بسم الله الرحمن الرحيم

(قراءة في كتاب الذات)

 

لقد كان الأمر (اقرأ) يطالب بقراءة القرآن، والقراءة هي عملية تعليم مستدامة، أي ان عملية التعليم تبدأ مشوارها بالتعلّم على كرسي الدراسة، فيتعلم المتعلم كيف يقرأ، وكيف يفقه ما يقرأه، وكيف ينظر فيه، ويقدره، ويحاكمه، وينميه، ويطوره. بعدها يواصل التعليم بقية عمرة من خلال القراءة المستقلة، لتكون العملية التعليمية من البداية إلى النهاية في حقيقتها هي قراءة في قراءة.

والمطلب ذاته تنطوي عليه الصيغة التوصيفية اللاحقة: (يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)، الا ان الفكرة المركزية في هذه العبارة، تمثلها كلمة (الحكمة)، حيث تعرف (الحكمة) لغة بـ ((وضع الشيء في مواضعه))، فكانت الحكمة بهذا المعنى هي عملية تقديرية، وعلم معياري، من خلاله يتم تقدير الأشياء بصورة لا توضع دون منزلتها فيحدث البخس، ولا تنزل في موضع فوق موضعها فيحدث الطغيان، حيث يعد كلا التقديرين حينها البخس والطغيان شططين. بينما يقع حسن التقدير في منزلة وسط بين الشططين، بان توضع الأشياء في مواضعها، فيكون العدل والقسط بتقدير الأشياء بقدرها. فكانت الحكمة بهذا المعنى هي الاعتبار والتأويل، حيث تقول العرب ((عبر الدراهم أي وزنها))، وذلك ما يمكن الاستدل عليه قرآنيا من خلال رد قوله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب)269/2، الى النظير المفسر: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3، فـ(الحكمة) في الخطاب الأول يفسرها الخطاب النظير بوجه يتحدد في (التأويل)، فكانت الحكمة هي العلم بتأويل آيات الكتاب. يضاف على ذلك، اننا يمكن ان نفهم عبارة (يعلمهم الكتاب ...) من خلال (ولا يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم) وهو ما يخولنا القراءة: (يعلمهم [تأويل] الكتاب والحكمة ويزكيهم)، فكان الرسول، وكما يحكي ذلك الواقع التاريخي، مطالبا ان يعلمهم كيفية التأويل الذي هو الحكمة التي تضم قواعد اجرائية في الاستنباط تكفل الفقه، كما مطالب ان يعلمهم كيف يصبحون أزكيا من خلال منهجة تفكيرهم بعلم الحكمة، (:علم التأويل)، الذي هو قواعد ضبط فاعلية العقل في التقدير والتفكير، وهو ما حدث بدلالة كل الشواهد التي تشكل أبعاد المشهد التاريخي، الذي عاينا معالمه في الكتاب الأول: (التأويل: منهج الاستنباط في الإسلام).

وهكذا، وفي ظل علم التأويل المنهجي الطابع تكشفت معالم الأمر (اقرأ) الذي اقتبس منه الكتاب النازل اسمه فسمي قرآنا، واخذ يروج ويشتهر بهذا الاسم، باعتبار ان هذه التسيمة كان لها واقعها القائم على الأرض والمتجلي بكثرة قراءة المسلمين للكتاب، ولتعلق الفقه بتعديد أوجه خطاب الكتاب بتعديد قراءاته. فصار تعليم الكتاب هو تعليم تصريف وجوه خطابه، وتعديد قراءات نصوصه. وذلك بتصريف مكونات الخطاب الإشارية على وجوه تأويلا، ليمثل كل وجه منها قراءة. وبذلك عدد الرسول قراءة خطابات الكتاب، فكان يقرئ كل فريق من المتفقهين المتحلقين من حوله، والذين يتمايزون في واقات تلقيهم العلم عنه، يقرئ كل فريق منهم خطاب السورة الواحدة بقراءة غير التي يقرئها للفريق الأخر. وهكذا علم المتفقهين بين يديه كيف يعددون ويصرفون وجوه خطابات الوحي. فصار الخطاب القرآني المتمثل في آية او نسق من الآيات، (السورة)، يمكن ان يجد لذاك الخطاب عدة قراءات، كل قراءة تصرفه على وجه له موضوعه الذي يتمركز حوله، او ان الوجوه التي يتصرف لها الخطاب تتكامل في إطار الموضوع المبحوث، فيهدف الوجه او مركب الوجوه المستنبطة الى بيان رؤى وبصائر الوحي التفصيلية في ذلك الموضوع، قيد الدراسة، والذي قد ينتمي الى أي حقل من حقول المعرفة، او يتعلق بأي مسألة من مسائل الحياة على اختلافها..

