عليه، بنسبة معينه، العلم بغيب السموات والأرض ويصح على إثر ذلك، أن يقول: (إني أعلم غيب السموات والأرض)33/2. عندما صارت لهذا المعاصر القدرة على أن يعلم بما غاب عنه مما يجري في شرق وغرب الأرض، في أي موقع كان، فيشهد الحرب على العراق وهو جالس في بيته الكائن في جزر القمر، أو يشهد مباراة تجري في بريطانيا بينما هو مقيم في الصين، أو يتابع وقائع الانتخابات الجارية في استراليا وهو يعيش في الخليج، بذلك صار للمتلقي القدرة على أن يشهد وقائع الغيب مما يجري في آفاق الأرض، في إطار قوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل .. وما كنت لديهم إذ يختصمون)44/3، فالخطاب هاهنا يشير إلى التلفاز الذي يوحي (: أي يُعلم) المتلقي بأنباء الغيب في الوقت الذي يغيب عن مسرح الحدث، فيشهد عبر الشاشة مثلا تقديم ممثلي الشركات عروض مناقصة، (أيهم يكفل) إقامة المشروع، أو يشهد اختصام أعضاء البرلمان إلى درجة التشابك بالأيدي دون أن يكون المتلقي (لديهم إذ يختصمون). ويجري كل ذلك ايضا في إطار: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغيب (: المذياع/التلفاز) نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ)، فيتنبأ هذا الخطاب، آنذاك، إن الأجيال في القرون المتأخرة سوف تكتشف ما لم تعمله الأجيال في القرون المتقدمة. وستبقى هذه الدلالة سارية إلى الأبد.

كذلك للإنسان المعاصر القدرة على أن يعرف ما غاب عنه من أحداث تحدث في آفاق السماء: (إني أعلم غيب السماوات والأرض)33/2، بما يوحي إليه التلفاز: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم)44/3، عندما يشهد عبر الشاشة الفضية حدث المركبة الفضائية وهي تمخر بعدساتها الفضاء في طريقها إلى كوكب زحل، لترسل لنا صورة للكوكب، وما يزدان به من حلقات ينفرد ويتألق بها، كما تنقل الشاشة للمتلقي صور سطح المريخ، أو نزول ارمسترونغ على سطح القمر، أو يشهد حدث إصلاح رواد المكوك لمسار قمر اصطناعي جنح عن مداره، أو يشهد كيف تبدو الأرض كوكبا أزرق عند النظر إليها من مدارها، كما يشهد الأفق الواسع والمترامي للكون عندما ينظر عبر التلفاز إلى الصور التي يلتقطها المسبار الفضائي هابل، ليرى المجرات والنجوم البعيدة الواقعة خارج إطار ليست الرؤية بالعين فحسب، بل خارج إطار المناظير المنصوبة على ظهر الأرض. بذلك هو يعلم غيب آفاق السموات.

 

توثيق الأحداث صوتا وصورة:

كذلك وفر اكتشاف التلفاز والمذياع توثيقا للأحداث والوقائع الجارية من خلال تسجيلها، فصارت هناك الأفلام التسجيلية والتوثيقية التي تقص عليك وقائع الأحداث التاريخية، تحفظ ما عمله الإنسان، حيث يمكن أن نشهد بعض الأفلام التي توثق الحرب الكونية الأولى والثانية، كما نشهد الفيلم الذي يوثق لنا نضال تشي غيفارا في جزيرة كوبا، أو أدغال أفريقيا، أو غابات بوليفيا، وكيف تم في النهاية أسره وإعدامه، وهو ما خول أجيال الأبناء المتأخرة أن ترى أعمال أجيال الآباء المتقدمة. كما خول ذلك أن يسجل ويوثق رب الأسرة أحداث الأسرة صوتا، أو صوتا وصورة، يوثقها في مناسباتها السعيدة أو المحزنة في مختلف مراحلها العمرية ويحتفظ بها، ليرجع إليها لتنبئ وتذكر الصغار غدا بتاريخ الأسرة منذ نشأتها الأولى، وذلك ما ينطق به القرآن: (ستردون إلى عالم الغيب والشهادة (:المذياع والتلفاز) فينبئكم بما كنتم تعملون)105/9. ولذلك يمكن أن نقرأ (أقلامهم) بإبدال القاف فاء (أفلامهم) في قوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أفلامهم)44/3، حيث إلقاء الفلم بمعنى عرضه، أي وما كنت لديهم إذ يعرضون أفلامهم ..