إلا ان العملية التعليمية التي أطلقها الرسول لم تكن انهاضا على المستوى الفكري والمنطقي الصرف، باعتبار ان نظرية الإسلام في المعرفة التي أرساها ووصفها القرآن تقوم على أساس من قاعدة نفسية، يدل عليها الأمر الإلهي الملازم بين التعليم والتزكية، بل المقدم للتزكية على التعليم في موضعين من ثلاث مواضع: (ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة)151/2، مما يكشف أن شرط التزكية الداخلية والتطهر النفسي هو المقدمة الضرورية لبروز علم الانسان النابع من ذاته، دون حاجة الى التعلم المعتاد القائم على التلقي والاكتساب بعد ذلك. صحيح ان العملية تبدأ بالتعليم المكتسب عبر التلقي، إلا ان هذا التلقي يعلم كيف يزكي المتلقي نفسه. فاذا ما وصل الى مستوى من التزكية تحولت التزكية إلى سبب للعلم، مما يكشف عن وجود علاقة اعتماد متبادلة بين العلم والتزكية، فالعلم يولد التزكية، والتزكية تولد العلم. او بعبارة اخرى، العلم تكمن في داخله التزكية، والتزكية يكمن في داخلها العلم...

ويمكن التدليل على ذلك قرآنيا من خلال تصريف الخطاب قيد البحث لاكتشاف كيف يؤول التطهر الى العلم بالتأويل، حيث يتكشف ان توظيف علم التأويل في مجال النفس الإنسانية ينتج عنه تحوله إلى علم للنفس، فعندما ننظر في قوله تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)129/2، نجد ان التزكية يتعين مفهومها في (التطهر)، يدل على ذلك التلازم بين التزكي والتطهر في قوله تعالى: (ذلكم أزكى لكم وأطهر)232/2، فالتزكي هو التطهر ذاته بلا فرق، ثم بتتبع النظائر نلاحظ ان (التطهر) يتلازم مع (تمام النعمة) من جهة: (يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)6/5، كما تتلازم (تمام النعمة) مع (علم التأويل) من جهة أخرى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك)6/12، وهذا ما يجعل التناظر في (تمام النعمة)، يترتب عليه تفسير (التطهر) بتعلّم علم التأويل. بناء على ذلك نستنبط تعريفا للتزكية يتلخص في كونها عملية تستند الى توظيف إجراءات علم التأويل للتعرف على مكونات النفس الإنسانية بهدف تطهيرها، وهو ما ينتج عنه الاصطفاء والاجتباء وتحقيق تمام النعمة.