أيضا وفّر اكتشاف إمكانية التسجيل والتوثيق للغيب (:التلفاز والمذياع) الفرصة لتوظيف هذه التقنية في عالم المخابرات للتجسس، وهو التوظيف الإستخبارتي الذي يشير إليه قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون)102/12، فالخطاب يشير إلى تسجيل الوقائع التي تمت سرا، ومن المفترض أن تكون قد صورت من قبل عميل زرع عدسات تصوير في قاعة الاجتماع، لتظهر اجتماعات تآمرية، تشخص هوية الأفراد الذين شاركوا فيها، بالصوت أو بالصوت الصورة، فيشهد المسئولين في الدولة الذين غابوا عن حدث المؤامرة يشهدونها من خلال الفلم التسجيلي ، ويمكن الاستشهاد بذلك الفيلم الموثق لوقائع المؤامرة، لتدل وتشهد على من اشترك في المؤامرة ممن هو بريء منها، أي تدل على من خان ومن لم يخن، وهو قوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب (: أي كما يدل التصوير) وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)52/12. ويمكن أن تضيف هذه الآية الأخيرة، أفق أخر نجد فيه أن الخيانة الموثقة قد لا تكون مؤامرة عامة، وإنما حدث خاص تمثله خيانة زوجية، استعمل التصوير في توثيقها بتصوير الزوجة في لقاء أو في وضع يعبر عن صدور الخيانة منها، كما نجده في الصورة التي ترسمها قصة يوسف ..

 

القذف بأنباء الغيب:

ولكن كيف يشرح القرآن عملية نقل الصورة عبر التلفاز أو إشارة الراديو عبر المذياع؟!

لقد فهمنا أن الحديث عن (الغيب) هو حديث عن تلك الصور أو الأصوات التي ينقلها التلفاز والمذياع، يمكن أن نجد تفصيل لهذا في قوله: (رجما بالغيب)22/18، (يقذفون بالغيب من مكان بعيد)53/34، (ويقذفون من كل جانب)8/37، فهنا حديث عن أن تلك الصور والأصوات تأتي عن طريق الرجم والقذف، ومن مكان بعيد، وعندما نتحرى نظائر الآية: (يقذفون بالغيب من مكان بعيد)53/34، نكتشف النظير: (وجاءهم الموج من كل مكان)22/10، بحيث يمكن أن نقرأ بإكمال الآيتين ببعضهما: " وجاءهم موج الغيب من كل جانب بعيد"، أو: "يقذفون بموج الغيب من كل مكان بعيد، ومن كل جانب"، فهذا يكشف لنا بكل وضوح أن الغيب هي (موجات) وأن الفضاء حولنا مليء بتلك الموجات التي يمكن ترجمتها إلى صور تبصر وأصوات تسمع، وهو ما يقرره قوله تعالى: (لبَثُّوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع)26/18، فيصطلح هذا الخطاب على قذف موجات الغيب بأنه (بث) بواسطته نبصر ونسمع غيب السموات والأرض: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)37/50. فالبث التلفزيوني والإذاعي يذكرنا بما غاب عنا من أحداث ووقائع تحدث في آفاق السموات والأرض ليجعلها في حيز الإدراك البصري والسمعي فنشهدها.

وفي قوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك)، نجد أن الخطاب يعرف أنباء الغيب بـ (الوحي) ويعرف الوحي بـ (الكلام) في النظير: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا، فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)10-11/19، إلا إن تكليم زكريا قومه وحيا، تم بواسطة الرمز بدليل قوله تعالى: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)41/3، ويعرف الرمز بالإشارة، كالتي أبدتها مريم الصائمة هي الأخرى عن الكلام: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا، فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا)26-29/19، فأشارت إليه بإشارة أفادت: "كلموا من في المهد"، ففهموا معنى إشارتها لما (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا). وهكذا نستنتج من ذلك أن الإشارة (: الرمز) لها (وحي) مما يعني أن قوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك). فان الغيب هو إشارة أو رمز له إيحاء. وبناء على ذلك يمكن أن نخرج بعدة خلاصات تشخص لنا جانب من الأفكار المستنبطة، قبل المتابعة ...