وبناء على هذا الدور التعليمي والتزكوي، والذي يستند فيه التعليم على أساس نفسي، يؤول فيه العلم الى التزكية، وعلم التأويل إلى علم النفس، يجعل شعار الرسول: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمه))([i])، فيه يعد العلم المفروض هو علم التأويل الذي يتفصل به الكتاب بصورة يخرج فيها من الإجمال والغموض إلى التفصيل والتبيين، كما يقرر هذه الفكرة قوله تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟)52-53/7، إلا ان هذه العلم لم يكن علما يقوم في دائرة فقه الكتاب، ويقتصر على تحديد قواعد الاستنباط منه، بل هو العلم المؤسس لعلم النفس أساسه، هذا ما تنصرف اليه عبارة الرسول الآنفة، كما يطالعنا بهذه القراءة التأويلية او التصريفية للنص النبوي الإمام الصادق الذي يعد الوصي السادس من أوصياء الرسول الإثني عشر، والذي يطالب الرواة أن يرفعوا كل ما يحدثهم به الى الرسول، فهو الذي يصرح بالحقيقة المتقدمة بصورة لا تقبل اللبس او الجدال عندما يقول: ((قال رسول الله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمه، وهو علم الأنفس))([ii])، فالعلم المفروض طلبه على كل المسلمين، الذي تحدد فيما تقدم بعلم التأويل، هاهو يلحظ باعتباره علم النفس الذي يمثل منهجا لتزكية النفس وتطهيرها من الدنس، فكشف ان الهدف من نشر علم التأويل تحقيق غايتين فقه كتاب القرآن من جهة، وفقه النفس البشرية بهدف تزكيتها من جهة أخرى. مما يعني ان قوله تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)129/2، يقيم (النفس) في ظل التأويل مقام (الكتاب)، بحيث تغدو الإجراءات التأويلية المطبقة بهدف فقه الكتاب هي الإجراءات عينها التي تطبق لفقه كتاب النفس الانسانية، وكشف خباياها واسرارها، والتعرف على سنن الحاكمة لعملها، والشروط الضابطة لمفاعليها. فهذا يجعل النفس بمثابة الكتاب، او وجه من وجوهه، لذلك يجري عليها منهج فقه الكتاب ذاته. وهو الوعي الذي يعكسه الإمام علي بن ابي طالب(ع) من خلال أبيات الشعر الذي يؤول فيها النفس بالـ (كتاب)، ويشير الى ان التعاطي مع الكتاب الذي تمثله هنا النفس البشرية، يقوم على تأويل المكونات الظاهرة منها، للكشف عن مضمراتها الباطنة، وهو ما تعكسه هذه الابيات ([iii]):

 

 دواؤك فيـك وما تشعر      وداؤك منك وما تنـظر

    تحسب أنك جرم صغير       وفيك انطوى العالم الأكبر

وأنت الكتاب المبين الذي      بأحرفه يظهر المضمـر

             فلا حاجة لك في خارج        يخبر عنك بما ســـطر            

     

فهذه الأبيات تعكس طبيعة فهم النفس الإنسانية في ظل فكرة التأويل، فهي ترى ان النفس الإنسانية او الإنسان هو كتاب، بمثابة كتاب القرآن، وان علم التأويل الذي يصرف آيات الكتاب ويخرج مخزونها الباطن، هو ذاته علم النفس الذي يؤول الآيات التي يتألف منها نسق النفس ويخرج مضمراتها. فالإنسان حسب الأبيات هو بمثابة كتاب يتكون من أسطر تتكون من حروف، تلك الحروف تتمثل في كل ما يصدر عن الشاكلة (: الشخصية) من أقوال وسلوكيات ومواقف ومشاعر، ينظر إليها باعتبارها آيات، تأويلها يكشف عما تضمره النفس في داخلها وما تحويه في باطنها من حقائق وأسرار. وعلى هذا يصادق الإمام علي (ع) عندما يقول: ((ما أضمر احد شيئا الا ظهر على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، [وسقطات أفعاله]))([iv])، فيتضح ان بهذه الطريقة الإجرائية التي تعتمد التأويل منهجا يمكن للإنسان ان يكتشف إمراضه النفسية الناتجة عن مضمراته، وبهذه الطريقة يعالجها، ليترتب على ذلك محصل يفيد ان داء الإنسان الممرض له منه، ودواءه المشفي له فيه، وان كان هذا المحصل يقع خارج إطار إدراك ووعي اغلب الناس. وبناء على ذلك، فان ليس الإنسان مفتقرا إلى ما يقع خارج ذاته ليخبره عنها، بعد ان تحولت شاكلته إلى كتاب ناطق يشاكل كتاب الله الناطق في ظل الفهم الموظف لمنهج التأويل في التعاطي مع الكتاب: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45....