الخلاصة الأولى: ان محصلة هذه الأزواج التي تمثلها الآيات التالية: (يقذفون بالغيب من مكان بعيد)53/34، (ويقذفون من كل جانب)8/37، (وجاءهم الموج من كل مكان)22/10، يمكن ضمها في خطاب محصل جامع هو : "يقذفون بموج الغيب من كل مكان بعيد ومن كل جانب ".

الخلاصة الثانية: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أفلامهم أيهم يكفل .. وما كنت لديهم إذ يختصمون)44/3، إن موجات الغيب هي أنباء توحي، وأفلام  تعرض...

الخلاصة الثالثة: إن موجات الغيب التي هي موجات تبث وتقذف تعرف بأنها إشارات ورموز لها وحي أو إيحاء، يمكن ترجمته إلى كلام يسمع أو صور ترى، وهو ما قرره فيما تقدم قوله تعالى: (لبَثُّوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع)26/18.

الخالصة الرابعة: إن تلك الإشارات والموجات التي تحمل الغيب لها مصدرها الذي يقذف ويرجم ويبث تلك الإشارات والموجات ليملأ بها الفضاء من حولنا ...

والسؤال: إذا كان الغيب هو الموجات التي تبث لتنقل وقائع الأحداث في آفاق الأرض، في صيغة صور ترى أو كلام يسمع، فكيف يتم بثها؟ هل يستطيع القرآن أن يفصل لنا هذا الجانب؟ ..

إن الفضاء الذي يمتلئ بموجات وإشارات لها وحيها، المذاع أو المتلفز، فيظهرنا على ما غاب عنا من أحداث تحدث في شتى أرجاء الكون، هو الذي يقول عنه تعالى: (يظهر على غيبه)26/72، فإذا تتبعنا النظائر، نهتدي لقوله: (ومعارج عليها يظهرون)33/43، حيث يكمل النظير: (يظهر على غيبه أحدا)26/72، لنقرأ بالإكمال: "ومعارج عليها يظهرون [على الغيب]" يعزز ذلك قوله: (ليطلعكم على الغيب)179/3، بحيث يمكن القراءة للعبارة الآنفة بصيغة أوضح بالتعويض فيها: "ومعارج  عَلَيْها يطلعون على الغيب"، حيث حرف الجر (على) في قوله تعالى: (عليها يطلعون)، يؤول بحرف (الباء)(*)، "ومعارج بها يطلعون على الغيب" فيتحقق الإطلاع على الغيب من خلال بث المعارج التي يتسلقها الادراك ليطلع من خلالها بعيدا، فيدرك ما غاب عنه، وقد يصطلح على تلك المعارج بالسلالم: (فإن استطعت أن تبتغي [...] سلما في السماء فتأتيهم بآية)35/6، وتتبع النظائر يقودنا إلى قوله: (والسماء ذات البروج)1/85، فالمعارج أو السلالم هي أبراج الهوائيات المنصوبة على الأرض وتبلغ عنان السماء، وتشمل لفظة المعارج الأقمار الصناعية المنصوبة في مدرات الأرض، فتلك المعارج تقذف أو ترجم موجات التلفاز والراديو من خلال البث: (لبَثُّوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع)26/18، فيتم نقل الحدث الغائب نقلا حيا: (يوم ينفخ في الصِّوَر عالم الغيب والشهادة)73/6، فشاشة التلفاز تعرض الصورة الناطقة حية بحركتها ومنطقها، لنعيش عالم (بفتح اللام) الغيب والشهادة، أي عالم التلفاز والمذياع، أو بعبارة أخرى، إننا نعيش الغيب بالشهادة له، المستند إلى حكمة العلماء وخبرتهم: (يوم ينفخ في الصِّوَر عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير)73/6، وهذه القدرة على نقل الحدث المصور أدى إلى فزع العالم أول ما ظهر، وشد له النفوس واخضع القلوب: (ويوم ينفخ في الصِّوَر ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين)87/27، أي وكل أتوا التلفاز داخرين.

ولما عرفنا فيما تقدم أن الغيب الذي يبث هو موجة أو إشارة أو رمز له إيحاء، فان الموجة والإشارة من خلال المعارج، تعرج في السماء وتنزل: (وما ينزل من السماء وما يعرج فيها)4/57، تقودنا إلى الحديث عن الأعرج: (الأعرج)17/48، فإذا ما وصفنا الموجة/الإشارة التي تبثها المعارج في الفضاء، فان تلك الإشارة تأخذ صفة الأعرج، حيث حركة الأعرج تشكل شكل الموجة، ()، فالموجة تعرج في السماء ومنها تنزل، وذلك ما يفسره النظير: (والسماء ذات الرجع)11/86، الذي يبين أن تلك المعارج تبث الموجات التي تعرج إلى السماء لتصدم بطبقة محددة في الغلاف الجوي، أو بالقمر الصناعي، ثم ترجع إلى الأرض، فهناك رجع، لتك الموجات هو الذي يخولها أن تحفظ في فضاء الأرض ويعاد التقاطها في مكان أخر من أصقاع الأرض ولا تضيع بتسربها في الفضاء الكوني ..

وعندما يشرح لنا القرآن ما يترتب على تلك المعارج من بث، يقول: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)14-15/15، ثم يعرف السحر بالخيال في قوله: (قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)66/20، مما يعني أن ما تبثه تلك المعارج يرسم للإنسان خيالات على الشاشة، نتيجة ما يترتب على ذلك البث، من نفخ الالكترونات لتصدم شاشة التلفاز فتتولد صور: (يوم ينفخ في الصِّوَر [لينتج] عالَم الغيب والشهادة)73/6، وتفسر النفخة ببث الحياة في تلك الصور: (ونفخت فيه من روحي)29/15، مما يعني أن الموجات المبثوثة تأخذ بالتكثف من خلال جهاز التلفاز قبل أن تتظاهر على الشاشة في شكل صور نفخت فيها الروح: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصُّور فجمعناهم جمعا)99/18. ونصل إلى النتيجة ذاتها، عندما نتابع وصف التلفاز بـ (الكبير المتعالي) بلحاظ المعارج (الكبيرة) والأبراج (العالية) التي تبث الموجات: (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعالي)9/13، حيث متابعة النظائر تقودنا إلى قوله: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)71/20، قبل أن ينتهي بنا ذلك إلى النتيجة ذاتها: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)66/20، بتعريف السحر بالخيال الذي يولده التلفاز على شاشته فيطلعنا على ما غاب عنا من أحداث: (عنده علم الغيب فهو يرى)35/53.

ولما كان البث هو (الذّر)، فبالإمكان الرجوع إلى النظير المعنوي: (والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا، إنما توعدون لصادق، ... فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)1-23/51، فالمعارج أي أبراج الهوائيات تذروا الموجات في الفضاء: (والذاريات ذروا)، فتحمل الصورة أو الصوت/صورة على موجات حاملة: (فالحاملات وقرا)، أي ثقلا، ثم تجري تلك الموجات في الهواء بيسر، (فالجاريات يسرا)، ثم يأتي مقسم جهاز المذياع أو التلفاز ليفصل الموجة المحمولة عن الموجة الحاملة: (فالمقسمات أمرا) فيتظاهر صوت المذياع أو الصوت/صورة على شاشة التلفاز. وهو المقسم الذي يمثله مفتاح الجهاز: (عنده مفاتح الغيب)59/6، (عنده علم الغيب فهو يرى)35/53. بحيث يمكن القراءة بالتكامل: "عنده مفاتح الغيب فهو يرى الغيب" ثم تختم الآيات بعد فاصل بالقول: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)، أي إن حقيقة التلفاز والمذياع واقعة لا محالة، وان النطق الذي يصدر عن الجهازين حق يماثل الحق الذي يتمثل في النطق الصادر عن أفواهكم.

أيضا الموجة الحاملة للصوت والصورة تعرف بـ (الدابة)، في قوله تعالى: (وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون)4/45، فالمعارج تبث الموجات الحاملة (:الدابة) التي تحمل الصوت أو الصورة كـ(وقر) باعتبارها إشارات تترجم من خلال الجهازين، فهي تنقل علما يقينيا عندما تمكن المتلقي من شهود الوقائع والأحداث، وهو ما يقول عنه تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)5-8/102، فالمشاهد التي ينقلها التلفاز تطلعنا على الحوادث لنشهدها بالعين شهادة يقين، ونصغي لها بالإذن، ليكون هذا الواقع المسموع المبصر، قد يتصف  بالجحيم، الذي تمثله مآسي البشر الحروب والمجاعات والكوارث (:زلازل، أعاصير، فيضانات)، أو قد يأخذ شكل نعيم، فينقل التلفاز مشاهد من النعم التي تعيش الشعوب هنا وهناك في بحبوحتها....