وكما عرفناه في (نظرية المعرفة) بالطرح المتناول في غير هذا الموضع(*)، ان النسق القرآني تحت مظلة التأويل هو مثال أريد به أن يكون مرادفا لنسق الكون من جهة، ولنسق اللغة من جهة ثانية، ولنسق الفكر من جهة ثالثة، بحيث تكون هذه الأنساق حضورا اخر للقرآن، ووجوها إضافية يتصرف اليها الكتاب. وهذا ما يجعل الإنسان الذي هو جزء من مكونات الوجود، وآية في كتاب الكون، في ظل قابلية الآية على التصرف لتستوعب الكتاب كله في مخزونها وفي داخلها، كما يمكن ان نجد تطبيق ذلك في الحبة التي تختزن في داخلها الشجرة، كما يمكن ملاحظة هذه الظاهرة تتكرر مع غصين الشجرة، عندما يفصل من الأصل ويغرس في الأرض. فمن شأن البناء على ذلك تأويل آية الإنسان بالكون، كما قرر ذلك الإمام علي عندما قال: ((فيك انطوى العالم الأكبر))، كما يمكن تأويل الإنسان بالكتاب ذاته، كما يعزز ذلك الإمام علي(ع): ((وأنت الكتاب المبين)). ليترتب على ذلك، ان علم التأويل يسمى بـ (علم النفس) عندما يتظاهر في ميدان النفس، ليكون عليه المعول في فقه أسرار النفس الإنسانية، كما إن علم التأويل هو منهج فقه الكتاب، والكون، والعقل، وبذلك يكون هو الطريق الموحد بين كل هذه الأنساق. والمهم هنا، تعرفنا على طرح الإسلام له باعتباره هو الطريق إلى اكتشاف مجاهيل النفس الإنسانية والكشف عن أسرارها وخفاياها وخباياها ...

بناء على ذلك، يمكننا إعادة ترتيب تصورنا عن المشهد التعليمي الأول، الذي قام في صدر الإسلام، قبل التقدم به إلى الأمام لتقصي بقية أبعاده التي ينتهي إليها. حيث لما وضع الرسول حجر أساس مشروع التعليم والتزكية برفع شعار: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمه))، فان التعليم تركز على علم التأويل، فصار في الوقت الذي تطبق إجراءات التأويل من اجل فقه الكتاب، في الوقت ذاته أريد أن تطرد تلك الإجراءات لتطبق من أجل فقه النفس الإنسانية. في الوقت عينه الذي أريد لهذه الإجراءات، أيضا، ان تطبق بحذافيرها من اجل فقه الكون، الذي ما النفس إلا آية من آيات نسقه، وهي تختزل الكون في ذاتها، كبقية آياته. وهذا من شأنه أن يكشف ان ثمة عدة أهداف أرد الإسلام إنجازها من خلال نشر العلم بالتأويل. فلم يكن التأويل تلك العمليات الإجرائية البسيطة والمحدودة، فثوريته على الصعيد الفكري تتظاهر عندما نتصور استحواذه الأخطبوطي على عناوين المعرفة واستتباعه لحقول الحياة المختلفة، (:الكتاب، اللغة، المنطق، النفس، الكون)، لما للتأويل من قدرة وأثر بالغ على الفكر في استيعابه وفهمه لأسرار الحياة، ومعرفته لخبايا المعرفة، واكتشافه لمجاهيل الوجود ..

 

  

 


 

*  انظر كتابنا (التأويل) فصل: نظرية المعرفة


 

([i]) الكافي، الكافي، 1/30.

([ii]) مصباح الشريعة، 22. محمد باقر المجلسي، بحار الانوار:  67/68.    

([iii]) ديوان ‏الإمام ‏علي : 179

([iv])  محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، 72/204.