 

صندوق الغيب واجتباء البشرية:

بعد هذه الاستخلاصات، يمكن القول، أن الفضاء الذي يمتلئ بموجات وإشارات لها وحيها، الذي يسمع ويبصر، فيظهرنا على الغيب، هو الذي يقول عنه تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى)26-27/72، مما يدل من جهة إن البشرية قد تعرضت بنمو مدارك فكرها إلى اجتباء، لذلك اصطفاها الله وارتضاها للإطلاع على غيبه بالتوصل إلى الاختراع الذي يكفل لها الظهور على غيبه بنسبة معينة، فاخذ الإنسان المعاصر يرى ويسمع ما يقع في شرق الأرض وغربها، في وقت لم يكن هذا متسنى إلا للأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء، في الأمم السالفة، كما نجد في قول وصي محمد الإمام علي للمنجم:  ((أ عالم أنت إن الملك البارحة انتقل من بيت إلى بيت في الصين، وانقلب برج ماجين، وغارت بحيرة ساوة، وفاضت بحيرة حشرمة، وقطعت باب الصخرة من سفينته، ونكس ملك الروم بالروم وولي أخوه مكانه، وسقطت شرفات الذهب من قسطنطينية الكبرى، وهبط سور سرانديل، وفقد ديان اليهود، وهاج النمل بوادي النمل، وسعد سبعون ألف عالم وولد في كل عالم سبعون ألفا والليل يموت مثلهم))([i])، فالإمام علي الذي ارتضاه الله فأطلعه على غيبه، اطلعنا على ما جرى البارحة من ذلك الزمن، فاطلعنا على نشرة إخبارية مفصلة لأحداث العالم، يصف ما يقع في شرق الأرض وغربها، فبدأ بالصين، مرور بإيران حيث بحيرة ساوة، ثم تركيا حيث القسطنطينية، ثم أوربا حيث الروم ثم سرانديب في الهند، وهو الأمر الذي يمكن إنجازه اليوم بإدارة جهاز الغيب التلفاز أو المذياع من محطة إلى محطة أخرى لنجوب العالم بمفتاح هذا الصندوق.  فطالعنا الإمام علي بوقائع وكأنه بذلك يصف لنا طبيعة النشرة الإخبارية اليومية التي ستبث من صندوق الغيب، في هذا الزمن، فتعرض في نشرته إلى الحدث السياسي، حيث انتقل الحكم الملكي في الصين من عائلة إلى عائلة أخرى، وأطاح الروم بملكهم ليخلفه أخوه في مقامه، ثم ذكر حوادث مؤسفة مثل انقلاب برج ماجين، وسقوط شرفات الذهب من القسطنطينية، وهبوط سور سرانديل، وفقدان ديان اليهود، ثم تحدث عن كوارث أو ظواهر طبيعية مثل غور بحيرة ساوة، وفيضان بحيرة حشرمة، وهيجان النمل في وادي النمل، ثم ذكر إحصائيات تتعلق بالمواليد والوفيات: (وولد .. سبعون ألفا والليل يموت مثلهم). إننا نشاهد في هذا البيان نشرة إخبارية، كالتي نتلقاها يوميا على شاشة التلفاز أو من جهاز المذياع، تحتوي على العناصر الثلاث الحدث السياسي، والكوارث الطبيعية، والحوادث الفردية الملفته. مما يعني أن هذه النشرة الإخبارية العالمية المفصلة، التي تقص أهم أحداث العالم مما غبنا عنها، ما عادت هي إرث خاص أو حكر على أفراد يمثلون صفوة البشرية، وإنما أصبحت بنسبة ما عبر هذين الجهازين، وما يخلقونه من عالم الغيب والشهادة، إرث للبشرية، وطوع يمينها عندما يدير أفرادها المعاصرين مفتاح صندوق الغيب، (عنده مفاتح/ علم الغيب فهو يرى) ، فيقص عليهم هذا الصندوق العجيب الغيب فيجعل الغائب شاهدا غير غائب: (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين)7/7، ويعلمه بأنباء الغيب: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك)49/11.

 

  

 


 

(*) حرف الجر (على) في قوله: (لتصنع على عيني)، يؤول بحرف (الباء) في النظير: (ولتصنع بأعيننا)، فيمكن قراءة (بأعيننا) بدل: (على عيني).


 

([i])المجلسي، بحار الأنوار: 41/ 336